Ибн аль-КаййимАс‑Сафф · 61:6

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

Ас-Сафф 61:6

61:6Страница 552

وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٦

А вот Иса (Иисус), сын Марьям (Марии), сказал: «О сыны Исраила (Израиля)! Я послан к вам Аллахом, чтобы подтвердить правдивость того, что было в Таурате (Торе) до меня, и чтобы сообщить благую весть о Посланнике, который придет после меня, имя которого будет Ахмад (Мухаммад)». Когда же он явился к ним с ясными знамениями, они сказали: «Это - очевидное колдовство».

(فصل)

وَقد ظن طائِفَة مِنهُم أبُو القاسِم السُّهيْلي وغَيره أن تَسْمِيَته ﷺ بـ أحْمد كانَت قبل تَسْمِيَته بِـ مُحَمد فَقالُوا ولِهَذا بشر بِهِ المَسِيح باسمه أحْمد وفي حَدِيث طَوِيل في حَدِيث مُوسى لما قالَ لرَبه جلّ وعلا إنِّي أجد أمة من شَأْنها كَذا وكَذا فاجعلهم أمتِي قالَ تِلْكَ أمة أحْمد يا مُوسى فَقالَ اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من أمة أحْمد قالُوا وإنَّما جاءَ تَسْمِيَته بِمُحَمد في القُرْآن خاصَّة لقَوْله تَعالى ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّد﴾ [محمد: ٨] وقَوله ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله﴾ [الفتح: ٢٩]

وبنوا على ذَلِك أن اسْمه أحْمد تَفْضِيل من فعل الفاعِل أي أحْمد الحامدين لرَبه ومُحَمّد هو المَحْمُود الَّذِي تحمده الخَلائق وإنَّما يَتَرَتَّب على هَذا الِاسْم بعد وجوده وظهوره فَإنَّهُ حِينَئِذٍ حَمده أهل السَّماء والأرْض ويَوْم القِيامَة يحمده أهل الموقف فَلَمّا ظهر إلى الوُجُود وترتب على ظُهُوره من الخيرات ما ترَتّب حَمده الخَلائق حمدًا مكررًا فتأخرت تَسْمِيَته بِمُحَمد على تَسْمِيَته بِأحْمَد.

وَفِي هَذا الكَلام مناقشة من وُجُوه:

أحدها أنه قد سمي بِمُحَمد قبل الإنْجِيل كَذَلِك اسْمه في التَّوْراة وهَذا يقر بِهِ كل عالم من مؤمني أهل الكتاب ونحن نذْكر النَّص الَّذِي عِنْدهم في التَّوْراة، وما هو الصَّحِيح في تَفْسِيره.

قالَ في التَّوْراة في إسْماعِيل قولا هَذِه حكايته وعَن إسْماعِيل سَمِعتك ها أنا باركته وأيمنته مِمّا باد وذكر هَذا بعد أن ذكر إسْماعِيل وأنه سيلد اثْنَي عشر عَظِيما مِنهُم عَظِيم يكون اسْمه مماد باد وهَذا عند العلماء المُؤمنِينَ من أهل الكتاب صَرِيح في اسْم النَّبِي ﷺ مُحَمَّد

وَرَأيْت في بعض شُرُوح التَّوْراة ما حكايته بعد هَذا المَتْن قالَ الشّارِح هَذانِ الحرفان في موضِعين يتضمنان اسْم السَّيِّد الرَّسُول مُحَمَّد ﷺ لِأنَّك إذا اعْتبرت حُرُوف اسْم مُحَمَّد وجدتها في الحرفين المَذْكُورين لِأن ميمي مُحَمَّد ودالة بِإزاءِ الميمين من الحرفين وإحْدى الدالين وبَقِيَّة اسْم مُحَمَّد وهِي الحاء فبإزاء بَقِيَّة الحرفين وهِي الباء والألفان والدّال الثّانِيَة

قلت يُرِيد بالحرفين الكَلِمَتَيْنِ قالَ لِأن للحاء من الحساب ثَمانِيَة من العدَد والباء لَها اثْنان وكل ألف لَها واحِد والدّال بأرْبعَة فَيصير المَجْمُوع ثَمانِيَة وهِي قسط الحاء من العدَد الجملِي فَيكون الحرفان معنى الكَلِمَتَيْنِ وهما مماد باد قد تضمنا بالتصريح ثَلاثَة أرباع اسْم مُحَمَّد ﷺ وربعه الآخر قد دلّ عَلَيْهِ بَقِيَّة الحرفين بِالكِتابَةِ بِالطَّرِيقِ الَّتِي أشرت إلَيْها قالَ الشّارِح فَإن قيل فَما مستندكم في هَذا التَّأْوِيل؟

قُلْنا مستندنا فِيهِ مُسْتَند عُلَماء اليَهُود في تَأْوِيل أمْثاله من الحُرُوف المشكلة الَّتِي جاءَت في التَّوْراة كَقَوْلِه تَعالى يا مُوسى قل لبني إسْرائِيل أن يَجْعَل كل واحِد مِنهُم في طرف ثَوْبه خيطًا أزْرَق لَهُ ثَمانِيَة أرؤس ويعقد فِيهِ خمس عقد ويسميه صيصيت قالَ عُلَماء اليَهُود تَأْوِيل هَذا وحكمته أن كل من رأى ذَلِك الخَيط الأزْرَق وعدد أطْرافه الثَّمانِية وعقده الخمس وذكر اسْمه ذكر ما يجب عَلَيْهِ من فَرائض الله سُبْحانَهُ وتَعالى لِأن الله تَعالى افْترض على بني إسْرائِيل سِتّمائَة وثَلاث عشرَة شَرِيعَة لِأن الصادين والياءين بمائتين والتّاء بأربعمائة فَيصير مَجْمُوع الِاسْم سِتّمائَة والأطراف والعقد ثَلاثَة عشر كَأنَّهُ يَقُول بصورته واسْمه اذكر فَرائض الله عز وجل.

قالَ هَذا الشّارِح وأما قَول كثير من المُفَسّرين إن المُراد بِهَذَيْنِ الحرفين جدا جدا لكَون لفظ ماد قد جاءَت مُفْردَة في التَّوْراة بِمَعْنى جدا قالَ فَهَذا لا يَصح لأجل الباء المُتَّصِلَة بِهَذا الحَرْف فَإنَّهُ لَيْسَ من الكَلام المُسْتَقيم قَول القائِل أنا أكرمك بجدًا فَلَمّا نقل هَذا الحَرْف من التَّوْراة الأزلية الَّتِي نزلت في ألْواح الجَوْهَر على الكليم بالخط الكينوني وهَذا الحَرْف فِيها مَوْصُولا بِالباء علم أن المُراد غير ما ذهب إلَيْهِ من قالَ هي بِمَعْنى جدا إذْ لا تَأْوِيل يَلِيق بها غير هَذا التَّفْسِير بِدَلِيل قَوْله تَعالى في غير هَذا الموضع لإبْراهِيم عَن ولَده إسْماعِيل إنَّه يلد اثْنَي عشر شريفًا ومن شرِيف مِنهُم يكون شخص اسْمه مِمّا باد فقد صرحت التَّوْراة أن هذَيْن الحرفين اسْم علم لشخص شرِيف معِين من ولد إسْماعِيل فَبَطل قَول من قالَ إنَّه بِمَعْنى المصدر للتوكيد فَإن التَّصْرِيح بِكَوْنِهِ

اسْم عين يُناقض من يَدعِي أنه اسْم معنى والله أعلم. تمّ كَلامه.

وَقالَ غَيره لا حاجَة إلى هَذا التعسف في بَيان اسْمه ﷺ في التَّوْراة بل اسْمه فِيها أظهر من هَذا كُله وذَلِكَ أن التَّوْراة هي باللغة العبرية وهِي قريبَة من العَرَبيَّة بل هي أقرب لُغات الأُمَم إلى اللُّغَة العَرَبيَّة وكَثِيرًا ما يكون الِاخْتِلاف بَينهما في كَيْفيَّة أداء الحُرُوف والنطق بها من التفخيم والترقيق والضَّم والفَتْح وغير ذَلِك واعْتبر هَذا بتقارب ما بَين مُفْرَدات اللغتين فَإن العَرَب يَقُولُونَ لا والعبرانيين تَقول لَو فيضمون اللّام ويأتون بِالألف بَين الواو والألف وتقول العَرَب قدس ويَقُول العبرانيون قدش وتقول العَرَب أنْت ويَقُول العبرانيون أنا وتقول العَرَب يَأْتِي كَذا ويَقُول العبرانيون يوتى فيضمون الياء ويأتون بِالألف بعْدها بَين الواو والألف وتقول العَرَب قدسك ويَقُول العبرانيون قد شحا وتقول العَرَب مِنهُ ويَقُول العبرانيون ممنو وتقول العَرَب من يهوذا ويَقُول العبرانيون مهوذا وتقول العَرَب سَمِعتك ويَقُول العبرانيون شمعيخا وتقول العَرَب من ويَقُول العبرانيون مي وتقول العَرَب يَمِينه ويَقُول العبرانيون مينو وتقول العَرَب لَهُ ويَقُول العبرانيون لَو بَين الواو والألف وكَذَلِكَ تَقول العَرَب أمة ويَقُول العبرانيون أموا وتقول العَرَب أرض ويَقُول العبرانيون إيرص وتقول العَرَب واحِد ويَقُول العبرانيون إيحاد وتقول العَرَب عالم ويَقُول العبرانيون عولام وتقول العَرَب كيس ويَقُول العبرانيون كييس وتقول العَرَب يَأْكُل ويَقُول العبرانيون يوخل وتقول العَرَب تين ويَقُول العبرانيون تيين وتقول العَرَب إلَه ويَقُول العبرانيون أولوه وتقول العَرَب إلهنا ويَقُول العبرانيون ألوهينو وتقول العَرَب أبانا ويَقُول العبرانيون أبوتينا ويَقُولُونَ باصباع إلوهيم يعنون أصْبع الإلَه ويَقُولُونَ مابنم يعنون الابْن ويَقُولُونَ حاليب بِمَعْنى حَلُوب فَإذا أرادوا يَقُولُونَ لا تَأْكُل الجدي في حليب أمه قالُوا

"لَو توخل لذِي ما حالوب أمو"

وَيَقُولُونَ لَو [توكلوا] أي لا تَأْكُلُوا ويَقُولُونَ للكتب "المشنا" ومَعْناها بلغَة العَرَب المُثَنّاة الَّتِي تثنى أي تقْرَأ مرّة بعد مرّة.

وَلا نطيل بِأكْثَرَ من هَذا في تقارب اللغتين.

وَتَحْت هَذا سر يفهمهُ من فهم تقارب ما بَين الأمتين والشريعتين.

واقتران التَّوْراة بِالقُرْآنِ في غير مَوضِع من الكتاب كَقَوْلِه تَعالى ﴿أولم يكفروا بِما أُوتِيَ مُوسى من قبل قالُوا سحران تظاهرا وقالُوا إنّا بِكُل كافرون قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ من عند الله هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٨-٤٩]

وَقَوله في سُورَة الأنْعام ردا على من قالَ ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهدى للنّاس﴾ [الأنعام: ٩١]

ثمَّ قالَ تَعالى ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] وقالَ في آخر السُّورَة ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدىً ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤-١٥٥]

وَقالَ تَعالى في أول سُورَة آل عمران ﴿المَ اللَّهُ لا إلَه إلّا هو الحَيّ القيوم نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ﴾

وَقالَ تَعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذكرا لِلْمُتقين الَّذين يَخْشونَ رَبهم بِالغَيْبِ وهم من السّاعَة مشفقون وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٨-٥٠]

وَلِهَذا يذكر سُبْحانَهُ وتَعالى قصَّة مُوسى ويُعِيدها ويبديها ويسلي رَسُوله ﷺ ويَقُول رَسُول الله ﷺ عِنْدَما يَنالهُ من أذى النّاس لقد أوذي مُوسى بِأكْثَرَ من هَذا فَصَبر

وَلِهَذا قالَ النَّبِي ﷺ إنَّه كائِن في أمتِي ما كانَ في بني إسْرائِيل حَتّى لَو كانَ فيهم من أتى أمه عَلانيَة لَكانَ في هَذِه الأمة من يَفْعَله فَتَأمل هَذا التناسب بَين الرسولين والكتابين والشريعتين أعنِي الشَّرِيعَة الصَّحِيحَة الَّتِي لم تبدل والأمتين واللغتين فَإذا نظرت في حُرُوف مُحَمَّد وحروف مماد باد وجدت الكَلِمَتَيْنِ كلمة واحِدَة فَإن الميمين فيهما والهمزة والحاء من مخرج واحِد والدّال كثيرا ما تَجِد موضعها ذالًا في لغتهم يَقُولُونَ إيحاذ للْواحِد ويَقُولُونَ قوذش في القُدس والدّال والذال متقاربتان فَمن تَأمل اللغتين وتَأمل هذَيْن الاسمين لم يشك أنَّهُما واحِد ولِهَذا نَظائِر في اللغتين مثل مُوسى فَإنَّهُ في اللُّغَة العبرانية موشى بالشين وأصله الماء والشَّجر فَإنَّهُم يَقُولُونَ للْماء مو وشا هو الشّجر ومُوسى التقطه آل فِرْعَوْن من بَين الماء والشَّجر فالتفاوت الَّذِي بَين مُوسى وموشى كالتفاوت بَين مُحَمَّد ومماد باد.

وَكَذا إسْماعِيل هو في لغتهم يشماعيل بياء بدل الألف وبشين بدل السِّين فالتفاوت بَينهما كالتفاوت بَين مُحَمَّد ومماد باد وكَذَلِكَ العيص وهو أخُو يَعْقُوب يَقُولُونَ لَهُ عِيسى وهو عيص ونَظِير هَذا في غير الأعْلام مِمّا تقدم قَوْله يشماعون يعنون يسمعُونَ ويَقُولُونَ آقيم بِمد الهمزَة مَعَ ضمها أي أقيم ويَقُولُونَ مي قارب أي من قارب ووسط أخيهيم أي إخْوَتهم وهَذا مِمّا يعْتَرف بِهِ كل مُؤمن عالم من عُلَماء أهل الكتاب

والمَقْصُود أن اسْم النَّبِي ﷺ في التَّوْراة مُحَمَّد كَما هو في القُرْآن وأما المَسِيح فَإنَّما سَمّاهُ أحْمد كَما حَكاهُ الله عَنهُ في القُرْآن فَإذن تَسْمِيَته بِأحْمَد وقعت مُتَأخِّرَة عَن تَسْمِيَته مُحَمَّدًا في التَّوْراة ومتقدمة على تَسْمِيَته مُحَمَّدًا في القُرْآن فَوَقَعت بَين التسميتين محفوفة بهما وقد تقدم أن هذَيْن الاسمين صفتان في الحَقِيقَة والوصفية فيهما لا تنافِي العلمية وأن مَعْناهُما مَقْصُود فَعرف عند كل أمة بأعرف الوصفين عِنْدها فمحمد مفعل من الحَمد وهو الكثير الخِصال الَّتِي يحمد عَلَيْها حمدًا متكررًا حمدًا بعد حمد وهَذا إنَّما يعرف بعد العلم بخصال الخَيْر وأنواع العُلُوم والمعارف والأخلاق والأوصاف والأفْعال الَّتِي يسْتَحق تكْرار الحَمد عَلَيْها ولا ريب أن بني إسْرائِيل هم أولو العلم الأول والكتاب الَّذِي قالَ الله تَعالى فِيهِ ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ٤٥]

وَلِهَذا كانَت أمة مُوسى أوسع علومًا ومَعْرِفَة من أمة المَسِيح ولِهَذا لا تتمّ شَرِيعَة المَسِيح إلّا بِالتَّوْراةِ وأحكامها فَإن المَسِيح عَلَيْهِ السَّلام وأمته محالون في الأحْكام عَلَيْها والإنْجِيل كَأنَّهُ مكمل لَها متمم لمحاسنها والقُرْآن جامع لمحاسن الكِتابَيْنِ

فَعرف النَّبِي ﷺ عند هَذِه الأمة باسم مُحَمَّد الَّذِي قد جمع خِصال الخَيْر الَّتِي يسْتَحق أن يحمد عَلَيْها حمدًا بعد حمد وعرف عند أمة المَسِيح ب أحْمد الَّذِي يسْتَحق أن يحمد أفضل مِمّا يحمد غَيره وحمده أفضل من حمد غَيره فَإن أمة المَسِيح أمة لَهُم من الرياضات والأخلاق والعبادات ما لَيْسَ لأمة مُوسى، ولِهَذا كانَ غالب كِتابهمْ مواعظ وزهد وأخلاق وحض على الإحْسان والِاحْتِمال والصفح حَتّى قيل إن الشَّرائِع ثَلاثَة شَرِيعَة عدل وهِي شَرِيعَة التَّوْراة فِيها الحكم والقصاص وشَرِيعَة فضل وهِي شَرِيعَة الإنْجِيل مُشْتَمِلَة على العَفو ومَكارِم الأخْلاق والصفح والإحْسان كَقَوْلِه من أخذ رداءك فأعطه ثَوْبك ومن لطمك على خدك الأيْمن فأدر لَهُ خدك الأيْسَر ومن سخرك ميلًا فامش مَعَه ميلين وشَرِيعَة نَبينا جمعت هَذا وهَذا وهِي شَرِيعَة القُرْآن فَإنَّهُ يذكر العدْل ويوجبه والفضل وينْدب إلَيْهِ كَقَوْلِه تَعالى ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] فجاء اسْمه عند هَذِه الأمة بأفعل التَّفْضِيل الدّال على الفضل والكمال كَما جاءَت شريعتهم بِالفَضْلِ المكمل لشريعة التَّوْراة وجاء في الكتاب الجامِع لمحاسن الكتب قبله بالاسمين مَعًا فَتدبر هَذا الفَصْل وتبين ارتباط المعانِي بأسمائها ومناسبتها لَها والحَمْد لله المانِّ بفضله وتوفيقه.

وَقَول أبي القاسِم إن اسْم مُحَمَّد ﷺ إنَّما ترَتّب بعد ظُهُوره إلى الوُجُود لِأنَّهُ حِينَئِذٍ حمد حمدًا مكررًا فَكَذَلِك أن يُقال مُحَمَّد أيْضا سَواء وقَوله في اسْمه أحْمد إنَّه تقدم لكَونه أحْمد الحامدين لرَبه وهَذا يقدم على حمد الخَلائق لَهُ فبناء مِنهُ على أنه تَفْضِيل من فعل الفاعِل وأما على القَوْل الآخر الصَّحِيح فَلا يَجِيء هَذا وقد تقدم تَقْرِير ذَلِك والله سُبْحانَهُ وتَعالى أعلم.

(فَصْلٌ: في أنَّهُ لا يُمْكِنُ الإيمانُ بِنَبِيٍّ أصْلًا مَعَ جُحُودِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّ مَن جَحَدَ نُبُوَّتَهُ فَهو لِنُبُوَّةِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ أشَدُّ جَحْدًا)

وَهَذا يَتَبَيَّنُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ بَشَّرُوا بِنُبُوَّتِهِ، وأمَرُوا أُمَمَهم بِالإيمانِ بِهِ، كَما تَقَدَّمَ، ومَن جَحَدَ نُبُوَّتَهُ فَقَدْ كَذَّبَ الأنْبِياءَ قَبْلَهُ فِيما أخْبَرُوا بِهِ، وخالَفَهم فِيما أوْصَوْا بِهِ مِنَ الإيمانِ بِهِ، فالتَّصْدِيقُ بِهِ لازِمٌ مِن لَوازِمِ التَّصْدِيقِ بِهِمْ، وإذا انْتَفى اللّازِمُ انْتَفى مَلْزُومُهُ قَطْعًا، وبَيانُ المُلازَمَةِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي تُفِيدُ بِمَجْمُوعِها القَطْعَ عَلى أنَّهُ ﷺ قَدْ ذُكِرَ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى ألْسُنِ الأنْبِياءِ، وإذا ثَبَتَتِ المُلازَمَةُ فانْتِفاءِ اللّازِمُ مُوجِبٌ لِانْتِفاءِ مَلْزُومِهِ.

(الوَجْهُ الثّانِي): أنَّ دَعْوَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ هي دَعْوَةُ جَمِيعِ المُرْسَلِينَ قَبْلَهُ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ.

فالمُكَذِّبُ بِدَعْوَتِهِ مُكَذِّبٌ بِدَعْوَةِ إخْوانِهِ كُلِّهِمْ، فَإنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ جاءُوا بِما جاءَ بِهِ، فَإذا كَذَّبَهُ المُكَذِّبُ فَقَدْ زَعَمَ أنَّ ما جاءَ بِهِ باطِلًا، وفي ذَلِكَ تَكْذِيبُ كُلِّ رَسُولٍ أرْسَلَهُ اللَّهُ، وكُلُّ كِتابٍ أنْزَلَهُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ ما جاءَ بِهِ صِدْقٌ، وأنَّهُ كاذِبٌ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ، وهَذا في غايَةِ الوُضُوحِ، وهَذا بِمَنزِلَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا بِالحَقِّ فَصَدَّقَهُمُ الخَصْمُ، وقالَ: هَؤُلاءِ كُلُّهم شُهُودٌ عُدُولٌ صادِقُونَ، ثُمَّ شَهِدَ آخَرُ عَلى شَهادَتِهِمْ سَواءٌ، فَقالَ الخَصْمُ: هَذِهِ الشَّهادَةُ باطِلَةٌ وكَذِبٌ لا أصْلَ لَها، فَذَلِكَ تَكْذِيبٌ بِشَهادَةِ جَمِيعِ الشُّهُودِ قَطْعًا، ولا يُنْجِيهِ مِن تَكْذِيبِهِمِ اعْتِرافُهُ بِصِحَّةِ شَهادَتِهِمْ، وأنَّها شَهادَةُ حَقٍّ، وأنَّ الشّاهِدَ بِها كاذِبٌ فِيما شَهِدَ بِهِ.

وَكَما أنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدٌ ﷺ لَبَطَلَتْ نُبُوّاتُ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ، فَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يُصَدَّقْ لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقُ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ.

(الوَجْهُ الثّالِثُ): أنَّ الآياتِ والبَراهِينَ الَّتِي دَلَّتْ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وصِدْقِهِ أضْعافُ أضْعافِ آياتِ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَلَيْسَ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ آيَةٌ تُوجِبُ الإيمانَ بِهِ إلّا ولِمُحَمَّدٍ ﷺ مِثْلُها، أوْ ما هو في الدَّلالَةِ مِثْلُها، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِها.

فَآياتُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أعْظَمُ وأكْبَرُ، وأبْهَرُ وأدَلُّ، والعِلْمُ بِنَقْلِها قَطْعِيٌّ لِقُرْبِ العَهْدِ وكَثْرَةِ النَّقَلَةِ، واخْتِلافِ أمْصارِهِمْ وأعْصارِهِمْ، واسْتِحالَةِ تَواطُئِهِمْ عَلى الكَذِبِ، فالعِلْمُ بِآياتِ نُبُوَّتِهِ كالعِلْمِ بِنَفْسِ وُجُودِهِ، وظُهُورِهِ وبَلَدِهِ، بِحَيْثُ لا تُمْكِنُ المُكابَرَةُ في ذَلِكَ، والمُكابِرُ فِيهِ في غايَةِ الوَقاحَةِ والبَهْتِ، كالمُكابَرَةِ في وُجُودِ ما شاهَدَ النّاسُ، ولَمْ يُشاهِدْهُ هو مِنَ البِلادِ والأقالِيمِ والجِبالِ والأنْهارِ.

فَإنْ جازَ القَدْحُ في ذَلِكَ كُلِّهِ، فَفي وُجُودِ مُوسى وعِيسى وآياتِ نُبُوَّتِهِما أجْوَزُ وأجْوَزُ، وإنِ امْتَنَعَ القَدْحُ فِيهِما وفي آياتِ نُبُوَّتِهِما، فامْتِناعُهُ في مُحَمَّدٍ ﷺ وآياتِ نُبُوَّتِهِ أشَدُّ. ولِذَلِكَ لَمّا عَلِمَ بَعْضُ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ أنَّ الإيمانَ بِمُوسى لا يَتِمُّ مَعَ التَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ أبَدًا، كَفَرَ بِالجَمِيعِ وقالَ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾

كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، ويُقالُ لَهُ: مالِكُ بْنُ الصَّيْفِ يُخاصِمُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أنْشُدُكَ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، أما تَجِدُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِينَ؟

وَكانَ حَبْرًا سَمِينًا فَغَضِبَ عَدُوُّ اللَّهِ وقالَ: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بِشْرٍ مِن شَيْءٍ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ: ويْحَكَ ولا مُوسى؟

فَقالَ: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بِشْرٍ مِن شَيْءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ﴾ الآياتِ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: جاءَ ناسٌ مِن يَهُودَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو مُحْتَبٍ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، ألا تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ، كَما جاءَ بِهِ مُوسى ألْواحًا يَحْمِلُها مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ الآيَةَ.

فَجَثى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى رُكْبَتَيْهِ فَقالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ وفي لَفْظٍ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ ولا عَلى مُوسى ولا عَلى عِيسى ولا عَلى أحَدٍ شَيْئًا، ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَبْوَتَهُ وجَعَلَ يَقُولُ: ولا عَلى أحَدٍ؟

وَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنهم مُجاهِدٌ إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَهُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا أصْلَ الرِّسالَةِ وكَذَّبُوا بِالرُّسُلِ وأمّا أهْلُ الكِتابِ فَلَمْ يَجْحَدُوا نُبُوَّةَ مُوسى وعِيسى، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، قالَ: وهو أوْلى الأقاوِيلِ بِالصَّوابِ، لِأنَّ ذَلِكَ في سِياقِ الخَبَرِ عَنْهُمْ، فَهو أشْبَهُ مِن أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ اليَهُودِ، ولَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ يَكُونُ هَذا بِهِ مُتَّصِلًا مَعَ ما في الخَبَرِ عَمَّنْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مِن إنْكارِهِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا مِنَ الكُتُبِ، ولَيْسَ ذَلِكَ ما يَدِينُ بِهِ اليَهُودُ، بَلِ المَعْرُوفُ مِن دِينِ اليَهُودِ الإقْرارُ بِصُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى وزَبُورِ داوُدَ، والخَبَرُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ خَبَرٌ عَنِ المُشْرِكِينَ مِن عَبْدَةِ الأوْثانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ مَوْصُولٌ بِهِ غَيْرُ مَفْصُولٍ عَنْهُ.

قُلْتُ: ويُقَوِّي قَوْلَهُ إنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَهي خَبَرٌ عَنْ زَنادِقَةِ العَرَبِ المُنْكِرِينَ لِأصْلِ النُّبُوَّةِ، ولَكِنْ بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَكَيْفَ يَحْسُنُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِما لا يُقِرُّونَ بِهِ مِن إنْزالِ الكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى؟ وكَيْفَ يُقالُ لَهم (يَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيرًا) ولا سِيَّما عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِتاءِ الخِطابَ؟ وهَلْ ذَلِكَ صالِحٌ لِغَيْرِ اليَهُودِ؟ فَإنَّهم كانُوا يُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ما لا يُوافِقُ أهْواءَهم وأغْراضَهُمْ، ويُبْدُونَ مِنهُ ما سِواهُ، كَما فَعَلَ ابْنُ صُورِيا عِنْدَ إحْضارِ التَّوْراةِ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلِاسْتِشْهادِ بِنَصِّ التَّوْراةِ في حُكْمِ الرَّجْمِ، ووَضَعَ يَدَهُ عَلَيْها، وقَرَأ ما قَبْلَها وما بَعْدَها، وإظْهارِ ابْنِ سَلامٍ زَيْفَهُ.

وَلَمّا كانُوا كَذَلِكَ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما يُقِرُّونَ بِهِ مِن كِتابِ مُوسى، ثُمَّ وبَّخَهم بِأنَّهم خانُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَأخْفَوْا بَعْضَهُ وأظْهَرُوا بَعْضَهُ.

وَهَذا اسْتِطْرادٌ مِن ذِكْرِ جَحْدِهِمُ النُّبُوَّةَ بِالكُلِّيَّةِ وذَلِكَ إخْفاءٌ لَها وكِتْمانٌ إلى جَحْدِ ما أقَرُّوا بِهِ كِتابَهم بِإخْفائِهِ وكِتْمانِهِ، فَتِلْكَ سَجِيَّةٌ لَهم مَعْرُوفَةٌ لا تُنْكَرُ، إذْ مَن أخْفى بَعْضَ كِتابِهِ الَّذِي يُقِرُّ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، كَيْفَ لا يَجْحَدُ أصْلَ النُّبُوَّةِ؟ ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا بِالوَحْيِ ما لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَهُ هم ولا آباؤُهُمْ، ولَوْلا الوَحْيُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ لَمْ يَصِلُوا إلَيْهِ، ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذا السُّؤالِ، وهو قَوْلُهُ: مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى

فَقالَ: قُلِ اللَّهُ أيِ اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَهُ، أيْ إنْ كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوهُ فَصَدِّقْ بِهِ أنْتَ وأقِرَّ بِهِ وذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ.

وَجَوابُ هَذا السُّؤالِ أنْ يُقالَ - واللَّهُ أعْلَمُ -: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما يُقِرُّ بِهِ الكِتابِيُّونَ وهم أُولُو العِلْمِ دُونَ الأُمَمِ الَّتِي لا كِتابَ لَها، أيْ إنْ جَحَدْتُمْ أصْلَ النُّبُوَّةِ، وأنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا، فَهَذا كِتابُ مُوسى يُقِرُّ بِهِ أهْلُ الكِتابِ، وهم أعْلَمُ مِنكم فاسْألُوهم عَنْهُ.

وَنَظائِرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، لِيَسْتَشْهِدَ سُبْحانَهُ بِأهْلِ الكِتابِ عَلى مُنْكِرِي النُّبُوّاتِ والتَّوْحِيدِ، والمَعْنى أنَّكم إنْ أنْكَرْتُمْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا فَمَن أنْزَلَ كِتابَ مُوسى؟ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا ذَلِكَ فاسْألُوا أهْلَ الكِتابِ.

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: (يَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيرًا) فَمَن قَرَأها بِالياءِ فَهو إخْبارٌ عَنِ اليَهُودِ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ، ومَن قَرَأها بِالتّاءِ لِلْخِطابِ فَهو خِطابٌ لِهَذا الجِنْسِ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ، أنْ تَجْعَلُونَهُ يا مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وهَذا مِن أعْلامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ أنْ يُخْبِرَ أهْلَ الكِتابِ بِما اعْتَمَدُوهُ في كِتابِهِمْ، وأنَّهم جَعَلُوهُ قَراطِيسَ، وأبْدَوْا بَعْضَهُ وأخْفَوْا كَثِيرًا مِنهُ، وهَذا لا يُعْلَمُ مِن غَيْرِ جِهَتِهِمْ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (يَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ) خِطابًا لِمَن حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾

بَلْ هَذا اسْتِطْرادٌ مِنَ الشَّيْءِ إلى نَظِيرِهِ وشِبْهِهِ ولازِمِهِ.

وَلَهُ نَظائِرُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ.

وَعَلى التَّقْدِيرِ، فَهَؤُلاءِ لَمْ يَتِمَّ لَهم إنْكارُ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ومُكابَرَتُهم إلّا بِهَذا الجَحْدِ والتَّكْذِيبِ العامِّ، ورَأوْا أنَّهم إنْ أقَرُّوا بِبَعْضِ النُّبُوّاتِ وجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ ظَهَرَ تَناقُضُهم وتَفْرِيقُهم بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ، وأنَّهم لا يُمْكِنُهُمُ الإيمانُ بِنَبِيٍّ وجَحْدِ نُبُوَّةِ مَن نُبُوَّتُهُ أظْهَرُ وآياتُها أكْبَرُ، وأعْظَمُ مِمَّنْ أقَرُّوا بِهِ.

وَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ مَن جَحَدَ أنْ يَكُونَ قَدْ أرْسَلَ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ كُتُبَهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وأنَّهُ نَسَبَهُ إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، بَلْ يَتَعالى ويَتَنَزَّهُ عَنْهُ، فَإنَّ في ذَلِكَ إنْكارًا لِرُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتِهِ ومُلْكِهِ وحُكْمِهِ ورَحْمَتِهِ، والظَّنِّ السَّيِّءِ بِهِ أنَّهُ خَلَقَ خَلْقَهُ عَبَثًا باطِلًا، وأنَّهُ خَلّاهم سُدًى مُهْمَلًا، وهَذا يُنافِي كَمالَهُ المُقَدَّسَ، وهو مُتَعالٍ عَنْ كُلِّ ما يُنافِي كَمالَهُ، فَمَن أنْكَرَ كَلامَهُ وتَكْلِيمَهُ وإرْسالَهُ الرُّسُلَ إلى خَلْقِهِ فَما قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، ولا عَرَفَهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، ولا عَظَّمَهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، كَما أنَّ مَن عَبَدَ مَعَهُ إلَهًا غَيْرَهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ، مُعَطِّلٌ جاحِدٌ لِصِفاتِ كَمالِهِ، ونُعُوتِ جَلالِهِ، وإرْسالِ رُسُلِهِ، وإنْزالِهِ كُتُبِهِ، ولا عَظَّمَهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ.

وَلِذَلِكَ كانَ جَحْدُ نُبُوَّةِ خاتَمِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، وتَكْذِيبُهُ إنْكارًا لِلرَّبِّ تَعالى في الحَقِيقَةِ وجُحُودًا لَهُ، فَلا يُمْكِنُ الإقْرارُ بِرُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتِهِ ومُلْكِهِ، بَلْ ولا بِوُجُودِهِ، مَعَ تَكْذِيبِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ في المُناظَرَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، فَلا يُجامِعُ الكُفْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الإقْرارَ بِالرَّبِّ تَعالى، وصِفاتِهِ أصْلًا، كَما لا يُجامِعُ الكُفْرَ بِالمَعادِ واليَوْمِ الآخِرِ، الإقْرارَ بِوُجُودِ الصّانِعِ أصْلًا وأمّا النَّصارى فَقَدْ عَرَفْتَ ما الَّذِي أدْرَكُوهُ مِن مَعْبُودِهِمْ وما وصَفُوهُ بِهِ، وما الَّذِي قالُوهُ في نَبِيِّهِمْ، وكَيْفَ لَمْ يُدْرِكُوا حَقِيقَتَهُ ألْبَتَّةَ، ووَصَفُوا اللَّهَ بِما هو مِن أعْظَمِ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، ووَصَفُوا عَبْدَهُ ورَسُولَهُ بِما لَيْسَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا عَرَفُوا اللَّهَ ولا رَسُولَهُ، والمَعادُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ لَمْ يُدْرِكُوا حَقِيقَتَهُ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن حَقِيقَةٍ، إذْ لا أكْلَ عِنْدِهِمْ في الجَنَّةِ ولا شُرْبَ ولا زَوْجَةَ هُناكَ، ولا حُورَ عِينٍ يَلَذُّ بِهِنَّ الرِّجالُ كَلَذّاتِهِمْ في الدُّنْيا، ولا عَرَفُوا حَقِيقَةَ أنْفُسِهِمْ وما تَسْعَدُ بِهِ وتَشْقى، ومَن لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ فَهو أجْدَرُ أنْ لا يَعْرِفَ حَقِيقَةَ شَيْءٍ كَما يَنْبَغِي ألْبَتَّةَ.

فَلا لِأنْفُسِهِمْ عَرَفُوا ولا لِفاطِرِها وبارِيها، ولا لِمَن جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا في فَلاحِها وسَعادَتِها، ولا لِلْمَوْجُوداتِ وأنَّها جَمِيعَها فَقِيرَةٌ مَرْبُوبَةٌ مَصْنُوعَةٌ ناطِقُها آدَمِيُّها وجِنُّها ومَلَكُها، وكُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ عَبْدُهُ ومِلْكُهُ، وهو مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ مَرْبُوبٌ فَقِيرٌ مِن كُلِّ وجْهٍ، ومَن لَمْ يَعْرِفْ هَذا لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا.

وَأمّا اليَهُودُ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - فَقَدْ حَكى اللَّهُ لَكَ عَنْ جَهْلِ أسْلافِهِمْ وعِبادَتِهِمْ لِلْعِجْلِ وضَلالِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى ما وراءَهُ مِن ظُلُماتِ الجَهْلِ الَّتِي بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ويَكْفِي في ذَلِكَ عِبادَتُهُمُ العِجْلَ الَّذِي صَنَعَتْهُ أيْدِيهِمْ مِن ذَهَبٍ، ومِن غَباوَتِهِمْ وبَلادَتِهِمْ أنْ جَعَلُوهُ عَلى صُورَةِ أبْلَهِ الحَيَوانِ، وأقَلِّهِ فَطانَةً الَّذِي يُضْرَبُ المَثَلُ بِهِ في قِلَّةِ الفَهْمِ، فانْظُرْ إلى هَذِهِ الجَهالَةِ والغَباوَةِ المُجاوِزَةِ لِلْحَدِّ، كَيْفَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقَدْ شاهَدُوا مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ وعَظَمَةِ الرَّبِّ وجَلالِهِ ما لَمْ يُشاهِدْهُ سِواهُمْ؟!

وَإذْ قَدْ عَزَمُوا عَلى اتِّخاذِ إلَهٍ دُونَ اللَّهِ فاتَّخَذُوهُ ونَبِيُّهم حَيٌّ بَيْنَ أظْهُرِهُمْ، لَمْ يَنْتَظِرُوا مَوْتَهُ!

وَإذْ قَدْ فَعَلُوا فَلَمْ يَتَّخِذُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، ولا مِنَ الأحْياءِ النّاطِقِينَ، بَلِ اتَّخَذُوهُ مِنَ الجَماداتِ! وإذْ قَدْ فَعَلُوا، فَلَمْ يَجْعَلُوهُ مِنَ الجَواهِرِ العُلْوِيَّةِ كالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، بَلْ هو مِنَ الجَواهِرِ الأرْضِيَّةِ! وإذْ قَدْ فَعَلُوا لَمْ يَتَّخِذُوهُ مِنَ الجَواهِرِ الَّتِي خُلِقَتْ فَوْقَ الأرْضِ عالِيَةً عَلَيْها كالجِبالِ ونَحْوِها، بَلْ مِن جَواهِرَ لا تَكُونُ إلّا تَحْتَ الأرْضِ، والصُّخُورُ والأحْجارُ عالِيَةٌ عَلَيْها! وإذْ قَدْ فَعَلُوا فَلَمْ يَتَّخِذُوهُ مِن جَوْهَرٍ يَسْتَغْنِي عَنِ الصَّنْعَةِ، وإدْخالِ النّارِ وتَقْلِيبِهِ وُجُوهًا مُخْتَلِفَةً، وضَرْبِهِ بِالحَدِيدِ وسَبْكِهِ، بَلْ مِن جَوْهَرٍ يَحْتاجُ إلى نَيْلِ الأيْدِي لَهُ بِضُرُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ وإدْخالِهِ النّارَ وإحْراقِهِ واسْتِخْراجِ خَبَثِهِ، وإذْ قَدْ فَعَلُوا، فَلَمْ يَصُوغُوهُ عَلى تِمْثالِ مَلَكٍ كَرِيمٍ، ولا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، ولا عَلى تِمْثالِ جَوْهَرٍ عُلْوِيٍّ لا تَنالُهُ الأيْدِي، بَلْ عَلى تِمْثالِ حَيَوانٍ أرْضِيٍّ، وإذْ قَدْ فَعَلُوا لَمْ يَصُوغُوهُ عَلى مِثالِ أشْرَفِ الحَيَواناتِ وأقْواها وأشَدِّها امْتِناعًا مِنَ الضَّيْمِ كالأسَدِ والفِيلِ ونَحْوِهِما، بَلْ صاغُوهُ عَلى تِمْثالِ أبْلَدِ الحَيَواناتِ وأقْبَلِهِ لِلضَّيْمِ والذُّلِّ بِحَيْثُ تُحْرُثُ عَلَيْهِ الأرْضُ، ويُسْقى عَلَيْهِ بِالسَّواقِي والدَّوالِيبِ، ولا لَهُ قُوَّةٌ يَمْتَنِعُ بِها مِن كَبِيرٍ ولا صَغِيرٍ.

فَأيُّ مَعْرِفَةٍ لِهَؤُلاءِ بِمَعْبُودِهِمْ ونَبِيِّهِمْ وبِحَقائِقِ المَوْجُوداتِ؟

وَحَقِيقٌ بِمَن سَألَ نَبِيَّهُ أنْ يَجْعَلَ لَهُ إلَهًا فَيَعْبُدَ الأصْنامَ إلَهًا مَجْعُولًا بَعْدَ ما شاهَدَ تِلْكَ الآياتِ الباهِراتِ أنْ لا يَعْرِفَ حَقِيقَةَ الإلَهِ ولا أسْماءَهُ وصِفاتِهِ ونُعُوتَهُ ودِينَهُ، ولا يَعْرِفَ حَقِيقَةَ المَخْلُوقِ وحاجَتَهُ وفَقْرَهُ، ولَوْ عَرَفَ هَؤُلاءِ مَعْبُودَهم ورَسُولَهُ لَما قالُوا لِنَبِيِّهِمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً، ولا قالُوا لَهُ: فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا.

وَلا قَتَلُوا نَفُسًا، وطَرَحُوا المَقْتُولَ عَلى أبْوابِ البَراءِ مِن قَتْلِهِ ونَبِيُّهم حَيٌّ بَيْنَ أظْهُرِهُمْ، وخَبَرُ السَّماءِ والوَحْيُ يَأْتِيهِ صَباحًا ومَساءً، فَكَأنَّهم جَوَّزُوا أنْ يَخْفى هَذا عَلى اللَّهِ كَما يَخْفى عَلى النّاسِ؟!

وَلَوْ عَرَفُوا مَعْبُودَهم لَما قالُوا في بَعْضِ مُخاطَباتِهِمْ لَهُ: يا أبانا انْتَبِهْ مِن رَقْدَتِكَ لا تَنَمْ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English