Ибн аль-КаййимАль‑Араф · 7:172

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

Аль-Араф 7:172, продолжение

وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، ثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، أخْبَرَنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَجْلانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ، ثُمَّ قالَ: بِيَدَيْهِ، فَقَبَضَهُما، فَقالَ: اخْتَرْ يا آدَمُ، فَقالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وكِلْتا يَدَيْكَ يَمِينٌ، فَبَسَطَها، فَإذا فِيها ذُرِّيَّتُهُ، فَقالَ مَن هَؤُلاءِ يا رَبِّ؟ قالَ: مَن قَضَيْتُ أنْ أخْلُقَ مِن ذُرِّيَّتِكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ.

حَدَّثَنا إسْحاقُ، ثَنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ الخُزاعِيُّ، أخْبَرَنا هِشامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: " «لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِن ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هو خالِقُها مِن ذُرِّيَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ». . . " وذَكَرَ الحَدِيثَ.

ثَنا إسْحاقُ، وعَمْرُو بْنُ زُرارَةَ قالَ: أنا إسْماعِيلُ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: مَسَحَ رَبُّكَ ظَهْرَ آدَمَ فَخَرَجَتْ مِنهُ كُلُّ نَسَمَةٍ هو خالِقُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بِ " نُعْمانَ " هَذا الَّذِي وراءَ عَرَفَةَ فَأخَذَ مِيثاقَهم ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى شَهِدْنا.

ثَنا إسْحاقُ، ثَنا وكِيعٌ، ثَنا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: مَسَحَ اللَّهُ ظَهْرَ آدَمَ وهو بِبَطْنِ نُعْمانَ - وادٍ - إلى جَنْبِ عَرَفَةَ فَأخْرَجَ مِن ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ فَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى شَهِدْنا.

ثُمَّ ساقَهُ إسْحاقُ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ثُمَّ قالَ:

أخْبَرَنا المَخْزُومِيُّ - وهو المُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ - ثَنا أبُو هِلالٍ، عَنْ أبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: مَسَحَ اللَّهُ ظَهْرَ آدَمَ، فَأخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ في آذِيٍّ مِنَ الماءِ.

أخْبَرَنا جَرِيرٌ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: مَسَحَ اللَّهُ ظَهْرَ آدَمَ، فَخَرَجَتْ مِنهُ كُلُّ ذُرِّيَّةٍ بَدَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَعُرِضُوا عَلَيْهِ.

حَدَّثَنا المُلائِيُّ، ثَنا المَسْعُودِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلى آدَمَ مِيثاقَهُ أنَّهُ رَبُّهُ، وكَتَبَ أجَلَهُ ورِزْقَهُ ومُصِيباتِهِ، ثُمَّ أخْرَجَ مِن ظَهْرِهِ ولَدَهُ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنَّهُ رَبُّهُمْ، فَكَتَبَ أجَلَهم ورِزْقَهم ومُصِيباتِهِمْ.

حَدَّثَنا وكِيعٌ، ثَنا الأعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: مَسَحَ اللَّهُ ظَهْرَ آدَمَ، فَأخْرَجَ كُلَّ طَيِّبٍ في يَمِينِهِ، وفي يَدِهِ الأُخْرى كُلُّ خَبِيثٍ.

ثَنا يَحْيى، ثَنا المَسْعُودِيُّ، أخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ بَذِيمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ، فَأخَذَ مِيثاقَهُ أنَّهُ رَبُّهُ، وكَتَبَ أجَلَهُ ورِزْقَهُ ومُصِيبَتَهُ، ثُمَّ أخْرَجَ ولَدَهُ مِن ظَهْرِهِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَأخَذَ مَواثِيقَهم أنَّهُ رَبُّهُمْ، فَكَتَبَ آجالَهُمْ، وأرْزاقَهُمْ، ومُصِيباتِهِمْ.

وَقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ: حَدَّثَنا مَعْمَرٌ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: مَسَحَ اللَّهُ عَلى صُلْبِ آدَمَ، فَأخْرَجَ مِن صُلْبِهِ ما يَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأخَذَ مِيثاقَهم أنَّهُ رَبُّهم فَأعْطَوْهُ ذَلِكَ، فَلا يَسْألُ أحَدًا - كافِرًا أوْ غَيْرَهُ - مَن رَبُّكَ؟ إلّا قالَ: اللَّهُ.

قالَ مَعْمَرٌ: وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ.

قالَ إسْحاقُ: وأخْبَرَنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ، قالَ: أخَذَهم كَما يُؤْخَذُ بِالمُشْطِ مِنَ الرَّأْسِ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: وحَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرانِيُّ، ثَنا حَجّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ مُوسى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَ مَنكِبَ آدَمَ الأيْمَنَ، فَخَرَجَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ لِلْجَنَّةِ بَيْضاءَ نَقِيَّةً، فَقالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ الجَنَّةِ، ثُمَّ ضَرَبَ مَنكِبَهُ الأيْسَرَ، فَخَرَجَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ لِلنّارِ سَوْداءَ، فَقالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ النّارِ، ثُمَّ أخَذَ عَهْدَهم عَلى الإيمانِ بِهِ، والمَعْرِفَةِ لَهُ، وبِأمْرِهِ، والتَّصْدِيقِ لَهُ وبِأمْرِهِ مِن بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، فَآمَنُوا، وصَدَّقُوا، وعَرَفُوا، وأقَرُّوا.

قالَ إسْحاقُ: وحَدَّثَنا رَوْحُ بْنُ عُبادَةَ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ مُوسى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - بِهَذا الحَدِيثِ، وزادَ: قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وبَلَغَنِي أنَّهُ أخْرَجَهم عَلى كَفِّهِ أمْثالَ الخَرْدَلِ.

قالَ إسْحاقُ: وحَدَّثَنا حَكّامُ بْنُ سَلْمٍ الرّازِيُّ، حَدَّثَنا أبُو جَعْفَرٍ الرّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ، قالَ: جَمَعَهم يَوْمَئِذٍ جَمْعًا، ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَجَعَلَهم أرْواحًا، ثُمَّ صَوَّرَهُمْ، ثُمَّ اسْتَنْطَقَهُمْ، وتَكَلَّمُوا، وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ والمِيثاقَ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ. قالَ: فَإنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّماواتِ والأرَضِينَ السَّبْعَ، وأُشْهِدُ عَلَيْكم أباكم آدَمَ، أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ نَعْلَمْ هَذا. اعْلَمُوا أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرِي، ولا رَبَّ غَيْرِي، ولا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، فَإنِّي سَأُرْسِلُ إلَيْكم رُسُلًا يُذَكِّرُونَكم عَهْدِي، ومِيثاقِي، وأُنْزِلُ عَلَيْكم كُتُبِي. قالُوا: نَشْهَدُ أنَّكَ رَبُّنا وإلَهُنا، ولا رَبَّ غَيْرُكَ، ولا إلَهَ لَنا غَيْرُكَ. فَأقَرُّوا يَوْمَئِذٍ بِالطّاعَةِ، ورُفِعَ لَهم أبُوهم آدَمُ، فَنَظَرَ، فَرَأى فِيهِمُ الغَنِيَّ والفَقِيرَ، وحَسَنَ الصُّورَةِ ودُونَ ذَلِكَ، فَقالَ: يا رَبِّ، لَوْ سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبادِكَ! فَقالَ: إنِّي أحْبَبْتُ أنْ أُشْكَرَ، ورَأى فِيهِمُ الأنْبِياءَ مِثْلَ السُّرُجِ عَلَيْهِمُ النُّورُ، وخُصُّوا بِمِيثاقٍ آخَرَ في الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، فَهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧]. . .

إلى قَوْلِهِ:. . . ﴿غَلِيظًا﴾، وهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦]، وفي ذَلِكَ قالَ: ﴿وَما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وفي ذَلِكَ قالَ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤]، كانَ في عِلْمِهِ يَوْمَ أقَرُّوا بِما أقَرُّوا بِهِ، ومَن يُكَذِّبُ بِهِ ومَن يُصَدِّقُ.

قالَ: وكانَ رُوحُ عِيسى مِن تِلْكَ الأرْواحِ الَّتِي أخَذَ عَلَيْها العَهْدَ والمِيثاقَ في زَمَنِ آدَمَ، فَأرْسَلَ ذَلِكَ إلى مَرْيَمَ حَتّى ﴿انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها﴾ [مريم: ١٦]. . .، إلى قَوْلِهِ:. . . (حَمَلَتْهُ). . .، حَمَلَتِ الَّذِي خاطَبَها، وهو رُوحُ عِيسى.

وَفِي تَفْسِيرِ أسْباطِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، وعَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «وَعَنْ مُرَّةَ الهَمْدانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنْ أُناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾. . . الآيَةَ، قالَ: لَمّا أخْرَجَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ قَبْلَ أنْ يَهْبِطَ مِنَ السَّماءِ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِ آدَمَ اليُمْنى، فَأخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً بَيْضاءَ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ، وكَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَقالَ لَهُمْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، ومَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُسْرى، فَأخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً سَوْداءَ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَقالَ: ادْخُلُوا النّارَ، ولا أُبالِي، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]،: ﴿وَأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١]، ثُمَّ أخَذَ مِنهُمُ المِيثاقَ فَقالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾، فَأعْطاهُ طائِفَةٌ طائِعِينَ، وطائِفَةٌ كارِهِينَ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ - أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣] فَلِذَلِكَ لَيْسَ أحَدٌ مِن ولَدِ آدَمَ إلّا وهو يَعْرِفُ أنَّ رَبَّهُ اللَّهُ، ولا مُشْرِكٌ إلّا وهو يَقُولُ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، فَلِذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿وَلَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] قالَ: يَعْنِي يَوْمَ أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ».

قالَ إسْحاقُ: وأخْبَرَنا رُوحُ بْنُ عُبادَةَ، ثَنا مُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ قالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ القُرَظِيَّ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾، فَأقَرُّوا لَهُ بِالإيمانِ، والمَعْرِفَةِ: الأرْواحُ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ أجْسادَها.

قالَ إسْحاقُ: وحَدَّثَنا الفَضْلُ بْنُ مُوسى، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ عَطاءٍ قالَ:

أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ حِينَ أخَذَ مِنهُمُ المِيثاقَ، ثُمَّ رُدُّوا في صُلْبِهِ.

قالَ إسْحاقُ: وأخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ الأجْلَحِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أخْرَجَ مِن ظَهْرِ آدَمَ يَوْمَ خَلَقَهُ ما يَكُونُ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، فَأخْرَجَهم مِثْلَ الذَّرِّ، فَقالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى، قالَتِ المَلائِكَةُ: شَهِدْنا أنْ يَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ، فَقالَ: هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ، وقَبَضَ أُخْرى، فَقالَ: هَؤُلاءِ في النّارِ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: وحَدَّثَنا بُنْدارٌ، ثَنا أبُو أحْمَدَ، ثَنا سُفْيانُ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]

قالَ: أخْذُهُ المِيثاقَ.

قالَ مُحَمَّدٌ: فَقَدْ ذَكَرْنا ما حَضَرَنا مِنَ الأخْبارِ المَرْوِيَّةِ عَنِ السَّلَفِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ، ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنها أنَّ الطِّفْلَ يَسْقُطُ مِن بَطْنِ أُمِّهِ وهو عارِفٌ بِاللَّهِ، ولا في شَيْءٍ مِنها دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ.

قُلْتُ: أبُو مُحَمَّدٍ لَمْ يَرُدَّ أنَّهم وُلِدُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ مَعْرِفَةً حاصِلَةً مَعَهم بِالفِعْلِ، وإنَّما أرادَ أنَّهم وُلِدُوا عَلى حُكْمِ تِلْكَ الفِطْرَةِ والمِيثاقِ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لَوْ خُلُّوا وفِطَرَهم لَما عَدَلُوا عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ.

قالَ مُحَمَّدٌ: فَيُقالُ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ مِن دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِطْرَةَ الَّتِي أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ: " «أنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَيْها» " هي المَعْرِفَةُ بِاللَّهِ؟ أوْ هَلْ يُحْكى عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ؟ أوْ هَلْ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بِقِياسٍ؟ فَإنْ أتى بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ، وإلّا بانَ باطِلُ دَعْواهُ.

فَإنْ هو رَجَعَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ: اسْتِشْهادُ اللَّهِ ذُرِّيَّةَ آدَمَ عَلى أنَّهُ رَبُّهم دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ مُتَقَدِّمَةٌ عِنْدَهم كَما اسْتَشْهَدَهم عَلَيْهِ، فَهَذِهِ غايَةُ حُجَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ.

قالَ: لِأنَّ كُلَّ مُسْتَشْهَدٍ عَلى شَيْءٍ لَمْ تَتَقَدَّمِ المَعْرِفَةُ عِنْدَهُ بِما اسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ قَبْلَ الِاسْتِشْهادِ، فَإنَّ المُسْتَشْهِدَ دَعاهُ إلى أنْ شَهِدَ بِقَوْلِ الزُّورِ، واللَّهُ لا يَأْمُرُ أحَدًا بِذَلِكَ.

فَيُقالُ لَهُ: إنَّ إجابَتَكَ عَنْ غَيْرِ ما تَسْألُ عَنْهُ، واحْتِجاجَكَ لَهُ هو الدَّلِيلُ عَلى عَجْزِكَ، وعَلى أنَّهُ لا حُجَّةَ لَكَ، إنّا لَمْ نَسْألْكَ عَنِ الوَقْتِ الَّذِي اسْتَشْهَدَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، وقالَ لَهُمْ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ فَأجابُوهُ بِأنْ قالُوا: بَلى - هَلْ كانُوا عارِفِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أمْ لا - إنَّما سَألْناكَ عَنْ وقْتِ سُقُوطِهِمْ مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ: هَلْ عِنْدَكَ حُجَّةٌ تُثْبِتُ أنَّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ عارِفُونَ؟

فَإنْ قالَ: إنَّ ثُبُوتَ المَعْرِفَةِ لَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم وُلِدُوا عَلى ذَلِكَ، فَهم في وقْتِ الوِلادَةِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ.

قِيلَ لَهُ: فَقَدْ كانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ مُقِرِّينَ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ أنَّهُ قالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُخاطِبُ إلّا مَن يَفْهَمُ عِنْدَ المُخاطَبَةِ، ولا يُجِيبُ إلّا مَن فَهِمَ السُّؤالَ، فَإجابَتُهم إيّاهُ بِقَوْلِهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم قَدْ فَهِمُوا عَنِ اللَّهِ، وعَقَلُوا عَنْهُ اسْتِشْهادَهُ إيّاهُمْ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ، فَأجابُوهُ مِن بَعْدِ عَقْلِهِمْ لِلْمُخاطَبَةِ وفَهْمِهِمْ لَها بِأنْ قالُوا: بَلى، فَأقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ.

فَيُقالُ لَهُ: فَهَكَذا تَقُولُ: إنَّ الطِّفْلَ إذا سَقَطَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ فَهو مِن ساعَتِهِ يَفْهَمُ المُخاطَبَةَ إنْ خُوطِبَ، ويُجِيبُ عَنْها، ويُقِرُّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، كَإقْرارِ الَّذِينَ أقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ في الوَقْتِ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، فَإنْ قالَ: " نَعَمْ " كابَرَ عَقْلُهُ وأكْذَبَهُ العِيانُ، وإنْ قالَ: " لا " أقُولُ: ذَلِكَ فَرْقٌ بَيْنَ الوَقْتَيْنِ، فَجُعِلَ حالُهم في وقْتِ الوِلادَةِ خِلافَ حالِهِمْ في الوَقْتِ الأوَّلِ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ مِنهُمْ، فَيُقالُ لَهُ: فَكَذَلِكَ جائِزٌ أنْ يَكُونُوا في الوَقْتِ الأوَّلِ عارِفِينَ، وهم في وقْتِ الوِلادَةِ غَيْرُ عارِفِينَ كَما كانُوا في الوَقْتِ الأوَّلِ، فَقَدْ فَهِمُوا المُخاطَبَةَ، وعَقَلُوها، وأجابُوا مُقِرِّينَ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وهم في وقْتِ الوِلادَةِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.

قُلْتُ: كُلُّ مَن قالَ بِأنَّ العَهْدَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ هو أنَّهم أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ وخُوطِبُوا، وأقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ رُدُّوا في صُلْبِهِ، فَإنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ حالِهِمْ ذَلِكَ الوَقْتَ وحالِهِمْ وقْتَ الوِلادَةِ قَطْعًا، ولا يَقُولُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ولا غَيْرُهُ: إنَّهم وُلِدُوا عارِفِينَ فاهِمِينَ يَفْهَمُونَ السُّؤالَ، ويَرُدُّونَ الجَوابَ، فالأقْسامُ أرْبَعَةٌ: أحَدُها: اسْتِواءُ حالَتِهِمْ وقْتَ أخْذِ العَهْدِ، ووَقْتَ سُقُوطِهِمْ - في العِلْمِ والمَعْرِفَةِ.

الثّانِي: اسْتِواءُ الوَقْتَيْنِ في عَدَمِ ذَلِكَ.

الثّالِثُ: حُصُولُ المَعْرِفَةِ عِنْدَ السُّقُوطِ، وعَدَمُها عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ، وهَذِهِ الأقْسامُ الثَّلاثَةُ باطِلَةٌ لا يَقُولُ بِواحِدٍ مِنها.

الرّابِعُ: مَعْرِفَتُهم وفَهْمُهم وقْتَ أخْذِ العَهْدِ دُونَ وقْتِ السُّقُوطِ، وهَذا يَقُولُهُ كُلُّ مَن يَقُولُ: إنَّهُ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ أبِيهِمْ آدَمَ، وكَلَّمَهُمْ، وخاطَبَهُمْ، وأشْهَدَ عَلَيْهِمْ مَلائِكَتَهُ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ رَدَّهم في صُلْبِهِ.

وَهَذا قَوْلُ جَماهِيرٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، واعْتَمَدُوا عَلى ما ذَكَرْنا مِن هَذِهِ الآثارِ مَرْفُوعِها ومَوْقُوفِها.

وَأحْسَنُ شَيْءٍ فِيها حَدِيثُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وقَدْ ذَكَرْنا كَلامَ الأئِمَّةِ فِيهِ، عَلى أنَّ إسْحاقَ قَدْ رَواهُ عَنْ حَكّامِ بْنِ سَلْمٍ، عَنْ عُمارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أبِي مُحَمَّدٍ رَجُلٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ قالَ: «سَألْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْها، فَقالَ: " خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، ثُمَّ أجْلَسَهُ فَمَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأخْرَجَ ذَرًّا، فَقالَ: ذَرٌّ ذَرّاتُهم لِلْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ بِما شِئْتُ مِن عَمَلٍ، ثُمَّ أخْتِمُ لَهم بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأخْرَجَ ذَرًّا، فَقالَ: ذَرٌّ ذَرّاتُهم لِلنّارِ يَعْمَلُونَ بِما شِئْتُ مِن عَمَلٍ، ثُمَّ أخْتِمُ لَهم بِأسْوَأِ أعْمالِهِمْ، فَأُدْخِلُهُمُ النّارَ» "، فَهَذا لا ذِكْرَ فِيهِ لِمُخاطَبَتِهِمْ، وسُؤالِهِمْ واسْتِنْطاقِهِمْ، وهو مُوافِقٌ لِسائِرِ الأحادِيثِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هو المَحْفُوظُ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَأمّا سائِرُ الأحادِيثِ فالمَرْفُوعُ الصَّحِيحُ مِنها إنَّما فِيهِ إثْباتُ القَبْضَتَيْنِ، وتَمْيِيزُ أهْلِ السَّعادَةِ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ قَبْلَ إخْراجِهِمْ إلى دارِ التَّكْلِيفِ: مِثْلُ الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، ثَنا حَمّادٌ، ثَنا الجُرَيْرِيُّ، «عَنْ أبِي نَضْرَةَ أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقالُ لَهُ: أبُو عَبْدِ اللَّهِ دَخَلَ عَلَيْهِ أصْحابُهُ يَعُودُونَهُ، وهو يَبْكِي، فَقالُوا لَهُ: ما يُبْكِيكَ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إنَّ اللَّهَ قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ، وأُخْرى بِيَدِهِ الأُخْرى، فَقالَ: هَذِهِ لِهَذِهِ، وهَذِهِ لِهَذِهِ، ولا أُبالِي " فَلا أدْرِي في أيِّ القَبْضَتَيْنِ أنا»!

وَكَذَلِكَ حَدِيثُ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَرْفَعُهُ - الَّذِي تَقَدَّمَ هو وغَيْرُهُ مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي فِيها: " «إنَّ اللَّهَ أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ، وأراهُ إيّاهُمْ، وجَعَلَ أهْلَ السَّعادَةِ في قَبْضَتِهِ اليُمْنى، وأهْلَ الشَّقاوَةِ في القَبْضَةِ الأُخْرى» ".

وَأمّا الآثارُ الَّتِي فِيها أنَّهُ اسْتَنْطَقَهُمْ، وأشْهَدَهُمْ، وخاطَبَهم فَهي بَيْنَ مَوْقُوفَةٍ، ومَرْفُوعَةٍ لا يَصِحُّ إسْنادُها كَحَدِيثِ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ، وحَدِيثِ هِشامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ: فَإنَّ في إسْنادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ، وراشِدُ بْنُ سَعْدٍ، وفِيهِما مَقالٌ، وقَتادَةُ النَّصْرِيُّ، وهو مَجْهُولٌ.

وَبِالجُمْلَةِ، فالآثارُ في إخْراجِ الذُّرِّيَّةِ مِن ظَهْرِ آدَمَ، وحُصُولِهِمْ في القَبْضَتَيْنِ كَثِيرَةٌ لا سَبِيلَ إلى رَدِّها، وإنْكارِها، ويَكْفِي وُصُولُها إلى التّابِعِينَ، فَكَيْفَ بِالصَّحابَةِ؟ ومِثْلُها لا يُقالُ بِالرَّأْيِ والتَّخْمِينِ، ولَكِنْ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الصَّحِيحُ مِن هَذِهِ الآثارِ إثْباتُ القَدَرِ، وأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ما سَيَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ، وعَلِمَ الشَّقِيَّ والسَّعِيدَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وسَواءٌ كانَ ما اسْتَخْرَجَهُ فَرَآهُ آدَمُ هو أمْثالُهُمْ، أوْ أعْيانُهُمْ، فَأمّا نُطْقُهم فَلَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي تَقُومُ بِها الحُجَّةُ، ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ: فَإنَّ القُرْآنَ يَقُولُ فِيهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فَذَكَرَ الأخْذَ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ لا مِن نَفْسِ ظَهْرِ آدَمَ، " وذُرِّيَّتَهم " يَتَناوَلُ كُلَّ مَن ولَدُوهُ إنْ كانَ كَثِيرًا، كَما قالَ في تَمامِ الآيَةِ: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ - ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٣-٣٤]، وقالَ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]، وقالَ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، فاسْمُ " الذُّرِّيَّةِ " يَتَناوَلُ الكِبارَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾، فَشَهادَةُ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ في القُرْآنِ يُرادُ بِها إقْرارُهُ، فَمَن أقَرَّ بِحَقٍّ عَلَيْهِ فَقَدْ شَهِدَ بِهِ عَلى نَفْسِهِ.

قالَ تَعالى: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، كَما احْتَجَّ الفُقَهاءُ بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ الإقْرارِ.

وَفِي حَدِيثِ ماعِزِ بْنِ مالِكٍ: " فَلَمّا «شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرّاتٍ» "

أيْ أقَرَّ أرْبَعَ مَرّاتٍ، وقالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، فَإنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِما هو كُفْرٌ، فَكانَ ذَلِكَ شَهادَتَهم عَلى أنْفُسِهِمْ.

وَمِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، فَشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ هي إقْرارُهم وهي أداءُ الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ولَفْظُ " شَهِدَ فُلانٌ "، و" أشْهَدَ بِهِ " يُرادُ بِهِ تَحَمَّلَ الشَّهادَةَ، ويُرادُ بِهِ أداؤُها.

فالأوَّلُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].

والثّانِي: كَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥].

وَقَوْلِهِ: ﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾، مِن هَذا الثّانِي لَيْسَ المُرادُ: أنَّهُ جَعَلَهم يَتَحَمَّلُونَ الشَّهادَةَ عَلى أنْفُسِهِمْ، ويُؤَدُّونَها في وقْتٍ آخَرَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ في مِثْلِ ذَلِكَ إنَّما يُشْهِدُ عَلى الرَّجُلِ غَيْرَهُ، كَما في قِصَّةِ آدَمَ، لِما أشْهَدَ عَلَيْهِ المَلائِكَةَ، وكَما في شَهادَةِ المَلائِكَةِ، وشَهادَةِ الجَوارِحِ عَلى أصْحابِها، ولِهَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى (أشْهَدَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ)، لَكِنْ هَذا اللَّفْظُ حَيْثُ جاءَ في القُرْآنِ إنَّما يُرادُ بِهِ شَهادَةُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ، بِمَعْنى أداءِ الشَّهادَةِ عَلى نَفْسِهِ، وقَوْلُهم " ﴿بَلى شَهِدْنا﴾ ": هو إقْرارُهم بِأنَّهُ رَبُّهُمْ، ومَن أخْبَرَ بِأمْرٍ عَنْ نَفْسِهِ فَقَدْ شَهِدَ بِهِ عَلى نَفْسِهِ، فَإنَّ قَوْلَهُمْ: " ﴿بَلى شَهِدْنا﴾ " مَعْناهُ: أنْتَ رَبُّنا، وهَذا إقْرارٌ مِنهم بِرُبُوبِيَّتِهِ لَهُمْ، وجَعْلِهِمْ شُهَداءَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِما أقَرُّوا بِهِ، وقَوْلُهُ: " أشْهَدَهم " يَقْتَضِي أنَّهُ هو الَّذِي جَعَلَهم شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ رَبُّهُمْ، وهَذا الإشْهادُ مُقِرُّونَ بِأخْذِهِمْ مِن ظُهُورِ آبائِهِمْ، وهَذا الأخْذُ المَعْلُومُ المَشْهُودُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ هو أخْذُ المَنِيِّ مِن أصْلابِ الآباءِ، ونُزُولُهُ في أرْحامِ الأُمَّهاتِ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ هُنا الأُمَّهاتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، وهم كانُوا مُتَّبِعِينَ لِدِينِ آبائِهِمْ لا لِدِينِ الأُمَّهاتِ، كَما قالُوا: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، ولِهَذا قالَ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤]، فَهو سُبْحانَهُ يَقُولُ: اذْكُرْ حِينَ أُخِذُوا مِن أصْلابِ الآباءِ فَخُلِقُوا حِينَ وُلِدُوا عَلى الفِطْرَةِ مُقِرِّينَ بِالخالِقِ، شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ، فَهَذا الإقْرارُ حُجَّةٌ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، فَهو يَذْكُرُ أخْذَهُ لَهُمْ، وإشْهادَهُ إيّاهم عَلى أنْفُسِهِمْ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ فَسَوّى، وقَدَّرَ فَهَدى، فَأخْذُهم يَتَضَمَّنُ خَلْقَهُمْ، والإشْهادُ يَتَضَمَّنُ هُداهُ لَهم إلى هَذا الإقْرارِ، فَإنَّهُ قالَ: " أشْهَدَهم " أيْ جَعَلَهم شاهِدِينَ، فَهَذا الإشْهادُ مِن لَوازِمِ الإنْسانِ، وكُلُّ إنْسانٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مُقِرًّا بِرُبُوبِيَّتِهِ شاهِدًا عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ مَخْلُوقٌ، واللَّهَ خالِقُهُ، وهَذا أمْرٌ ضَرُورِيٌّ لِبَنِي آدَمَ لا يَنْفِكُّ مِنهُ مَخْلُوقٌ، وهو مِمّا جُبِلُوا عَلَيْهِ، فَهو عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ لَهم لا يُمْكِنُ أحَدًا جَحْدُهُ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: (أنْ تَقُولُوا)، أيْ كَراهِيَةَ أنْ تَقُولُوا، أوْ لِئَلّا تَقُولُوا: ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾، أيْ عَنْ هَذا الإقْرارِ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وعَلى نُفُوسِنا بِالعُبُودِيَّةِ، فَإنَّهم ما كانُوا غافِلِينَ عَنْ هَذا، بَلْ كانَ هَذا مِنَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ اللّازِمَةِ لَهُمُ الَّتِي لَمْ يَخْلُ مِنها بَشَرٌ قَطُّ، بِخِلافِ كَثِيرٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي قَدْ تَكُونُ ضَرُورِيَّةً، ولَكِنْ قَدْ يَغْفُلُ عَنْها كَثِيرٌ مِن بَنِي آدَمَ مِن عُلُومِ العَدَدِ والحِسابِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإنَّها إذا تَصَوَّرَتْ كانَتْ عُلُومًا ضَرُورِيَّةً، لَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ غافِلٌ عَنْها.

وَأمّا الِاعْتِرافُ بِالخالِقِ فَإنَّهُ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ لازِمٌ لِلْإنْسانِ لا يَغْفُلُ عَنْهُ أحَدٌ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُهُ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَهُ، وإنْ قُدِّرَ أنَّهُ نَسِيَهُ. ولِهَذا يُسَمّى التَّعْرِيفُ بِذَلِكَ تَذْكِيرًا، فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِعُلُومٍ فِطْرِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وقَدْ يَنْساها العَبْدُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «يَقُولُ اللَّهُ لِلْكافِرِ: فاليَوْمَ أنْساكَ كَما نَسِيتَنِي» ".

ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ لَهم حُجَّتَيْنِ يَدْفَعُهُما هَذا الإشْهادُ: إحْداهُما: أنْ يَقُولُوا: ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾، فَبَيَّنَ أنَّ هَذا عِلْمٌ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ لا بُدَّ لِكُلِّ بَشَرٍ مِن مَعْرِفَتِهِ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ حُجَّةَ اللَّهِ في إبْطالِ التَّعْطِيلِ، وأنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الصّانِعِ عِلْمٌ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ، وهو حُجَّةٌ عَلى نَفْيِ التَّعْطِيلِ.

والثّانِي: أنْ يَقُولُوا: ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، وهم آباؤُنا المُشْرِكُونَ: أيْ أفَتُعاقِبُنا بِذُنُوبِ غَيْرِنا؟ فَإنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا عارِفِينَ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهم ووَجَدُوا آباءَهم مُشْرِكِينَ، وهم ذَرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ، ومُقْتَضى الطَّبِيعَةِ العادِيَّةِ أنْ يَحْتَذِيَ الرَّجُلُ حَذْوَ أبِيهِ حَتّى في الصِّناعاتِ، والمَساكِنِ، والمَلابِسِ، والمَطاعِمِ إذْ كانَ هو الَّذِي رَبّاهُ، ولِهَذا كانَ أبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، ويُنَصِّرانِهِ، ويُمَجِّسانِهِ، فَإذا كانَ هَذا مُقْتَضى العادَةِ والطَّبِيعَةِ، ولَمْ يَكُنْ في فِطَرِهِمْ وعُقُولِهِمْ ما يُناقِضُ ذَلِكَ، قالُوا: نَحْنُ مَعْذُورُونَ، وآباؤُنا هُمُ الَّذِينَ أشْرَكُوا، ونَحْنُ كُنّا ذُرِّيَّةً لَهم بَعْدَهُمْ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَنا ما يُبَيِّنُ خَطَأهُمْ: فَإذا كانَ في فِطَرِهِمْ ما شَهِدُوا بِهِ مِن أنَّ اللَّهَ وحْدَهُ هو رَبُّهُمْ، كانَ مَعَهم ما يُبَيِّنُ بُطْلانَ هَذا الشِّرْكِ، وهو التَّوْحِيدُ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ.

فَإذا احْتَجُّوا بِالعادَةِ الطَّبِيعِيَّةِ مِنِ اتِّباعِ الآباءِ كانَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمُ الفِطْرَةَ الطَّبِيعِيَّةَ الفِعْلِيَّةَ السّابِقَةَ لِهَذِهِ العادَةِ الطّارِئَةِ، وكانَتِ الفِطْرَةُ المُوجِبَةُ لِلْإسْلامِ سابِقَةً لِلتَّرْبِيَةِ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِها، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ نَفْسَ العَقْلِ الَّذِي بِهِ يَعْرِفُونَ التَّوْحِيدَ حُجَّةٌ في بُطْلانِ الشِّرْكِ لا يَحْتاجُ ذَلِكَ إلى رَسُولٍ، فَإنَّهُ جَعَلَ ما تَقَدَّمَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ بِدُونِ هَذا. وهَذا لا يُناقِضُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فَإنَّ الرَّسُولَ يَدْعُو إلى التَّوْحِيدِ، ولَكِنَّ الفِطْرَةَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ يُعْلَمُ بِهِ إثْباتُ الصّانِعِ، لَمْ يَكُنْ في مُجَرَّدِ الرِّسالَةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فَهَذِهِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِهِمُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ إقْرارَهم بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ، ومَعْرِفَتُهم بِذَلِكَ أمْرٌ لازِمٌ لِكُلِّ بَنِي آدَمَ، بِهِ تَقُومُ حُجَّةُ اللَّهِ تَعالى في تَصْدِيقِ رُسُلِهِ، فَلا يُمْكِنُ أحَدًا أنْ يَقُولَ يَوْمَ القِيامَةِ إنِّي كُنْتُ عَنْ هَذا غافِلًا، ولا أنَّ الذَّنْبَ كانَ لِأبِي المُشْرِكِ دُونِي لِأنَّهُ عارِفٌ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا في التَّعْطِيلِ، والإشْراكِ بَلْ قامَ بِهِ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ العَذابَ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ - لِكَمالِ رَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ - لا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بَعْدَ إرْسالِ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ فاعِلًا لِما يَسْتَحِقُّ بِهِ الذَّمَّ والعِقابَ: فَلِلَّهِ عَلى عَبْدِهِ حُجَّتانِ قَدْ أعَدَّهُما عَلَيْهِ لا يُعَذِّبُهُ إلّا بَعْدَ قِيامِهِما:

إحْداهُما: ما فَطَرَهُ عَلَيْهِ، وخَلَقَهُ عَلَيْهِ مِنَ الإقْرارِ بِأنَّهُ رَبُّهُ، ومَلِيكُهُ وفاطِرُهُ، وحَقُّهُ عَلَيْهِ لازِمٌ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English