Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
Аль-Вакиа 56:60–76
56:60–62Страница 536
نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٦٠
Мы распределили между вами смерть, и ничто не может помешать Нам
عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦١
заменить вас подобными вам (или изменить ваше обличие) и создать вас такими, какими вы себе и не представляете.
وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢
Вы уже знаете о первом сотворении. Почему же вы не помяните назидание?
وتأمل قوله تعالى في الواقعة ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْت﴾
كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلًا بها على النشأة الثانية بقولة ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمهاتكم ومبدأها مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة منشئها على النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت به الرسل والإيمان.
وقال أيضا في (التبيان في أقسام القرآن)
وقد وقع الإخبار عن قدرته عليه سبحانه على تبديلهم بخير منهم، وفي بعضها تبديل أمثالهم وفي بعضها استبداله قومًا غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم فهذه ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينها من الجمع والفرق فحيث وقع التبديل بخير منهم فهو إخبار عن قدرته على أن يذهب بهم ويأتي بأطوع وأتقى له منهم في الدنيا وذلك قوله ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ يعني بل يكونوا خيرًا منكم قال مجاهد يستبدل بهم من شاء من عباده فيجعلهم خيرًا من هؤلاء فلم يتولوا بحمد الله فلم يستبدل بهم.
وأما ذكره تبديل أمثالهم ففي سورة الواقعة وسورة الإنسان فقال في الواقعة ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾
وقال في سورة الإنسان ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾
قال كثير من المفسرين المعنى إنا إذا أردنا أن نخلق خلقًا غيركم لم يسبقنا سابق ولم يفتنا ذلك.
وفي قوله ﴿وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلًا منهم
قال المهدوي قومًا موافقين لهم في الخلق مخالفين لهم في العمل.
ولم يذكر الواحدي ولا ابن الجوزي غير هذا القول.
وعلى هذا فتكون هذه الآيات نظير قوله تعالى ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِين﴾ فيكون استدلالا بقدرته على إذهابهم والإتيان بأمثالهم على إتيانه بهم أنفسهم إذا ماتوا.
ثم استدل سبحانه بالنشأة الأولى فذكرهم بها فقال ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ فنبههم بما علموه وعاينوه على صدق ما أخبرتهم به رسله من النشأة الثانية.
والذي عندي في معنى هاتين الآيتين وهما آية الواقعة والإنسان أن المراد بتبديل أمثالهم الخلق الجديد والنشأة الآخرة التي وعدوا بها.
وقد وفق الزمخشري لفهم هذا من سورة الإنسان فقال وبدلنا أمثالهم في شدة الأسر يعني النشأة الأخرى.
ثم قال: وقيل وبدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يأتي بـ (إنْ) لا بـ (إذا) كقوله ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾.
قلت وإتيانه بـ (إذا) التي لا تكون إلا للمحقق الوقوع يدل على تحقق وقوع هذا التبديل وأنه واقع لا محالة وذلك هو النشأة الأخرى التي استدل على إمكانها بقوله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾
واستدل بالمثل على المثل وعلى ما أنكروه بما عاينوه وشاهدوه وكونهم أمثالهم هو إنشاؤهم خلقًا جديدًا بعينه فهم هم بأعيانهم وهم أمثالهم فهم أنفسهم يعادون.
فإذا قلت المعاد هذا هو الأول بعينه صدقت، وإن قلت هو مثله صدقت فهو هو معاد أو هو مثل الأول وقد أوضح هذا سبحانه بقوله ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
فهذا الخلق الجديد هو المتضمن لكونهم أمثالهم وقد سماه الله سبحانه وتعالى إعادة والمعاد مثل المبدأ وسماه نشأة أخرى وهي مثل الأولى وسماه خلقًا جديدًا وهو مثل الخلق الأول كما قال ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّل بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وسماه أمثالًا وهم هم فتطابقت ألفاظ القرآن وصدق بعضها بعضًا وبين بعضها بعضًا.
وبهذا تزول إشكالات أوردها من لم يفهم المعاد الذي أخبرت به الرسل عن الله ولا يفهم من هذا القول ما قاله بعض المتأخرين أنهم غيرهم من كل وجه.
فهذا خطأ قطعًا معاذ الله من اعتقاده بل هم أمثالهم وهم أعيانهم فإذا فهمت الحقائق فلا يناقش في العبارة إلا ضيق العطن صغير العقل ضعيف العلم.
(فصل)
وتأمل قوله تعالى في الواقعة ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْت﴾
كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلًا بها على النشأة الثانية بقولة ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمهاتكم ومبدأها مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة منشئها على النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت به الرسل والإيمان
وقال في سورة الإنسان ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾
فهذه النشأة الأولى ثم قال ﴿وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾ فهذه النشأة الأخرى.
ونظير هذا ﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى﴾ وهذا في القرآن كثيرا جدًا يقرن بين النشأتين مذكرًا للفطر والعقول بإحداهما على الأخرى وبالله التوفيق.
(قاعدة نافعة)
العبد من حين استقرت قدمه في هذا الدار فهو مسافر فيها إلى ربه، ومدة سفره هي عمره الذي كتب له فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار إلى ربه تعالى، ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره: فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهى السفر. فالكيس الفَطنِ هو الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه فيهتم بقطعها سالمًا غانمًا، فإذا قطعها جعل الأُخرى نصب عينيه، ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه ويمتد أمله ويحضر بالتسويف والوعد والتأْخير والمطل، بل يعد عمره تلك المرحلة الواحدة فيجتهد في قطعها بخير ما بحضرته، فإنه إذا تيقن قصرها وسرعة انقضائها هان عليه العمل وطوَّعت له نفسه الانقياد إلى التزود، فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك فلا يزال هذا دأبه حتى يطوي مراحل عمره كلها فيحمد سعيه ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته، فإذا طلع صبح الآخرة وانقشع ظلام الدنيا، فحينئذ يحمد سراه وينجل عنه كراه، فما أحسن ما يستقبل يومه وقد لاح صباحه واستبان فلاحه.
ثم الناس في قطع هذه المراحل قسمان: قسم قطعوها مسافرين فيها إلى دار الشقاءِ، فكلما قطعوا مرحلة منها قربوا من تلك الدار وبعدوا عن ربهم وعن دار كرامته فقطعوا تلك المراحل بمساخط الرب ومعاداة رسله وأوليائه ودينه والسعي في إطفاءِ نوره وإٍبطال دعوته وإقامة دعوة غيرها، فهؤلاء جعلت أيامهم يسافرون فيها إلى الدار التي خلقوا لها واستعملوا بها، فهم مصحبون فيها بالشياطين الموكلة بهم يسوقونهم إلى منازلهم سوقًا كما قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تُؤُزُّهم أزًَّا﴾ [مريم: ٨٣]، أي تزعجهم، إلى المعاصي والكفر إزعاجًا وتسوقهم سوقًا.
القسم الثاني: قطعوا تلك المراحل سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام.
وهم ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله.
وهؤلاء كلهم مستعدون للسير موقنون بالرجعّ إلى الله، ولكن متفاوتون في التزود وتعبئة الزاد واختياره، وفي نفس السير وسرعته وبطئه.
فالظالم لنفسه مقصر في الزاد غير آخذ منه ما يبلغه المنزل لا في قدره ولا في صفته، بل مفرط في زاده الذي ينبغي له أن يتزوده، ومع ذلك فهو متزود ما يتأذى به في طريقه، ويجد غب أذاه إذا وصل المنزل بحسب ما تزود من ذلك المؤذي الضار.
والمقتصد اقتصر من الزاد على ما يبلغه، ولم يشدَّ مع ذلك أحمال التجارة الرابحة، ولم يتزود ما يضره، فهو سالم غانم لكن فاتته المتاجر الرابحة وأنواع المكاسب الفاخرة.
والسابق بالخيرات همه في تحصيل الأرباح، وشد أحمال التجارات لعلمه بمقدار الربح الحاصل، فيرى خسرانًا أن يدخر شيئًا مما بيده ولا يتجر به، فيجد ربحه يوم يغتبط التجار بأرباح تجاراتهم، فهو كرجل قد علم أن أمامه بلدة يكسب الدرهم فيها عشرة إلى سبعمائة وأكثر، وعنده حاصل وله خبرة بطريق ذلك البلد وخبرة بالتجارة، فهو لو أمكنه بيع ثيابه وكل ما يملك حتى يهيئ به تجارة إلى ذلك البلد لفعل، فهكذا حال السابق بالخيرات بإذن ربه يرى خسرانًا بينًا أن يمر عليه وقت في غير متجر.
К этому аяту нет толкования
56:64Страница 536
ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤
Вы ли заставляете его произрасти или Мы заставляем?
К этому аяту нет толкования
56:65Страница 536
لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ ٦٥
Если Мы пожелаем, то превратим его в труху, и тогда вы останетесь удивленными
قيل معناه تندمون وهذا تفسير بلازم المعنى، وإنما الحقيقة تزيلون عنكم التفكه، وإذا زال التفكه خلقه ضده.
يقال: تحنث إذا زال الحنث عنه، وتحرج وتحوب، وتأثم، ومنه تفكه.
وهذا البناء يقال للداخل في الشيء كتعلم وتحلم، وللخارج منه كتحرج وتأثم.
К этому аяту нет толкования
К этому аяту нет толкования
56:68Страница 536
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ ٦٨
Видели ли вы воду, которую вы пьете?
К этому аяту нет толкования
56:69Страница 536
ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ٦٩
Вы ли ниспосылаете ее из дождевых туч или Мы ниспосылаем?
К этому аяту нет толкования
56:70Страница 536
لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ ٧٠
Если бы Мы пожелали, то сделали бы ее горькой. Почему же вы неблагодарны?
К этому аяту нет толкования
56:71–73Страница 536
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ ٧١
Видели ли вы огонь, который вы высекаете?
ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ ٧٢
Вы ли создаете деревья для него или Мы создаем?
نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ ٧٣
Мы сделали его напоминанием и предметом пользования для путников.
(فائدة)
جعل سبحانه نار الدنيا وآلامها وغمومها وأحزانها تذكرة بنار الآخرة قال تعالى في هذه النار: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾
وأخبر النبي ﷺ:
"إن شدة الحر والبرد من أنفاس جهنم فلا بد أن يشهد عباده جنته وما يذكرهم بها"
والله المستعان.
(فصل: الحكمة في خلق النار)
وكذلك الحكمة في خلق النار على ما هي عليه كامنة في حاملها، فإنها لو كانت ظاهرة كالهواء والماء والتراب لأحرقت العالم وما فيه، ولم يكن بد من ظهورها في الأحايين للحاجة إليها، فجعلت مخزونة في الأجسام توري عند الحاجة إليها فتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها، ثم تخبوا إذا استغني عنها.
فجعلت على خلقة وتقدير وتدبير حصل به الاستمتاع بها والانتفاع مع السلامة من ضررها.
ثم في النار خلة أخرى وهي أنها مما خص به الإنسان دون سائر الحيوان فإن الحيوانات لا تستعمل النار ولا تستمتع بها.
ولما اقتضت الحكمة الباهرة ذلك اغتنت الحيوانات عنها في لباسها وأقواتها فأعطيت من الشعور والأوبار ما يغنيها عنها وجعلت أغذيتها بالمفردات التي لا تحتاج إلى طبخ وخبز ولما كانت الحاجة إليها شديدة جعل من الآلات والأسباب ما يتمكن به من إثارتها إذا شاء ومن إبطالها ومن حكمها هذه المصابيح التي يوقدها الناس فيتمكنون بها من كثير حاجاتهم، ولولاها لكان نصف أعمارهم بمنزلة أصحاب القبور.
وأما منافعها في إنضاج الأغذية والأدوية والدفء فلا يخفى.
وقد نبه تعالى على ذلك بقوله: ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾
أي تذكر بنار الآخرة فيحترز منها ويستمتع بها المقوون وهم النازلون بالفيفاء وهي الأرض الخالية.
وخص هؤلاء بالذكر لشدة حاجتهم إليها في خبزهم وطبخهم حيث لا يجدون ما يشترونه فيغنيهم عن ما يصنعونه بالنار.
(فصل)
وقال في (طريق الهجرتين)
وأخرج سبحانه إلى هذه الدار أيضًا من آثار غضبه ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات ما يستدل بجنسه على ما في دار الشقاء من ذلك، مع أن ذلك من آثار النفسين الشتاء والصيف اللذين أذن الله سبحانه بحكمته لجهنم أن تتنفس بهما، فاقتضى ذانك النفسان آثارًا ظهرت في هذه الدار كانت دليلًا عليها وعبرة.
وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبه عليه بقوله في نار الدنيا: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لّلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]، تذكرة تذكر بها الآخرة ومنفعة للنازلين بالقواءِ وهم المسافرون، يقال: أقوى الرجل إذا نزل بالقِى والقَوى وهي الأرض
الخالية، وخص المقوين بالذكر وإن كانت منفعتها عامة للمسافرين والمقيمين تنبيهًا لعباده - والله أعلم بمراده من كلامه - على أنهم كلهم مسافرون وأنهم في هذه الدار على جناح سفر ليسوا هم مقيمين ولا مستوطنين وأنهم عابرو سبيل وأبناء سفر. والمقصود أنه سبحانه أشهد في هذه الدار ما أعد لأوليائه وأعدائه في دار القرار، وأخرج إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو عبرة ودلالة على ما هناك من خير وشر، وجعل هذه العقوبات والآلام والمحن والبلايا سياطًا يسوق بها عباده المؤمنين.
فإذا رأوها حذروا كل الحذر واستدلوا بما رأوه منها وشاهدوه على ما في تلك الدار من المكروهات والعقوبات، وكان وجودها في هذه الدار وإشهادهم إياها وامتحانهم باليسير منها رحمة منه بهم وإحسانًا إليهم وتذكرة وتنبيهًا.
ولما كانت هذه الدار ممزوجًا خيرها بشرها وأذاها براحتها ونعيمها بعذابها اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن خلص خيرها من شرها وخصه بدار أخرى هي دار الخيرات المحضة ودار السرر المحضة، فكتب على هذه الدار حكم الامتزاج والاختلاط وخلط فيها بين الفريقين، وابتلى بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض فتنة، حكمة بالغة بهرت العقول وعزة قاهرة.
فقام بهذا الاختلاط سوق العبودية كما يحبه ويرضاه، ولم تكن تقوم عبوديته التي يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه، بل العبد الواحد جمع فيه بين أسباب الخير والشر، وسلط بعضه على بعض ليستخرج منه ما يحبه من العبودية التي لا تحصل إلا بذلك. فلما حصلت الحكمة المطلوبة من هذا الامتزاج والاختلاط أعقبه بالتمييز والتخليص، فميز بينهما بدارين ومحلين، وجعل لكل دار ما يناسبها، وأسكن فيها من يناسبها، وخلق المؤمنين المتقين المخلصين لرحمته، وأعداءه الكافرين لنقمته، والمخلصين للأمرين: فهؤلاء أهل الرحمة وهؤلاء أهل النقمة، وهؤلاء أهل النقمة والرحمة.
وقسم آخر لا يستحقون ثوابًا ولا عقابًا.
ورتب على كل قسم من هذه الأقسام الخمسة حكمه اللائق به، وأظهر فيه حكمته الباهرة، ليعلم العباد كمال قدرته وحكمته وأنه يخلق ما يشاءُ، ويختار من خلقه من يصلح للاختيار، وأنه يضع ثوابه موضعه، ويجمع بينهما في المحل المقتضي لذلك، ولا يظلم أحدًا ولا يبخسه شيئًا من حقه ولا يعاقبه بغير جنايته.
هذا مع ما في ضمن هذا الابتلاء والامتحان من الحكم الراجعة إلى العبيد أنفسهم: من استخراج صبرهم وشكرهم وتوكلهم وجهادهم، واستخراج كمالاتهم الكامنة في نفسهم من القوة إلى الفعل، ودفع الأسباب بعضها ببعض، وكسر كل شيء بمقابلة ومصادمته بضده، لتظهر عليه آثار القهر وسمات الضعف والعجز ويتيقن العبد أن القهار لا يكون إلا واحدًا، وأنه يستحيل أن يكون له شريك، بل القهر والوحدة متلازمان: فالملك والقدرة والقوة والعزة كلها لله الواحد القهار، ومن سواه مربوب مقهور، له ضد ومناف ومشارك.
فخلق الرياح وسلط بعضها على بعض تصادمها وتكسر سورتها وتذهب بها، وخلق الماءَ وسلط عليه الرياح تصرفه وتكسره، وخلق النار وسلط عليها الماءَ يكسرها ويطفئها، وخلق الحديد وسلط عليه النار تذيبه وتكسر قوته، وخلق الحجارة وسلط عليها الحديد يكسرها ويفتتها، وخلق آدم وذريته وسلط عليهم إبليس وذريته، وخلق إبليس وذريته وسلط عليهم الملائكة يشردونهم كل مشرد ويطردونهم كل مطرد، وخلق الحر والبرد والشتاء والصيف وسلط كلا منها على الآخر يذهبه ويقهره، وخلق الليل والنهار وقهر كلا منهما بالآخر، وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر لكل منه مضاد ومغالب، فاستبان للعقول والفطر أن القاهر الغالب لذلك كله واحد وأن من تمام ملكه إيجاد العالم على هذا الوجه وربط بعضه على بعض وإحواج بعضه إلى بعض وقهر بعضه ببعض وابتلاءِ بعضه ببعض وامتزاج خيره بشره، وجعل شره لخيره الفداءِ، ولهذا يدفع إلى كل مؤمن يوم القيامة كافر فيقال له: هذا فداؤك من النار، وهكذا المؤمن في الدنيا يسلط عليه من الابتلاء والامتحان والمصائب ما يكون فداءه من عذاب الله، وقد تكون تلك الأسباب فداءً له من شرور أكثر منها في هذا العالم أيضًا، فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التدبر يتبين له حكمة اللطيف الخبير.
اللفظ المؤلف من الزاي والياء والدال - مثلا - له حقيقة متميزة متحصلة، فاستحق أن يوضع له لفظ يدل عليه، لأنه شيء موجود في اللسان، مسموع بالأذان. فاللفظ المؤلف من همزة الوصل والسين والميم:
عبارة عن اللفظ المؤلف من الزاي والياء والدال، مثلا.
واللفظ المؤلف من الزاي والياء والدال: عبارة عن الشخص الموجود في الأعيان والأذهان.
وهذا المسمى والمعنى. واللفظ الدال عليه، الذي هو الزاي والياء والدال: هو الاسم.
وهذا اللفظ أيضا قد صار مسمى، من حيث كان لفظ الهمزة والسين والميم: عبارة عنه.
فقد بان لك أن «الاسم» في أصل الوضع ليس هو المسمى. ولهذا تقول: سميت هذا الشخص بهذا الاسم، كما تقول: حلّيته بهذه الحلية.
والحلية غير المحلى، فكذلك الاسم غير المسمى.
وقد صرح بذلك سيبويه. وأخطأ نسب إليه غير هذا، وادعى أن مذهبه: اتحادهما.
والذي غرّ من ادعي ذلك: قوله: الأفعال أمثلة، أخذت من لفظ أحداث الأسماء.
وهذا لا يعارض نصه قبل هذا. فإنه نص على أن الاسم غير المسمى.
فقال «الكلم اسم، وفعل، وحرف» فقد صرح بأن الاسم كلمة. فكيف تكون الكلمة هي المسمى. والمسمى شخص؟ ثم قال بعد هذا: تقول سميت زيدا بهذا الاسم، كما تقول: علمته بهذه العلامة.
وفي كتابه قريب من ألف موضع: أن الاسم هو اللفظ الدال على المسمى. ومتى ذكر الخفض أو النصب، أو التنوين، أو اللام، أو جميع ما يلحق الاسم من زيادة ونقصان، وتصغير وتكبير، وإعراب وبناء - فذلك كله من عوارض الاسم: تعلق لشيء من ذلك بالمسمى أصلا.
وما قال نحوي قط ولا عربي: إن الاسم هو المسمى.
ويقولون: أجل مسمى. ولا يقولون أجل اسم. ويقولون: مسمى هذا الاسم كذا.
ولا يقول أحد: اسم هذا الاسم، ويقولون: هذا مسمى بزيد. ولا يقولون: هذا الرجل اسم زيد.
ويقولون: باسم الله، ولا يقولون: بمسمى الله.
وقال رسول الله ﷺ «لي خمسة أسماء»
ولا يصح أن يقال: لي خمس مسميات.
وقال: «فتسموا باسمي»
ولا يصح أن يقال: تسموا بمسمياتي.
وقال «لله تسعة وتسعون اسما»
ولا يصح أن يقال: لله تسعة وتسعون مسمى.
وإذا ظهر الفرق بين الاسم والمسمى.
فبقي هاهنا التسمية. وهي التي اعتبرها من قال: باتحاد الاسم والمسمى. والتسمية: عبارة عن فعل المسمّي ووضعه الاسم للمسمّي، كما أن التحلية: عبارة عن فعل المحلّى، ووضعه الحلية على المحلّى.
فهنا ثلاث، حقائق: اسم ومسمى، وتسمية، كحلية، ومحلّى، وتحلية. وعلامة ومعلم، وتعليم.
ولا سبيل إلى جعل لفظين منها مترادفين على معنى واحد، لتباين حقائقها. وإذا جعلت الاسم هو المسمى: بطل واحد من هذه الحقائق الثلاث ولا بد.
فإن قيل: فحلوا لنا شبهة من قال: باتحادهما ليتم الدليل. فإنكم أقمتم الدليل فعليكم الجواب عن المعارض.
فمنها: أن الله وحده هو الخالق، وما سواه مخلوق. فلو كانت أسماؤه غيره لكانت مخلوقة. وللزم أن لا يكون له اسم في الأزل، ولا صفة. لأن أسماءه صفات.
وهذا هو السؤال الأعظم، الذي قاد متكلمي الإثبات إلى أن يقولوا: الاسم هو المسمى. فما عندكم في دفعه؟
والجواب: أن منشأ الغلط في هذا الباب من إطلاق اللفظة مجملة لمعنيين. صحيح وباطل. فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني، وتنزيل ألفاظها عليها. ولا ريب أن الله تبارك وتعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال المشتقة أسماؤه منها. فلم يزل بأسمائه وصفاته: رب واحد، وإله واحد، له الأسماء الحسنى والصفات العلا. وأسماؤه وصفاته داخلة في مسمى اسمه، وإن كان لا يطلق على الصفة أنها إله يخلق ويرزق. فليست صفاته وأسماؤه غيره. وليست هي نفس الإله، وبلاء القوم من لفظة «الغير» فإنها يراد بها معنيين.
أحدهما: المغاير لتلك الذات المسماة بـ (الله).
وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار. فلا يكون إلا مخلوقا.
ويراد بها: مغايرة الذات إذا خرجت عنها.
فإذا قيل: علم الله، وكلام الله غيره: وعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم، والكلام: كان المعنى صحيحا. ولكن الإطلاق باطل.
وإذا العلم والكلام مغاير لحقيقته المختصة التي امتاز بها عن غيره: كان باطلا لفظا ومعنى.
وبهذا أجاب أهل السنة المعتزلة القائلين بخلق القرآن، وقالوا: كلامه تعالى داخل في مسمى اسمه.
فـ «الله» اسم للذات الموصوفة بصفات الكمال. ومن تلك الصفات: صفة الكلام، كما أن علمه وقدرته وحياته، وسمعه وبصره: غير مخلوقة. وإذا كان القرآن كلامه، وهو صفة من صفاته. فهو متضمن لأسمائه الحسنى.
فإذا كان القرآن غير مخلوق، ولا يقال: إنه غير الله، فكيف يقال: إن بعض ما تضمنه - وهو أسماؤه - مخلوقة، وهي غيره؟
فقد حصحص الحق بحمد الله وانحسم الإشكال، وإن أسماءه الحسنى التي في القرآن من كلامه. وكلامه غير مخلوق.
ولا يقال: هو غيره، ولا هو هو.
وهذا المذهب مخالف لمذهب المعتزلة الذين يقولون: أسماؤه تعالى غيره. وهي مخلوقة، ولمذهب من رد عليهم ممن يقول: اسمه نفس ذاته، لا غيره.
وبالتفصيل تزول الشبه ويتبين الصواب والحمد الله.
حجة ثانية لهم: قالوا: قال تبارك وتعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ و ﴿اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾.
وهذه الحجة عليهم في لا لهم الحقيقة. لأن النبي ﷺ امتثل هذا الأمر
وقال: «سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي العظيم»
ولو كان الأمر كما زعموا لقال: سبحان اسم ربي العظيم.
ثم إن الأمة كلهم لا يجوز أحد منهم أن يقول: عبدت اسم ربي، ولا سجدت لاسم ربي، ولا ركعت لاسم ربي، ولا اسم ربي ارحمني. وهذا يدل على أن الأشياء متعلقة بالمسمى، لا بالاسم.
وأما الجواب عن تعلق الذكر والتسبيح المأمور به ب «اسم» فقد قيل فيه: إن التعظيم والتنزيه إذا وجب للمعظم قد تعظم ما هو من سببه، ومتعلق به، كما يقال: سلام على الحضرة العالية، والباب السامي، والمجلس الكريم. ونحوه. وهذا جواب غير مرض لوجهين.
أحدهما: أن الرسول ﷺ لم يفهم هذا المعنى، وإنما قال «سبحان ربي» فلم يعرج على ما ذكرتموه.
الثاني: أنه يلزمه أن يطلق على الاسم التكبير والتحميد والتهليل، وسائر ما يطلق على المسمى، فيقال: الحمد لاسم الله. ولا إله إلا اسم الله، ونحوه. وهذا مما لم يقله أحد.
بل الجواب الصحيح: أن الذكر الحقيقي حله القلب، لأنه ضد النسيان. والتسبيح نوع من الذكر. فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك، دون اللفظ باللسان. والله تعالى أراد من عباده الأمرين جميعا، ولم يقبل الإيمان وعقد الإسلام إلا باقترانهما واجتماعهما.
فصار معنى الآيتين: سبح ربك بقلبك ولسانك. واذكر ربك بقلبك ولسانك. فأقحم الاسم تنبيها على هذا المعنى. حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان: لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم، دون ما سواه. والذكر باللسان: متعلقه اللفظ مع مدلوله. لأن اللفظ لا يراد لنفسه. فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبح، دون ما يدل عليه من المعنى.
وعبر لي شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه عن هذا المعنى بعبارة لطيفة وجيزة، فقال: المعنى سبح ناطقا باسم ربك، متكلما به.
وكذا سبح اسم ربك: المعنى: سبح ربك ذاكرا اسمه.
وهذه الفائدة تساوي رحلة، ولكن لمن يعرف قدرها. فالحمد لله المنان بفضله ونسأله تمام نعمته.
حجة ثالثة لهم: قالوا: قال تعالى: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ وإنما عبدوا مسمياتها.
والجواب: أنه كما قلتم: إنهم إنما عبدوا المسميات، ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة، كاللاتي والعزى، وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة، لا مسمى لها في الحقيقة. فإنهم سموها آلهة. وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها.
وليس لها من الإلهية إلا مجرد الأسماء، لا حقيقة المسمى.
فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها.
وهذا كمن سمى قشور البصل لحما، وأكلها، فيقال له: ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه.
وكمن سمى التراب خبزا، وأكله. يقال: ما أكلت إلّا اسم الخبز، بل هذا النفي أبلغ في نفي الإلهية آلهتهم.
فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه. وما الحكمة ثمّ إلّا مجرد الاسم.
فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى.
فإن قيل: فما الفائدة في دخول الباء في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ ولم تدخل في قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾؟
قيل: التسبيح يراد به التنزيه والذكر المجرد، دون معنى آخر. ويراد به مع ذلك الصلاة. وهو ذكر وتنزيه مع عمل.
ولهذا تسمى الصلاة تسبيحا.
فإذا أريد التسبيح المجرد، فلا معنى للباء. لأنه لا يتعدى بحرف جر، لا تقول: سبحت بالله.
وإذا أردت المقرون بالفعل، وهو الصلاة، أدخلت الباء، تنبها على ذلك المراد، كأنك قلت: سبح مفتتحا باسم ربك، أو ناطقا باسم ربك. كما تقول: صلّ مفتتحا، أو ناطقا باسمه، ولهذا السر - والله أعلم - دخلت اللام في قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾
والمراد التسبيح الذي هو السجود والخضوع والطاعة، ولم يقل في موضع: سبح الله ما في السماوات والأرض، كما قال تعالى ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾.
وتأمل قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾
فكيف قال: «ويسبحونه» لما ذكر السجود باسمه الخاص، فصار التسبيح: ذكرهم له، وتنزيههم إياه.
56:75–76Страница 536
۞ فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ ٧٥
Но нет! Клянусь местами заката звезд (или ниспослания частей Корана)!
وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٞ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦
Если бы вы только знали, что это - клятва великая.
(فائدة)
لما كان المقصود بهذا القسم نفي ما قاله الكفار في القرآن: من أنه شعر أو كهانه أو أساطير الأولين، صدر القول بأداة النفي ثم أثبت له ما قالوه. فتضمنت الآية أن ليس الأمر كما يزعمون ولكنه قرآن كريم.
ولهذا صرح بالأمرين: النفي والإثبات.
(فصل)
ومن ذلك قوله تعالى ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ في كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
ذكر سبحانه هذا القسم عقيب ذكر القيامة الكبرى وأقسام الخلق فيها ثم ذكر الأدلة القاطعة على قدرته وعلى المعاد بالنشأة الأولى وإخراج النبات من الأرض وإنزال الماء من السماء وخلق النار ثم ذكر بعد ذلك أحوال الناس في القيامة الصغرى عند مفارقة الروح للبدن وأقسم بمواقع النجوم على ثبوت القرآن وأنه تنزيله
وقد اختلف في النجوم التي أقسم بمواقعها فقيل هي آيات القرآن ومواقعها نزولها شيئًا بعد شيء.
وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء وقول سعيد بن جبير والكلبي ومقاتل وقتادة.
وقيل النجوم هي الكواكب ومواقعها مساقطها عند غروبها.
هذا قول أبي عبيدة وغيره.
وقيل مواقعها انتشارها وانكدارها يوم القيامة.
وهذا قول الحسن.
ومن حجة هذا القول أن لفظ (مواقع) تقتضيه فإنه مفاعل من الوقوع، وهو السقوط فلكل نجم موقع وجمعها مواقع.
ومن حجة قول من قال هي مساقطها عند الغروب أن الرب تعالى يقسم بالنجوم وطلوعها وجريانها وغروبها إذ فيها وفي أحوالها الثلاث آية وعبرة ودلالة كما تقدم في قوله تعالى ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ وقال ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ وقال ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾
ويرجح هذا القول أيضًا أن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب كقوله تعالى ﴿وَإدْبارَ النُّجُومِ﴾ وقوله ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ﴾
وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذكر النجوم في القسم وبين المقسم عليه وهو القرآن من وجوه أحدها أن النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الجهل والغي فتلك هداية في الظلمات الحسية وآيات القرآن في الظلمات المعنوية فجمع بين الهدايتين مع ما في النجوم من الرجوم للشياطين وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس.
والجن والنجوم آياته المشهودة المعاينة والقرآن آياته المتلوة السمعية مع ما في مواقعها عند الغروب من العبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النزول
ومن قرأ بموقع النجوم على الأفراد فلدلالة الواحد المضاف إلى الجمع على التعدد والمواقع اسم جنس والمصادر إذا اختلفت جمعت وإذا كان النوع واحدًا أفردت قال تعالى (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} فجمع الأصوات لتعدد النوع وأفرد صوت الحمير لوحدته فإفراد موقع النجوم لوحدة المضاف إليه وتعدد المواقع لتعدده إذ لكل نجم موقع.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии