Ибн аль-КаййимАль‑Анам · 6:122

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

Аль-Анам 6:122, продолжение

فَإذا تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ انْفَتَحَ في قَلْبِهِ عَيْنٌ أُخْرى، يُشاهِدُ بِها صِفاتِ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ، حَتّى تَصِيرَ لِقَلْبِهِ بِمَنزِلَةِ المَرْئِيِّ لِعَيْنِهِ، فَيَشْهَدُ عُلُوَّ الرَّبِّ سُبْحانَهُ فَوْقَ خَلْقِهِ، واسْتِواءَهُ عَلى عَرْشِهِ، ونُزُولَ الأمْرِ مِن عِنْدِهِ بِتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ، وتَكْلِيمَهُ بِالوَحْيِ، وتَكْلِيمَهُ لِعَبْدِهِ جِبْرِيلَ بِهِ، وإرْسالَهُ إلى مَن يَشاءُ بِما يَشاءُ، وصُعُودَ الأُمُورِ إلَيْهِ، وعَرْضَها عَلَيْهِ.

فَيُشاهِدُ قَلْبُهُ رَبًّا قاهِرًا فَوْقَ عِبادِهِ، آمِرًا ناهِيًا، باعِثًا لِرُسُلِهِ، مُنْزِلًا لِكُتُبِهِ، مَعْبُودًا مُطاعًا، لا شَرِيكَ لَهُ، ولا مَثِيلَ، ولا عَدْلَ لَهُ، لَيْسَ لِأحَدٍ مَعَهُ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، بَلِ الأمْرُ كُلُّهُ لَهُ، فَيَشْهَدُ رَبَّهُ سُبْحانَهُ قائِمًا بِالمُلْكِ والتَّدْبِيرِ، فَلا حَرَكَةَ ولا سُكُونَ، ولا نَفْعَ ولا ضَرَّ، ولا عَطاءَ ولا مَنعَ، ولا قَبْضَ ولا بَسْطَ إلّا بِقُدْرَتِهِ وتَدْبِيرِهِ، فَيَشْهَدُ قِيامَ الكَوْنِ كُلِّهِ بِهِ، وقِيامَهُ سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ، فَهو القائِمُ بِنَفْسِهِ، المُقِيمُ لِكُلِّ ما سِواهُ.

فَإذا رَسَخَ قَلْبُهُ في ذَلِكَ شَهِدَ الصِّفَةَ المُصَحِّحَةَ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، وهي الحَياةُ الَّتِي كَمالُها يَسْتَلْزِمُ كَمالَ السَّمْعِ والبَصَرِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ والكَلامِ وسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ، وصِفَةَ القَيُّومِيَّةِ الصَّحِيحَةِ المُصَحِّحَةِ لِجَمِيعِ الأفْعالِ، فالحَيُّ القَيُّومُ: مَن لَهُ كُلُّ صِفَةِ كَمالٍ، وهو الفَعّالُ لِما يُرِيدُ.

فَإذا رَسَخَ قَلْبُهُ في ذَلِكَ: فَتَحَ لَهُ مَشْهَدَ القُرْبِ والمَعِيَّةِ فَيَشْهَدُهُ سُبْحانَهُ مَعَهُ، غَيْرَ غائِبٍ عَنْهُ، قَرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، مَعَ كَوْنِهِ فَوْقَ سَماواتِهِ عَلى عَرْشِهِ، بائِنًا مِن خَلْقِهِ، قائِمًا بِالصُّنْعِ والتَّدْبِيرِ، والخَلْقِ والأمْرِ، فَيَحْصُلُ لَهُ مَعَ التَّعْظِيمِ والإجْلالِ الأُنْسُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَيَأْنَسُ بِهِ بَعْدَ أنْ كانَ مُسْتَوْحِشًا، ويَقْوى بِهِ بَعْدَ أنْ كانَ ضَعِيفًا، ويَفْرَحُ بِهِ بَعْدَ أنْ كانَ حَزِينًا، ويَجِدُ بَعْدَ أنْ كانَ فاقِدًا، فَحِينَئِذٍ يَجِدُ طَعْمَ قَوْلِهِ: " «وَلا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها، ولَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ».

فَأطْيَبُ الحَياةِ عَلى الإطْلاقِ حَياةُ هَذا العَبْدِ، فَإنَّهُ مُحِبٌّ مَحْبُوبٌ، مُتَقَرِّبٌ إلى رَبِّهِ، ورَبُّهُ قَرِيبٌ مِنهُ، قَدْ صارَ لَهُ حَبِيبُهُ لِفَرْطِ اسْتِيلائِهِ عَلى قَلْبِهِ ولَهَجِهِ بِذِكْرِهِ وعُكُوفِ هِمَّتِهِ عَلى مَرْضاتِهِ بِمَنزِلَةِ سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ويَدِهِ ورِجْلِهِ، وهَذِهِ آلاتُ إدْراكِهِ وعَمَلِهِ وسَعْيِهِ، فَإنْ سَمِعَ سَمِعَ بِحَبِيبِهِ، وإنْ أبْصَرَ أبْصَرَ بِهِ، وإنْ بَطَشَ بَطَشَ بِهِ، وإنْ مَشى مَشى بِهِ.

فَإنْ صَعُبَ عَلَيْكَ فَهْمُ هَذا المَعْنى، وكَوْنُ المُحِبِّ الكامِلِ المَحَبَّةِ يَسْمَعُ ويُبْصِرُ ويَبْطِشُ ويَمْشِي بِمَحْبُوبِهِ، وذاتُهُ غائِبَةٌ عَنْهُ، فاضْرِبْ عَنْهُ صَفْحًا، وخَلِّ هَذا الشَّأْنَ لِأهْلِهِ.

؎خَلِّ الهَوى لِأُناسٍ يُعْرَفُونَ بِهِ ∗∗∗ قَدْ كابَدُوا الحُبَّ حَتّى لانَ أصْعَبُهُ

فَإنَّ السّالِكَ إلى رَبِّهِ لا تَزالُ هِمَّتُهُ عاكِفَةً عَلى أمْرَيْنِ؛ اسْتِفْراغُ القَلْبِ في صِدْقِ الحُبِّ، وبَذْلُ الجُهْدِ في امْتِثالِ الأمْرِ، فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَبْدُوَ عَلى سِرِّهِ شَواهِدُ مَعْرِفَتِهِ، وآثارُ صِفاتِهِ وأسْمائِهِ، ولَكِنْ يَتَوارى عَنْهُ ذَلِكَ أحْيانًا، ويَبْدُو أحْيانًا، يَبْدُو مِن عَيْنِ الجُودِ، ويَتَوارى بِحُكْمِ الفَتْرَةِ، والفَتَراتُ أمْرٌ لازِمٌ لِلْعَبْدِ، فَكُلُّ عامِلٍ لَهُ شِرَّةٌ، ولِكُلِّ شِرَّةٌ فَتْرَةٌ، فَأعْلاها فَتْرَةُ الوَحْيِ؛ وهي لِلْأنْبِياءِ، وفَتْرَةُ الحالِ الخاصِّ لِلْعارِفِينَ، وفَتْرَةُ الهِمَّةِ لِلْمُرِيدِينَ، وفَتْرَةُ العَمَلِ لِلْعابِدِينَ، وفي هَذِهِ الفَتَراتِ أنْواعٌ مِنَ الحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ، والتَّعَرُّفاتِ الإلَهِيَّةِ، وتَعْرِيفِ قَدْرِ النِّعْمَةِ، وتَجْدِيدِ الشَّوْقِ إلَيْها، ومَحْضِ التَّواجُدِ إلَيْها وغَيْرِ ذَلِكَ.

وَلا تَزالُ تِلْكَ الشَّواهِدُ تَتَكَرَّرُ وتَتَزايَدُ، حَتّى تَسْتَقِرَّ، ويَنْصَبِغَ بِها قَلْبُهُ، وتَصِيرُ الفَتْرَةُ غَيْرَ قاطِعَةٍ لَهُ، بَلْ تَكُونُ نِعْمَةً عَلَيْهِ، وراحَةً لَهُ، وتَرْوِيحًا وتَنْفِيسًا عَنْهُ.

فَهِمَّةُ المُحِبِّ إذا تَعَلَّقَتْ رُوحُهُ بِحَبِيبِهِ، عاكِفًا عَلى مَزِيدِ مَحَبَّتِهِ، وأسْبابِ قُوَّتِها، فَهو يَعْمَلُ عَلى هَذا، ثُمَّ يَتَرَقّى مِنهُ إلى طَلَبِ مَحَبَّةِ حَبِيبِهِ لَهُ، فَيَعْمَلُ عَلى حُصُولِ ذَلِكَ، ولا يُعْدَمُ الطَّلَبَ الأوَّلَ، ولا يُفارِقُهُ ألْبَتَّةَ، بَلْ يَنْدَرِجُ في هَذا الطَّلَبِ الثّانِي، فَتَتَعَلَّقُ هِمَّتُهُ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا، فَإنَّهُ إنَّما يَحْصُلُ لَهُ مَنزِلَةُ " كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ " بِهَذا الأمْرِ الثّانِي، وهو كَوْنُهُ مَحْبُوبًا لِحَبِيبِهِ، كَما قالَ في الحَدِيثِ «فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ» إلَخْ، فَهو يَتَقَرَّبُ إلى رَبِّهِ حِفْظًا لِمَحَبَّتِهِ لَهُ، واسْتِدْعاءً لِمَحَبَّةِ رَبِّهِ لَهُ.

فَحِينَئِذٍ يَشُدُّ مِئْزَرَ الجِدِّ في طَلَبِ مَحَبَّةِ حَبِيبِهِ لَهُ بِأنْواعِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ، فَقَلْبُهُ؛ لِلْمَحَبَّةِ والإنابَةِ والتَّوَكُّلِ والخَوْفِ والرَّجاءِ، ولِسانُهُ؛ لِلذِّكْرِ وتِلاوَةِ كَلامِ حَبِيبِهِ، وجَوارِحُهُ: لِلطّاعاتِ، فَهو لا يَفْتُرُ عَنِ التَّقَرُّبِ مِن حَبِيبِهِ.

وَهَذا هو السَّيْرُ المُفْضِي إلى هَذِهِ الغايَةِ الَّتِي لا تُنالُ إلّا بِهِ، ولا يُتَوَصَّلُ إلَيْها إلّا مِن هَذا البابِ، وهَذِهِ الطَّرِيقِ، وحِينَئِذٍ تُجْمَعُ لَهُ في سَيْرِهِ جَمِيعُ مُتَفَرِّقاتِ السُّلُوكِ مِنَ الحُضُورِ والهَيْبَةِ والمُراقَبَةِ ونَفْيِ الخَواطِرِ وتَخْلِيَةِ الباطِنِ.

فَإنَّ المُحِبَّ يَشْرَعُ أوَّلًا في التَّقَرُّباتِ بِالأعْمالِ الظّاهِرَةِ، وهي ظاهِرُ التَّقَرُّبِ، ثُمَّ يَتَرَقّى مِن ذَلِكَ إلى حالِ التَّقَرُّبِ، وهو الِانْجِذابُ إلى حَبِيبِهِ بِكُلِّيَّتِهِ بِرُوحِهِ وقَلْبِهِ، وعَقْلِهِ وبَدَنِهِ، ثُمَّ يَتَرَقّى مِن ذَلِكَ إلى حالِ الإحْسانِ، فَيَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ، فَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ مِن باطِنِهِ بِأعْمالِ القُلُوبِ؛ مِنَ المَحَبَّةِ والإنابَةِ والتَّعْظِيمِ والإجْلالِ والخَشْيَةِ، فَيَنْبَعِثُ حِينَئِذٍ مِن باطِنِهِ الجُودُ بِبَذْلِ الرُّوحِ والجُودُ في مَحَبَّةِ حَبِيبِهِ بِلا تَكَلُّفٍ، فَيَجُودُ بِرُوحِهِ ونَفْسِهِ، وأنْفاسِهِ وإرادَتِهِ، وأعْمالِهِ لِحَبِيبِهِ حالًا لا تَكَلُّفًا، فَإذا وجَدَ المُحِبُّ ذَلِكَ فَقَدْ ظَفِرَ بِحالِ التَّقَرُّبِ وسِرِّهِ وباطِنِهِ، وإنْ لَمْ يَجِدْهُ فَهو يَتَقَرَّبُ بِلِسانِهِ وبَدَنِهِ وظاهِرِهِ فَقَطْ، فَلْيَدُمْ عَلى ذَلِكَ، ولْيَتَكَلَّفِ التَّقَرُّبَ بِالأذْكارِ والأعْمالِ عَلى الدَّوامِ، فَعَساهُ أنْ يَحْظى بِحالِ القُرْبِ.

وَوَراءَ هَذا القُرْبِ الباطِنِ أمْرٌ آخَرُ أيْضًا، وهو شَيْءٌ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأحْسَنِ مِن عِبارَةِ أقْرَبِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذا المَعْنى، حَيْثُ يَقُولُ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى: «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا، ومَن تَقَرَّبَ مِنِّي ذِراعًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ باعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» فَيَجِدُ هَذا المُحِبُّ في باطِنِهِ ذَوْقَ مَعْنى هَذا الحَدِيثِ ذَوْقًا حَقِيقِيًّا.

فَذَكَرَ مِن مَراتِبِ القُرْبِ ثَلاثَةً، ونَبَّهَ بِها عَلى ما دُونَها وما فَوْقَها. فَذَكَرَ تَقَرُّبَ العَبْدِ إلَيْهِ بِالبِرِّ، وتَقَرُّبَهُ سُبْحانَهُ إلى العَبْدِ ذِراعًا، فَإذا ذاقَ العَبْدُ حَقِيقَةَ هَذا التَّقَرُّبِ انْتَقَلَ مِنهُ إلى تَقَرُّبِ الذِّراعِ، فَيَجِدُ ذَوْقَ تَقَرُّبِ الرَّبِّ إلَيْهِ باعًا.

فَإذا ذاقَ حَلاوَةَ هَذا القُرْبِ الثّانِي أسْرَعَ المَشْيَ حِينَئِذٍ إلى رَبِّهِ، فَيَذُوقُ حَلاوَةَ إتْيانِهِ إلَيْهِ هَرْوَلَةً، وهاهُنا مُنْتَهى الحَدِيثِ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ إذا هَرْوَلَ عَبْدُهُ إلَيْهِ كانَ قُرْبُ حَبِيبِهِ مِنهُ فَوْقَ هَرْوَلَةِ العَبْدِ إلَيْهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ لِعَظِيمِ شاهِدِ الجَزاءِ، أوْ لِأنَّهُ يَدْخُلُ في الجَزاءِ الَّذِي لَمْ تَسْمَعْ بِهِ أُذُنٌ، ولَمْ يَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، أوْ إحالَةً لَهُ عَلى المَراتِبِ المُتَقَدِّمَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ وقِسْ عَلى هَذا، فَعَلى قَدْرِ ما تَبْذُلُ مِنكَ مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّكَ يَتَقَرَّبُ إلَيْكَ بِأكْثَرَ مِنهُ، وعَلى هَذا فَلازِمُ هَذا التَّقَرُّبِ المَذْكُورِ في مَراتِبِهِ؛ أيْ مَن تَقَرَّبَ إلى حَبِيبِهِ بِرُوحِهِ وجَمِيعِ قُواهُ، وإرادَتِهِ وأقْوالِهِ وأعْمالِهِ تَقَرَّبَ الرَّبُّ مِنهُ سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ في مُقابَلَةِ تَقَرُّبِ عَبْدِهِ إلَيْهِ.

وَلَيْسَ القُرْبُ في هَذِهِ المَراتِبِ كُلِّها قُرْبَ مَسافَةٍ حِسِّيَّةٍ ولا مُماسَّةٍ، بَلْ هو قُرْبٌ حَقِيقِيٌّ، والرَّبُّ تَعالى فَوْقَ سَماواتِهِ عَلى عَرْشِهِ، والعَبْدُ في الأرْضِ.

وَهَذا المَوْضِعُ هو سِرُّ السُّلُوكِ، وحَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ، وهو مَعْنى الوُصُولِ الَّذِي يُدَنْدِنُ حَوْلَهُ القَوْمُ.

وَمَلاكُ هَذا الأمْرِ هو قَصْدُ التَّقَرُّبِ أوَّلًا، ثُمَّ التَّقَرُّبُ ثانِيًا، ثُمَّ حالُ القُرْبِ ثالِثًا، وهو الِانْبِعاثُ بِالكُلِّيَّةِ إلى الحَبِيبِ.

وَحَقِيقَةُ هَذا الِانْبِعاثِ: أنْ تَفْنى بِمُرادِهِ عَنْ هَواكَ، وبِما مِنهُ عَنْ حَظِّكَ، بَلْ يَصِيرُ ذَلِكَ هو مَجْمُوعُ حَظِّكَ ومُرادِكَ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ مَن تَقَرَّبَ إلى حَبِيبِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ جُوزِيَ عَلى ذَلِكَ بِقُرْبٍ هو أضْعافُهُ، وعَرَفْتَ أنَّ أعْلى أنْواعِ التَّقَرُّبِ تَقَرُّبُ العَبْدِ بِجُمْلَتِهِ بِظاهِرِهِ وباطِنِهِ، وبِوُجُودِهِ إلى حَبِيبِهِ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَقَرَّبَ بِكُلِّهِ، ولَمْ تَبْقَ مِنهُ بَقِيَّةٌ لِغَيْرِ حَبِيبِهِ، كَما قِيلَ:

؎لا كانَ مَن لِسِواكَ فِيهِ بَقِيَّةٌ ∗∗∗ يَجِدُ السَّبِيلَ بِها إلَيْهِ العُذَّلُ

وَإذا كانَ المُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالأعْمالِ يُعْطِي أضْعافَ أضْعافَ ما تُقُرِّبَ بِهِ، فَما الظَّنُّ بِمَن أُعْطِيَ حالَ التَّقَرُّبِ وذَوْقَهُ ووَجْدَهُ؟ فَما الظَّنُّ بِمَن تَقَرَّبَ إلَيْهِ بِرُوحِهِ، وجَمِيعِ إرادَتِهِ وهِمَّتِهِ، وأقْوالِهِ وأعْمالِهِ؟

وَعَلى هَذا فَكَما جادَ لِحَبِيبِهِ بِنَفْسِهِ، فَإنَّهُ أهْلٌ أنْ يُجادَ عَلَيْهِ، بِأنْ يَكُونَ رَبُّهُ سُبْحانَهُ هو حَظُّهُ ونَصِيبُهُ، عِوَضًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، جَزاءً وِفاقًا، فَإنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ. وشَواهِدُ هَذا كَثِيرَةٌ.

مِنها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢] فَفَرَّقَ بَيْنَ الجَزاءَيْنِ كَما تَرى، وجَعَلَ جَزاءَ المُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ كَوْنُهُ سُبْحانَهُ حَسْبَهُ وكافِيهِ.

وَمِنها: أنَّ الشَّهِيدَ لَمّا بَذَلَ حَياتَهُ لِلَّهِ أعاضَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ حَياةً أكْمَلَ مِنها عِنْدَهُ في مَحَلِّ قُرْبِهِ وكَرامَتِهِ.

وَمِنها: أنَّ مَن بَذَلَ لِلَّهِ شَيْئًا أعاضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنهُ.

وَمِنها: قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].

وَمِنها: قَوْلُهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهُ».

وَمِنها: قَوْلُهُ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا» الحَدِيثَ.

فالعَبْدُ لا يَزالُ رابِحًا عَلى رَبِّهِ أفْضَلَ مِمّا قَدَّمَ لَهُ، وهَذا المُتَقَرِّبُ بِقَلْبِهِ ورُوحِهِ وعَمَلِهِ يَفْتَحُ عَلَيْهِ رَبُّهُ بِحَياةٍ لا تُشْبِهُ ما النّاسُ فِيهِ مِن أنْواعِ الحَياةِ، بَلْ حَياةُ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى حَياتِهِ، كَحَياةِ الجَنِينِ في بَطْنِ أُمِّهِ بِالنِّسْبَةِ إلى حَياةِ أهْلِ الدُّنْيا ولَذَّتِهِمْ فِيها، بَلْ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ.

فَهَذا نَمُوذَجُ مَن بايَنَ شَرَفَ هَذِهِ الحَياةِ وفَضْلَها، وإنْ كانَ عِلْمُ هَذا يُوجِبُ لِصاحِبِهِ حَياةً طَيِّبَةً، فَكَيْفَ إنِ انْصَبَغَ القَلْبُ بِهِ، وصارَ حالًا مُلازِمًا لِذاتِهِ؟ فاللَّهُ المُسْتَعانُ.

فَهَذِهِ الحَياةُ: هي حَياةُ الدُّنْيا ونَعِيمُها في الحَقِيقَةِ، فَمَن فَقَدَها فَفَقْدُهُ لِحَياتِهِ الطَّبِيعِيَّةِ أوْلى بِهِ.

؎هَذِي حَياةُ الفَتى فَإنْ فُقِدَتْ ∗∗∗ فَفَقْدُهُ لِلْحَياةِ ألْيَقُ بِهِ

فَلا عَيْشَ إلّا عَيْشَ المُحِبِّينَ، الَّذِينَ قَرَّتْ أعْيُنُهم بِحَبِيبِهِمْ، وسَكَنَتْ نُفُوسُهم إلَيْهِ، واطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم بِهِ، واسْتَأْنَسُوا بِقُرْبِهِ، وتَنَعَّمُوا بِحُبِّهِ، فَفي القَلْبِ فاقَةٌ لا يَسُدُّها إلّا مَحَبَّةُ اللَّهِ والإقْبالُ عَلَيْهِ والإنابَةُ إلَيْهِ، ولا يُلَمُّ شَعَثُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، ومَن لَمْ يَظْفَرْ بِذَلِكَ: فَحَياتُهُ كُلُّها هُمُومٌ وغُمُومٌ، وآلامٌ وحَسَراتٌ، فَإنَّهُ إنْ كانَ ذا هِمَّةٍ عالِيَةٍ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلى الدُّنْيا حَسَراتٍ، فَإنَّ هِمَّتَهُ لا تَرْضى فِيها بِالدُّونِ وإنْ كانَ مَهِينًا خَسِيسًا، فَعَيْشُهُ كَعَيْشِ أخَسِّ الحَيَواناتِ، فَلا تَقَرُّ العُيُونُ إلّا بِمَحَبَّةِ الحَبِيبِ الأوَّلِ.

؎نَقِّلْ فُؤادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الهَوى ∗∗∗ ما الحُبُّ إلّا لِلْحَبِيبِ الأوَّلِ

؎كَمْ مَنزِلٍ في الأرْضِ يَأْلَفُهُ الفَتى ∗∗∗ وحَنِينُهُ أبَدًا لِأوَّلِ مَنزِلِ

المَرْتَبَةُ التّاسِعَةُ مِن مَراتِبِ الحَياةِ: حَياةُ الأرْواحِ بَعْدَ مُفارَقَتِها الأبْدانَ وخَلاصِها مِن هَذا السِّجْنِ وضِيقِهِ، فَإنَّ مِن ورائِهِ فَضاءً ورَوْحًا ورَيْحانًا وراحَةً، نِسْبَةُ هَذِهِ الدّارِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ بَطْنِ الأُمِّ إلى هَذِهِ الدّارِ، أوْ أدْنى مِن ذَلِكَ، قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: لِتَكُنْ مُبادَرَتُكَ إلى الخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيا كَمُبادَرَتِكَ إلى الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ الضَّيِّقِ إلى أحِبَّتِكَ، والِاجْتِماعِ بِهِمْ في البَساتِينِ المُونِقَةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الحَياةِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨].

وَيَكْفِي في طِيبِ هَذِهِ الحَياةِ: مُرافَقَةُ الرَّفِيقِ الأعْلى، ومُفارَقَةُ الرَّفِيقِ المُؤْذِي المُنَكِّدِ، الَّذِي تُنَغِّصُ رُؤْيَتُهُ ومُشاهَدَتُهُ الحَياةَ، فَضْلًا عَنْ مُخالَطَتِهِ وعِشْرَتِهِ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، في جِوارِ الرَّبِّ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

؎قَدْ قُلْتُ إذْ مَدَحُوا الحَياةَ فَأسْرَفُوا ∗∗∗ في المَوْتِ ألْفُ فَضِيلَةٍ لا تُعْرَفُ

؎مِنها أمانُ لِقائِهِ بِلِقائِهِ ∗∗∗ وفِراقُ كُلِّ مُعاشِرٍ لا يُنْصِفُ

وَلَوْ لَمْ يَكُنْ في المَوْتِ مِنَ الخَيْرِ إلّا أنَّهُ بابُ الدُّخُولِ إلى هَذِهِ الحَياةِ، وجِسْرٌ يُعْبَرُ مِنهُ إلَيْها: لَكَفى بِهِ تُحْفَةً لِلْمُؤْمِنِ.

؎جَزى اللَّهُ عَنّا المَوْتَ خَيْرًا فَإنَّهُ ∗∗∗ أبَرُّ بِنا مِن كُلِّ بِرٍّ وألْطَفُ

؎يُعَجِّلُ تَخْلِيصَ النُّفُوسِ مِنَ الأذى ∗∗∗ ويُدْنِي إلى الدّارِ الَّتِي هي أشْرَفُ

فالِاجْتِهادُ في هَذا العُمْرِ القَصِيرِ، والمُدَّةِ القَلِيلَةِ، والسَّعْيِ والكَدْحِ، وتَحَمُّلِ الأثْقالِ، والتَّعَبِ والمَشَقَّةِ إنَّما هو لِهَذِهِ الحَياةِ، والعُلُومُ والأعْمالُ وسِيلَةٌ إلَيْها، وهي يَقَظَةٌ، وما قَبْلَها مِنَ الحَياةِ نَوْمٌ، وهي عَيْنٌ، وما قَبْلَها أثَرٌ، وهي حَياةٌ جامِعَةٌ بَيْنَ فَقْدِ المَكْرُوهِ، وحُصُولِ المَحْبُوبِ في مَقامِ الأُنْسِ، وحَضْرَةِ القُدْسِ، حَيْثُ لا يَتَعَذَّرُ مَطْلُوبٌ، ولا يُفْقَدُ مَحْبُوبٌ؛ حَيْثُ الطُّمَأْنِينَةُ والرّاحَةُ، والبَهْجَةُ والسُّرُورُ، حَيْثُ لا عِبارَةَ لِلْعَبْدِ عَنْ حَقِيقَةِ كُنْهِها؛ لِأنَّها في بَلَدٍ لا عَهْدَ لَنا بِهِ، ولا إلْفَ بَيْنَنا وبَيْنَ ساكِنِهِ، فالنَّفْسُ لِإلْفِها لِهَذا السِّجْنِ الضَّيِّقِ النَّكِدِ زَمانًا طَوِيلًا تَكْرَهُ الِانْتِقالَ مِنهُ إلى ذَلِكَ البَلَدِ، وتَسْتَوْحِشُ إذا اسْتَشْعَرَتْ مُفارَقَتَهُ.

وَحُصُولُ العِلْمِ بِهَذِهِ الحَياةِ إنَّما وصَلَ إلَيْنا بِخَبَرٍ إلَهِيٍّ عَلى يَدِ أكْمَلِ الخَلْقِ وأعْلَمِهِمْ وأنْصَحِهِمْ ﷺ، فَقامَتْ شَواهِدُها في قُلُوبِ أهْلِ الإيمانِ، حَتّى صارَتْ لَهم بِمَنزِلَةِ العِيانِ، فَفَرَّتْ نُفُوسُهم مِن هَذا الظِّلِّ الزّائِلِ، والخَيالِ المُضْمَحِلِّ، والعَيْشِ الفانِي المَشُوبِ بِالتَّنْغِيصِ وأنْواعِ الغَصَصِ، رَغْبَةً عَنْ هَذِهِ الحَياةِ، وشَوْقًا إلى ذَلِكَ المَلَكُوتِ، ووَجْدًا بِهَذا السُّرُورِ، وطَرَبًا عَلى هَذا الحَدِّ، واشْتِياقًا لِهَذا النَّسِيمِ الوارِدِ مِن مَحَلِّ النَّعِيمِ المُقِيمِ.

وَلَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ مَن سافَرَ إلى بَلَدِ العَدْلِ والخِصْبِ والأمْنِ والسُّرُورِ صَبَرَ في طَرِيقِهِ عَلى كُلِّ مَشَقَّةٍ وإعْوازٍ وجَدْبٍ، وفارَقَ المُتَخَلِّفِينَ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْهِمْ، وأجابَ المُنادِي إذا نادى بِهِ حَيَّ عَلى الفَلاحِ، وبَذَلَ نَفْسَهُ في الوُصُولِ بَذْلَ المُحِبِّ بِالرِّضا والسَّماحِ، وواصَلَ السَّيْرَ بِالغُدُوِّ والرَّواحِ، فَحَمِدَ عِنْدَ الوُصُولِ مَسْراهُ، وإنَّما يَحْمَدُ المُسافِرُ السُّرى عِنْدَ الصَّباحِ.

؎عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى ∗∗∗ وفي المَماتِ يَحْمَدُ القَوْمُ اللِّقا

وَما هَذا واللَّهِ بِالصَّعْبِ ولا بِالشَّدِيدِ، مَعَ هَذا العُمْرِ القَصِيرِ، الَّذِي هو بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الدّارِ كَساعَةٍ مِن نَهارٍ ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦]، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ - قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ - قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢-١١٤] فَلَوْ أنَّ أحَدَنا يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ يَتَّقِي بِهِ الشَّوْكَ والحِجارَةَ إلى هَذِهِ الحَياةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَثِيرًا ولا غَبْنًا في جَنْبِ ما يُوَقّاهُ.

فَواحَسْرَتاهُ عَلى بَصِيرَةٍ شاهَدَتْ هاتَيْنِ الحَياتَيْنِ عَلى ما هُما عَلَيْهِ، وعَلى هِمَّةٍ تُؤْثِرُ الأدْنى عَلى الأعْلى، وما ذاكَ إلّا بِتَوْفِيقِ مَن أزِمَّةُ الأُمُورِ بِيَدَيْهِ، ومِنهُ ابْتِداءُ كُلِّ شَيْءٍ وانْتِهاؤُهُ إلَيْهِ، أقْعَدَ نُفُوسَ مَن غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشَّقاوَةُ عَنِ السَّفَرِ إلى هَذِهِ الدّارِ، وجَذَبَ قُلُوبَ مَن سَبَقَتْ لَهم مِنهُ الحُسْنى، وأقامَهم في الطَّرِيقِ، وسَهَّلَ عَلَيْهِمْ رُكُوبَ الأخْطارِ، فَأضاعَ أُولَئِكَ مَراحِلَ أعْمارِهِمْ مَعَ المُتَخَلِّفِينَ وقَطَعَ هَؤُلاءِ مَراحِلَ أعْمارِهِمْ مَعَ السّائِرِينَ، وعُقِدَتِ الغَبَرَةُ وثارَ العَجاجُ، فَتَوارى عَنْهُ السّائِرُونَ والمُتَخَلِّفُونَ.

وَسَيَنْجَلِي عَنْ قَرِيبٍ، فَيَفُوزُ العامِلُونَ، ويَخْسِرُ المُبْطِلُونَ.

وَمِن طِيبِ هَذِهِ الحَياةِ ولَذَّتِها: قالَ النَّبِيُّ ﷺ «ما مِن نَفْسٍ تَمُوتُ لَها عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّها أنْ تَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، وأنَّ لَها الدُّنْيا وما فِيها، إلّا الشَّهِيدُ، فَإنَّهُ يَتَمَنّى الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا، لِما يَرى مِن كَرامَةِ اللَّهِ لَهُ» يَعْنِي لِيُقْتَلَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرى. وسَمِعَ بَعْضُ العارِفِينَ مُنْشِدًا يُنْشِدُ:

؎إنَّما العَيْشُ في بَهِيمِيَّةِ اللَّ ∗∗∗ ذَةِ وهو ما يَقُولُهُ الفَلْسَفِيُّ

؎حُكْمُ كَأْسِ المَنُونِ أنْ يَتَساوى ∗∗∗ في حِساها البَلِيدُ والألْمَعِيُّ

؎وَيَصِيرُ الغَبِيُّ تَحْتَ ثَرى الأرْ ∗∗∗ ضِ كَما صارَ تَحْتَها اللَّوْذَعِيُّ

؎فَسَلِ الأرْضَ عَنْهُما إنْ أزالَ الشَّ ∗∗∗ كَّ والشُّبْهَةَ السُّؤالُ الجَلِيُّ

فَقالَ: قاتَلَهُ اللَّهُ، ما أشَدَّ مُعانَدَتَهُ لِلدِّينِ والعَقْلِ! هَذا نَفْسُ عَدُوِّ الفِطْرَةِ والشَّرِيعَةِ والعَقْلِ والإيمانِ والحِكْمَةِ، يا مِسْكِينُ أمِن أجْلِ أنَّ المَوْتَ تَساوى فِيهِ الصّالِحُ والطّالِحُ، والعالِمُ والجاهِلُ، وصارُوا جَمِيعًا تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى، أيَجِبُ أنْ يَتَساوَوْا في العاقِبَةِ؟ أما تَساوى قَوْمٌ سافَرُوا مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ في الطَّرِيقِ؟ فَلَمّا بَلَغُوا القَصْدَ نَزَلَ كُلُّ واحِدٍ في مَكانٍ كانَ مُعَدًّا لَهُ، وتُلُقِّي بِغَيْرِ ما تُلُقِّيَ بِهِ رَفِيقُهُ في الطَّرِيقِ؟ أما لِكُلِّ قَوْمٍ دارٌ فَأُجْلِسَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم حَيْثُ يَلِيقُ بِهِ؟ وقُوبِلَ هَذا بِشَيْءٍ، وهَذا بِضِدِّهِ؟ أما قَدِمَ عَلى المَلِكِ مَن جاءَهُ بِما يُحِبُّهُ فَأكْرَمَهُ عَلَيْهِ، ومَن جاءَهُ بِما يُسْخِطُهُ فَعاقَبَهُ عَلَيْهِ؟ أما قَدِمَ رَكْبُ المَدِينَةِ فَنَزَلَ بَعْضُهم في قُصُورِها وبَساتِينِها وأماكِنِها الفاضِلَةِ، ونَزَلَ قَوْمٌ عَلى قَوارِعِ الطَّرِيقِ بَيْنَ الكِلابِ؟ أما قَدِمَ اثْنانِ مِن بَطْنِ الأُمِّ الواحِدَةِ، فَصارَ هَذا إلى المُلْكِ، وهَذا إلى الأسْرِ والعَناءِ؟

وَقَوْلُكَ " سَلِ الأرْضَ عَنْهُما " أما إنّا قَدْ سَألْناها، فَأخْبَرَتْنا أنَّها قَدْ ضَمَّتْ أجْسادَهم وجُثَثَهم وأوْصالَهُمْ، لا كُفْرَهم وإيمانَهُمْ، ولا أنْسابَهم وأحْسابَهُمْ، ولا حِلْمَهم وسَفَهَهُمْ، ولا طاعَتَهم ومَعْصِيَتَهُمْ، ولا يَقِينَهم وشَكَّهُمْ، ولا تَوْحِيدَهم وشِرْكَهُمْ، ولا جَوْرَهم وعَدْلَهُمْ، ولا عِلْمَهم وجَهْلَهُمْ، فَأخْبَرَتْنا عَنْ هَذِهِ الجُثَثِ البالِيَةِ والأبْدانِ المُتَلاشِيَةِ، والأوْصالِ المُتَمَزِّقَةِ، وقالَتْ هَذا خَبْرُ ما عِنْدِي.

وَأمّا خَبْرُ تِلْكَ الأرْواحِ وما صارَتْ إلَيْهِ، فَسَلُوا عَنْها كُتُبَ رَبِّ العالَمِينَ، ورُسُلَهُ الصّادِقِينَ، وخُلَفاءَهُمُ الوارِثِينَ، سَلُوا القُرْآنَ فَعِنْدَهُ الخَبَرُ اليَقِينُ، وسَلُوا مَن جاءَ بِهِ فَهو بِذَلِكَ أعْرَفُ العارِفِينَ، وسَلُوا العِلْمَ والإيمانَ فَهُما الشّاهِدانِ المَقْبُولانِ، وسَلُوا العُقُولَ والفِطَرَ فَعِنْدَها حَقِيقَةُ الخَبَرِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] تَعالى اللَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ عَنْ هَذا الظَّنِّ والحُسْبانِ، الَّذِي لا يَلِيقُ إلّا بِأجْهَلِ الجاهِلِينَ.

ثُمَّ قالَ: النّاظِرُ في هَذا البابِ رَجُلانِ، رَجُلٌ يَنْظُرُ إلى الأشْياءِ، ورَجُلٌ يَنْظُرُ في الأشْياءِ، فالأوَّلُ: يَحارُ فِيها، فَإنَّ صُوَرَها وأشْكالَها وتَخاطِيطَها تَسْتَفْرِغُ ذِهْنَهُ وحِسَّهُ، وتُبَدِّدُ فِكْرَهُ وقَلْبَهُ، فَنَظَرُهُ إلَيْها بِعَيْنِ حِسِّهِ، لا يُفِيدُهُ مِنها ثَمَرَةَ الِاعْتِبارِ، ولا زُبْدَةَ الِاخْتِبارِ؛ لِأنَّهُ لَمّا فَقَدَ الِاعْتِبارَ أوَّلًا، فَإنَّهُ فَقَدَ الِاخْتِيارَ ثانِيًا.

وَأمّا النّاظِرُ في الأشْياءِ: فَإنَّ نَظَرَهُ يَبْعَثُهُ عَلى العُبُورِ مِن صُوَرِها إلى حَقائِقِها والمُرادِ بِها، وما اقْتَضى وُجُودُها مِنَ الحِكْمَةِ البالِغَةِ والعِلْمِ التّامِّ، فَيُفِيدُهُ هَذا النَّظَرُ تَمْيِيزَ مَراتِبِها، ومَعْرِفَةَ نافِعِها مِن ضارِّها، وصَحِيحِها مِن سَقِيمِها، وباقِيها مِن فانِيها، وقِشْرِها مِن لُبِّها، ويُمَيِّزُ بَيْنَ الوَسِيلَةِ والغايَةِ، وبَيْنَ وسِيلَةِ الشَّيْءِ ووَسِيلَةِ ضِدِّهِ، فَيَعْرِفُ حِينَئِذٍ أنَّ الدُّنْيا قِشْرُهُ والآخِرَةَ لُبُّهُ، وأنَّ الدُّنْيا مَحَلُّ الزَّرْعِ، والآخِرَةَ وقْتُ الحَصادِ، وأنَّ الدُّنْيا مَعْبَرٌ ومَمَرٌّ، والآخِرَةَ دارُ مُسْتَقَرٍّ.

وَإذا عَرَفَ أنَّ الدُّنْيا طَرِيقٌ ومَمَرٌّ كانَ حَرِيًّا بِتَهْيِئَةِ الزّادِ لِقَرارِهِ، ويَعْلَمُ حِينَئِذٍ أنَّهُ لَمْ يَنْشَأْ في هَذِهِ الدّارِ لِلِاسْتِيطانِ والخُلُودِ، ولَكِنْ لِلْجَوازِ إلى مَكانٍ آخَرَ، هو المَنزِلُ والمُتَبَوَّأُ، وأنَّ الإنْسانَ دُعِيَ إلى ذَلِكَ بِكُلِّ شَرِيعَةٍ، وعَلى لِسانِ كُلِّ نَبِيٍّ، وبِكُلِّ إشارَةٍ ودَلِيلٍ، ونُصِبَ لَهُ عَلى ذَلِكَ عِلْمٌ، وضُرِبَ لِأجَلِهِ كُلُّ مَثَلٍ، ونُبِّهَ عَلَيْهِ بِنَشْأتِهِ الأُولى ومَبادِئِهِ، وسائِرِ أحْوالِهِ، وأحْوالِ طَعامِهِ وشَرابِهِ، وأرْضِهِ وسَمائِهِ، بِحَيْثُ أُزِيلَتْ عَنْهُ الشُّبْهَةُ، وأُوْضِحَتْ لَهُ المَحَجَّةُ، وأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، وأُعْذِرَ إلَيْهِ غايَةَ الإعْذارِ، وأُمْهِلَ أتَمَّ الإمْهالِ، فاسْتَبانَ لِذِي العَقْلِ الصَّحِيحِ والفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ أنَّ الظَّعْنَ عَنْ هَذا المَكانِ ضَرُورِيٌّ، والِانْتِقالَ عَنْهُ حَقٌّ لا مِرْيَةَ فِيهِ، وأنَّ لَهُ مَحَلًّا آخَرَ لَهُ قَدْ أُنْشِئَ ولِأجْلِهِ قَدْ خُلِقَ ولَهُ هُيِّئَ، فَمَصِيرُهُ إلَيْهِ وقُدُومُهُ بِلا رَيْبٍ عَلَيْهِ، وأنَّ دارَهُ هَذِهِ مَنزِلُ عُبُورٍ، لا مَنزِلُ قَرارٍ.

وَبِالجُمْلَةِ: مَن نَظَرَ في المَوْجُوداتِ، ولَمْ يَقْنَعْ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إلَيْها وحْدَها: وجَدَها دالَّةً عَلى أنَّ وراءَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةً أُخْرى أكْمَلَ مِنها، وأنَّ هَذِهِ الحَياةَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالمَنامِ بِالنِّسْبَةِ إلى اليَقَظَةِ، وكالظِّلِّ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّخْصِ، وسَمِعَها كُلَّها تُنادِي بِما نادى بِهِ رَبُّها وخالِقُها وفاطِرُها ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥] وتُنادِي بِلِسانِ الحالِ، بِما نادى بِهِ رَبُّها بِصَرِيحِ المَقالِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] وقالَ تَعالى: ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وفي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] ثُمَّ نَدَبَهم إلى المُسابَقَةِ إلى الدّارِ الآخِرَةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا زَوالَ لَها.: فَقالَ ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].

وَسَمِعَ بَعْضُ العارِفِينَ مُنْشِدًا يُنْشِدُ عَنْ بَعْضِ الزَّنادِقَةِ عِنْدَ مَوْتِهِ وهو مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيّا المُتَطَبِّبُ:

؎لَعَمْرِيَ ما أدْرِي وقَدْ أذِنَ البِلى ∗∗∗ بِعاجِلِ تِرْحالِي إلى أيْنَ تِرْحالِي

؎وَأيْنَ مَحَلُّ الرُّوحِ بَعْدَ خُرُوجِهِ ∗∗∗ عَنِ الهَيْكَلِ المُنْحَلِّ والجَسَدِ البالِي

فَقالَ: وما عَلَيْنا مِن جَهْلِهِ، إذا لَمْ يَدْرِ أيْنَ تِرْحالُهُ؟ ولَكِنَّنا نَدْرِي إلى أيْنَ تِرْحالُنا وتِرْحالُهُ، أمّا تِرْحالُهُ فَإلى دارِ الأشْقِياءِ، ومَحِلِّ المُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، والمُكَذِّبِينَ بِما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ المُرْسَلِينَ عَنْ رَبِّهِمْ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ - وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ - قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ - ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٥-١٢].

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English