Ибн аль-КаййимАль‑Араф · 7:28–32

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

Аль-Араф 7:28–32

7:28Страница 153

وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٢٨

Когда они совершают мерзость, они говорят: «Мы видели, что наши отцы поступали таким образом. Аллах повелел нам это». Скажи: «Аллах не велит совершать мерзость. Неужели вы станете наговаривать на Аллаха то, чего не знаете?».

К этому аяту нет толкования

7:29Страница 153

قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ ٢٩

Скажи: «Мой Господь велел поступать справедливо». Обращайте к Нему лица в любом месте поклонения и взывайте к Нему, очищая перед Ним веру. Он сотворил вас изначально, и так же вы будете возвращены».

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كَما كَتَبَ عَلَيْكم تَكُونُونَ.

وَقالَ مُجاهِدٌ: كَما بَدَأكم تَعُودُونَ شَقِيًّا، وسَعِيدًا.

وَقالَ أيْضًا: يَبْعَثُ المُسْلِمَ مُسْلِمًا والكافِرَ كافِرًا.

وَقالَ أبُو العالِيَةِ: عادُوا إلى عِلْمِهِ فِيهِمْ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠].

وَهَذا يَتَضَمَّنُ إثْباتَ عِلْمِهِ، وقَدَرِهِ السّابِقِ، وأنَّ الخَلْقَ يَصِيرُونَ إلَيْهِ لا مَحالَةَ، وكَوْنُ هَذا مُرادَ الآيَةُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، فَإنَّ الآيَةَ اقْتَضَتْ حُكْمَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ يُعِيدُهم كَما بَدَأهم عَلى عادَةِ القُرْآنِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى المَعادِ بِالبُداءَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ هَدى فَرِيقًا وأضَلَّ فَرِيقًا، فالأمْرُ كُلُّهُ لَهُ: بَدْؤُهم وإعادَتُهُمْ، وهِدايَةُ مَن هَدى مِنهم وإضْلالُ مَن أضَلَّ مِنهُمْ، ولَيْسَ في شُرَكائِهِمْ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.

وَأمّا أمْرُ المَلَكِ " «بِكَتْبِ شَقاوَةِ العَبْدِ وسَعادَتِهِ في بَطْنِ أُمِّهِ» "

وَقَوْلُهُ

" «الشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ» "

فَحَقٌّ لا يُخالِفُ فِيهِ أحَدٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ بَلْ قَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ، وكَلِمَةُ الصَّحابَةِ قَبْلَهم عَلى ذَلِكَ.

وَأمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - «فِي الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ: " أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا» "

فَمِثْلُ ذَلِكَ سَواءً.

و" كافِرًا " حالٌ مُقَدَّرَةٌ لا مُقارَنَةٌ، أيْ طُبِعَ مُقَدَّرًا كُفْرُهُ، وإلّا فَهو في حالِ كَوْنِهِ جَنِينًا وطِفْلًا لا يَعْقِلُ كُفْرًا ولا إيمانًا.

فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ هَكَذا فَلِمَ قَتَلَهُ الخَضِرُ؟ فالجَوابُ ما قالَهُ لِمُوسى: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، فاللَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِقَتْلِ ذَلِكَ الغُلامِ لِمَصْلَحَةٍ، وأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالكَفِّ عَنْ قَتْلِ النِّساءِ، والذُّرِّيَّةِ لِمَصْلَحَةٍ، فَكانَ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ مَصْلَحَةٌ، وحِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ يَشْهَدُها أُولُو الألْبابِ.

(فائدة: الحِكْمَة الَّتِي لأجلها يُعاد بَنو آدم غرلًا)

لما وعد الله سُبْحانَهُ وهو صادِق الوَعْد الَّذِي لا يخلف وعده أنه يُعِيد الخلق كَما بدأهم أول مرّة كانَ من صدق وعده أن يُعِيدهُ على الحالة الَّتِي بدأه عَلَيْها من تَمام أعْضائِهِ وكمالها قالَ الله تَعالى ﴿يَوْم نطوي السَّماء كطي السّجل للكتب كَما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنّا كُنّا فاعلين﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وقالَ تَعالى ﴿كَما بَدَأكم تعودُونَ﴾

وَأيْضًا فَإن الخِتان إنَّما شرع في الدُّنْيا لتكميل الطَّهارَة والتنزه من البَوْل وأهل الجنَّة لا يَبُولُونَ ولا يَتَغَوَّطُونَ فَلَيْسَ هُناكَ نَجاسَة تصيب الغرلة فَيحْتاج إلى التَّحَرُّز مِنها، والقلفة لا تمنع لَذَّة الجِماع ولا تعوقه هَذا إن قدر استمرارهم على تِلْكَ الحالة الَّتِي بعثوا عَلَيْها، وإلّا فَلا يلْزم من كَونهم يبعثون كَذَلِك أن يستمروا على تِلْكَ الحالة الَّتِي بعثوا عَلَيْها فَإنَّهُم يبعثون حُفاة عُراة بُهما ثمَّ يكسون ويمد خلقهمْ ويُزاد فِيهِ بعد ذَلِك يُزاد في خلق أهل الجنَّة والنّار وإلّا فوقت قيامهم من القُبُور يكونُونَ على صورتهم الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا وعَلى صفاتهم وهيئاتهم وأحوالهم فيبعث كل عبد على ما ماتَ عَلَيْهِ ثمَّ ينشئهم الله سُبْحانَهُ كَما يَشاء وهل تبقى تِلْكَ الغرلة الَّتِي كملت خلقهمْ في القُبُور أو تَزُول يُمكن هَذا وهَذا ولا يعلم إلّا بِخَبَر يجب المصير إلَيْهِ والله سُبْحانَهُ وتَعالى أعلم.

7:30Страница 153

فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٠

Он одних наставил на прямой путь, а другим заслуженно предписал заблуждение. Они сочли дьяволов своими покровителями и помощниками вместо Аллаха и полагают, что следуют прямым путем.

(فصل)

روى ابن عبد البر بإسناده عن موسى بن عبيدة سمعت محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾

قال: "من ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بعمل أهل الضلالة ومن ابتدأ خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بعمل أهل الهدى ابتدأ خلق إبليس على الضلالة وعمل بعمل أهل السعادة مع الملائكة ثم رده الله إلى ما ابتدأ خلقه عليه من الضلالة" فقال: "وكان من الكافرين وابتدأ خلق السحرة على الهدى وعملوا بعمل أهل الضلالة ثم هداهم الله إلى الهدى والسعادة وتوفاهم عليها مسلمين" فهذا المنقول عن محمد بن كعب يبين أن الذي ابتدأهم عليه هو ما كتب أنهم صائرون إليه وأنهم قد يعملون قبل ذلك غيره وأن من ابتدئ على الضلالة أي كتب أن يموت ضالا فقد يكون قبل ذلك عاملا بعمل أهل الهدى وحينئذ فمن ولد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى لا يمنع أن يعرض لها ما يغيرها فيصير إلى ما سبق به القدر كما في الحديث الصحيح:

"إن أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وأن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة"

وقال سعيد بن جبير في قوله: "كما بدأ كم تعودون قال كما كتب عليكم تكونون"

وقال مجاهد: "كما بدأكم تعودون شقي وسعيد"

وقال أيضا: "يبعث المسلم مسلما والكافر كافرا" وقال أبو العالية: "عادوا إلى علمه فيهم فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة"

قلت هذا المعنى صحيح في نفسه دل عليه القرآن والسنة والآثار السلفية وإجماع أهل السنة وأما كونه هو المراد بالآية ففيه ما فيه والذي يظهر من الآية أن معناها معنى نظرائها وأمثالها من الآيات التي يحتج الله سبحانه فيها على النشأة الثانية بالأولى وعلى المعاد بالمبدأ فجاء باحتجاج في غاية الاختصار والبيان فقال ﴿كما بدأكم تعودون﴾ كقوله: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ وقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ الآية وقوله: ﴿أيَحْسَبُ الأِنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ إلى قوله: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ وقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الأِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾

أي على رجع الإنسان حيا بعد موته هذا هو الصواب في معنى الآية يبقى أن يقال فكيف يرتبط هذا بقوله ﴿فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة﴾؟

فيقال هذا الذي أوجب لأصحاب ذلك القول ما تأولوا به الآية.

ومن تأمل الآية علم أن القول أولى بها ووجه الارتباط أن الآية تضمنت قواعد الدين علما وعملا واعتقادا فأمر سبحانه فيها بالقسط هو الذي هو حقيقة شرعه ودينه وهو يتضمن التوحيد فإنه أعدل العدل والعدل في معاملة الخلق والعدل في العبادة وهو الاقتصاد في السنة ويتضمن الأمر بالإقبال على الله وإقامة عبوديته في ثبوته ويتضمن الإخلاص له وهو عبوديته وحده لا شريك له فهذا ما فيها من العمل ثم أخبر بمبدأهم ومعادهم فتضمن ذلك حدوث الخلق وإعادته فذلك الإيمان بالمبدأ والمعاد ثم أخبر عن القدر الذي هو نظام التوحيد فقال فريقا هدى وفريفا حق عليهم الضلالة فتضمنت الآية الإيمان بالقدر والشرع والمبدأ والمعاد والأمر بالعدل والإخلاص ثم ختم الآية بذكر حال من لم يصدق هذا الخبر ولم يطع هنا الأمر بأنه قدوا للشيطان دون ربه وأنه على ضلال وهو يحسب أنه على هدى والله أعلم.

فإن قيل: فما الفرق بين قوله: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ وبين قوله: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾؟

قيل: الفرق من وجهين لفظي ومعنوي أما اللفظي فهو أن الحروف الحواجز بين الفعل والفاعل في قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ أكثر منها في قوله: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ﴾ وقد تقدم أن الحذف مع كثرة الحواجز أحسن وأما المعنوي فإن من في قوله: ﴿وَمِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ واقعة على الأمة والجماعة وهي مؤنثة لفظا ألا تراه يقول: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا﴾

ثم قال: ﴿وَمِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أي من تلك الأمم أمم حقت عليهم الضلالة ولو قال: بدل ذلك ضلت لتعينت التاء ومعنى الكلامين واحد وإذا كان معنى الكلامين واحدا كان إثبات التاء أحسن من تركها لأنها ثابتة فيما هو في معنى الكلام الآخر.

وأما: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ فالفريق مذكر ولو قال: فريقا ضلوا لكان بغير تاء وقولهم: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ في معناه فجاء بغير تاء وهذا أسلوب لطيف من أساليب العربية تدع العرب حكم اللفظ الواجب له في قياس لغتها إذا كان في معنى كلمة لا يجب لها ذلك الحكم تراهم يقولون هو أحسن الفتيان وأجمله لأنه في معنى هو أحسن فتى وأجمله.

ونظيره تصحيحهم حول وعور لأنه في معنى أحول وأعور ونظائره كثيرة جدا فإذا حسن الحمل على المعنى فيما كان القياس لا يجوزه فما ظنك به حيث يجوزه القياس والاستعمال وأحسن من هذا أن يقول إنهم أرادوا أحسن شيء وأجمله فجعلوا مكان شيء قولهم الفتيان تنبيها على أنه أحسن شيء من هذا الجنس فلو اقتصروا على ذكر شيء لم يدل على الجنس المفضل عليه.

ومن هذا قوله ﷺ: "أحناه على ولد في صغره وأرعاه في ذات يده " رواه البخاري ومسلم وأحمد فهذا يدل على أن التقدير هناك أحسن شيء وأجمله لأنه أحسن فتى إذ لو كان التقدير أحسن فتى لكان نظيره هنا أحنى امرأة على ولد وكان يقال أحناها وأرعاها فلما عدل إلى التذكير دل على أنهم أرادوا أحسن شيء من هذا الجنس وأرعاه.

7:31Страница 154

۞ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١

О сыны Адама! Облекайтесь в свои украшения при каждой мечети. Ешьте и пейте, но не излишествуйте, ибо Он не любит тех, кто излишествует.

(فائدة)

قوله تعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾

جمعت أصول أحكام الشريعة كلها، فجمع الأمر والنهي والإباحة والخبر.

(فائدة أخرى)

قالَ بَعْضُ المُتَقَدِّمِينَ مِن أئِمَّةِ الطِّبِّ: مَن أرادَ عافِيَةَ الجِسْمِ فَلْيُقَلِّلْ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ، ومَن أرادَ عافِيَةَ القَلْبِ فَلْيَتْرُكِ الآثامَ.

وَقالَ ثابِتُ بْنُ قُرَّةَ: راحَةُ الجِسْمِ في قِلَّةِ الطَّعامِ، وراحَةُ الرُّوحِ في قِلَّةِ الآثامِ، وراحَةُ اللِّسانِ في قِلَّةِ الكَلامِ.

والذُّنُوبُ لِلْقَلْبِ بِمَنزِلَةِ السُّمُومِ، إنْ لَمْ تُهْلِكْهُ أضْعَفَتْهُ، ولا بُدَّ وإذا ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، لَمْ يَقْدِرْ عَلى مُقاوَمَةِ الأمْراضِ، قالَ طَبِيبُ القُلُوبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ:

؎رَأيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ∗∗∗ وقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها

؎وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَياةُ القُلُوبِ ∗∗∗ وخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيانُها

(لطيفة)

سَألَ سهل التسترِي الرجل يَأْكُل في اليَوْم أكلَة؟ قالَ أكل الصديقين.

قيل لَهُ فأكلتين؟ قالَ أكل المُؤمنِينَ.

قيل لَهُ فَثَلاث أكلات؟ فَقالَ قل لأهله يبنوا لَهُ معلفا.

[فَصْلٌ: المُفْسِدُ الرّابِعُ مِن مُفْسِداتِ القَلْبِ الطَّعامُ]

والمُفْسِدُ لَهُ مِن ذَلِكَ نَوْعانِ: أحَدُهُما ما يُفْسِدُهُ لِعَيْنِهِ وذاتِهِ كالمُحَرَّماتِ، وهي نَوْعانِ: مُحَرَّماتٌ لِحَقِّ اللَّهِ، كالمَيْتَةِ والدَّمِ، ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، وذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ والمِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ، ومُحَرَّماتٌ لِحَقِّ العِبادِ، كالمَسْرُوقِ والمَغْصُوبِ والمَنهُوبِ، وما أُخِذَ بِغَيْرِ رِضا صاحِبِهِ، إمّا قَهْرًا وإمّا حَياءً وتَذَمُّمًا.

والثّانِي: ما يُفْسِدُهُ بِقَدْرِهِ وتَعَدِّي حَدِّهِ، كالإسْرافِ في الحَلالِ، والشِّبَعِ المُفْرِطِ، فَإنَّهُ يُثْقِلُهُ عَنِ الطّاعاتِ، ويَشْغَلُهُ بِمُزاوَلَةِ مُؤْنَةِ البِطْنَةِ ومُحاوَلَتِها، حَتّى يَظْفَرَ بِها، فَإذا ظَفِرَ بِها شَغَلَهُ بِمُزاوَلَةِ تَصَرُّفِها ووِقايَةِ ضَرَرِها، والتَّأذِّي بِثِقَلِها، وقَوّى عَلَيْهِ مَوادَّ الشَّهْوَةِ، وطُرُقَ مَجارِي الشَّيْطانِ ووَسَّعَها، فَإنَّهُ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ، فالصَّوْمُ يُضَيِّقُ مَجارِيَهُ ويَسُدُّ عَلَيْهِ طُرُقَهُ، والشِّبَعُ يَطْرُقُها ويُوَسِّعُها، ومَن أكَلَ كَثِيرًا شَرِبَ كَثِيرًا، فَنامَ كَثِيرًا، فَخَسِرَ كَثِيرًا، وفي الحَدِيثِ المَشْهُورِ «ما مَلَأ آدَمِيٌّ وِعاءً شَرًّا مِن بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْماتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإنْ كانَ لا بُدَّ فاعِلًا فَثُلُثٌ لِطَعامِهِ، وثُلُثٌ لِشَرابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» ويُحْكى أنَّ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ عَرَضَ لِيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ لَهُ يَحْيى: هَلْ نِلْتَ مِنِّي شَيْئًا قَطُّ؟ قالَ: لا، إلّا أنَّهُ قُدِّمَ إلَيْكَ الطَّعامُ لَيْلَةً فَشَهَّيْتُهُ إلَيْكَ حَتّى شَبِعْتَ مِنهُ، فَنِمْتَ عَنْ وِرْدِكَ، فَقالَ يَحْيى: لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ لا أشْبَعَ مِن طَعامٍ أبَدًا، فَقالَ إبْلِيسُ: وأنا، لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ لا أنْصَحَ آدَمِيًّا أبَدًا.

[فَصْلٌ: الأدَبُ هو الدِّينُ كُلُّهُ]

فَإنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ مِنَ الأدَبِ. والوُضُوءَ وغُسْلَ الجَنابَةِ مِنَ الأدَبِ. والتَّطَهُّرَ مِنَ الخُبْثِ مِنَ الأدَبِ. حَتّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ طاهِرًا. ولِهَذا كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَتَجَمَّلَ الرَّجُلُ في صَلاتِهِ. لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ.

وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: أمَرَ اللَّهُ بِقَدْرٍ زائِدٍ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ. وهو أخْذُ الزِّينَةِ. فَقالَ تَعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] فَعَلَّقَ الأمْرَ بِأخْذِ الزِّينَةِ، لا بِسَتْرِ العَوْرَةِ، إيذانًا بِأنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي لَهُ: أنْ يَلْبَسَ أزْيَنَ ثِيابِهِ، وأجْمَلَها في الصَّلاةِ.

وَكانَ لِبَعْضِ السَّلَفِ حُلَّةٌ بِمَبْلَغٍ عَظِيمٍ مِنَ المالِ. وكانَ يَلْبَسُها وقْتَ الصَّلاةِ. ويَقُولُ: رَبِّي أحَقُّ مَن تَجَمَّلْتُ لَهُ في صَلاتِي.

وَمَعْلُومٌ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُحِبُّ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ. لاسِيَّما إذا وقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَأحْسَنُ ما وقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِمَلابِسِهِ ونِعْمَتِهِ الَّتِي ألْبَسَهُ إيّاها ظاهِرًا وباطِنًا.

وَمِنَ الأدَبِ: نَهى النَّبِيُّ ﷺ المُصَلِّيَ: «أنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ».

فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - يَقُولُ: هَذا مِن كَمالِ أدَبِ الصَّلاةِ: أنْ يَقِفَ العَبْدُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ مُطْرِقًا، خافِضًا طَرْفَهُ إلى الأرْضِ. ولا يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلى فَوْقٍ.

قالَ: والجَهْمِيَّةُ - لَمّا لَمْ يَفْقَهُوا هَذا الأدَبَ، ولا عَرَفُوهُ - ظَنُّوا أنَّ هَذا دَلِيلٌ أنَّ اللَّهَ لَيْسَ فَوْقَ سَمَواتِهِ عَلى عَرْشِهِ. كَما أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ. واتَّفَقَتْ عَلَيْهِ رُسُلُهُ وجَمِيعُ أهْلِ السُّنَّةِ.

قالَ: وهَذا مِن جَهْلِهِمْ. بَلْ هَذا دَلِيلٌ لِمَن عَقَلَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى نَقِيضِ قَوْلِهِمْ؛ إذْ مِنَ الأدَبِ مَعَ المُلُوكِ: أنَّ الواقِفَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَطْرُقُ إلى الأرْضِ. ولا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إلَيْهِمْ. فَما الظَّنُّ بِمَلِكِ المُلُوكِ سُبْحانَهُ؟

وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ - في نَهْيِهِ ﷺ عَنْ قِراءَةِ القُرْآنِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ - إنَّ القُرْآنَ هو أشْرَفُ الكَلامِ. وهو كَلامُ اللَّهِ. وحالَتا الرُّكُوعِ والسُّجُودِ حالَتا ذُلٍّ وانْخِفاضٍ مِنَ العَبْدِ. فَمِنَ الأدَبِ مَعَ كَلامِ اللَّهِ: أنْ لا يُقْرَأ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. ويَكُونَ حالُ القِيامِ والِانْتِصابِ أوْلى بِهِ.

وَمِنَ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ: أنْ لا يَسْتَقْبِلَ بَيْتَهُ ولا يَسْتَدْبِرَهُ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ. كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ وسَلْمانَ وأبِي هُرَيْرَةَ، وغَيْرِهِمْ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. والصَّحِيحُ: أنَّ هَذا الأدَبَ: يَعُمُّ الفَضاءَ والبُنْيانَ. كَما ذَكَرْنا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

وَمِنَ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ، في الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ في الصَّلاةِ: وضَعُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى حالَ قِيامِ القِراءَةِ، فَفي المُوَطَّأِ لِمالِكٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، وكانَ النّاسُ يُؤْمَرُونَ بِهِ ولا رَيْبَ أنَّهُ مِن أدَبِ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ المُلُوكِ والعُظَماءِ. فَعَظِيمُ العُظَماءِ أحَقُّ بِهِ.

وَمِنها: السُّكُونُ في الصَّلاةِ. وهو الدَّوامُ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: أنَّ أبا الخَيْرِ أخْبَرَهُ قالَ: سَألْنا عُقْبَةَ بْنَ عامِرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] أهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ دائِمًا؟ قالَ: لا. ولَكِنَّهُ إذا صَلّى لَمْ يَلْتَفِتْ عَنْ يَمِينِهِ، ولا عَنْ شِمالِهِ ولا خَلْفَهُ.

قُلْتُ: هُما أمْرانِ. الدَّوامُ عَلَيْها. والمُداوَمَةُ عَلَيْها. فَهَذا الدَّوامُ. والمُداوَمَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] وفُسِّرَ الدَّوامُ بِسُكُونِ الأطْرافِ والطُّمَأْنِينَةِ.

وَأدَبِهِ في اسْتِماعِ القِراءَةِ: أنْ يُلْقِيَ السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.

وَأدَبُهُ في الرُّكُوعِ: أنْ يَسْتَوِيَ. ويُعَظِّمَ اللَّهَ تَعالى، حَتّى لا يَكُونَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ أعْظَمُ مِنهُ. ويَتَضاءَلَ ويَتَصاغَرَ في نَفْسِهِ. حَتّى يَكُونَ أقَلَّ مِنَ الهَباءِ.

والمَقْصُودُ: أنَّ الأدَبَ مَعَ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى: هو القِيامُ بِدِينِهِ، والتَّأدُّبُ بِآدابِهِ ظاهِرًا وباطِنًا.

وَلا يَسْتَقِيمُ لِأحَدٍ قَطُّ الأدَبُ مَعَ اللَّهِ إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: مَعْرِفَتُهُ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ومَعْرِفَتُهُ بِدِينِهِ وشَرْعِهِ، وما يُحِبُّ وما يَكْرَهُ. ونَفْسٌ مُسْتَعِدَّةٌ قابِلَةٌ لَيِّنَةٌ، مُتَهَيِّئَةٌ لِقَبُولِ الحَقِّ عِلْمًا وعَمَلًا وحالًا. واللَّهُ المُسْتَعانُ.

[فَصْلٌ: هَدْيِهِ ﷺ في حِفْظِ الصِّحَّةِ]

لَمّا كانَ اعْتِدالُ البَدَنِ وصِحَّتُهُ وبَقاؤُهُ إنَّما هو بِواسِطَةِ الرُّطُوبَةِ المُقاوِمَةِ لِلْحَرارَةِ، فالرُّطُوبَةُ مادَّتُهُ، والحَرارَةُ تُنْضِجُها وتَدْفَعُ فَضَلاتِها، وتُصْلِحُها وتُلَطِّفُها، وإلّا أفْسَدَتِ البَدَنَ ولَمْ يُمْكِنْ قِيامُهُ، وكَذَلِكَ الرُّطُوبَةُ هي غِذاءُ الحَرارَةِ، فَلَوْلا الرُّطُوبَةُ لَأحْرَقَتِ البَدَنَ وأيْبَسَتْهُ وأفْسَدَتْهُ، فَقِوامُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما بِصاحِبَتِها، وقِوامُ البَدَنِ بِهِما جَمِيعًا، وكُلٌّ مِنهُما مادَّةٌ لِلْأُخْرى.

فالحَرارَةُ مادَّةٌ لِلرُّطُوبَةِ تَحْفَظُها وتَمْنَعُها مِنَ الفَسادِ والِاسْتِحالَةِ، والرُّطُوبَةُ مادَّةٌ لِلْحَرارَةِ تَغْذُوها وتَحْمِلُها، ومَتى مالَتِ احْداهُما إلى الزِّيادَةِ عَلى الأُخْرى حَصَلَ لِمِزاجِ البَدَنِ الِانْحِرافُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، فالحَرارَةُ دائِمًا تُحَلِّلُ الرُّطُوبَةَ، فَيَحْتاجُ البَدَنُ إلى ما بِهِ يُخْلَفُ عَلَيْهِ ما حَلَّلَتْهُ الحَرارَةُ - لِضَرُورَةِ بَقائِهِ - وهو الطَّعامُ والشَّرابُ، ومَتى زادَ عَلى مِقْدارِ التَّحَلُّلِ، ضَعُفَتِ الحَرارَةُ عَنْ تَحْلِيلِ فَضَلاتِهِ، فاسْتَحالَتْ مَوادَّ رَدِيئَةً، فَعاثَتْ في البَدَنِ، وأفْسَدَتْ، فَحَصَلَتِ الأمْراضُ المُتَنَوِّعَةُ بِحَسَبِ تَنَوُّعِ مَوادِّها وقَبُولِ الأعْضاءِ واسْتِعْدادِها، وهَذا كُلُّهُ مُسْتَفادٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، فَأرْشَدَ عِبادَهُ إلى إدْخالِ ما يُقِيمُ البَدَنَ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ عِوَضَ ما تَحَلَّلَ مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بِقَدْرِ ما يَنْتَفِعُ بِهِ البَدَنُ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، فَمَتى جاوَزَ ذَلِكَ كانَ إسْرافًا، وكِلاهُما مانِعٌ مِنَ الصِّحَّةِ جالِبٌ لِلْمَرَضِ، أعْنِي عَدَمَ الأكْلِ والشُّرْبِ، أوِ الإسْرافَ فِيهِ.

فَحِفْظُ الصِّحَّةِ كُلُّهُ في هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ الإلَهِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ أنَّ البَدَنَ دائِمًا في التَّحَلُّلِ والِاسْتِخْلافِ، وكُلَّما كَثُرَ التَّحَلُّلُ ضَعُفَتِ الحَرارَةُ لِفَناءِ مادَّتِها، فَإنَّ كَثْرَةَ التَّحَلُّلِ تُفْنِي الرُّطُوبَةَ، وهي مادَّةُ الحَرارَةِ، وإذا ضَعُفَتِ الحَرارَةُ، ضَعُفَ الهَضْمُ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى تَفْنى الرُّطُوبَةُ، وتَنْطَفِئَ الحَرارَةُ جُمْلَةً، فَيَسْتَكْمِلُ العَبْدُ الأجَلَ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ.

فَغايَةُ عِلاجِ الإنْسانِ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ حِراسَةُ البَدَنِ إلى أنْ يَصِلَ إلى هَذِهِ الحالَةِ، لا أنَّهُ يَسْتَلْزِمُ بَقاءَ الحَرارَةِ والرُّطُوبَةِ اللَّتَيْنِ بَقاءُ الشَّبابِ والصِّحَّةِ والقُوَّةِ بِهِما، فَإنَّ هَذا مِمّا لَمْ يَحْصُلْ لِبَشَرٍ في هَذِهِ الدّارِ، وإنَّما غايَةُ الطَّبِيبِ أنْ يَحْمِيَ الرُّطُوبَةَ عَنْ مُفْسِداتِها مِنَ العُفُونَةِ وغَيْرِهِ، ويَحْمِيَ الحَرارَةَ عَنْ مُضْعِفاتِها، ويَعْدِلَ بَيْنَهُما بِالعَدْلِ في التَّدْبِيرِ الَّذِي بِهِ قامَ بَدَنُ الإنْسانِ، كَما أنَّ بِهِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ وسائِرُ المَخْلُوقاتِ، إنَّما قِوامُها بِالعَدْلِ، ومَن تَأمَّلَ هَدْيَ النَّبِيِّ ﷺ وجَدَهُ أفْضَلَ هَدْيٍ يُمْكِنُ حِفْظُ الصِّحَّةِ بِهِ، فَإنَّ حِفْظَها مَوْقُوفٌ عَلى حُسْنِ تَدْبِيرِ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، والمَلْبَسِ والمَسْكَنِ، والهَواءِ والنَّوْمِ، واليَقَظَةِ والحَرَكَةِ والسُّكُونِ، والمَنكَحِ والِاسْتِفْراغِ والِاحْتِباسِ، فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ عَلى الوَجْهِ المُعْتَدِلِ المُوافِقِ المُلائِمِ لِلْبَدَنِ والبَلَدِ والسِّنِّ والعادَةِ، كانَ أقْرَبَ إلى دَوامِ الصِّحَّةِ أوْ غَلَبَتِها إلى انْقِضاءِ الأجَلِ.

وَلَمّا كانَتِ الصِّحَّةُ والعافِيَةُ مِن أجَلِّ نِعَمِ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ، وأجْزَلِ عَطاياهُ، وأوْفَرِ مِنَحِهِ، بَلِ العافِيَةُ المُطْلَقَةُ أجَلُّ النِّعَمِ عَلى الإطْلاقِ، فَحَقِيقٌ لِمَن رُزِقَ حَظًّا مِنَ التَّوْفِيقِ مُراعاتُها وحِفْظُها وحِمايَتُها عَمّا يُضادُّها، وقَدْ رَوى البُخارِيُّ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ».

وَفِي الترمذي وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ عبيد الله بن محصن الأنصاري، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أصْبَحَ مُعافًى في جَسَدِهِ، آمِنًا في سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيا».

وَفِي الترمذي أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أوَّلُ ما يُسْألُ عَنْهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ النَّعِيمِ، أنْ يُقالَ لَهُ: ألَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ، ونَرْوِكَ مِنَ الماءِ البارِدِ».

وَمِن هاهُنا قالَ مَن قالَ مِنَ السَّلَفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، قالَ: عَنِ الصِّحَّةِ.

وَفِي " مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ " أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ للعباس: «يا عباس، يا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ! سَلِ اللَّهَ العافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ».

وَفِيهِ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَلُوا اللَّهَ اليَقِينَ والمُعافاةَ، فَما أُوتِيَ أحَدٌ بَعْدَ اليَقِينِ خَيْرًا مِنَ العافِيَةِ»، فَجَمَعَ بَيْنَ عافِيَتَيِ الدِّينِ والدُّنْيا، ولا يَتِمُّ صَلاحُ العَبْدِ في الدّارَيْنِ إلّا بِاليَقِينِ والعافِيَةِ، فاليَقِينُ يَدْفَعُ عَنْهُ عُقُوباتِ الآخِرَةِ، والعافِيَةُ تَدْفَعُ عَنْهُ أمْراضَ الدُّنْيا في قَلْبِهِ وبَدَنِهِ.

وَفِي " سُنَنِ النَّسائِيِّ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: «سَلُوا اللَّهَ العَفْوَ والعافِيَةَ

والمُعافاةَ، فَما أُوتِيَ أحَدٌ بَعْدَ يَقِينٍ خَيْرًا مِن مُعافاةٍ».

وَهَذِهِ الثَّلاثَةُ تَتَضَمَّنُ إزالَةَ الشُّرُورِ الماضِيَةِ بِالعَفْوِ، والحاضِرَةِ بِالعافِيَةِ، والمُسْتَقْبَلَةِ بِالمُعافاةِ، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ المُداوَمَةَ والِاسْتِمْرارَ عَلى العافِيَةِ.

وَفِي الترمذي مَرْفُوعًا: «ما سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ العافِيَةِ».

وَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى: عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! لَأنْ أُعافى فَأشْكُرَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُبْتَلى فَأصْبِرَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَرَسُولُ اللَّهِ يُحِبُّ مَعَكَ العافِيَةَ».

وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أعْرابِيًّا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: ما أسْألُ اللَّهَ بَعْدَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ؟ فَقالَ: " «سَلِ اللَّهَ العافِيَةَ "، فَأعادَ عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ في الثّالِثَةِ: سَلِ اللَّهَ العافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ».

7:32Страница 154

قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣٢

Скажи: «Кто запретил украшения Аллаха, которые Он даровал Своим рабам, и прекрасный удел?». Скажи: «В мирской жизни они предназначены для тех, кто уверовал, а в День воскресения они будут предназначены исключительно для них». Так Мы разъясняем знамения людям знающим.

وهذا دليل على أنها فواحش في نفسها لا تستحسنها العقول. فتعلق التحريم بها لفحشها. فإن ترتيب الحكم على الوصف المناسب المشتق.

يدل على أنه هو العلة المقتضية له. وهذا دليل في جميع الآيات التي ذكرناها. تدل على أنه حرمها لكونها فواحش، وحرم الخبيث لكونه خبيثا.

وأمر بالمعروف لكونه معروفا. والعلة يجب أن تغاير المعلول. فلو كان كونه فاحشة هو معنى كونه منهيا عنه، وكونه خبيثا هو معنى كونه محرما: كانت العلة عين المعلول. وهذا محال. فتأمله وكذا تحريم الإثم والبغي دليل على أن هذا وصف ثابت له قبل التحريم.

ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ فعلل النهي في الموضعين بكون المنهي عنه فاحشة. ولو كان جهة كونه فاحشة هو النهي لكان تعليلا للشيء بنفسه، ولكان بمنزلة أن يقال: لا تقربوا الزنا فإنه يقول لكم لا تقربوه، أو فإنه منهي عنه. وهذا محال من وجهين.

أحدهما: أنه يتضمن إخلاء الكلام من الفائدة.

والثاني: أنه تعليل للنهي بالنهي!

(فائدة)

"الدنيا سجن المؤمن" فيه تفسيران صحيحان:

أحدهما: أن المؤمن قيده إيمانه عن المحظورات، والكافر مطلق التصرف.

الثاني: أن ذلك باعتبار العواقب فالمؤمن لو كان أنعم الناس فذلك بالإضافة إلى مآله في الجنة كالسجن.

والكفار عكسه فإنه لو كان أشد الناس بؤسا فذلك بالنسبة إلى النار جنته.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English