Ибн аль-КаййимАль‑Вакиа · 56:77–87

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

Аль-Вакиа 56:77–87

56:77–79Страница 537

إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ ٧٧

Воистину, это - благородный Коран,

فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ ٧٨

находящийся в Хранимом Писании.

لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ ٧٩

К нему прикасаются только очищенные.

(فصل)

والمقسم عليه هاهنا قوله ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾

ووقع الاعتراض بين القسم وجوابه بقوله ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ووقع الاعتراض بين الصفة والموصوف في جملة هذا الاعتراض بقوله تعالى ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ فجاء هذا الاعتراض في ضمن هذا الاعتراض ألطف شيء وأحسنه موقعًا وأحسن ما يقع هذا الاعتراض إذا تضمن تأكيدًا أو تنبيهًا أو احترازًا كقوله تعالى ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

فاعترض بين المبتدأ والخبر بقوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ لما تضمنه ذلك من الاحتراز الدافع لتوهم متوهم أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات فرفع ذلك بقوله ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾

وهذا أحسن من قول من قال إنه خبر عن الذين آمنوا، ثم أخبر عنهم بخبر آخر فهما خبران عن مخبر واحد فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين آمنوا بل هو حكم شامل لجميع الخلق مع ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن الرابط وتقدير صفة محذوفة أي نفسا منها وتعطيل هذه الفائدة الجليلة.

(فصل)

ثم قال ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ فوصفه بما يقتضي حسنه وكثرة خيره ومنافعه وجلالته فإن الكريم هو البهي الكثير الخير العظيم النفع وهو من كل شيء أحسنه وأفضله والله سبحانه وصف نفسه بالكرم ووصف به كلامه ووصف به عرشه ووصف به ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره ولذلك فسر السلف الكريم بالحسن قال الكلبي إنه لقرآن كريم أي حسن كريم على الله وقال مقاتل كرمه الله وأعزه لأنه كلامه وقال الأزهري الكريم اسم جامع لما يحمد والله كريم جميل الفعال وإنه لقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة وبالجملة فالكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير بسهولة ويسر وضده اللئيم الذي لا يخرج خيره النزر إلا بعسر وصعوبة وكذلك الكريم في الناس واللئيم.

(فصل)

ثم قال تعالى ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾

اختلف المفسرون في هذا فقيل هو اللوح المحفوظ والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو المذكور في قوله ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾

ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ فهذا يدل على أنه بأيديهم يمسونه وهذا هو الصحيح في معنى الآية ومن المفسرين من قال إن المراد به أن المصحف لا يمسه إلا طاهر

والأول أرجح لوجوه:

أحدها أن الآية سيقت تنزيهًا للقرآن أن تنزل به الشياطين وأن محله لا يصل إليه فيمسه إلا المطهرون فيستحيل على أخابث خلق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسوه كما قال تعالى ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ فنفي الفعل وتأتيه منهم وقدرتهم عليه فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم ولا يقدرون عليه فإن الفعل قد ينتفى عمن يحسن منه وقد يليق بمن

لا يقدر عليه فنفى عنهم الأمور الثلاثة، وكذلك قوله في سورة عبس ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾

فوصف محله بهذه الصفات بيانًا أن الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به.

وتقرير هذا المعنى أهم وأجمل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر.

الوجه الثاني أن السورة مكية والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية

الثالث إن القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية ولا في حياة رسول الله وإنما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر وهذا وإن جاز أن يكون اعتبار ما يأتي، فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الإخبار يوضحه

الوجه الرابع وهو قوله في كتاب مكنون والمكنون المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر كما قال تعالى ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ وهكذا قال السلف قال الكلبي مكنون من الشياطين وقال مقاتل مستور وقال مجاهد لا يصيبه تراب ولا غبار وقال أبو إسحاق مصون في السماء يوضحه

الوجه الخامس أن وصفه بكونه مكنونًا نظير وصفه بكونه محفوظًا فقوله ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ في كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ كقوله ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ يوضحه

الوجه السادس أن هذا أبلغ في الرد على المكذبين وابلغ في تعظيم القرآن من كون المصحف لا يمسه محدث

الوجه السابع قوله ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ بالرفع فهذا خبر لفظًا ومعنى، ولو كان نهيًا لكان مفتوحًا.

ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته، وليس هاهنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي.

الوجه الثامن أنه قال إلا المطهرون ولم يقل إلا المتطهرون ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال إلا المتطهرون كما قال تعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾

وفي الحديث

"اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين"

فالمتطهر فاعل التطهير والمطهر الذي طهره غيره فالمتوضئ متطهر والملائكة مطهرون

الوجه التاسع: أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاخبار عن كونه مكنونًا كبير فائدة إذ مجرد كون الكلام مكنونًا في كتاب لا يستلزم ثبوته فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونًا في كتاب وهذا أمر مشترك والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزل من عند الله وأنه محفوظ مضمون لا يصل إليه شيطان

بوجه ما ولا يمس محله إلا المطهرون وهم السفرة الكرام البررة الوجه العاشر ما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو الأحوص حدثنا عاصم الأحول عن أنس بن مالك في قوله ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾

قال المطهرون الملائكة.

وهذا عند طائفة من أهل الحديث في الحكم المرفوع وقال الحاكم تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع ومن لم يجعله مرفوعًا فلا ريب أنه عنده أصح من تفسير من بعد الصحابة والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن ويجب الرجوع إلى تفسيرهم وقال حرب في مسائله سمعت إسحاق في قوله ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ قال النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة

وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر والحديث مشتق من هذه الآية

وقوله "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر"

رواه أهل السنن من حديث الزهري عن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات

"أن لا يمس القرآن إلا طاهر"

قال أحمد أرجو أن يكون صحيحًا.

وقال أيضا: لا أشك أن رسول الله كتبه وقال أبو عمر بن عبد البر هو كتاب مشهور عند اهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة ثم قال وهو كتاب معروف عند العلماء وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا وقد رواه ابن حبان في صحيحه ومالك في موطئه وفي المسألة آثار أخر مذكورة في غير هذا الموضع.

(فصل)

ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمه كما ينبغي قال البخاري في صحيحه في هذه الآية لا يجد طعمه إلا من آمن به وهذا أيضًا من إشارة الآية وتنبيهها وهو أنه لا يلتذ به وبقراءته وفهمه وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله تكلم بها حقا وأنزله على رسوله وحيًا ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه فمن لم يؤمن بأنه حق من عند الله ففي قلبه منه حرج ومن لم يؤمن بأن الله سبحانه تكلم به وحيًا وليس مخلوقًا من جملة مخلوقاته ففي قلبه منه حرج ومن قال إن له باطنًا يخالف ظاهره وإن له تأويلًا يخالف ما يفهم منه ففي قلبه منه حرج ومن قال إن له تأويلًا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه منه حرج ومن سلط عليه آل الآرائيين وهذيان المتكلمين وسفسطة المسفسطين وخيالات المتصوفين ففي قلبه منه حرج، ومن جعله تابعا لنحلته ومذهبه وقول من قلده دينه ينزله على أقواله ويتكلف حمله عليها ففي قلبه منه حرج ومن لم يحكمه ظاهرًا وباطنًا في أصول الدين وفروعه ويسلم وينقاد لحكمه أين كان ففي قلبه منه حرج

ومن لم يأتمر بأوامره وينزجر عن زواجره ويصدق جميع أخباره ويحكم أمره ونهيه وخبره ويرد له كل أمر ونهي وخبر خالفه ففي قلبه منه حرج وكل هؤلاء لم تمس قلوبهم معانيه ولا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم ولا يجدون من لذة حلاوته وطعمه ما وجده الصحابة ومن تبعهم.

وأنت إذا تأملت قوله ﴿لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرُونَ﴾ وأعطيت الآية حقها من دلالة اللفظ وإيمائه وإشارته وتنبيهه وقياس الشيء على نظيره واعتباره بمشاكله وتأملت المشابهة التي عقدها الله سبحانه وربطها بين الظاهر والباطن فهمت هذه المعاني كلها من الآية وبالله التوفيق.

(فصل)

وَأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ قَوْله تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) في كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾

وَجَدْتَ الآيَةَ مِن أظْهَرْ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وأنَّ هَذا القُرْآنَ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ رُوحٌ مُطَهَّرٌ، فَما لِلْأرْواحِ الخَبِيثَةِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ ووَجَدْتَ الآيَةَ أُخْتَ قَوْلِهِ: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١]،

وَوَجَدْتَها دالَّةً بِأحْسَنِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَمَسُّ المُصْحَفَ إلّا طاهِرٌ، ووَجَدْتَها دالَّةً أيْضًا بِألْطَفِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجِدُ حَلاوَتَهُ وطَعْمَهُ إلّا مَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بِهِ، كَما فَهِمَهُ البُخارِيَّ مِن الآيَةِ فَقالَ في صَحِيحِهِ في بابِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾

" لا يَمَسُّهُ " لا يَجِدُ طَعْمَهُ ونَفْعَهُ إلّا مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ ولا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إلّا المُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥]

وَتَجِدُ تَحْتَهُ أيْضًا أنَّهُ لا يَنالُ مَعانِيَهُ ويَفْهَمُهُ كَما يَنْبَغِي إلّا القُلُوبُ الطّاهِرَةُ، وأنَّ القُلُوبَ النَّجِسَةَ مَمْنُوعَةٌ مِن فَهْمِهِ مَصْرُوفَةٌ عَنْهُ، فَتَأمَّلْ هَذا النَّسَبَ القَرِيبَ وعَقْدَ هَذِهِ الأُخُوَّةِ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي وبَيْنَ المَعْنى الظّاهِرِ مِن الآيَةِ واسْتِنْباطُ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها مِن الآيَةِ بِأحْسَنِ وجْهٍ وأبْيَنِهِ.

﴿لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾

(فصل)

قالَ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ:

والصَّحِيحُ في الآيَةِ، أنَّ المُرادَ بِهِ: الصُّحُفُ الَّتِي بِأيْدِي المَلائِكَةِ. لِوُجُوهٍ عَدِيدَةٍ.

مِنها: أنَّهُ وصَفَهُ بِأنَّهُ مَكْنُونٌ والمَكْنُونُ: المَسْتُورُ عَنِ العُيُونِ. وهَذا إنَّما هو في الصُّحُفِ الَّتِي بِأيْدِي المَلائِكَةِ.

وَمِنها: أنَّهُ قالَ ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وهُمُ المَلائِكَةُ. ولَوْ أرادَ المُتَوَضِّئِينَ لَقالَ: لا يَمَسُّهُ إلّا المُتَطَهِّرُونَ. كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فالمَلائِكَةُ مُطَهَّرُونَ. والمُؤْمِنُونَ مُتَطَهِّرُونَ.

وَمِنها: أنَّ هَذا إخْبارٌ. ولَوْ كانَ نَهْيًا لَقالَ: لا يَمْسَسْهُ بِالجَزْمِ، والأصْلُ في الخَبَرِ: أنْ يَكُونَ خَبَرًا صُورَةً ومَعْنًى.

وَمِنها: أنَّ هَذا رَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّ الشَّيْطانَ جاءَ بِهَذا القُرْآنِ. فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ في كِتابٍ مَكْنُونٍ لا تَنالُهُ الشَّياطِينُ. ولا وُصُولَ لَها إلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى في آيَةِ الشُّعَراءِ ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ - وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١١] وإنَّما تَنالُهُ الأرْواحُ المُطَهَّرَةُ. وهُمُ المَلائِكَةُ.

وَمِنها: أنَّ هَذا نَظِيرُ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ عَبَسَ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ - في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ - مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ - بِأيْدِي سَفَرَةٍ - كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٢-١٦].

قالَ مالِكٌ في مَوَطَّئِهِ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] أنَّها مِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ عَبَسَ.

وَمِنها: أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ مِن سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ. تَتَضَمَّنُ تَقْرِيرَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وإثْباتِ الصّانِعِ، والرَّدَّ عَلى الكُفّارِ. وهَذا المَعْنى ألْيَقُ بِالمَقْصُودِ مِن فَرْعٍ عَمَلِيٍّ. وهو حُكْمُ مَسِّ المُحْدِثِ المُصْحَفَ.

وَمِنها: أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الكِتابُ الَّذِي بِأيْدِي النّاسِ: لَمْ يَكُنْ في الإقْسامِ عَلى ذَلِكَ بِهَذا القَسَمِ العَظِيمِ كَثِيرُ فائِدَةٍ. إذْ مِنَ المَعْلُومِ: أنَّ كُلَّ كَلامٍ فَهو قابِلٌ لِأنَّ يَكُونَ في كِتابٍ حَقًّا أوْ باطِلًا. بِخِلافِ ما إذا وقَعَ القَسَمُ عَلى أنَّهُ في كِتابٍ مَصُونٍ، مَسْتُورٍ عَنِ العُيُونِ عِنْدَ اللَّهِ. لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْطانٌ. ولا يَنالُ مِنهُ. ولا يَمَسُّهُ إلّا الأرْواحُ الطّاهِرَةُ الزَّكِيَّةُ.

فَهَذا المَعْنى ألْيَقُ وأجَلُّ وأخْلَقُ بِالآيَةِ وأوْلى بِلا شَكٍّ.

فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: لَكِنْ تَدُلُّ الآيَةَ بِإشارَتِها عَلى أنَّهُ لا يَمَسُّ المُصْحَفُ إلّا طاهِرٌ. لِأنَّهُ إذا كانَتْ تِلْكَ الصُّحُفُ لا يَمَسُّها إلّا المُطَهِّرُونَ، لِكَرامَتِها عَلى اللَّهِ. فَهَذِهِ الصُّحُفُ أوْلى أنْ لا يَمَسَّها إلّا طاهِرٌ.

وَسَمِعَتْهُ يَقُولُ في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولا صُورَةٌ» إذا كانَتِ المَلائِكَةُ المَخْلُوقُونَ يَمْنَعُها الكَلْبُ والصُّورَةُ عَنْ دُخُولِ البَيْتِ. فَكَيْفَ تَلِجُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَحَبَّتُهُ وحَلاوَةُ ذِكْرِهِ، والأُنْسُ بِقُرْبِهِ، في قَلْبٍ مُمْتَلِئٍ بِكِلابِ الشَّهَواتِ وصُوَرِها؟ فَهَذا مِن إشارَةِ اللَّفْظِ الصَّحِيحَةِ.

56:80Страница 537

تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٠

Он ниспослан Господом миров.

(فصل)

ثم أكد ذلك وقرره وأطده بقوله ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾

وكما أنه لازم لكونه قرآنًا كريمًا في كتاب مكنون فهو ملزوم له فهو دليل عليه مدلول له

وأفاد كونه تنزيلًا من رب العالمين مطلوبين عظيمين من أجل

مطالب الدين.

أحدهما أنه المتكلم وأنه منه نزل ومنه بدأ وهو الذي تكلم به ومن هنا قال السلف منه بدأ ونظيره ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ وقوله ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ﴾

والثاني علو الله سبحانه فوق خلقه فإن النزول والتنزيل الذي تعقله العقول وتعرفه الفطر هو وصول الشيء من أعلا إلى أسفل والرب تعالى إنما يخاطب عباده بما تعرفه فطرهم وتشهد به عقولهم وذكر التنزيل مضافًا إلى ربوبيته للعالمين المستلزمة تملكه لهم وتصرفه فيهم وحكمه عليهم وإحسانه وإنعامه عليهم وأن من هذا شأنه مع الخلق كيف يليق به مع ربوبيته التامة أن يتركهم سدى ويدعهم هملًا ويخلقهم عبثا لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم فمن أقر بأنه رب العالمين أقر بأن القرآن تنزيله على رسوله واستدل بكونه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة ما جاء به وهذا الاستدلال اقوى وأشرف من الاستدلال بالمعجزات والخوارق وإن كانت دلالتها أقرب إلى أذهان عموم الناس وتلك إنما تكون لخواص العقلاء

وقد أشار سبحانه إلى الطريقين في غير موضع من كتابه كقوله ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ فهذا استدلال بالآيات المعاينة المخلوقة ثم قال ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾

فهذا استدلال بكمال ربوبيته وكمال أوصافه على صدق رسوله فيما جاء به وهذه الطريق أخص وأقوى وأكمل وأعلى والأول أعم واشمل وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ وأين الاستدلال بأوصاف الرب تعالى وكماله المقدس على ثبوت النبي وبعثه من الاستدلال عليه ببعض مخلوقاته

وتأمل فرق ما بين استدلال سيدة نساء العالمين خديجة رضي الله عنها بصفات الرب تعالى وصفات محمد واستنتاجها من بين هذين الأمرين صحة نبوته وأنه رسول الله حقًا وأن من كانت هذه صفات ربه وخالقه تأبى أن يخزيه وأنه يؤيده ويعليه ويتم نعمته عليه

وأنت إذا تأملت هذه الطريقة وهذا الاستدلال وجدت بينها وبين طريقة المتكلمين من الفرق ما لا يخفى وإذا حصل للعبد الفقه في الأسماء والصفات انتفع به في باب معرفة الحق والباطل من

الأقوال والطرائق والمذاهب والعقائد أعظم انتفاع وأتمه وقد بد بينا في كتابنا المعالم بطلان التحيل وغيره من الحيل الربوبية من أسماء الرب وصفاته وأنه يستحيل على الحكيم أن يحرم الشيء وبتوعد على فعله بأعظم أنواع العقوبات ثم يبيح التوصل إليه بنفسه بأنواع التحيلات فأين ذلك الوعد الشديد وجواز التوصل إليه بالطريق البعيد إذ ليست حكمة الرب تعالى وكمال علمه وأسمائه وصفاته تنتقض بإحالة ذلك وامتناعه عليه فهذا استدلال بالفقه الأكبر في الأسماء والصفات على الفقه العملي في باب الأمر والنهي وهذا باب حرام على الجهمي المعطل أن يلجه إلى الجنة حرام عليه ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين ألف سنة والله العزيز الوهاب لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وبه التوفيق.

56:81–82Страница 537

أَفَبِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَنتُم مُّدۡهِنُونَ ٨١

Неужели вы не веруете в это повествование (или отворачиваетесь от него)

وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ ٨٢

и делаете ваш удел тем, что считаете ложью истину?

(فصل)

ثم وبخهم سبحانه على وضعهم الادهان في غير موضعه، وأنهم يداهنون بما حقه أن يصدع به ويفرق به ويعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر وتعقد عليه القلوب والأفئدة ويحارب ويسالم لأجله ولا يلتوي عنه لا يمنة ولا يسرة ولا يكون للقلب التفات إلى غيره ولا محاكمة إلا إليه ولا مخاصمة إلا به ولا اهتداء في طرق المطالب العالية إلا بنوره ولا شفاء إلا به فهو روح الوجود وحياة العالم ومدار السعادة وقائد الفلاح وطريق النجاة وسبيل الرشاد ونور البصائر فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنه ولم ينزل للمداهنة وإنما أنزل بالحق وللحق والمداهنة إنما تكون في باطل قوي لا يمكن إزالته أو في حق ضعيف لا يمكن إقامته فيحتاج المداهن إلى أنه يترك بعض الحق ويلتزم بعض الباطل فأما الحق الذي قام به كل حق فكيف يدهن به

ثم قال سبحانه ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾

لما كان قوام كل واحد من البدن والقلب إنما هو بالرزق فرزق البدن الطعام والشراب ورزق القلب الإيمان والمعرفة بربه وفاطره ومحبته والشوق إليه والإنس بقربه والابتهاج بذكره وكان لا حياة له إلا بذلك كما أن البدن لا حياة له إلا بالطعام والشراب أنعم سبحانه على عبادة بهذين النوعين من الرزق وجعل قيام أبدانهم وقلوبهم بهما ثم فاوت سبحانه بينهم في قسمة هذين الرزقين بحسب ما اقتضاه علمه وحكمته فمنهم من وفر حظه من الرزقين ووسع عليه فيهما ومنهم من قتر عليه في الرزقين ومنهم من وسع عليه رزق البدن وقتر عليه رزق القلب وبالعكس وهذا الرزق إنما يتم ويكمل بالشكر والشكر مادة زيادته وسبب حفظه وبقائه وترك الشكر سبب زواله وانقطاعه عن العبد فإن الله تعالى تأذن أنه لا بد أن يزيد الشكور من نعمه ولا بد أن يسلبها من لم يشكرها فلما وضعوا الكفر والتكذيب موضع

الشكر والإيمان جعلوا رزقهم نفسه تكذيبًا فإن التصديق والشكر لما كانا سبب زيادة الرزق وهما رزق القلب حقيقة فهؤلاء جعلوا مكان هذا الرزق التكذيب والكفر فجعلوا رزقهم التكذيب وهذا المعنى هو الذي حام حوله من قال التقدير وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون وقال آخرون التقدير وتجعلون بدل شكر رزقكم أنكم تكذبون فحذف مضافين معًا وهؤلاء أطالوا اللفظ وقصروا بالمعنى ومن بعض معنى الآية قوله مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا لا يصح أن تدل عليه الآية ويراد بها وإلا فمعناها أوسع منه وأعم وأعلى والله أعلم.

(فائدة)

قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ أي تجعلونه حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به.

قال الحسن: "تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون.

قال: وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به".

56:83–85Страница 537

فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ ٨٣

А когда душа подступает к горлу

وَأَنتُمۡ حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ ٨٤

и вы смотрите на умирающего,

وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ ٨٥

Мы находимся ближе вас к нему, хотя вы не видите этого.

(فائدة)

ذكر هاهنا أحكام الأرواح عند الموت، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر، وقدم ذلك على هذا تقديم الغاية للعناية، إذ هي أهم وأولى بالذكر، وجعلهم عند الموت ثلاثة أقسام، كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام.

(فصل)

ثم ختم السورة بأحوالهم عند القيامة الصغرى كما ذكر في أولها أحوالهم في القيامة الكبرى وقسمهم إلى ثلاثة أقسام كما قسمهم هناك إلى ثلاثة وذكر بين يدي هذا التقسيم الاستدلال على صحته وثبوته بأنهم مربوبون مدبرون مملوكون فوقهم رب قاهر مالك يتصرف فيهم بحسب مشيئته وإرادته وقررهم على ذلك بما لا سبيل لهم إلى دفعه ولا إنكاره فقال ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم﴾ أي وصلت الروح إلى هذا الموضع بحيث فارقت ولم تفارق فهي برزخ بين الموت والحياة كما أنها إذا فارقت صارت في برزخ بين الدنيا والآخرة ملائكة الرب تعالى أقرب إلى المحتضر من حاضريه من الإنس ولكنهم لا يبصرون بهم فلولا تردونها إلى مكانها من البدن أيها الحاضرون إن كان الأمر كما تزعمون أنكم غير مجزيين ولا مدينين ولا مستوعبين ليوم الحساب

فإن قيل أي ارتباط بين هذين الأمرين حتى يلازم بينهما؟

قيل هذا من أحسن الاستدلال وأبلغه فإنهم إما أن يقروا بأنهم مربوبون مملوكون عبيد لمالك قادر متصرف فيهم قاهر آمر ناه أو لا يقرون بذلك فإن أقروا به لزمهم القيام بحقه عليهم وشكره وتعظيمه وإجلاله وأن لا يجعلوا له ندًا ولا شريكًا وهذا هو الذي جاءهم به رسوله ونزل عليه به كتابه وإن أنكروا ذلك وقالوا إنهم ليسوا بعبيد ولا مملوكين ولا مربوبين وأن الأمر إليهم يردون الأرواح إلى مقارها إذا بلغت الحلقوم فإن المتصرف في نفسه الحاكم على روحه لا يمتنع منه ذلك بخلاف المحكوم عليه المتصرف فيه غير المدبر له سواء الذي هو عبد مملوك من جميع الجهات وهذا الاستدلال لا محيد عنه ولا مدفع له ومن أعطاه حقه من التقرير والبيان انتفع به غاية النفع وانقاد لأجله للعبودية وأذعن ولم يسعه غير التسليم للربوبية والإلهية والإقرار بالعبودية ولله ما أحسن جزالة هذه الألفاظ وفصاحتها وبلوغها أقصى مراتب

البلاغة والفصاحة والاختصار التام وندائها إلى معناها من أقرب مكان واشتمالها على التوبيخ والتقرير والإلزام ودلائل الربوبية والتوحيد والبعث وفصل النزاع في معرفة الروح وأنها تصعد وتنزل وتنتقل من مكان إلى مكان وما أحسن إعادة لولا ثانيًا قبل ذكر الفعل الذي يقتضيه الأول وجعل الحرفين يقتضيانه اقتضاء واحدًا وذكر الشرطين مع الفصل بينهما بكلمة واحدة هي الرابط بين لولا الأولى والثانية والشرط الأول والثاني وهذا تركيب يستحد العقل والسمع لمعناه ولفظه

فتضمنت الآيتان تقريرًا وتوبيخًا واستدلالًا على أصول الإيمان من وجود الخالق سبحانه وكمال قدرته ونفوذ مشيئته وربوبيته وتصرفه في أرواح عباده حيث لا يقدرون على التصرف فيها بشيء وأن أرواحهم بيده يذهب بها إذا شاء ويردها إليهم إذا شاء ويخلي أبدانهم منها تارة ويجمع بينها وبينهما تارة وإثبات المعاد وصدق رسوله فيما اخبر به عنه وإثبات ملائكته وتقرير عبودية الخلق وأتى بهذا في صورة تحضيضين وتوبيخين وتقريرين وجوابين وشرطين وجزاءين منتظمة أحسن الانتظام ومتداخلة أحسن التداخل متعلقًا بعضها ببعض.

وهذا كلام لا يقدر البشر على مثل نظمه ومعناه.

قال الفراء وأجيبت ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ و ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ بجواب واحد وهو ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

قال ومثله قوله تعالى ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدىً فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

أجيبا بجواب واحد وهما شرطان قال الجرجاني قوله ترجعونها جواب قوله فلولا المتقدمة والمتأخرة على تأويل فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم تردونها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون يقول تعالى إن كان الأمر كما تزعمون أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله ولا رب يقوم بذلك فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم فإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فهل دلكم ذلك على أن الأمر إلى مليك قادر قاهر متصرف فيكم وهو الله الذي لا إله إلا هو وقال أبو اسحق معناه فهلا ترجعون الروح إن كنتم غير مملوكين مدبرين فهلا إن كان الأمر كما تزعمون في كما يقول قائلكم ﴿لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ و ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ أي إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلًا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم وهلا تردون عن أنفسكم الموت؟

قلت: وكأن هذا يلتفت إلى قوله تعالى ﴿قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم﴾

أي إن كنتم كما تزعمون لا تبعثون بعد الموت خلقًا جديدا فكونوا خلقا لا يفنى ولا يبلى إما من حجارة أو من حديد أو أكبر من ذلك ووجه الملازمة ما تقدم ذكره وهو إما أن تقروا بأن لكم ربًا متصرفًا فيكم ومالكًا لكم تنفذ فيكم مشيئته وقدرته يميتكم إذا شاء ويحييكم إذا شاء فكيف تنكرون قدرته على إعادتكم خلقًا جديدًا بعدما أماتكم وإما أن تنكروا أن يكون لكم رب قادر قاهر مالك نافذ المشيئة فيكم والقدرة فيكم فكونوا خلقًا لا يقبل الفناء والموت فإذا لم تستطيعوا إن تكونوا كذلك فما تنكرون من قدرة من جعلكم خلقًا يموت ويحيا أن يحييكم بعد ما أماتكم فهذا استدلال يعجزهم عن كونهم خلقًا لا يموت والذي في الواقعة استدلال يعجزهم عن رد الروح إلى مكانها إذا قاربت الموت وليس بعد هذا الاستدلال إلا الإذعان والانقياد أو الكفر والعناد.

56:86–87Страница 537

فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ ٨٦

Почему же вы, если вы действительно не получите воздаяние

تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٨٧

не вернете ее, если вы говорите правду?

أيْ هَلّا تَرُدُّونَ الرُّوحَ إلى مَكانِها إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْبُوبِينَ مَقْهُورِينَ ولا مَجْزِيِّينَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتاجُ إلى تَفْسِيرٍ، فَإنَّها سِيقَتْ لِلِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ والحِسابَ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ مُسْتَلْزِمًا لِمَدْلُولِهِ، بِحَيْثُ يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ مِنهُ إلى المَدْلُولِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّلازُمِ، فَيَكُونُ المَلْزُومُ دَلِيلًا عَلى لازِمِهِ، ولا يَجِبُ العَكْسُ.

وَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ: أنَّهم إذا أنْكَرُوا البَعْثَ والجَزاءَ فَقَدْ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وأنْكَرُوا قُدْرَتَهُ ورُبُوبِيَّتَهُ وحِكْمَتَهُ، فَإمّا أنْ يُقِرُّوا بِأنَّ لَهم رَبًّا قاهِرًا مُتَصَرِّفًا فِيهِمْ، كَما سَيُمِيتُهم إذا شاءَ ويُحْيِيهِمْ إذا شاءَ، ويَأْمُرُهم ويَنْهاهُمْ، ويُثِيبُ مُحْسِنَهم ويُعاقِبُ مُسِيئَهُمْ، وإمّا أنْ لا يُقِرُّوا بِرَبٍّ هَذا شَأْنُهُ، فَإنْ أقَرُّوا بِهِ آمَنُوا بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، والدِّينِ الأمْرِيِّ والجَزائِيِّ، وإنْ أنْكَرُوهُ كَفَرُوا بِهِ، فَقَدْ زَعَمُوا أنَّهم غَيْرُ مَرْبُوبِينَ ولا مَحْكُومٍ عَلَيْهِمْ، ولا لَهم رَبٌّ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَما أرادَ، فَهَلّا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ المَوْتِ عَنْهم إذا جاءَهُمْ، وعَلى رَدِّ الرُّوحِ إلى مُسْتَقَرِّها إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، وهَذا خِطابٌ لِلْحاضِرِينَ وهم عِنْدَ المُحْتَضِرِ، وهم يُعايِنُونَ مَوْتَهُ، أيْ: فَهَلّا تَرُدُّونَ الرُّوحَ إلى مَكانِها إنْ كانَ لَكم قُدْرَةٌ وتَصَرُّفٌ، ولَسْتُمْ بِمَرْبُوبِينَ ولا بِمَقْهُورِينَ لِقاهِرٍ قادِرٍ، تَمْضِي عَلَيْكم أحْكامُهُ، وتَنْفُذُ أوامِرُهُ، وهَذِهِ غايَةُ التَّعْجِيزِ لَهُمْ، إذْ بَيَّنَ عَجْزَهم عَنْ رَدِّ نَفْسٍ واحِدَةٍ إلى مَكانِها، ولَوِ اجْتَمَعَ عَلى ذَلِكَ الثَّقَلانِ، فَيا لَها مِن آيَةٍ دالَّةٍ عَلى وحْدانِيَّتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، وتَصَرُّفِهِ في عِبادِهِ، ونُفُوذِ أحْكامِهِ فِيهِمْ، وجَرَيانِها عَلَيْهِمْ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English