Ибн аль-КаййимАль‑Анам · 6:108–121

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

Аль-Анам 6:108–121

6:108Страница 141

وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٠٨

Не оскорбляйте тех, к кому они взывают помимо Аллаха, а не то они станут оскорблять Аллаха из враждебности и по невежеству. Так Мы приукрасили для каждого народа их деяния. Потом им предстоит вернуться к своему Господу, и Он поведает им о том, что они совершали.

(فصل)

وأما التزيين فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُم﴾ وقال: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فأضاف التزيين إليه منه سبحانه خلقا ومشيئة وحذف فاعله تارة ونسبة إلى سببه ومن أجراه على يده تارة وهذا التزيين سبحانه حسن إذ هو ابتلاء واختبار بعيد ليتميز المطيع منهم من العاصي والمؤمن من الكافر كما قال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وهو من الشيطان قبيح وأيضا فتزيينه سبحانه للعبد عمله السيئ عقوبة منه له على إعراضه عن توحيده وعبوديته وإيثار سيء العمل على حسنه فإنه لا بد أن يعرفه سبحانه السيئ من الحسن فإذا آثر القبيح واختاره وأحبه ورضيه لنفسه زينه سبحانه له وأعماه عن رؤية قبحه بعد أن رآه قبيحا وكل ظالم وفاجر وفاسق لا بد أن يريه الله تعالى ظلمه وفجوره وفسقه قبيحا فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه فربما رآه حسنا عقوبة له فإنه إنما يكشف له عن قبحه بالنور الذي في قلبه وهو حجة الله عليه فإذا تمادى في غيه وظلمه ذهب ذلك النور فلم ير قبحه في ظلمات الجهل والفسوق والظلم ومع هذا فحجة الله قائمة عليه بالرسالة وبالتعريف الأول فتزيين الرب تعالى عدل وعقوبته حكمة وتزيين الشيطان إغواء وظلم وهو السبب الخارج عن العبد والسبب الداخل فيه حبه وبغضه وإعراضه والرب سبحانه خالق الجميع والجميع واقع بمشيئته وقدرته ولو شاء لهدى خلقه أجمعين والمعصوم من عصمه الله والمخذول من خذله الله ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾.

[فَصْلٌ الأدِلَّةُ عَلى المَنعِ مِن فِعْلِ ما يُؤَدِّي إلى الحَرامِ]

الدَّلالَةُ عَلى المَنعِ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: قَوْله تَعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾

فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعالى سَبَّ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ - مَعَ كَوْنِ السَّبِّ غَيْظًا وحَمِيَّةً لِلَّهِ وإهانَةً لِآلِهَتِهِمْ - لِكَوْنِهِ ذَرِيعَةً إلى سَبِّهِمْ اللَّهَ تَعالى، وكانَتْ مَصْلَحَةُ تَرْكِ مَسَبَّتِهِ تَعالى أرْجَحَ مِن مَصْلَحَةِ سَبِّنا لِآلِهَتِهِمْ، وهَذا كالتَّنْبِيهِ بَلْ كالتَّصْرِيحِ عَلى المَنعِ مِن الجائِزِ لِئَلّا يَكُونَ سَبَبًا في فِعْلِ ما لا يَجُوزُ.

6:109Страница 141

وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٩

Именем Аллаха они принесли величайшие клятвы о том, что если к ним явится знамение, они непременно уверуют в него. Скажи: «Знамения находятся у Аллаха. И откуда вам знать, что они не уверуют, если даже оно придет к ним?».

К этому аяту нет толкования

6:110Страница 141

وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١٠

Мы отворачиваем их сердца и умы, поскольку они не уверовали в него в первый раз, и оставляем их скитаться вслепую в собственном беззаконии.

هذا عطف على قوله: ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم تلك الآية فلا يؤمنون.

واختلف في قوله: كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ فقال كثير من المفسرين: المعنى نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة قال ابن عباس في رواية عطاء عنه: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم حتى يرجعوا إلى ما سبق عليهم من علمي. قال: وهذا كقوله: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾.

وقال آخرون: المعنى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لتركهم الإيمان به أول مرة، فعاقبناهم بتقليب أفئدتهم وأبصارهم. وهذا معنى حسن. فإن كاف التشبيه تتضمن نوعا من التعليل. كقوله: ﴿وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ وقوله: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُوا عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ، فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾

والذي حسن اجتماع التعليل والتشبيه: الإعلام بأن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر.

والتقليب: تحويل الشيء من وجه إلى وجه، وكان الواجب من مقتضى إنزال الآية ووصولهم إليها كما سألوا: أن يؤمنوا إذ جاءتهم لأنهم رأوها عيانا وعرفوا أدلتها وتحققوا صدقها.

فإذا لم يؤمنوا كان ذلك تقليبا لقلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي ينبغي أن تكون عليه.

وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفه كيف يشاء، ثم قال رسول الله ﷺ: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك»

وروى الترمذي من حديث أنس قال: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فقلت: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به. فهل تخاف علينا؟ قال: إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء»

قال الترمذي: هذا حديث حسن.

وروى حماد عن أيوب وهشام ويعلى بن زياد عن الحسن قال: قالت عائشة رضي الله عنها: «دعوة كان رسول الله ﷺ يكثر أن يدعو بها: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فقلت: يا رسول الله، دعوة كثيرا ما تدعو بها؟ قال: إنه ليس من عبد إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله. فإذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه».

وقوله: ﴿وَنَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال: ابن عباس: أخذلهم وأدعهم في ضلالهم يتمادون.

وأما التزيين إليه سبحانه خلقا ومشيئة. وحذف فاعله تارة، ونسبه إلى سببه، ومن أجراه على يده تارة.

وهذا التزيين منه سبحانه حسن، إذ هو ابتلاء واختبار للعبد ليتميز المطيع منهم من العاصي، والمؤمن من الكافر، كما قال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وهو من الشيطان قبيح.

وأيضا فتزيينه سبحانه للعبد عمله السيئ عقوبة منه له على إعراضه عن توحيده وعبوديته، وإيثار سيء العمل على حسنه فإنه لا بد أن يعرفه سبحانه السيئ من الحسن، فإذا آثر القبيح واختاره وأحبه ورضيه لنفسه زينه سبحانه له وأعماه عن رؤية قبحه بعد أن رآه قبيحا. وكل ظالم وفاجر وفاسق لا بد أن يريه الله تعالى ظلمه وفجوره وفسقه قبيحا، فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه. فربما رآه حسنا عقوبة له، فإنه إنما يكشف له عن قبحه بالنور الذي في قلبه، وهو حجة الله عليه فإذا تمادى في غيه وظلمه ذهب ذلك النور، فلم ير قبحه في ظلمات الجهل والفسوق والظلم. ومع هذه فحجة الله قائمة عليه بالرسالة، وبالتعريف الأول.

فتزيين الرب تعالى عدل، وعقوبته حكمة، وتزيين الشيطان إغواء

وظلم وهو السبب الخارج عن العبد، والسبب الداخل فيه حبه وبغضه، وإعراضه، والرب سبحانه خالق الجميع، والجميع واقع بمشيئته وقدرته، ولو شاء لهدى خلقه أجمعين. والمعصوم من عصمه الله، والمخذول من خذله الله. ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.

(فائدة)

حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء:

أحدهما: رد الحق لمخالفته هواك فإنك تعاقب بتقليب القلب ورد ما يرد عليك من الحق رأسا ولا تقبله إلا إذا برز في قالب هواك قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك.

والثاني: التهاون بالأمر إذا حضر وقته، فإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك قال تعالى: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبدا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾.

فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فليهنه السلامة.

(فصل: الذُّنُوبُ قد تَخْذُلُ صاحَبَها عِنْدَ المَوْتِ، فَتَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخاتِمَةِ الحُسْنى)

إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُعاقِبُ عَلى السَّيِّئَةِ بِسَيِّئَةٍ أُخْرى، وتَتَضاعَفُ عُقُوبَةُ السَّيِّئاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، كَما يُثِيبُ عَلى الحَسَنَةِ بِحَسَنَةٍ أُخْرى.

إذا نَظَرْتَ إلى حالِ كَثِيرٍ مِنَ المُحْتَضِرِينَ وجَدْتَهم يُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَ حُسْنِ الخاتِمَةِ، عُقُوبَةً لَهم عَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ.

قالَ الحافِظُ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الإشْبِيلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:

واعْلَمْ أنَّ لِسُوءِ الخاتِمَةِ - أعاذَنا اللَّهُ مِنها - أسْبابًا، ولَها طُرُقٌ وأبْوابٌ، أعْظَمُها الِانْكِبابُ عَلى الدُّنْيا، والإعْراضُ عَنِ الأُخْرى، والإقْدامُ والجَرْأةُ عَلى مَعاصِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ورُبَّما غَلَبَ عَلى الإنْسانِ ضَرْبٌ مِنَ الخَطِيئَةِ، ونَوْعٌ مِنَ المَعْصِيَةِ، وجانِبٌ مِنَ الإعْراضِ، ونَصِيبٌ مِنَ الجَرْأةِ والإقْدامِ، فَمَلَكَ قَلْبَهُ، وسَبى عَقْلَهُ وأطْفَأ نُورَهُ وأرْسَلَ عَلَيْهِ حُجُبَهُ فَلَمْ تَنْفَعْ فِيهِ تَذْكِرَةٌ، ولا نَجَحَتْ فِيهِ مَوْعِظَةٌ، فَرُبَّما جاءَهُ المَوْتُ عَلى ذَلِكَ، فَسَمِعَ النِّداءَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ المُرادُ، ولا عَلِمَ ما أرادَ، وإنْ كَرَّرَ عَلَيْهِ الدّاعِي وأعادَ.

قالَ: ويُرْوى أنَّ بَعْضَ رِجالِ النّاصِرِ نَزَلَ المَوْتُ بِهِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: النّاصِرُ مَوْلايَ، فَأعادَ عَلَيْهِ القَوْلَ، فَأعادَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أصابَتْهُ غَشْيَةٌ، فَلَمّا أفاقَ قالَ: النّاصِرُ مَوْلايَ، وكانَ هَذا دَأْبَهُ كُلَّما قِيلَ لَهُ قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَ: النّاصِرُ مَوْلايَ، ثُمَّ قالَ لِابْنِهِ: يا فُلانُ، النّاصِرُ إنَّما يَعْرِفُكَ بِسَيْفِكَ، والقَتْلَ القَتْلَ، ثُمَّ ماتَ.

قالَ عَبْدُ الحَقِّ: وقِيلَ لِآخَرَ - مِمَّنْ أعْرِفُهُ - قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَجَعَلَ يَقُولُ: الدّارُ الفُلانِيَّةُ أصْلِحُوا فِيها كَذا، والبُسْتانُ الفُلانِيُّ افْعَلُوا فِيهِ كَذا.

وَقالَ: وفِيما أذِنَ أبُو طاهِرٍ السَّلَفِيُّ أنْ أُحَدِّثَ بِهِ عَنْهُ: أنَّ رَجُلًا نَزَلَ بِهِ المَوْتُ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ بِالفارِسِيَّةِ: دَهْ يازَدَهْ دَهْ وازَدَهْ، تَفْسِيرُهُ: عَشْرٌ بِأحَدَ عَشَرَ.

وَقِيلَ لِآخَرَ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ:

أيْنَ الطَّرِيقُ إلى حَمّامِ مِنجابِ

قالَ: وهَذا الكَلامُ لَهُ قِصَّةٌ، وذَلِكَ أنَّ رَجُلًا كانَ واقِفًا بِإزاءِ دارِهِ، وكانَ بابُها يُشْبِهُ بابَ هَذا الحَمّامِ، فَمَرَّتْ بِهِ جارِيَةٌ لَها مَنظَرٌ، فَقالَتْ: أيْنَ الطَّرِيقُ إلى حَمّامِ مِنجابِ؟ فَقالَ: هَذا حَمّامُ مِنجابِ، فَدَخَلَتِ الدّارَ ودَخَلَ وراءَها، فَلَمّا رَأتْ نَفْسَها في دارِهِ وعَلِمَتْ أنَّهُ قَدْ خَدَعَها، أظْهَرَتْ لَهُ البُشْرى والفَرَحَ بِاجْتِماعِها مَعَهُ، وقالَتْ لَهُ: يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَعَنا ما يَطِيبُ بِهِ عَيْشُنا وتَقَرُّ بِهِ عُيُونُنا، فَقالَ لَها: السّاعَةَ آتِيكِ بِكُلِّ ما تُرِيدِينَ وتَشْتَهِينَ، وخَرَجَ وتَرَكَها في الدّارِ ولَمْ يُغْلِقْها، فَأخَذَ ما يَصْلُحُ ورَجَعَ، فَوَجَدَها قَدْ خَرَجَتْ وذَهَبَتْ، ولَمْ تَخُنْهُ في شَيْءٍ، فَهامَ الرَّجُلُ وأكْثَرَ الذِّكْرَ لَها، وجَعَلَ يَمْشِي في الطُّرُقِ والأزِقَّةِ ويَقُولُ:

؎يا رُبَّ قائِلَةٍ يَوْمًا وقَدْ تَعِبَتْ ∗∗∗ كَيْفَ الطَّرِيقُ إلى حَمّامِ مِنجابِ؟

فَبَيْنَما هو يَوْمًا يَقُولُ ذَلِكَ، إذا بِجارِيَتِهِ أجابَتْهُ مِن طاقٍ:

؎هَلّا جَعَلْتَ سَرِيعًا إذْ ظَفِرْتَ بِها ∗∗∗ حِرْزًا عَلى الدّارِ أوْ قُفْلًا عَلى البابِ

فازْدادَ هَيَمانُهُ واشْتَدَّ، ولَمْ يَزَلْ عَلى ذَلِكَ، حَتّى كانَ هَذا البَيْتُ آخِرَ كَلامِهِ مِنَ الدُّنْيا.

وَلَقَدْ بَكى سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ لَيْلَةً إلى الصَّباحِ، فَلَمّا أصْبَحَ قِيلَ لَهُ: كُلُّ هَذا خَوْفًا مِنَ الذُّنُوبِ؟ فَأخَذَ تِبْنَةً مِنَ الأرْضِ، وقالَ: الذُّنُوبُ أهْوَنُ مِن هَذا، وإنَّما أبْكِي مِن خَوْفِ سُوءِ الخاتِمَةِ.

وَهَذا مِن أعْظَمِ الفِقْهِ: أنْ يَخافَ الرَّجُلُ أنْ تَخْذُلَهُ ذُنُوبُهُ عِنْدَ المَوْتِ، فَتَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخاتِمَةِ الحُسْنى.

وَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ لَمّا احْتُضِرَ جَعَلَ يُغْمى عَلَيْهِ ثُمَّ يَفِيقُ ويَقْرَأُ: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠].

فَمِن هَذا خافَ السَّلَفُ مِنَ الذُّنُوبِ، أنْ تَكُونَ حِجابًا بَيْنَهم وبَيْنَ الخاتِمَةِ الحُسْنى.

قالَ: واعْلَمْ أنَّ سُوءَ الخاتِمَةِ - أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِنها - لا تَكُونُ لِمَنِ اسْتَقامَ ظاهِرُهُ وصَلُحَ باطِنُهُ، ما سُمِعَ بِهَذا ولا عُلِمَ بِهِ ولِلَّهِ الحَمْدُ، وإنَّما تَكُونُ لِمَن لَهُ فَسادٌ في العَقْدِ، أوْ إصْرارٌ عَلى الكَبائِرِ، وإقْدامٌ عَلى العَظائِمِ، فَرُبَّما غَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتّى يَنْزِلَ بِهِ المَوْتُ قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَيَأْخُذُهُ قَبْلَ إصْلاحِ الطَّوِيَّةِ، ويَصْطَلِمُهُ قَبْلَ الإنابَةِ فَيَظْفَرُ بِهِ الشَّيْطانُ عِنْدَ تِلْكَ الصَّدْمَةِ، ويَخْتَطِفُهُ عِنْدَ تِلْكَ الدَّهْشَةِ، والعِياذُ بِاللَّهِ.

قالَ: ويُرْوى أنَّهُ كانَ بِمِصْرَ رَجُلٌ يَلْزَمُ مَسْجِدًا لِلْأذانِ والصَّلاةِ، وعَلَيْهِ بَهاءُ الطّاعَةِ وأنْوارُ العِبادَةِ، فَرَقِيَ يَوْمًا المَنارَةَ عَلى عادَتِهِ لِلْأذانِ، وكانَ تَحْتَ المَنارَةِ دارٌ لِنَصْرانِيٍّ، فاطَّلَعَ فِيها، فَرَأى ابْنَةَ صاحِبِ الدّارِ فافْتُتِنَ بِها، فَتَرَكَ الأذانَ، ونَزَلَ إلَيْها، ودَخَلَ الدّارَ عَلَيْها، فَقالَتْ لَهُ: ما شَأْنُكَ وما تُرِيدُ؟ قالَ: أُرِيدُكِ، فَقالَتْ: لِماذا؟ قالَ: قَدْ سَبَيْتِ لُبِّي، وأخَذْتِ بِمَجامِعِ قَلْبِي، قالَتْ: لا أُجِيبُكَ إلى رِيبَةٍ أبَدًا، وقالَ: أتَزَوَّجُكِ؟ قالَتْ: أنْتَ مُسْلِمٌ وأنا نَصْرانِيَّةٌ وأبِي لا يُزَوِّجُنِي مِنكَ، قالَ: أتَنَصَّرُ، قالَتْ: إنْ فَعَلْتَ أفْعَلُ، فَتَنَصَّرَ الرَّجُلُ لِيَتَزَوَّجَها، وأقامَ مَعَهم في الدّارِ، فَلَمّا كانَ في أثْناءِ ذَلِكَ اليَوْمِ، رَقِيَ إلى سَطْحٍ كانَ في الدّارِ فَسَقَطَ مِنهُ فَماتَ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِها، وفاتَهُ دِينُهُ.

قالَ: ويُرْوى أنَّ رَجُلًا عَشِقَ شَخْصًا فاشْتَدَّ كَلَفُهُ بِهِ، وتَمَكَّنَ حُبُّهُ مِن قَلْبِهِ، حَتّى وقَعَ ألَمٌ بِهِ ولَزِمَ الفِراشَ بِسَبَبِهِ، وتَمَنَّعَ ذَلِكَ الشَّخْصُ عَلَيْهِ، واشْتَدَّ نِفارُهُ عَنْهُ، فَلَمْ تَزَلِ الوَسائِطُ يَمْشُونَ بَيْنَهُما حَتّى وعَدَهُ بِأنْ يَعُودَهُ، فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ النّاسُ، فَفَرِحَ واشْتَدَّ سُرُورُهُ وانْجَلى غَمُّهُ، وجَعَلَ يَنْتَظِرُ المِيعادَ الَّذِي ضَرَبَ لَهُ، فَبَيْنا هو كَذَلِكَ إذْ جاءَهُ السّاعِي بَيْنَهُما، فَقالَ: إنَّهُ وصَلَ مَعِي إلى بَعْضِ الطَّرِيقِ ورَجَعَ، ورَغَّبْتُ إلَيْهِ وكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: إنَّهُ ذَكَرَنِي وصَرَّحَ بِي، ولا أدْخُلُ مَداخِلَ الرِّيبَةِ ولا أُعَرِّضُ نَفْسِي لِمَواقِعِ التُّهَمِ، فَعاوَدْتُهُ فَأبى وانْصَرَفَ، فَلَمّا سَمِعَ البائِسُ أُسْقِطَ في يَدِهِ، وعادَ إلى أشَدَّ مِمّا كانَ بِهِ، وبَدَتْ عَلَيْهِ عَلائِمُ، فَجَعَلَ يَقُولُ في تِلْكَ الحالِ:

؎يا سَلْمُ يا راحَةَ العَلِيلِ ∗∗∗ ويا شِفا المُدْنَفِ النَّحِيلِ

؎رِضاكِ أشْهى إلى فُؤادِي ∗∗∗ مِن رَحْمَةِ الخالِقِ الجَلِيلِ

فَقُلْتُ لَهُ: يا فُلانُ اتَّقِ اللَّهَ، قالَ: قَدْ كانَ، فَقُمْتُ عَنْهُ، فَما جاوَزْتُ بابَ دارِهِ حَتّى سَمِعْتُ صَيْحَةَ المَوْتِ، فَعِياذًا بِاللَّهِ مِن سُوءِ العاقِبَةِ، وشُؤْمِ الخاتِمَةِ.

6:111Страница 142

۞ وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١

Даже если бы Мы ниспослали им ангелов, и мертвые заговорили бы с ними, и Мы собрали бы перед ними все сущее, они ни за что не уверовали бы, если бы только этого не пожелал Аллах. Однако большинство их не ведает об этом.

К этому аяту нет толкования

6:112Страница 142

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١١٢

Так Мы определили для каждого пророка врагов - дьяволов из числа людей и джиннов, внушающих друг другу красивые слова обольщения. Если бы твой Господь пожелал, они не поступали бы так. Оставь же их вместе с их измышлениями.

К этому аяту нет толкования

6:113Страница 142

وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ ١١٣

Мы сделали так, чтобы к этим словам склонялись сердца тех, которые не верят в Последнюю жизнь, и чтобы они довольствовались ими и совершали то, что они совершают.

(فصل)

وأما اللام في قوله: ﴿وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾

فهي على بابها للتعليل فإنها إن كانت تعليلا لفعل العدو وهو إيحاء بعضهم إلى بعض فظاهر وعلى هذا فيكون عطفا على قوله: ﴿غُرُورًا﴾ فإنه مفعول لأجله أي ليغروهم بهذا الوحي ولتصغى إليه أفئدة من يلقى إليه فيرضاه ويعمل بموجبه، فيكون سبحانه قد أخبر بمقصودهم من الإيحاء المذكور وهو أربعة أمور غرور من يوحون إليه وإصغاء أفئدتهم إليهم ومحبتهم لذلك وانفعالهم عنده بالاقتراف وإن كان ذلك تعليلا لجعله سبحانه لكل نبي عدوا فيكون هذا الحكم من جملة الغايات والحكم المطلوبة بهذا الجعل وهي غاية وحكمة مقصودة لغيرها لأنها مفضية إلى أمور هي محبوبة مطلوبة للرب سبحانه وفواتها يستلزم فوات ما هو أحب إليه من حصولها وعلى التقديرين فاللام لام التعليل والحكمة.

6:114Страница 142

أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١١٤

Скажи: «Неужели я пожелаю иного судью, помимо Аллаха, в то время как Он ниспослал вам Писание, подробно разъяснив его?». Те, кому Мы даровали Писание, знают, что оно ниспослано от твоего Господа с истиной. Посему не будь в числе тех, кто сомневается.

К этому аяту нет толкования

6:115Страница 142

وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١١٥

Слово твоего Господа исполнилось правдиво и справедливо! Никто не изменит Его Слов. Он - Слышащий, Знающий.

К этому аяту нет толкования

6:116Страница 142

وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ١١٦

Если ты станешь повиноваться большинству тех, кто на земле, они собьют тебя с пути Аллаха. Они следуют лишь предположениям и только измышляют.

К этому аяту нет толкования

6:117Страница 142

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١١٧

Воистину, твоему Господу лучше знать, кто сбивается с Его пути. Ему также лучше знать, кто следует прямым путем.

К этому аяту нет толкования

6:118Страница 142

فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١١٨

Ешьте же из того, над чем произнесено имя Аллаха, если вы веруете в Его знамения.

К этому аяту нет толкования

6:119Страница 143

وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ ١١٩

Почему вы не должны есть из того, над чем произнесено имя Аллаха, в то время как Он уже подробно разъяснил вам, что вам запрещено, если только вы не принуждены к этому? Воистину, многие вводят других в заблуждение своими собственными желаниями, без всякого знания. Воистину, твоему Господу лучше знать преступников.

К этому аяту нет толкования

6:120Страница 143

وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ سَيُجۡزَوۡنَ بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ ١٢٠

Оставьте грехи очевидные и сокрытые. Воистину, те, которые совершают грех, получат воздаяние за то, что они совершали.

К этому аяту нет толкования

6:121Страница 143

وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ ١٢١

Не ешьте из того, над чем не было произнесено имя Аллаха, ибо это есть нечестие. Воистину, дьяволы внушают своим помощникам препираться с вами. Если вы станете повиноваться им, то окажетесь многобожниками.

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في جَعْلِ ذَبِيحَةِ غَيْرِ الكِتابِيِّ مِثْلَ المَيْتَةِ]

وَأمّا جَمْعُها بَيْنَ المَيْتَةِ وذَبِيحَةِ غَيْرِ الكِتابِيِّ في التَّحْرِيمِ، وبَيْنَ مَيْتَةِ الصَّيْدِ وذَبِيحَةِ المُحْرِمِ لَهُ، فَأيُّ تَفاوُتٍ في ذَلِكَ؟ وكَأنَّ السّائِلَ رَأى أنَّ الدَّمَ لَمّا احْتَقَنَ في المَيِّتَةِ كانَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِها، وما ذَبَحَهُ المُحْرِمُ أوْ الكافِرُ غَيْرُ الكِتابِيِّ لَمْ يَحْتَقِنْ دَمُهُ؛ فَلا وجْهَ لِتَحْرِيمِهِ، وهَذا غَلَطٌ وجَهْلٌ؛ فَإنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ لَوْ انْحَصَرَتْ في احْتِقانِ الدَّمِ لَكانَ لِلسُّؤالِ وجْهٌ، فَأمّا إذا تَعَدَّدَتْ عِلَلُ التَّحْرِيمِ لَمْ يَلْزَمْ مِن انْتِفاءِ بَعْضِها انْتِفاءَ الحُكْمِ إذا خَلَفَهُ عِلَّةٌ أُخْرى، وهَذا أمْرٌ مُطَّرِدٌ في الأسْبابِ والعِلَلِ العَقْلِيَّةِ.

فَما الَّذِي يُنْكِرُ مِنهُ في الشَّرْعِ؟

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَدْ سَوَّتْ الشَّرِيعَةُ بَيْنَهُما في كَوْنِهِما مَيْتَةً، وقَدْ اخْتَلَفا في سَبَبِ المَوْتِ، فَتَضَمَّنَتْ جَمْعَها بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ وتَفْرِيقَها بَيْنَ مُتَماثِلَيْنِ؛ فَإنَّ الذَّبْحَ واحِدٌ صُورَةً وحِسًّا وحَقِيقَةً؛ فَجُعِلَتْ بَعْضُ صُوَرِهِ مَخْرَجًا لِلْحَيَوانِ عَنْ كَوْنِهِ مَيْتَةً وبَعْضُ صُوَرِهِ مُوجِبًا لِكَوْنِهِ مَيْتَةً مِن غَيْرِ فَرْقٍ.

قِيلَ: الشَّرِيعَةُ لَمْ تُسَوِّ بَيْنَهُما في اسْمِ المَيْتَةِ لُغَةً، وإنَّما سَوَّتْ بَيْنَهُما في الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ؛ فَصارَ اسْمُ المَيْتَةِ في الشَّرْعِ أعَمَّ مِنهُ في اللُّغَةِ، والشّارِعُ يَتَصَرَّفُ في الأسْماءِ اللُّغَوِيَّةِ بِالنَّقْلِ تارَةً وبِالتَّعْمِيمِ تارَةً وبِالتَّخْصِيصِ تارَةً، وهَكَذا يَفْعَلُ أهْلُ العُرْفِ؛ فَهَذا لَيْسَ بِمُنْكَرٍ شَرْعًا ولا عُرْفًا.

وَأمّا الجَمْعُ بَيْنَهُما في التَّحْرِيمِ فَلِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حَرَّمَ عَلَيْنا الخَبائِثَ، والخُبْثُ المُوجِبُ لِلتَّحْرِيمِ قَدْ يَظْهَرُ لَنا وقَدْ يَخْفى، فَما كانَ ظاهِرًا لَمْ يُنَصِّبْ عَلَيْهِ الشّارِعُ عَلامَةً غَيْرَ وصْفِهِ، وما كانَ خَفِيًّا نَصَّبَ عَلَيْهِ عَلامَةً تَدُلُّ عَلى خُبْثِهِ؛ فاحْتِقانُ الدَّمِ في المَيْتَةِ سَبَبٌ ظاهِرٌ، وأمّا ذَبِيحَةُ المَجُوسِيِّ والمُرْتَدِّ وتارِكِ التَّسْمِيَةِ ومَن أهَلَّ بِذَبِيحَتِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَنَفْسُ ذَبِيحَةِ هَؤُلاءِ أكْسَبَتْ المَذْبُوحَ خُبْثًا أوْجَبَ تَحْرِيمَهُ، ولا يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اسْمِ الأوْثانِ والكَواكِبِ والجِنِّ عَلى الذَّبِيحَةِ يُكْسِبُها خُبْثًا، وذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ وحْدَهُ يُكْسِبُها طِيبًا، إلّا مَن قَلَّ نَصِيبُهُ مِن حَقائِقِ العِلْمِ والإيمانِ وذَوْقِ الشَّرِيعَةِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن الذَّبائِحِ فِسْقًا وهو الخَبِيثُ، ولا رَيْبَ أنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ عَلى الذَّبِيحَةِ يُطَيِّبُها ويَطْرُدُ الشَّيْطانَ عَنْ الذّابِحِ والمَذْبُوحِ، فَإذا أخَلَّ بِذِكْرِ اسْمِهِ لابَسَ الشَّيْطانُ الذّابِحَ والمَذْبُوحَ، فَأثَّرَ ذَلِكَ خُبْثًا في الحَيَوانِ، والشَّيْطانُ يَجْرِي في مَجارِي الدَّمِ مِن الحَيَوانِ، والدَّمُ مَرْكَبُهُ وحامِلُهُ، وهو أخْبَثُ الخَبائِثِ، فَإذا ذَكَرَ الذّابِحُ اسْمَ اللَّهِ خَرَجَ الشَّيْطانُ مَعَ الدَّمِ فَطابَتْ الذَّبِيحَةُ، فَإذا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ لَمْ يَخْرُجْ الخُبْثُ.

وَأمّا إذا ذَكَرَ اسْمَ عَدُوِّهِ مِن الشَّياطِينِ والأوْثانِ فَإنَّ ذَلِكَ يُكْسِبُ الذَّبِيحَةَ خُبْثًا آخَرَ.

يُوَضِّحُهُ أنَّ الذَّبِيحَةَ تَجْرِي مَجْرى العِبادَةِ، ولِهَذا يَقْرِنُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَيْنَهُما كَقَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] وقالَ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] فَأخْبَرَ أنَّهُ إنّما سَخَّرَها لِمَن يَذْكُرُ اسْمَهُ عَلَيْها، وأنَّهُ إنّما يَنالُهُ التَّقْوى - وهو التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِها وذِكْرِ اسْمِهِ عَلَيْها - فَإذا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَهُ عَلَيْها كانَ مَمْنُوعًا مِن أكْلِها، وكانَتْ مَكْرُوهَةً لِلَّهِ، فَأكْسَبَتْها كَراهِيَتَهُ لَها - حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْها اسْمَهُ أوْ ذَكَرَ عَلَيْها اسْمَ غَيْرِهِ - وصْفَ الخُبْثِ فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ المَيِّتَةِ، وإذا كانَ هَذا في مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ فَما ذَبَحَهُ عَدُوُّهُ المُشْرِكُ بِهِ الَّذِي هو مِن أخْبَثِ البَرِيَّةِ أوْلى بِالتَّحْرِيمِ؛ فَإنْ فِعْلَ الذّابِحِ وقَصْدِهِ وخُبْثِهِ لا يُنْكَرُ أنْ يُؤَثِّرَ في المَذْبُوحِ، كَما أنَّ خَبُثَ النّاكِحِ ووَصْفِهِ وقَصْدِهِ يُؤَثِّرُ في المَرْأةِ المَنكُوحَةِ، وهَذِهِ أُمُورٌ إنّما يُصَدِّقُ بِها مَن أشْرَقَ فِيهِ نُورُ الشَّرِيعَةِ وضِياؤُها، وباشَرَ قَلْبُهُ بَشاشَةَ حِكَمِها وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن المَصالِحِ في القُلُوبِ والأبَدانِ، وتَلَقّاها صافِيَةً مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ، وأحْكَمَ العَقْدَ بَيْنَها وبَيْنَ الأسْماءِ والصِّفاتِ الَّتِي لَمْ يَطْمِسْ نُورَ حَقائِقِها ظُلْمَةُ التَّأْوِيلِ والتَّحْرِيفِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English