Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
Ан-Наджм 53:39–41
53:39–41Страница 527
وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩
Человек получит только то, к чему он стремился.
وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ ٤٠
Его устремления будут увидены,
ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ ٤١
а затем он получит воздаяние сполна.
(فصل)
قال أحمد في الرجل يعمل الخير ويجعل النصف لأبيه أو لأمه؟
"أرجو"
وقال: "الميت يصل إليه كل شيء من الخير لما روي عن النبي ﷺ أنه قال:
"إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم مع صومك، وأن تتصدق لهما مع صدقتك" انتهى.
ولا يشترط تسمية المهدى إليه باسمه بل يكفي النية.
نص عليه في رواية ابنه عبد الله لا بأس أن يحج عن الرجل ولا يسميه.
[فصل: وصول ثواب الصدقة]
وأما وصول ثواب الصدقة (ففي الصحيحين) عن عائشة رضي اللّه عنها أن رجلا أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه إن أمي افتلتت نفسها «١» ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟
قال: «نعم» «٢».
وفي صحيح البخاري: عن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها- فأتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم- فقال: يا رسول اللّه: إن أمي توفيت وأنا غائب عنها أينفعها إن تصدقت به عنها؟ قال:
} «نعم»، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها} «٣».
وفي صحيح مسلم: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ أبِي ماتَ وتَرَكَ مالًا، ولَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أنْ أتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قالَ: «نَعَمْ».
وفي السنن ومسند أحمد عن سعد بن عبادة أنه قال: يا رسول اللّه إن أم سعد ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال: «الماء» فحفر بئرا وقال: هذه لأم سعد.
وعن: عبد اللّه بن عمرو أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر خمسة وخمسين، وأن عمرا سأل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ذلك فقال: «أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك». رواه الإمام أحمد.
[فصل: وصول ثواب الصوم]
وأما وصول ثواب الصوم (ففي الصحيحين) عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» «١».
(وفي الصحيحين) أيضا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين أكنت قاضيه»؟
قال: نعم «٢» قال: «نعم فدين اللّه أحق أن يقضى» «٣».
وفي رواية: جاءت امرأة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالت:
يا رسول اللّه إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟
قال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها»؟ قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمك».
وهذا اللفظ للبخاري وحده تعليقا} «٤».
وعن بريدة رضي اللّه عنه: قال: بينما أنا جالس عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذ أتته امرأة فقال: إني تصدقت على أمي بجارية وأنها ماتت؟
فقال: «وجب أجرك} «٥» وردها عليك الميراث» قالت: يا رسول اللّه أنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها»، قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها». رواه مسلم. وفي لفظ: صوم شهرين.
وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها اللّه أن تصوم شهرا، فنجاها اللّه فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فأمرها أن تصوم عنها.
رواه أهل السنن والإمام أحمد.
وكذلك روي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم وصول ثواب بدل الصوم وهو الإطعام.
ففي السنن عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا».
رواه الترمذي وابن ماجه. قال الترمذي: ولا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه والصحيح عن ابن عمر من قوله موقوفا} «١».
وفي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: إذا مرض الرجل في رمضان ولم يصم أطعم عنه ولم يكن عنه قضاء، وإن كان عليه «٢» نذر قضى عنه وليه «٣».
[فصل: وصول ثواب الحج]
وأما وصول ثواب الحج ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟
قال: «حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا اللّه، فاللّه أحق بالقضاء» «٤».
وقد تقدم حديث بريدة وفيه أن أمي لم تحج أفأحج عنها؟ قال حجي عنها.
وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: أمرت «٥» امرأة سنان بن سلمة
الجهني أن يسأل «١» رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن أمها ماتت ولم تحج، أفيجزئ أن تحج عنها؟
قال: «نعم لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يجزئ عنها فلتحج عن أمها «٢». رواه النسائي «٣».
وروي أيضا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن امرأة سألت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن أبيها «٤» مات ولم يحج قال: «حجي عن أبيك» «٥».
وروي أيضا عنه قال: قال رجل: يا رسول اللّه إن أبي مات ولم يحج أفأحج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه»؟ قال: نعم، قال: «فدين اللّه أحق» «٦». وأجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمته ولو كان من أجنبي أو من غير تركته، وقد دل عليه حديث أبي قتادة حيث ضمن الدينارين عن الميت، فلما قضاهما قال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «الآن بردت جلدته».
وأجمعوا على أن الحي إذا كان له في ذمة الميت حق من الحقوق فأحله منه أن ينفعه ويبرأ منه كما يسقط من ذمة الحي.
فإذا سقط من ذمة الحي بالنص والإجماع مع إمكان أدائه له بنفسه، ولو لم يرض به بل رده، فسقوطه من ذمة الميت بالإبراء حيث لا يتمكن من أدائه أولى وأحرى، وإذا انتفع بالإبراء والإسقاط فكذلك ينتفع بالهبة والإهداء. ولا فرق بينهما، فإن ثواب العمل حق المهدي الواهب فإذا جعله للميت انتقل إليه، كما أن ما على الميت من الحقوق من الدين وغيره وهو محض حق الحي فإذا أبرأه وصل الابراء إليه وسقط من ذمته فكلاهما حق للحي، فأي نص أو قياس أو قاعدة من قواعد الشرع يوجب وصول أحدهما ويمنع وصول الآخر.
هذه النصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحي عنه، وهذا محض القياس، فإن الثواب حق للعامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك، كما لم يمنع من هبة ماله في حياته وإبرائه له من بعد موته.
وقد نبه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بوصول ثواب الصوم الذي هو مجرد ترك ونية تقوم بالقلب لا يطلع عليه إلا اللّه وليس بعمل الجوارح، وعلى وصول ثواب القراءة التي هي عمل باللسان تسمعه الأذن وتراه العين بطريق الأولى.
ويوضحه أن الصوم نية محضة وكف النفس عن المفطرات، وقد أوصل اللّه ثوابه إلى الميت، فكيف بالقراءة التي هي عمل ونية بل لا تفتقر إلى النية، فوصول ثواب الصوم إلى الميت فيه تنبيه على وصول سائر الأعمال.
والعبادات قسمان: مالية، وبدنية. وقد نبّه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول ثواب سائر العبادات المالية، ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول سائر العبادات البدنية، وأخبر بوصول ثواب الحج المركب من المالية والبدنية، فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنص والاعتبار وباللّه التوفيق.
(أدلة المانعين)
قال المانعون من الوصول قال اللّه تعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ «١» وقال: ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} «٢» وقال: لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ} «٣». وقد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعد} «٤». فأخبر أنه إنما ينتفع بما كان تسبب إليه في الحياة وما لم يكن قد تسبب إليه فهو منقطع عنه.
وأيضا فحديث أبي هريرة رضي اللّه عنه المتقدم وهو قوله:
«إن مما يلحق الميت من عمله وحسناته بعد موته علما نشره». فالحديث يدل على أنه إنما ينتفع بما كان قد تسبب فيه.
وكذلك حديث أنس يرفعه: «سبع يجري على العبد أجرهم وهو في قبره بعد موته: من علّم علما، أو أكرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورث مصحفا، أو ترك ولدا صالحا يستغفر له بعد موته».
وهذا يدل على أن ما عدا ذلك لا يحصل له منه ثواب وإلا لم يكن لحصر معنى.
قالوا: والإهداء حوالة، والحوالة إنما تكون بحق لازم، والأعمال لا توجب الثواب، وإنما هو مجرد تفضل اللّه وإحسانه، فكيف يحيل العبد على مجرد الفضل الذي لا يجب على اللّه، بل إن شاء آتاه وإن لم يشأ لم يؤته، وهو نظير حوالة الفقير على من يرجو أن يتصدق عليه، ومثل هذا لا يصح إهداؤه وهبته، كصلة ترجى من ملك لا يتحقق حصولها.
قالوا: وأيضا فالإيثار بأسباب الثواب مكروه، وهو الإيثار بالقرب، فكيف الإيثار بنفس الثواب الذي هو غاية، فإذا كره الإيثار بالوسيلة فالغاية أولى وأحرى.
وكذلك كره الإمام أحمد التأخر عن الصف الأول، وإيثار القبر به، لما فيه من الرغبة عن سبب الثواب.
قال أحمد في رواية حنبل: وقد سئل عن الرجل يتأخر عن الصف الأول ويقدم أباه في موضعه قال: ما يعجبني، يقدر أن يبر أباه بغير هذا.
(قالوا) وأيضا لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ نقل الثواب والإهداء إلى الحي. وأيضا لو ساغ ذلك لساغ لهذا نصف الثواب وربعه وقيراط منه.
وأيضا لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه، وقد قلتم: إنه لا بد أن ينوي حال الفعل إهداءه إلى الميت، وإلا لم يصل إليه، فإذا ساغ له نقل الثواب فأي فرق بين أن ينوي قبل الفعل أو بعده.
وأيضا لو ساغ الإهداء أساغ إهداء ثواب الواجبات على الحي، كما يسوغ إهداء ثواب التطوعات التي يتطوع بها.
قالوا: وإن التكاليف امتحان وابتلاء لا تقبل البدل، فإن المقصود منها عين المكلف العامل المأمور المنهي، فلا يبدل المكلف الممتحن بغيره، ولا ينوب غيره في ذلك، إذ المقصود طاعته هو نفسه وعبوديته، ولو كان ينتفع بإهداء غيره له من غير عمل منه لكان أكرم الأكرمين أولى بذلك، وقد حكم سبحانه أنه لا ينتفع إلا بسبعة وهذه سنته تعالى في خلقه وقضاؤه كما هي سنته في أمره وشرعه، فإن المريض لا ينوب عنه غيره في شراب الدواء، والجائع والظمآن والعاري لا ينوب عنه غيره في الأكل والشرب واللباس، قالوا: ولو نفعه عمل غيره لنفعه توبته عنه.
قالوا: ولهذا لا يقبل اللّه إسلام أحد عن أحد ولا صرته عن صرته فإذا كان رأس العبادات لا يصح إهداء ثوابه فكيف فروعها.
قال: وأما الدعاء فهو سؤال ورغبة إلى اللّه أن يتفضل على الميت ويسامحه ويعفو عنه، وهذا إهداء ثواب عمل الحي إليه.
قال المقتصرون على وصول العبادات التي تدخلها النيابة كالصدقة والحج والعبادات نوعان:
نوع لا تدخله النيابة بحال، كالإسلام والصلاة وقراءة القرآن والصيام، فهذا النوع يختص ثوابه بفاعله لا يتعداه ولا ينقل عنه، كما أنه في الحياة لا يفعله أحد عن أحد، ولا ينوب فيه عن فاعله غيره.
ونوع تدخله النيابة كرد الودائع وأداء الديون وإخراج الصدقة والحج، فهذا يصل ثوابه إلى الميت، لأنه يقبل النيابة ويفعله العبد عن غيره في حياته، فبعد موته بالطريق الأولى والأخرى.
قالوا: وأما حديث من مات وعليه صيام صام عنه وليه. فجوابه من وجوه:
أحدهما: ما قاله مالك في موطئه قال: لا يصوم أحد عن أحد، قال: وهو أمر مجمع عليه عندنا لا خلاف فيه.
الثاني: إن ابن عباس رضي اللّه عنهما هو الذي روى حديث الصوم عن الميت، وقد روى عنه النسائي:
(أخبرنا) محمد بن عبد الأعلى، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حجاج الأحوال، حدثنا أيوب بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: «لا يصلي أحد عن أحد».
الثالث: أنه حديث اختلف في إسناده هكذا قال صاحب المفهم في شرح مسلم.
الرابع: أنه معارض بنص القرآن كما تقدم من قوله تعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾
الخامس: أنه معارض بما رواه النسائي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة».
السادس: أنه معارض بحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «من مات وعليه صوم رمضان يطعم عنه».
السابع: أنه معارض بالقياس الجلي عن الصلاة والإسلام والتوبة فإن أحدا لا يفعلها عن أحد.
قال الشافعي فيما تكلم به على خبر ابن عباس لم يسم ابن عباس: ما كان نذر أم سعد، فاحتمل أن يكون نذر حج أو عمرة أو صدقة فأمره بقضائه عنها، فأما من نذر صلاة أو صياما ثم مات فإنه يكفر عنه في الصوم ولا يصام عنه ولا يصلى عنه ولا يكفر عنه في الصلاة ثم قال: فإن قيل أفروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه أمر أحدا أن يصوم عن أحد؟ قيل: نعم، روى ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم. فإن قيل: فلم لا تأخذ به؟ قيل:
حديث الزهري عن عبيد اللّه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نذرا ولم يسمه مع حفظ الزهري وطول مجالسة عبيد اللّه لابن عباس، فلما جاء غيره عن رجل عن ابن عباس بغير ما في حديث عبيد اللّه أشبه أن لا يكون محفوظا.
فإن قيل: فتعرف الرجل الذي جاء بهذا الحديث، فغلط عن ابن عباس، قيل نعم: روى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس أنه قال لابن الزبير: أن الزبير حل من متعة الحج، فروى هذا عن ابن عباس أنها متعة للنساء، وهذا غلط فاحش.
فهذا الجواب عن فعل الصوم. وأما فعل الحج فإنما يصل منه ثواب الإنفاق، وأما أفعال المناسك فهي كأفعال الصلاة إنما تقع فاعلها.
(قال) أصحاب الوصول: ليس في شيء مما ذكرتم ما يعارض أدلة الكتاب والسنّة، واتفاق سلف الأمة، ومقتضى قواعد الشرح، ونحن نجيب عن كل ما ذكرتموه بالعدل والإنصاف.
أما قوله تعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾
فقد اختلفت طرق الناس في المراد بالآية. فقالت طائفة المراد بالإنسان هاهنا الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له بالأدلة التي ذكرناها. قالوا وغاية ما في هذا التخصيص وهو جائز إذ دل عليه الدليل.
وهذا الجواب ضعيف جدا ومثل هذا العام لا يراد به الكافر وحده بل هو المسلم والكافر وهو كالعام الذي قبله وهو قوله تعالى ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى}.
والسياق كله من أوله إلى آخره كالصريح في إرادة العموم لقوله تعالى: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾
وهذا يعم الشر والخير قطعا، ويتناول البر والفاجر، والمؤمن والكافر، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
وكقوله في الحديث الإلهي: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» وهو كقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾
ولا تغتر بقول كثير من المفسرين في لفظ الإنسان في القرآن، الإنسان هاهنا أبو جهل، والإنسان هاهنا عقبة ابن أبي معيط، والإنسان هاهنا الوليد بن المغيرة، فالقرآن أجل من ذلك، بل الإنسان هو الإنسان من حيث هو من غير اختصاص بواحد بعينه، كقوله تعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ و ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وإنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا} و ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى. أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ و (إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ} ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ فهذا شأن الإنسان من حيث ذاته ونفسه، وخروجه عن هذه الصفات بفضل ربه وتوفيقه له ومنته عليه، لا من ذاته، فليس له من ذاته إلا هذه الصفات، وما به من نعمة فمن اللّه وحده، فهو الذي حبب إلى عبده الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، وهو الذي كتب في قلبه الإيمان، وهو الذي يثبت أنبيائه ورسله وأولياءه على دينه، وهو الذي يصرف عنهم السوء والفحشاء.
وكان يرتجز بين يدي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم:
؎واللّه لو لا اللّه ما اهتدينا ∗∗∗ ولا تصدقنا ولا صلينا} «١»
وقد قال تعالى: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾
وقال تعالى وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ}.
﴿وما تَشاؤُنَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ فهو رب جميع العالم ربوبية شاملة لجميع ما في العالم من ذوات وأفعال وأحوال.
وقالت طائفة: الآية إخبار بشرع من قبلنا، وقد دل شرعنا على أنه له ما سعى وما سعى له، وهذا أيضا أضعف من الأول أو من جنسه، فإن اللّه سبحانه أخبر بذلك إخبار مقرر له محتج به، لا إخبار مبطل له، ولهذا قال أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى}
فلو كان هذا باطلا في هذه الشريعة يخبر به إخبار مقرر له محتج به.
وقالت طائفة: اللام بمعنى على، أي: وليس على الإنسان إلا ما سعى.
وهذا أبطل من القولين الأولين، فإنه قلب موضوع الكلام إلى ضد معناه المفهوم منه، ولا يسوغ مثل هذا ولا تحتمله اللغة، وأما نحو: (ولهم اللعنة) فهي على بابها، أي نصيبهم وحظهم وأما أن العرب تعرف في لغاتها: لي درهم بمعنى علي درهم فكلا.
وقالت طائفة في الكلام حذف تقديره: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ أو سُعي له وهذا أيضا من النمط الأول، فإنه حذف ما لا يدل السياق عليه بوجه وقول على اللّه وكتابه بلا علم.
وقالت طائفة أخرى: الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾
وهذا منقول عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، وهذا ضعيف أيضا، ولا يرفع حكم الآية بمجرد قول ابن عباس رضي اللّه عنهما ولا غيره أنها منسوخة، والجمع بين الآيتين غير متعذر ولا ممتنع، فإن الأبناء تبعوا الآباء في الآخرة كما كانوا تبعا لهم في الدنيا، وهذه التبعية هي من كرامة الآباء وثوابهم الذي نالوه بسعيهم، وأما كون الأبناء لحقوا بهم في الدرجة بلا سعي منهم، فهذا ليس هو لهم، وإنما هو للآباء، أقر اللّه أعينهم بإلحاق ذريتهم بهم في الجنة، وتفضل على الأبناء بشيء لم يكن لهم، كما تفضل بذلك على الولدان، والحور العين، والخلق الذين ينشئهم للجنة بغير أعمال، والقوم الذين يدخلهم الجنة بلا خير قدموه ولا عمل عملوه، فقوله تعالى: ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾
وقوله: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾
آيتان محكمتان يقتضيهما عدل الرب تعالى وحكمته وكماله المقدس، والعقل والفطرة شاهدان بهما، فالأول يقتضي أنه لا يعاقب بجرم غيره، والثانية يقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله وسعيه، فالأولى تؤمن العبد من أخذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا، والثانية تقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، فتأمل حسن اجتماع هاتين الآيتين.
ونظيره قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
فحكم سبحانه لأعدائه بأربعة أحكام هي غاية العدل والحكمة:
أحدها: إن هدى العباد بالإيمان والعمل الصالح لنفسه لا لغيره.
الثاني: إن ضلاله بفوات ذلك وتخلفه عنه على نفسه لا على غيره.
الثالث: أن أحدا لا يؤاخذ بجريرة غيره.
الرابع: أنه لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه برسله، فتأمل ما في ضمن هذه الأحكام الأربعة من حكمته تعالى وعدله وفضله، والرد على أهل الغرور والأطماع الكاذبة، وعلى أهل الجهل باللّه وأسمائه وصفاته.
قالت طائفة أخرى: المراد بالإنسان هاهنا الحي دون الميت، وهذا أيضا من النمط الأول في الفساد.
وهذا كله من سوء التصرف في اللفظ العام، وصاحب هذا التصرف لا ينقذ تصرفه في دلالات الألفاظ وحملها على خلاف موضوعها، وما يتبادر إلى الذهن منها، وهو تصرف فاسد قطعا يبطله السياق والاعتبار وقواعد الشرع وأدلته وعرفه، وسبب هذا التصرف السيئ أن صاحبه يعتقد قولا ثم يرد كلما دل على خلافه بأي طريق اتفقت له، فالأدلة المخالفة لما اعتقده عنده من باب الصائل لا يبالي بأي شيء دفعه، وأدلة الحق لا تتعارض ولا تتناقض بل يصدق بعضها بعضا.
وقالت طائفة أخرى: وهو جواب أبي الوفاء بن عقيل قال: الجواب الجيد عندي أن يقال: الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس، فترحموا عليه وأهدوا له العبادات، وكان كذلك أثر سعيه، كما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه».
ويدل عليه قوله في الحديث الآخر:
} «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به من بعده، وصدقة جارية عليه، أو ولد صالح يدعو له».
ومن هنا قول الشافعي: إذا بذل له ولده طاعة الحج كان ذلك سببا لوجوب الحج عليه، حتى كأنه في ماله زاد وراحلة، بخلاف بذل الأجنبي.
وهذا جواب متوسط يحتاج إلى تمام، فإن العبد بإيمانه وطاعته للّه ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين من عمله، كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله، فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها، كالصلاة في جماعة، فإن كل واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفا لمشاركة غيره له في الصلاة، فعمل غيره كان سببا لزيادة أجره، كما أن عمله سبب لزيادة أجر الآخر، بل قد قيل: إن الصلاة يضاعف ثوابها بعود المصلين، وكذلك اشتراكهم في الجهاد والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه} «١».
ومعلوم أن هذا بأمور الدين أولى منه بأمور الدنيا، فدخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم. وقد أخبر اللّه سبحانه عن حملة العرش ومن حوله أنهم يستغفرون للمؤمنين ويدعون لهم. وأخبر عن دعاء رسله واستغفارهم للمؤمنين كنوح وإبراهيم ومحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ..
فالعبد بإيمانه قد تسبب إلى وصول هذا الدعاء إليه فكأنه من سعيه. يوضحه أن اللّه سبحانه جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه، وقد دل على ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمرو بن العاص: «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد نفعه ذلك» يعني العتق الذي فعل عنه بعد موته. فلو أتى بالسبب لكان قد سعى في عمل يوصل إليه ثواب العتق. وهذه طريقة لطيفة حسنة جدا.
وقالت طائفة أخرى: القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى، وكان شيخنا يختار هذه الطريقة ويرجحها.
[فصل: نفي عقوبة العبد بعمل غيره]
وكذلك قوله تعالى ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾
وقوله ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
على أن هذه الآية أصرح في الدلالة على أن سياقها إنما ينفي عقوبة العبد بعمل غيره وأخذه بجريرته، فإن اللّه سبحانه قال فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
فنفى أن يظلم بأن يزاد عليه في سيئاته أو ينقص من حسناته أو يعاقب بعمل غيره، ولم ينف أن ينتف بعمل غيره، ولا على وجه الجزاء، فإن انتفاعه بما يهدي إليه ليس جزاء على عمله، وإنما هي صدقة تصدق اللّه بها عليه وتفضل بها عليه من غير سعي منه، بل وهبه ذلك على يد بعض عباده لا على وجه الجزاء.
[فصل: الرد على الاستدلال بانقطاع العمل]
وأما استدلالكم بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إذا مات العبد انقطع عمله» فاستدلال ساقط، فإنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يقل: انقطع انتفاعه، وإنما أخبر عن انقطاع عمله، وأما عمل غيره فهو لعامله، فإن وهبه له فقد وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله، فالمنقطع شيء والواصل إليه شيء آخر، وكذلك الحديث الآخر وهو قوله: «إن مما يلحق الميت من حسناته وعمله» فلا ينفي أن يلحقه غير ذلك من عمل غيره وحسناته.
[فصل: الرد على أن الإهداء حوالة]
وأما قولكم الإهداء حوالة، والحوالة إنما تكون بحق لازم، فهذه حوالة المخلوق على المخلوق.
وأما حوالة المخلوق على الخالق فأمر آخر لا يصح قياسها على حوالة العبيد بعضهم على بعض، وهل هذا إلا من أبطل القياس وأفسده، والذي يبطله إجماع الأمة على انتفاعه بأداء دينه وما عليه من الحقوق، وإبراء المستحق لذمته والصدقة والحج عنه، والنص الذي لا سبيل إلى رده ودفعه، وكذلك الصوم، وهذه الأقيسة الفاسدة لا تعارض نصوص الشرع وقواعده.
[فصل: الرد على من قال أن الإيثار مكروه]
وأما قولكم الإيثار بسبب الثواب مكروه وهو مسألة للإيثار بالقرب، فكيف الإيثار بنفس الثواب الذي هو الغاية، فقد أجيب عنه بأجوبة:
أحدها: إن حال الحياة حال لا يوثق فيها بسلامة العاقبة، لجواز أن يرتد الحي، فيكون قد آثر بالقربة غير أهلها، وهذا قد آمن بالموت.
فإن قيل: والمهدى إليه أيضا، قد لا يكون مات على الإسلام باطنا فلا ينتفع بما يهدي إليه، وهذا سؤال في غاية البطلان، فإن الإهداء له من جنس الصلاة عليه، والاستغفار له، والدعاء له، فإن كان أهلا وإلا انتفع به الداعي وحده.
الجواب الثاني: إن الإيثار بالقرب يدل على قلة الرغبة فيها، والتأخر عن فعلها، فلو ساغ الإيثار بها لأفضى إلى التقاعد والتكاسل والتأخر، بخلاف إهداء
ثوابها فإن العامل يحرص عليها لأجل ثوابها لينتفع به أو ينفع به أخاه المسلم فبينهما فرق ظاهر.
الجواب الثالث: إن اللّه سبحانه يحب المبادرة والمسارعة إلى خدمته والتنافس فيها، فإن ذلك أبلغ في العبودية، فإن الملوك تحب المسارعة والمنافسة في طاعتها وخدمتها، فالإيثار بذلك مناف لمقصود العبودية، فإن اللّه سبحانه أمر عبده بهذه القربة إما إيجابا وإما استحبابا، فإذا آثر بها ترك ما أمره وولاه غيره، بخلاف ما إذا فعل ما أمر به طاعة وقربة ثم أرسل ثوابه إلى أخيه المسلم وقد قال تعالى: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾
وقال: فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ}
ومعلوم أن الإيثار بها ينافي الاستباق إليها والمسارعة.
وقد كان الصحابة يسابق بعضهم بعضا بالقرب، ولا يؤثر الرجل منهم غيره بها، قال عمر: واللّه ما سابقني أبو بكر إلى خير إلا سبقني إليه- حتى قال: واللّه لا أسابقك إلى خير أبدا.
وقد قال تعالى: ﴿وفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾
يقال: نافست في الشيء منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه على وجه المباراة، ومن هذا قولهم شيء نفيس أي: هو أهل أن ينافس فيه ويرغب فيه، وهذا أنفس ما لي أي أحبه إلي، وأنفسني فلان في كذا، أي أرغبني فيه، وهذا كله ضد الإيثار به والرغبة عنه.
[فصل: الرد على أنه لو ساغ الإهداء للميت لجاز للحي]
وأما قولكم لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ إلى الحي فجوابه من وجهين!
أحدهما: أنه قد ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، قال القاضي: وكلام أحمد لا يقتضي التخصيص بالميت، فإنه قال يفعل الخير ويجعل نصفه لأبيه وأمه لم يفرق. واعترض عليه أبو الوفاء بن عقيل وقال: هذا فيه بعد، وهو تلاعب بالشرع، وتصرف في أمانة اللّه، وإسجال على اللّه سبحانه بثواب على عمل يفعله إلى غيره، وبعد الموت قد جعل لنا طريقا إلى إيصال النفع كالاستغفار والصلاة على الميت.
ثم أورد على نفسه سؤالا وهو فإن قيل: أليس قضاء الدين وتحمل الكل حال الحياة كقضائه بعد الموت فقد استوى ضمان الحياة وضمان الموت في أنهما يزيلان المطالبة عنه، فإذا وصل قضاء الديون بعد الموت وحال الحياة فاجعلوا ثواب الإهداء واصلا حال الحياة بعد الموت.
وأجاب عنه بأنه: لو صح هذا وجب أن تكون الذنوب تكفر عن الحي بتوبة غيره عنه ويندفع عنه مآثم الآخرة بعمل غيره واستغفاره.
قلت: وهذا لا يلزم بل طرد لك انتفاع الحي بدعاء غيره له، واستغفاره له، وتصدقه عنه، وقضاء ديونه، وهذا حق، وقد أذن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في أداء فريضة الحج عن الحي المعضوب والعاجز وهما حيان.
وقد أجاب غيره من الأصحاب بأن حال الحياة لا نثق بسلامة العاقبة خوفا أن يرتد المهدى له فلا ينتفع بما يهدى إليه.
قال ابن عقيل: وهذا عذر باطل بإهداء الحي فإنه لا يؤمن أن يرتد ويموت فيحبط عمله كله ومن جملته ثواب ما أهدي إلى الميت.
قلت: هذا لا يلزمهم، وموارد النص والإجماع تبطله وترده، فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أذن في الحج والصوم عن الميت، وأجمع الناس على براءة ذمته من الدين إذا قضاه عنه الحي مع وجود ما ذكر من الاحتمال.
والجواب أن يقال: ما أهداه من أعمال البر إلى الميت فقد صار ملكا له، فلا يبطل بردة فاعله بعد خروجه عن ملكه، كالتصرفات التي تصرفها قبل الردة من عتق وكفارة، بل لو حج عن معضوب ثم ارتد بعد ذلك لم يلزم المعضوب أن يقيم غيره بحج، فإنه لا يؤمن في الثاني والثالث ذلك.
على أن الفرق بين الحي والميت أن الحي ليس بمحتاج كحاجة الميت إذ يمكنه إن يباشر ذلك العمل أو نظيره، فعليه اكتساب الثواب بنفسه وسعيه بخلاف الميت.
وأيضا فإنه يقضي إلى اتكال بعض الأحياء على بعض، وهذه مفسدة كبيرة، فإن أرباب الأموال إذا فهموا ذلك واستشعروه استأجروا من يفعل ذلك عنهم، فتصير الطاعات معاوضات، وذلك يفضي إلى إسقاط العبادات والنوافل، ويصير ما يتقربه به إلى اللّه يتقرب به إلى الآدميين، فيخرج عن الإخلاص، فلا يحصل الثواب لواحد منهما.
ونحن نمنع من أخذ الأجرة عن كل قربة، ونحبط بأخذ الأجر عليها كالقضاء، والفتيا، وتعليم العلم، والصلاة، وقراءة القرآن وغيرها، فلا يثبت اللّه عليها إلا المخلص الذي أخلص العمل لوجهه، فإذا فعله للأجرة لم يثب عليه الفاعل ولا المستأجر، فلا يليق بمحاسن الشرع أن تجعل العبادات الخالصة له معاملات يقصد بها المعاوضات والأكساب والدنيوية. وفارق قضاء الديون وضمانها فإنها حقوق الآدميين ينوب بعضهم فيها عن بعض، فلذلك جازت في الحياة وبعد الموت.
[فصل: هل يسوغ إهداء نصف الثواب أو ربعه]
وأما قولكم لو ساغ ذلك لساغ إهداء نصف الثواب وربعه إلى الميت فالواجب من وجهين:
أحدهما: منع الملازمة فإنكم لم تذكروا عليها دليلا إلا مجرد الدعوى.
الثاني: التزام ذلك والقول به نص عليه للإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال، ووجه هذا أن الثواب ملك له، فله أن يهديه جميعه، وله أن يهدي بعضه. ويوضحه أنه لو أهداه إلى أربعة مثلا يحصل لكل منهم ربعه، فإذا أهدى الربع وأبقى لنفسه الباقي جاز كما لو أهداه إلى غيره.
(فصل)
وأما قولكم لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه وقد قلتم أنه لا بد أن ينوي حال الفعل إهداؤه إلى الميت وإلا لم يصل.
فالجواب: إن هذه المسألة غير منصوصة عن أحمد ولا هذا الشرط في كلام المتقدمين من أصحابه وإنما ذكره المتأخرون كالقاضي وأتباعه.
قال ابن عقيل: إذا فعل طاعة من صلاة وصيام وقراءة قرآن وأهداها بأن يجعل ثوابها للميت المسلم فإنه يصل إليه ذلك وينفعه بشرط أن يتقدم نية الهدية على الطاعة أو تقارنها.
وقال أبو عبد اللّه بن حمدان في رعايته ومن تطوع بقربة من صدقة وصلاة وصيام وحج وعمرة وقراءة وعتق وغير ذلك من عبادة بدنية تدخلها النيابة وعبادة مالية وجعل جميع ثوابها أو بعضه لميت مسلم، حتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ودعا له أو استغفر له أو قضى ما عليه من حق شرعي، أو واجب تدخله النيابة نفعه ذلك ووصل إليه أجره، وقيل إن نواه حال فعله أو قبله وصل إليه وإلا فلا.
وسر المسألة أن أوان شرط حصول الثواب أن يقع لمن أهدي له أولا ويجوز أن يقع العامل ثم ينتقل عنه إلى غيره، فمن شرط أن ينوي قبل الفعل أو الفراغ منه وصوله، قال: لو لم ينوه وقع الثواب للعامل فلا يقبل انتقاله عنه إلى غيره فإن الثواب يترتب على العمل ترتب أثر على مؤثرة، ولهذا لو أعتق عبدا عن نفسه كان ولاؤه له، فلو نقل ولاؤه إلى غيره بعد العتق لم ينتقل، بخلاف ما لو أعتقه عن الغير فإن ولاءه يكون للمعتق عنه، وكذلك لو أدى دينا عن نفسه ثم أراد بعد الأداء أن يجعله عن غيره لم يكن له ذلك، وكذلك لو حج أو صام أو صلى لنفسه ثم بعد ذلك أراد أن يجعل ذلك عن غيره لم يملك ذلك، ويؤيد هذا أن الذين سألوا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ذلك لم يسألوه عن إهداء ثواب العمل بعده، وإنما سألوه عما يفعلونه عن الميت، كما قال سعيد: أينفعها إن تصدق عنها؟ ولم يقل أن أهدي لها ثواب ما تصدقت به عن نفسي، وكذلك قول المرأة الأخرى: أفأحج عنها؟ وقول الرجل الآخر: أفأحج عن أبي؟ فأجابهم بالإذن في الفعل عن الميت لا بإهداء ثواب ما عملوه لأنفسهم إلى موتاهم، فهذا لا يعرف أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم سئل عنه قط، ولا يعرف عن أحد من الصحابة أنه فعله وقال: اللهم أجعل لفلان ثواب عملي أو ثواب ما عملته لنفسي.
فهذا سر الاشتراط وهو أفقه، ومن لم يشترط ذلك يقول: الثواب للعامل، فإذا تبرع به وأهداه إلى غيره كان بمنزلة ما يهديه إليه من ماله.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии