Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
Аль-Хадид 57:14–17
57:14Страница 539
يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤
Они будут взывать к ним: «Разве мы не были с вами?». Они скажут: «Да, но вы соблазняли самих себя, выжидали, сомневались и обольщались надеждами до тех пор, пока не явилось повеление Аллаха. Соблазнитель (дьявол) обманул вас относительно Аллаха.
(موعظة)
عشاق الدنيا بين مقتول ومأسور فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر.
يا طالبي العلم قد كتبتم ودرستم فلو طلبكم العلم في بيت العمل فلستم وإن ناقشكم على الإخلاص أفلستم.
[فَصْلٌ: الِاغْتِرارُ بِالدُّنْيا]
وَأعْظَمُ الخَلْقِ غُرُورًا مَنِ اغْتَرَّ بِالدُّنْيا وعاجَلَها، فَآثَرَها عَلى الآخِرَةِ، ورَضِيَ بِها مِنَ الآخِرَةِ، حَتّى يَقُولَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: الدُّنْيا نَقْدٌ، والآخِرَةُ نَسِيئَةٌ، والنَّقْدُ أحْسَنُ مِنَ النَّسِيئَةِ.
وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: ذَرَّةٌ مَنقُودَةٌ، ولا دُرَّةٌ مَوْعُودَةٌ.
وَيَقُولُ آخَرُ مِنهُمْ: لَذّاتُ الدُّنْيا مُتَيَقَّنَةٌ، ولَذّاتُ الآخِرَةِ مَشْكُوكٌ فِيها، ولا أدَعُ اليَقِينَ بِالشَّكِّ.
وَهَذا مِن أعْظَمِ تَلْبِيسِ الشَّيْطانِ وتَسْوِيلِهِ، والبَهائِمُ العُجْمُ أعْقَلُ مِن هَؤُلاءِ؛ فَإنَّ البَهِيمَةَ إذا خافَتْ مَضَرَّةَ شَيْءٍ لَمْ تُقْدِمْ عَلَيْهِ ولَوْ ضُرِبَتْ، وهَؤُلاءِ يُقْدِمُ أحَدُهم عَلى ما فِيهِ عَطَبُهُ، وهو بَيْنَ مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ.
فَهَذا الضَّرْبُ إنْ آمَنَ أحَدُهم بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ولِقائِهِ والجَزاءِ، فَهو مِن أعْظَمِ النّاسِ حَسْرَةً، لِأنَّهُ أقْدَمَ عَلى عِلْمٍ، وإنْ لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَأبْعَدُ لَهُ.
وَقَوْلُ هَذا القائِلِ: النَّقْدُ خَيْرٌ مِنَ النَّسِيئَةِ.
جَوابُهُ أنَّهُ إذا تَساوى النَّقْدُ والنَّسِيئَةُ فالنَّقْدُ خَيْرٌ، وإنْ تَفاوَتا وكانَتِ النَّسِيئَةُ أكْبَرَ وأفْضَلَ فَهي خَيْرٌ، فَكَيْفَ والدُّنْيا كُلُّها مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَنَفَسٍ واحِدٍ مِن أنْفاسِ الآخِرَةِ؟
كَما في مُسْنَدِ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ المُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدّادٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَما يُدْخِلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ؟»
فَإيثارُ هَذا النَّقْدِ عَلى هَذِهِ النَّسِيئَةِ، مِن أعْظَمِ الغَبْنِ وأقْبَحِ الجَهْلِ، وإذا كانَ هَذا نِسْبَةَ الدُّنْيا بِمَجْمُوعِها إلى الآخِرَةِ، فَما مِقْدارُ عُمُرِ الإنْسانِ بِالنِّسْبَةِ إلى الآخِرَةِ، فَأيُّما أوْلى بِالعاقِلِ؟ إيثارُ العاجِلِ في هَذِهِ المُدَّةِ اليَسِيرَةِ، وحِرْمانُ الخَيْرِ الدّائِمِ في الآخِرَةِ، أمْ تَرْكُ شَيْءٍ حَقِيرٍ صَغِيرٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ قُرْبٍ، لِيَأْخُذَ ما لا قِيمَةَ لَهُ ولا خَطَرَ لَهُ، ولا نِهايَةَ لِعَدَدِهِ، ولا غايَةَ لِأمَدِهِ؟
وَأمّا قَوْلُ الآخَرِ: لا أتْرُكُ مُتَيَقَّنًا لِمَشْكُوكٍ فِيهِ، فَيُقالُ لَهُ: إمّا أنْ تَكُونَ عَلى شَكٍّ مِن وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ، أوْ تَكُونَ عَلى
يَقِينٍ مِن ذَلِكَ، فَإنْ كُنْتَ عَلى اليَقِينِ فَما تَرَكْتَ إلّا ذَرَّةً عاجِلَةً مُنْقَطِعَةً فانِيَةً عَنْ قُرْبٍ، لِأنَّهُ مُتَيَقَّنٌ لا شَكَّ فِيهِ ولا انْقِطاعَ لَهُ.
وَإنْ كُنْتَ عَلى شَكٍّ فَراجِعْ آياتِ الرَّبِّ تَعالى الدّالَّةَ عَلى وُجُودِهِ وقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، ووَحْدانِيَّتِهِ، وصِدْقِ رُسُلِهِ فِيما أخْبَرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ، وتَجَرَّدْ وقُمْ لِلَّهِ ناظِرًا أوْ مُناظِرًا، حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ أنَّ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ فَهو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وأنَّ خالِقَ هَذا العالَمِ ورَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ يَتَعالى ويَتَقَدَّسُ ويَتَنَزَّهُ عَنْ خِلافِ ما أخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ عَنْهُ، ومَن نَسَبَهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ شَتَمَهُ وكَذَّبَهُ، وأنْكَرَ رُبُوبِيَّتَهُ ومُلْكَهُ.
إذْ مِنَ المُحالِ المُمْتَنِعِ عِنْدَ كُلِّ ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ، أنْ يَكُونَ المَلِكُ الحَقُّ عاجِزًا أوْ جاهِلًا، لا يَعْلَمُ شَيْئًا، ولا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَتَكَلَّمُ، ولا يَأْمُرُ ولا يَنْهى، ولا يُثِيبُ ولا يُعاقِبُ، ولا يُعِزُّ مَن يَشاءُ، ولا يُذِلُّ مَن يَشاءُ، ولا يُرْسِلُ رُسُلَهُ إلى أطْرافِ مَمْلَكَتِهِ ونَواحِيها، ولا يَعْتَنِي بِأحْوالِ رَعِيَّتِهِ، بَلْ يَتْرُكُهم سُدًى ويُخَلِّيهِمْ هَمَلًا، وهَذا يَقْدَحُ في مُلْكِ آحادِ مُلُوكِ البَشَرِ ولا يَلِيقُ بِهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ نِسْبَةُ المَلِكِ الحَقِّ المُبِينِ إلَيْهِ؟
وَإذا تَأمَّلَ الإنْسانُ حالَهُ مِن مَبْدَأِ كَوْنِهِ نُطْفَةً إلى حِينِ كَمالِهِ واسْتِوائِهِ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ مَن عُنِيَ بِهِ هَذِهِ العِنايَةَ، ونَقَلَهُ إلى هَذِهِ الأحْوالِ، وصَرَّفَهُ في هَذِهِ الأطْوارِ، لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُهْمِلَهُ ويَتْرُكَهُ سُدًى، لا يَأْمُرُهُ ولا يَنْهاهُ ولا يُعَرِّفُهُ بِحُقُوقِهِ عَلَيْهِ، ولا يُثِيبُهُ ولا يُعاقِبُهُ، ولَوْ تَأمَّلَ العَبْدُ حَقَّ التَّأمُّلِ لَكانَ كُلُّ ما يُبْصِرُهُ وما لا يُبْصِرُهُ دَلِيلًا لَهُ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وأنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ، وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ في كِتابِ (أيمانِ القُرْآنِ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ - وما لا تُبْصِرُونَ - إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨-٤٠].
وَذَكَرْنا طَرَفًا مِن ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١].
وَأنَّ الإنْسانَ دَلِيلُ نَفْسِهِ عَلى وُجُودِ خالِقِهِ وتَوْحِيدِهِ، وصِدْقِ رُسُلِهِ، وإثْباتِ صِفاتِ كَمالِهِ.
فَقَدْ بانَ أنَّ المُضَيِّعَ مَغْرُورٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ: تَقْدِيرِ تَصْدِيقِهِ ويَقِينِهِ، وتَقْدِيرِ تَكْذِيبِهِ وشَكِّهِ.
كَيْفَ يَجْتَمِعُ اليَقِينُ بِالمَعادِ، والتَّخَلُّفُ عَنِ العَمَلِ؟
فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَجْتَمِعُ التَّصْدِيقُ الجازِمُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ بِالمَعادِ والجَنَّةِ والنّارِ ويَتَخَلَّفُ العَمَلُ؟ وهَلْ في الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ أنْ يَعْلَمَ العَبْدُ أنَّهُ مَطْلُوبٌ غَدًا إلى بَيْنِ يَدَيْ بَعْضِ المُلُوكِ لِيُعاقِبَهُ أشَدَّ عُقُوبَةٍ، أوْ يُكْرِمَهُ أتَمَّ كَرامَةٍ، ويَبِيتُ ساهِيًا غافِلًا لا يَتَذَكَّرُ مَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، ولا يَسْتَعِدُّ لَهُ، ولا يَأْخُذُ لَهُ أُهْبَتَهُ؟
قِيلَ: هَذا لَعَمْرُ اللَّهِ سُؤالٌ صَحِيحٌ وارِدٌ عَلى أكْثَرِ هَذا الخَلْقِ، فاجْتِماعُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِن أعْجَبِ الأشْياءِ وهَذا التَّخَلُّفُ لَهُ عِدَّةُ أسْبابٍ:
أحَدُها: ضَعْفُ العِلْمِ، ونُقْصانُ اليَقِينِ، ومَن ظَنَّ أنَّ العِلْمَ لا يَتَفاوَتُ، فَقَوْلُهُ مِن أفْسَدِ الأقْوالِ وأبْطَلِها.
وَقَدْ سَألَ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى عِيانًا بَعْدَ عِلْمِهِ بِقُدْرَةِ الرَّبِّ عَلى ذَلِكَ، لِيَزْدادَ طُمَأْنِينَةً، ويَصِيرَ المَعْلُومُ غَيْبًا شَهادَةً.
وَقَدْ رَوى أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ».
فَإذا اجْتَمَعَ إلى ضَعْفِ العِلْمِ عَدَمُ اسْتِحْضارِهِ، أوْ غَيْبَتُهُ عَنِ القَلْبِ في كَثِيرٍ مِن أوْقاتِهِ أوْ أكْثَرِها لِاشْتِغالِهِ بِما يُضادُّهُ، وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ تَقاضِي الطَّبْعِ، وغَلَباتُ الهَوى، واسْتِيلاءُ الشَّهْوَةِ، وتَسْوِيلُ النَّفْسِ، وغُرُورُ الشَّيْطانِ، واسْتِبْطاءُ الوَعْدِ، وطُولُ الأمَلِ، ورَقْدَةُ الغَفْلَةِ، وحُبُّ العاجِلَةِ، ورُخَصُ التَّأْوِيلِ وإلْفُ العَوائِدِ، فَهُناكَ لا يُمْسِكُ الإيمانَ إلّا الَّذِي يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا، وبِهَذا السَّبَبِ يَتَفاوَتُ النّاسُ في الإيمانِ والأعْمالِ، حَتّى يَنْتَهِيَ إلى أدْنى مِثْقالِ ذَرَّةٍ في القَلْبِ.
وَجِماعُ هَذِهِ الأسْبابِ يَرْجِعُ إلى ضَعْفِ البَصِيرَةِ والصَّبْرِ، ولِهَذا مَدَحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أهْلَ الصَّبْرِ واليَقِينِ، وجَعَلَهم أئِمَّةً في الدِّينِ، فَقالَ تَعالى: ﴿مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
[فَصْلٌ: الفَرْقُ بَيْنَ حُسْنِ الظَّنِّ والغُرُورِ]
وَقَدْ تَبَيَّنَ الفَرْقُ بَيْنَ حُسْنِ الظَّنِّ والغُرُورِ، وأنَّ حُسْنَ الظَّنِّ إنْ حَمَلَ عَلى العَمَلِ، وحَثَّ عَلَيْهِ، وساقَ إلَيْهِ، فَهو صَحِيحٌ، وإنْ دَعا إلى البِطالَةِ والِانْهِماكِ في المَعاصِي فَهو غُرُورٌ، وحُسْنُ الظَّنِّ هو الرَّجاءُ، فَمَن كانَ رَجاؤُهُ هادِيًا لَهُ إلى الطّاعَةِ، زاجِرًا لَهُ عَنِ المَعْصِيَةِ، فَهو رَجاءٌ صَحِيحٌ، ومَن كانَتْ بِطالَتُهُ رَجاءً، ورَجاؤُهُ بِطالَةً وتَفْرِيطًا، فَهو المَغْرُورُ.
وَلَوْ أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ أرْضٌ يُؤَمِّلُ أنْ يَعُودَ عَلَيْهِ مِن مَغْلِها ما يَنْفَعُهُ فَأهْمَلَها ولَمْ يَبْذُرْها ولَمْ يَحْرُثْها، وحَسُنَ ظَنُّهُ بِأنَّهُ يَأْتِي مِن مَغْلِها ما يَأْتِي مَن حَرَثَ وبَذَرَ وسَقى وتَعاهَدَ الأرْضَ لَعَدَّهُ النّاسُ مِن أسْفَهِ السُّفَهاءِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ حَسُنَ ظَنُّهُ وقَوِيَ رَجاؤُهُ بِأنْ يَجِيئَهُ ولَدٌ مِن غَيْرِ جِماعٍ أوْ يَصِيرَ أعْلَمَ أهْلِ زَمانِهِ مِن غَيْرِ طَلَبِ العِلْمِ، وحِرْصٍ تامٍّ عَلَيْهِ، وأمْثالُ ذَلِكَ.
فَكَذَلِكَ مَن حَسُنَ ظَنُّهُ وقَوِيَ رَجاؤُهُ في الفَوْزِ بِالدَّرَجاتِ العُلا والنَّعِيمِ المُقِيمِ، مِن غَيْرِ طاعَةٍ ولا تَقَرُّبٍ إلى اللَّهِ تَعالى بِامْتِثالِ أوامِرِهِ، واجْتِنابِ نَواهِيهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨].
فَتَأمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ رَجاءَهم إتْيانَهم بِهَذِهِ الطّاعاتِ؟
وَقالَ المُغْتَرُّونَ: إنَّ المُفَرِّطِينَ المُضَيِّعِينَ لِحُقُوقِ اللَّهِ المُعَطِّلِينَ لِأوامِرِهِ، الباغِينَ عَلى عِبادِهِ، المُتَجَرِّئِينَ عَلى مَحارِمِهِ، أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ.
وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنَّ الرَّجاءَ وحُسْنَ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ الإتْيانُ بِالأسْبابِ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَةُ اللَّهِ في شَرْعِهِ وقَدَرِهِ وثَوابِهِ وكَرامَتِهِ، فَيَأْتِي العَبْدُ بِها ثُمَّ يُحْسِنُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ، ويَرْجُوهُ أنْ لا يَكِلَهُ إلَيْها، وأنْ يَجْعَلَها مُوصِلَةً إلى ما يَنْفَعُهُ، ويَصْرِفَ ما يُعارِضُها ويُبْطِلَ أثَرَها.
57:15Страница 539
فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥
Сегодня ни от вас, ни от неверующих не примут выкупа. Вашим пристанищем будет Огонь, который более всего подобает вам. Как же скверно это место прибытия!».
К этому аяту нет толкования
57:16Страница 539
۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦
Разве не пришло время для того, чтобы сердца верующих смирились при упоминании Аллаха и того, что ниспослано из истины, и чтобы не уподоблялись они тем, которым Писание было даровано прежде, чьи сердца почерствели по прошествии долгого времени и многие из которых являются нечестивцами?
وَلَمّا كانَ الإيمانُ مُوجِبًا لِلْخُشُوعِ، وداعِيًا إلَيْهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾
دَعاهم مِن مَقامِ الإيمانِ إلى مَقامِ الإحْسانِ. يَعْنِي: أما آنَ لَهم أنْ يَصِلُوا إلى الإحْسانِ بِالإيمانِ؟ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ بِخُشُوعِهِمْ لِذِكْرِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيْهِمْ؟
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الخُشُوعِ]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الخُشُوعِ
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا وبَيْنَ أنْ عاتَبَنا اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أرْبَعُ سِنِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ اسْتَبْطَأ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ، فَعاتَبَهم عَلى رَأْسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القُرْآنِ وقالَ تَعالى ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾.
والخُشُوعُ في أصْلِ اللُّغَةِ الِانْخِفاضُ، والذُّلُّ، والسُّكُونُ، قالَ تَعالى ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨]
أيْ سَكَنَتْ، وذَلَّتْ، وخَضَعَتْ، ومِنهُ وصْفُ الأرْضِ بِالخُشُوعِ، وهو يُبْسُها، وانْخِفاضُها، وعَدَمُ ارْتِفاعِها بِالرَّيِّ والنَّباتِ، قالَ تَعالى ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩].
والخُشُوعُ: قِيامُ القَلْبِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ بِالخُضُوعِ والذُّلِّ، والجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ
وَقِيلَ: الخُشُوعُ الِانْقِيادُ لِلْحَقِّ، وهَذا مِن مُوجِباتِ الخُشُوعِ.
فَمِن عَلاماتِهِ أنَّ العَبْدَ إذا خُولِفَ ورُدَّ عَلَيْهِ بِالحَقِّ اسْتَقْبَلَ ذَلِكَ بِالقَبُولِ والِانْقِيادِ.
وَقِيلَ: الخُشُوعُ خُمُودُ نِيرانِ الشَّهْوَةِ، وسُكُونُ دُخانِ الصُّدُورُ، وإشْراقُ نُورِ التَّعْظِيمِ في القَلْبِ.
وَقالَ الجُنَيْدُ: الخُشُوعُ تَذَلُّلُ القُلُوبِ لِعَلّامِ الغُيُوبِ.
وَأجْمَعَ العارِفُونَ عَلى أنَّ الخُشُوعَ مَحَلُّهُ القَلْبُ، وثَمَرَتُهُ عَلى الجَوارِحِ، وهي تُظْهِرُهُ، «وَرَأى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ في الصَّلاةِ، فَقالَ: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذا لَخَشَعَتْ جَوارِحُهُ»
«قالَ النَّبِيُّ ﷺ التَّقْوى هاهُنا وأشارَ إلى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ»
وَقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: حُسْنُ أدَبِ الظّاهِرِ عُنْوانُ أدَبِ الباطِنِ، ورَأى بَعْضُهم رَجُلًا خاشِعَ المَنكِبَيْنِ والبَدَنِ، فَقالَ: يا فُلانُ، الخُشُوعُ هاهُنا، وأشارَ إلى صَدْرِهِ، لا هاهُنا، وأشارَ إلى مَنكِبَيْهِ.
وَكانَ بَعْضُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وهو حُذَيْفَةُ، يَقُولُ: إيّاكم وخُشُوعَ النِّفاقِ، فَقِيلَ لَهُ: وما خُشُوعُ النِّفاقِ؟
قالَ: أنْ تَرى الجَسَدَ خاشِعًا والقَلْبُ لَيْسَ بِخاشِعٍ، ورَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا طَأْطَأ رَقَبَتَهُ في الصَّلاةِ، فَقالَ: يا صاحِبَ الرَّقَبَةِ، ارْفَعْ رَقَبَتَكَ، لَيْسَ الخُشُوعُ في الرِّقابِ، إنَّما الخُشُوعُ في القُلُوبِ، ورَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها شَبابًا يَمْشُونَ ويَتَمارَوْنَ في مِشْيَتِهِمْ، فَقالَتْ لِأصْحابِها: مَن هَؤُلاءِ؟ فَقالُوا: نُسّاكٌ، فَقالَتْ: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إذا مَشى أسْرَعَ، وإذا قالَ أسْمَعَ، وإذا ضَرَبَ أوْجَعَ، وإذا أطْعَمَ أشْبَعَ، وكانَ هو النّاسِكَ حَقًّا، وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: كانَ يُكْرَهُ أنْ يُرِيَ الرَّجُلُ مِنَ الخُشُوعِ أكْثَرَ مِمّا في قَلْبِهِ، وقالَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أوَّلُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الخُشُوعُ، وآخِرُ ما تَفْقِدُونَ مِن دِينِكُمُ الصَّلاةُ، ورُبَّ مُصَلٍّ لا خَيْرَ فِيهِ، ويُوشِكُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ الجَماعَةِ فَلا تَرى فِيهِمْ خاشِعًا، وقالَ سَهْلٌ: مَن خَشَعَ قَلْبُهُ لَمْ يَقْرَبْ مِنهُ الشَّيْطانُ.
(فَصْلٌ)
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ:
الخُشُوعُ: خُمُودُ النَّفْسِ، وهُمُودُ الطِّباعِ لِمُتَعاظِمٍ، أوْ مُفْزِعٍ.
يَعْنِي انْقِباضَ النَّفْسِ والطَّبْعِ، وهو خُمُودُ قُوى النَّفْسِ عَنِ الِانْبِساطِ لِمَن لَهُ في القُلُوبِ عَظَمَةٌ ومَهابَةٌ، أوْ لِما يَفْزَعُ مِنهُ القَلْبُ.
والحَقُّ أنَّ الخُشُوعَ مَعْنًى يَلْتَئِمُ مِنَ التَّعْظِيمِ، والمَحَبَّةِ، والذُّلِّ والِانْكِسارِ.
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ، الدَّرَجَةُ الأُولى: التَّذَلُّلُ لِلْأمْرِ، والِاسْتِسْلامُ لِلْحُكْمِ، والِاتِّضاعُ لِنَظَرِ الحَقِّ.
التَّذَلُّلُ لِلْأمْرِ تَلَقِّيهِ بِذِلَّةِ القَبُولِ والِانْقِيادِ والِامْتِثالِ. ومُواطَأةُ الظّاهِرِ الباطِنَ، مَعَ إظْهارِ الضَّعْفِ، والِافْتِقارِ إلى الهِدايَةِ لِلْأمْرِ قَبْلَ الفِعْلِ، والإعانَةِ عَلَيْهِ حالَ الفِعْلِ، وقَبُولِهِ بَعْدَ الفِعْلِ.
وَأمّا الِاسْتِسْلامُ لِلْحُكْمِ فَيَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الحُكْمَ الدِّينِيَّ الشَّرْعِيَّ، فَيَكُونُ مَعْناهُ عَدَمَ مُعارَضَتِهِ بِرَأْيٍ أوْ شَهْوَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الِاسْتِسْلامَ لِلْحُكْمِ القَدَرِيِّ، وهو عَدَمُ تَلَقِّيهِ بِالتَّسَخُّطِ والكَراهَةِ والِاعْتِراضِ.
والحَقُّ أنَّ الخُشُوعَ هو الِاسْتِسْلامُ لِلْحُكْمَيْنِ، وهو الِانْقِيادُ بِالمَسْكَنَةِ والذُّلِّ لِأمْرِ اللَّهِ وقَضائِهِ.
وَأمّا الِاتِّضاعُ لِنَظَرِ الحَقِّ فَهو اتِّضاعُ القَلْبِ والجَوارِحِ، وانْكِسارُها لِنَظَرِ الرَّبِّ إلَيْها، واطِّلاعِهِ عَلى تَفاصِيلِ ما في القَلْبِ والجَوارِحِ، وهَذا أحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]
وَقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ [النازعات: ٤٠]
وَهُوَ مَقامُ الرَّبِّ عَلى عَبْدِهِ بِالِاطِّلاعِ والقُدْرَةِ والرُّبُوبِيَّةِ.
فَخَوْفُهُ مِن هَذا المَقامِ يُوجِبُ لَهُ خُشُوعَ القَلْبِ لا مَحالَةَ، وكُلَّما كانَ أشَدَّ اسْتِحْضارًا لَهُ كانَ أشَدَّ خُشُوعًا، وإنَّما يُفارِقُ القَلْبَ إذا غَفَلَ عَنِ اطِّلاعِ اللَّهِ عَلَيْهِ، ونَظَرِهِ إلَيْهِ.
والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ مَقامُ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عِنْدَ لِقائِهِ.
فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ.
وَعَلى الثّانِي وهو ألْيَقُ بِالآيَةِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المُخَوِّفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: تَرَقُّبُ آفاتِ النَّفْسِ والعَمَلِ، ورُؤْيَةُ فَضْلِ كُلِّ ذِي فَضْلٍ عَلَيْكَ، وتَنَسُّمُ نَسِيمِ الفَناءِ.
يُرِيدُ انْتِظارَ ظُهُورِ نَقائِصِ نَفْسِكِ وعَمَلِكَ وعُيُوبِهِما لَكَ، فَإنَّهُ يَجْعَلُ القَلْبَ خاشِعًا لا مَحالَ، لِمُطالَعَةِ عُيُوبِ نَفْسِهِ وأعْمالِهِ ونَقائِصِهِما مِنَ الكِبْرِ، والعُجْبِ، والرِّياءِ، وضَعْفِ الصِّدْقِ، وقِلَّةِ اليَقِينِ، وتَشَتُّتِ النِّيَّةِ، وعَدَمِ تَجَرُّدِ الباعِثِ مِنَ الهَوى النَّفْسانِيِّ، وعَدَمِ إيقاعِ العَمَلِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَرْضاهُ لِرَبِّكَ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عُيُوبِ النَّفْسِ، ومُفْسِداتِ الأعْمالِ.
وَأمّا رُؤْيَةُ فَضْلِ كُلِّ ذِي فَضْلٍ عَلَيْكَ فَهو أنْ تُراعِيَ حُقُوقَ النّاسِ فَتُؤَدِّيَها، ولا تَرى أنَّ ما فَعَلُوهُ مِن حُقُوقِكَ عَلَيْهِمْ، فَلا تُعاوِضَهم عَلَيْها. فَإنَّ هَذا مِن رُعُوناتِ النَّفْسِ وحَماقاتِها. ولا تُطالِبُهم بِحُقُوقِ نَفْسِكَ، وتَعْتَرِفُ بِفَضْلِ ذِي الفَضْلِ مِنهُمْ، وتَنْسى فَضْلَ نَفْسِكَ.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَقُولُ: العارِفُ لا يَرى لَهُ عَلى أحَدٍ حَقًّا، ولا يَشْهَدُ عَلى غَيْرِهِ فَضْلًا، ولِذَلِكَ لا يُعاتِبُ، ولا يُطالِبُ، ولا يُضارِبُ.
وَأمّا تَنَسُّمُ نَسِيمِ الفَناءِ فَلَمّا كانَ الفَناءُ عِنْدَهُ غايَةً، جَعَلَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ كالنَّسِيمِ لِرِقَّتِهِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالنَّسِيمِ لِلُطْفِ مَوْقِعِهِ مِنَ الرُّوحِ، وشَدَّةِ تَشَبُّثِها بِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ الخُشُوعَ سَبَبٌ مُوصِلٌ إلى الفَناءِ، فاضِلَهُ ومَفْضُولَهُ.
(فَصْلٌ)
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: حِفْظُ الحُرْمَةِ عِنْدَ المُكاشَفَةِ، وتَصْفِيَةُ الوَقْتِ مِن مُراءاةِ الخَلْقِ، وتَجْرِيدُ رُؤْيَةِ الفَضْلِ.
أمّا حِفْظُ الحُرْمَةِ عِنْدَ المُكاشَفَةِ فَهو ضَبْطُ النَّفْسِ بِالذُّلِّ والِانْكِسارِ عَنِ البَسْطِ والإدْلالِ، الَّذِي تَقْتَضِيهِ المُكاشَفَةُ، فَإنَّ المُكاشَفَةَ تُوجِبُ بَسْطًا، ويُخافُ مِنهُ شَطْحٌ، إنْ لَمْ يَصْحَبْهُ خُشُوعٌ يَحْفَظُ الحُرْمَةَ.
وَأمّا تَصْفِيَةُ الوَقْتِ مِن مُراءاةِ الخَلْقِ فَلا يُرِيدُ بِهِ أنْ يُصَفِّيَ وقْتَهُ عَنِ الرِّياءِ، فَإنَّ أصْحابَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ أجَلُّ قَدْرًا وأعْلى مِن ذَلِكَ.
وَإنَّما المُرادُ أنْ يُخْفِيَ أحْوالَهُ عَنِ الخَلْقِ جُهْدَهُ، كَخُشُوعِهِ وذُلِّهِ وانْكِسارِهِ، لِئَلّا يَراها النّاسُ فَيُعْجِبُهُ اطِّلاعُهم عَلَيْها، ورُؤْيَتُهم لَها، فَيُفْسِدُ عَلَيْهِ وقْتَهُ وقَلْبَهُ وحالَهُ مَعَ اللَّهِ، وكَمْ قَدِ اقْتَطَعَ في هَذِهِ المَفازَةِ مِن سالِكٍ؟ والمَعْصُومُ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ، فَلا شَيْءَ أنْفَعُ لِلصّادِقِ مِنَ التَّحَقُّقِ بِالمَسْكَنَةِ والفاقَةِ والذُّلِّ، وأنَّهُ لا شَيْءَ، وأنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يَصِحَّ لَهُ بَعْدُ الإسْلامُ حَتّى يَدَّعِيَ الشَّرَفَ فِيهِ.
وَلَقَدْ شاهَدْتُ مِن شَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ مِن ذَلِكَ أمْرًا لَمْ أُشاهِدْهُ مِن غَيْرِهِ، وكانَ يَقُولُ كَثِيرًا: ما لِي شَيْءٌ، ولا مِنِّي شَيْءٌ، ولا فِيَّ شَيْءٌ، وكانَ كَثِيرًا ما يَتَمَثَّلُ بِهَذا البَيْتِ:
؎أنا المُكَدِّي وابْنُ المُكَدِّي ∗∗∗ وهَكَذا كانَ أبِي وجَدِّي
وَكانَ إذا أُثْنِي عَلَيْهِ في وجْهِهِ يَقُولُ: واللَّهِ إنِّي إلى الآنِ أُجَدِّدُ إسْلامِي كُلَّ وقْتٍ، وما أسْلَمْتُ بَعْدُ إسْلامًا جَيِّدًا.
وَبَعَثَ إلَيَّ في آخِرِ عُمُرِهِ قاعِدَةً في التَّفْسِيرِ بِخَطِّهِ، وعَلى ظَهْرِها أبْياتٌ بِخَطِّهِ مِن نَظْمِهِ:
؎أنا الفَقِيرُ إلى رَبِّ البَرِيّاتِ ∗∗∗ أنا المُسَيْكِينُ في مَجْمُوعِ حالاتِي
؎أنا الظَّلُومُ لِنَفْسِي وهي ظالِمَتِي ∗∗∗ والخَيْرُ إنْ يَأْتِنا مِن عِنْدِهِ يَأْتِي
؎لا أسْتَطِيعُ لِنَفْسِي جَلْبَ مَنفَعَةٍ ∗∗∗ ولا عَنِ النَّفْسِ لِي دَفْعُ المَضَرّاتِ
؎وَلَيْسَ لِي دُونَهُ مَوْلًى يُدَبِّرُنِي ∗∗∗ ولا شَفِيعٌ إذا حاطَتْ خَطِيئاتِي
؎إلّا بِإذْنٍ مِنَ الرَّحْمَنِ خالِقِنا ∗∗∗ إلى الشَّفِيعِ كَما قَدْ جاءَ في الآياتِ
؎وَلَسْتُ أمْلِكُ شَيْئًا دُونَهُ أبَدًا ∗∗∗ ولا شَرِيكٌ أنا في بَعْضِ ذَرّاتِ
؎وَلا ظُهَيْرٌ لَهُ كَيْ يَسْتَعِينَ بِهِ ∗∗∗ كَما يَكُونُ لِأرْبابِ الوِلاياتِ
؎والفَقْرُ لِي وصْفُ ذاتِ لازِمٍ أبَدًا ∗∗∗ كَما الغِنى أبَدًا وصْفٌ لَهُ ذاتِي
؎وَهَذِهِ الحالُ حالُ الخَلْقِ أجْمَعِهِمْ ∗∗∗ وكُلُّهم عِنْدَهُ عَبْدٌ لَهُ آتِي
؎فَمَن بَغى مَطْلَبًا مِن غَيْرِ خالِقِهِ ∗∗∗ فَهو الجَهُولُ الظَّلُومُ المُشْرِكُ العاتِي
؎والحَمْدُ لِلَّهِ مِلْءَ الكَوْنِ أجْمَعِهِ ∗∗∗ ما كانَ مِنهُ وما مِن بَعْدُ قَدْ ياتِي
وَأمّا تَجْرِيدُ رُؤْيَةِ الفَضْلِ فَهو أنْ لا يَرى الفَضْلَ والإحْسانَ إلّا مِنَ اللَّهِ، فَهو المانُّ بِهِ بِلا سَبَبٍ مِنكَ، ولا شَفِيعٍ لَكَ تَقَدَّمَ إلَيْهِ بِالشَّفاعَةِ، ولا وسِيلَةٍ سَبَقَتْ مِنكَ تَوَسَّلْتَ بِها إلى إحْسانِهِ.
والتَّجْرِيدُ هو تَخْلِيصُ شُهُودِ الفَضْلِ لِوَلِيِّهِ، حَتّى لا يَنْسُبَهُ إلى غَيْرِهِ، وإلّا فَهو في نَفْسِهِ مُجَرَّدٌ عَنِ النِّسْبَةِ إلى سِواهُ، وإنَّما الشَّأْنُ في تَجْرِيدِهِ في الشُّهُودِ، لِيُطابِقَ الشُّهُودُ الحَقَّ في نَفْسِ الأمْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
57:17Страница 539
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧
Знайте, что Аллах оживляет землю после ее смерти. Мы уже разъяснили вам знамения, - может быть, вы уразумеете.
К этому аяту нет толкования
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии