Ибн аль-КаййимАд‑Духа · 93:1–10

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

الضحى

Ад-Духа

Утро · Мекканская · 11 аятов

93:1–4Страница 596

وَٱلضُّحَىٰ ١

Клянусь утром!

وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ ٢

Клянусь ночью, когда она успокаивается (или покрывается мраком)!

مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣

Не покинул тебя твой Господь и не возненавидел.

وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ ٤

Воистину, будущее для тебя лучше, чем настоящее.

(فصل)

ومن ذلك إقسامه سبحانه بـ ﴿والضُّحى واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ على إنعامه على رسوله وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه وذلك متضمن لتصديقه له فهو قسم على صحة نبوته وعلى جزائه في الآخرة فهو قسم على النبوة والمعاد وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته وحكمته ورحمته وهما الليل والنهار

فتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافى بعد ظلام الليل للمقسم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه حتى قال أعداؤه ودع محمدًا ربه فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه وأيضًا فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النهاء هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة فهذان للحس وهذان للعقل وأيضًا فإن الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدًا بل هداهم بضوء النهاء إلى مصالحهم ومعايشهم لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغي بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم.

فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه، وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ والجلالة التي على معانيها

ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه أو قلاه فالتوديع الترك والقلى البغض فما تركه منذ اعتنى به وأكرمه ولا أبغضه منذ أحبه وأطلق سبحانه أن الآخرة خير له من الأولى، وهذا يعم كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها، كما أن الدار الآخرة خير له مما قبلها.

93:5Страница 596

وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ ٥

Господь твой непременно одарит тебя, и ты будешь удовлетворен.

ثم وعده بما تقر به عينه وتفرح به نفسه وينشرح به صدره وهو أن يعطيه فيرضى وهذا يعم ما يعطيه من القرآن والهدى والنصر وكثرة الاتباع ورفع ذكره وإعلاء كلمته وما يعطيه بعد مماته وما يعطيه في موقف القيامة وما يعطيه في الجنة وأما ما يغتر به الجهال من أنه لا يرضى وواحد من أمته في النار أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار فهذا من غرور الشيطان لهم ولعبة بهم فإنه صلوات الله وسلامة عليه يرضى بما يرضى به ربه تبارك وتعالى وهو سبحانه يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة ثم يحد لرسوله حدًا يشفع فيهم ورسوله أعرف به وبحقه من أن يقول لا أرضى أن يدخل أحدًا من أمتي النار على أن يدعه فيها بل ربه تبارك وتعالى يأذن له فيشفع فيمن شاء الله أن يشفع فيه ولا يشفع في غير من أذن له فيه ورضيه.

(فصل: الِاغْتِرارُ بِالفَهْمِ الفاسِدِ)

وَمِنهم مَن يَغْتَرُّ بِفَهْمٍ فاسِدٍ فَهِمَهُ هو وأضْرابُهُ مِن نُصُوصِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، فاتَّكَلُوا عَلَيْهِ كاتِّكالِ بَعْضِهِمْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥].

قالَ وهو لا يَرْضى أنْ يَكُونَ في النّارِ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ، وهَذا مِن أقْبَحِ الجَهْلِ، وأبْيَنِ الكَذِبِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَرْضى بِما يَرْضى بِهِ رَبُّهُ عَزَّ وجَلَّ، واللَّهُ تَعالى يُرْضِيهِ تَعْذِيبُ الظَّلَمَةِ والفَسَقَةِ والخَوَنَةِ والمُصِرِّينَ عَلى الكَبائِرِ، فَحاشا رَسُولَهُ أنْ يَرْضى بِما لا يَرْضى بِهِ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى.

وَكاتِّكالِ بَعْضِهِمْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]

وَهَذا أيْضًا مِن أقْبَحِ الجَهْلِ، فَإنَّ الشِّرْكَ داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ رَأْسُ الذُّنُوبِ وأساسُها، ولا خِلافَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في حَقِّ التّائِبِينَ، فَإنَّهُ يَغْفِرُ ذَنْبَ كُلِّ تائِبٍ مِن أيِّ ذَنْبٍ كانَ، ولَوْ كانَتِ الآيَةُ في حَقِّ غَيْرِ التّائِبِينَ لَبَطَلَتْ نُصُوصُ الوَعِيدِ كُلُّها.

وَأحادِيثُ إخْراجِ قَوْمٍ مِنَ المُوَحِّدِينَ مِنَ النّارِ بِالشَّفاعَةِ.

وَهَذا إنَّما أتى صاحِبَهُ مِن قِلَّةِ عِلْمِهِ وفَهْمِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ هاهُنا عَمَّمَ وأطْلَقَ، فَعُلِمَ أنَّهُ أرادَ التّائِبِينَ، وفي سُورَةِ النِّساءِ خَصَّصَ وقَيَّدَ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ، وأخْبَرَ أنَّهُ يَغْفِرُ ما دُونَهُ، ولَوْ كانَ هَذا في حَقِّ التّائِبِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ، وكاغْتِرارِ بَعْضِ الجُهّالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦٦] فَيَقُولُ: كَرَمُهُ، وقَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَقَّنَ المُغْتَرَّ حُجَّتَهُ، وهَذا جَهْلٌ قَبِيحٌ، وإنَّما غَرَّهُ بِرَبِّهِ الغَرُورُ، وهو الشَّيْطانُ، ونَفْسُهُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ وجَهْلُهُ وهَواهُ، وأتى سُبْحانَهُ بِلَفْظِ الكَرِيمِ وهو السَّيِّدُ العَظِيمُ المُطاعُ، الَّذِي لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ، ولا إهْمالُ حَقِّهِ، فَوَضَعَ هَذا المُغْتَرُّ الغَرُورَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، واغْتَرَّ بِمَن لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ.

وَكاغْتِرارِ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى في النّارِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى - الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٥-١٦]، وقَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].

وَلَمْ يَدْرِ هَذا المُغْتَرُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ هي نارٌ مَخْصُوصَةٌ مِن جُمْلَةِ دَرَكاتِ جَهَنَّمَ، ولَوْ كانَتْ جَمِيعَ جَهَنَّمَ فَهو سُبْحانَهُ لَمْ يَقُلْ لا يَدْخُلُها بَلْ قالَ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ صَلْيِها، عَدَمُ دُخُولِها، فَإنَّ الصَّلْيَ أخَصُّ مِنَ الدُّخُولِ، ونَفْيُ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ.

ثُمَّ هَذا المُغْتَرُّ لَوْ تَأمَّلَ الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها؛ لَعَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ فِيها، فَلا يَكُونُ مَضْمُونًا لَهُ أنْ يُجَنَّبَها.

وَأمّا قَوْلُهُ في النّارِ ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾، فَقَدْ قالَ في الجَنَّةِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ولا يُنافِي إعْدادُ النّارِ لِلْكافِرِينَ أنْ يَدْخُلَها الفُسّاقُ والظَّلَمَةُ، ولا يُنافِي إعْدادُ الجَنَّةِ لِلْمُتَّقِينَ أنْ يَدْخُلَها مَن في قَلْبِهِ أدْنى مِثْقالِ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ، ولَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ.

وَكاغْتِرارِ بَعْضِهِمْ عَلى صَوْمِ يَوْمِ عاشُوراءَ، أوْ يَوْمِ عَرَفَةَ، حَتّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ: يَوْمُ عاشُوراءَ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ العامِ كُلَّها، ويَبْقى صَوْمُ عَرَفَةَ زِيادَةً في الأجْرِ، ولَمْ يَدْرِ هَذا المُغْتَرُّ، أنَّ صَوْمَ رَمَضانَ، والصَّلَواتِ الخَمْسِ، أعْظَمُ وأجَلُّ مِن صِيامِ يَوْمِ عَرَفَةَ، ويَوْمِ عاشُوراءَ، وهي إنَّما تُكَفِّرُ ما بَيْنَهُما إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ.

فَرَمَضانُ إلى رَمَضانَ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، لا يَقْوَيا عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ، إلّا مَعَ انْضِمامِ تَرْكِ الكَبائِرِ إلَيْها، فَيَقْوى مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ.

فَكَيْفَ يُكَفِّرُ صَوْمُ يَوْمِ تَطَوُّعٍ كُلَّ كَبِيرَةٍ عَمِلَها العَبْدُ وهو مُصِرٌّ عَلَيْها، غَيْرُ تائِبٍ مِنها؟ هَذا مُحالٌ عَلى أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ ويَوْمِ عاشُوراءَ مُكَفِّرًا لِجَمِيعِ ذُنُوبِ العامِ عَلى عُمُومِهِ، ويَكُونُ مِن نُصُوصِ الوَعْدِ الَّتِي لَها شُرُوطٌ ومَوانِعُ، ويَكُونُ إصْرارُهُ عَلى الكَبائِرِ مانِعًا مِنَ التَّكْفِيرِ، فَإذا لَمْ يُصِرَّ عَلى الكَبائِرِ لِتَساعُدِ الصَّوْمِ وعَدَمِ الإصْرارِ، وتَعاوُنِهِما عَلى عُمُومِ التَّكْفِيرِ، كَما كانَ رَمَضانُ والصَّلَواتُ الخَمْسُ مَعَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ مُتَساعِدَيْنِ مُتَعاوِنَيْنِ عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ قالَ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]

فَعُلِمَ أنَّ جَعْلَ الشَّيْءِ سَبَبًا لِلتَّكْفِيرِ لا يَمْنَعُ أنْ يَتَساعَدَ هو وسَبَبٌ آخَرُ عَلى التَّكْفِيرِ، ويَكُونُ التَّكْفِيرُ مَعَ اجْتِماعِ السَّبَبَيْنِ أقْوى وأتَمَّ مِنهُ مَعَ انْفِرادِ أحَدِهِما، وكُلَّما قَوِيَتْ أسْبابُ التَّكْفِيرِ كانَ أقْوى وأتَمَّ وأشْمَلَ.

وَكاتِّكالِ بَعْضِهِمْ عَلى قَوْلِهِ ﷺ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ " «أنا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي ما شاءَ» يَعْنِي ما كانَ في ظَنِّهِ فَإنِّي فاعِلُهُ بِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ حُسْنَ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ الإحْسانِ، فَإنَّ المُحْسِنَ حَسَنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ أنْ يُجازِيَهُ عَلى إحْسانِهِ ولا يُخْلِفَ وعْدَهُ، ويَقْبَلَ تَوْبَتَهُ.

وَأمّا المُسِيءُ المُصِرُّ عَلى الكَبائِرِ والظُّلْمِ والمُخالَفاتِ فَإنَّ وحْشَةَ المَعاصِي والظُّلْمِ والحَرامِ تَمْنَعُهُ مِن حُسْنِ الظَّنِّ بِرَبِّهِ، وهَذا مَوْجُودٌ في الشّاهِدِ، فَإنَّ العَبْدَ الآبِقَ الخارِجَ عَنْ طاعَةِ سَيِّدِهِ لا يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، ولا يُجامِعُ وحْشَةَ الإساءَةِ إحْسانُ الظَّنِّ أبَدًا، فَإنَّ المُسِيءَ مُسْتَوْحِشٌ بِقَدْرِ إساءَتِهِ، وأحْسَنُ النّاسِ ظَنًّا بِرَبِّهِ أطْوَعُهم لَهُ.

كَما قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّ المُؤْمِنَ أحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأحْسَنَ العَمَلَ وإنَّ الفاجِرَ أساءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأساءَ العَمَلَ.

وَكَيْفَ يَكُونُ مُحْسِنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ مَن هو شارِدٌ عَنْهُ، حالٌّ مُرْتَحِلٌ في مَساخِطِهِ وما يُغْضِبُهُ، مُتَعَرِّضٌ لِلَعْنَتِهِ قَدْ هانَ حَقُّهُ وأمْرُهُ عَلَيْهِ فَأضاعَهُ، وهانَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ فارْتَكَبَهُ وأصَرَّ عَلَيْهِ؟ وكَيْفَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ مَن بارَزَهُ بِالمُحارَبَةِ، وعادى أوْلِياءَهُ، ووالى أعْداءَهُ، وجَحَدَ صِفاتَ كَمالِهِ، وأساءَ الظَّنَّ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، ووَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ وظَنَّ بِجَهْلِهِ أنَّ ظاهِرَ ذَلِكَ ضَلالٌ وكُفْرٌ؟ وكَيْفَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ ولا يَأْمُرُ ولا يَنْهى ولا يَرْضى ولا يَغْضَبُ؟

وَقَدْ قالَ اللَّهُ في حَقِّ مَن شَكَّ في تَعَلُّقِ سَمْعِهِ بِبَعْضِ الجُزْئِيّاتِ، وهو السِّرُّ مِنَ القَوْلِ: ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣].

93:6–8Страница 596

أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ ٦

Разве Он не нашел тебя сиротой и не дал тебе приют?

وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ ٧

Он нашел тебя заблудшим и повел прямым путем.

وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ ٨

Он нашел тебя бедным и обогатил.

ثم ذكر سبحانه نعمه عليه من إيوائه بعد يتمه وهدايته بعد الضلالة وإغنائه بعد الفقر فكان محتاجًا إلى من يؤويه ويهديه ويغنيه فآواه ربه وهداه وأغناه فأمره سبحانه أن يقابل هذه النعم الثلاث بما يليق بها من الشكر فنهاه أن يقهر اليتيم وأن ينهر السائل وأن يكتم النعمة بل يحدث بها فأوصاه سبحانه باليتامى والفقراء والمتعلمين قال مجاهد ومقاتل لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيمًا وقال الفراء لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وكذلك كانت العرب تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم فغلظ الخطاب في أمر اليتيم وكذلك من لا ناصر له يغلظ في أمره وهو نهى لجميع المكلفين

﴿وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾

قال أكثر المفسرين هو سائل المعروف والصدقة لا تنهره إذا سألك فقد كنت فقيرًا فأما أن تطعمه وإما أن ترده ردًا لينًا قال الحسن أما إنه ليس بالسائل الذي يأتيك ولكن طالب العلم وهذا قول يحيى بن آدم قال إذا جاءك طالب العلم فلا تنهره.

والتحقيق أن الآية تتناول النوعين.

(فائدة)

قال تعالى ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى (٧)﴾

وتفسير هذه الآية بالآية التي في آخر الشورى فإذا كان أعقل خلق الله على الإطلاق إنما حصل له الهدى بالوحي كما قال تعالى ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠].

فكيف يحصل لسفهاء العقول وأخفاء الأحلام وفراش الألباب الاهتداء إلى حقائق الإيمان بمجرد عقولهم دون نصوص الأنبياء: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾.

(فصل)

قال على بن أبي رباح اللخمي: كنت عند مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو يومئذ على مصر وعبد الله بن عمرو بن العاص جالس معه فتمثل مسلمة ببيت من شعر أبي طالب فقال لو أن أبا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة الله وكرامته لعلم أن ابن أخيه سيد قد جاء بخير فقال عبد الله بن عمرو ويومئذ كان سيدا كريما قد جاء بخير فقال مسلمة ألم يقل الله تعالى ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ووَجَدَكَ ضالًا فَهَدى ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾؟

فقال عبد الله بن عمرو: أما اليتيم فقد كان يتيما من أبويه.

وأما العيلة فكل ما كان بأيدى العرب إلى القلة يقول إن العرب كانت كلها مقلة حتى فتح الله عليه وعلى العرب الذين أسلموا ودخلوا في دين الله أفواجا، ثم توفاه الله قبل أن يتلبس منها بشيء ومضى وتركها وحذر منها ومن فتنتها قال وذلك معنى قوله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾

فلم تكن الدنيا لترضيه وهو لا يرضاها كلها لأمته، وهو يحذر منها وتعرض عليه فيأباها وإنما هو ما يعطيه من الثواب وما يفتح عليه وعلى أمته من ملك كسرى وقيصر ودخول الناس في الإسلام وظهور الدين إذا كان ذلك محبته ورضاه صلوات الله وسلامه عليه.

وروى سفيان الثوري عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبد الله بن عباس عن النبي قال:

"رأيت ما هو مفتوح بعدي كفرا كفرا فسرني ذلك فنزلت والضحى والليل إلى قوله ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾

قال "أعطي ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي له"

قالوا وما ذكرتم من الزهد في الدنيا والتقلل منها فالزهد لا ينافي الغنى، بل زهد الغني أكمل من زهد الفقير فإن الغني زهد عن قدرة والفقير عن عجز وبينهما بعد بعيد، وقد كان رسول الله في حال غناه أزهد الخلق، وكذلك إبراهيم الخليل كان كثير المال وهو أزهد الناس في الدنيا.

وقد روى الترمذي في جامعه من حديث أبي ذر عن النبي قال:

"الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعته ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق بما في يد الله وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب في ثوابها لو أنها بقيت لك".

وسئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار وهل يكون زاهدا؟

قال نعم بشرط أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت.

وقال بعض السلف الزاهد من لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره.

وهذا من أحسن الحدود حقيقة مركبة من الصبر والشكر، فلا يستحق اسم الزاهد من لا يتصف بهما.

فمن غلب شكره لما وسع عليه من الحلال، وصبره لما عرض له من الحرام فهو الزاهد على الحقيقة بخلاف من غلب عليه الحلال شكره، والحرام صبره فكان شكره وصبره مغلوبين فإن هذا ليس بزاهد.

(فصل)

وَسُئِلَ أبُو حَفْصٍ: بِمَ يَقْدَمُ الفَقِيرُ عَلى رَبِّهِ؟ فَقالَ: ما لِلْفَقِيرِ شَيْءٌ يَقْدَمُ بِهِ عَلى رَبِّهِ سِوى فَقْرِهِ.

وَحَقِيقَةُ الفَقْرِ وكَمالُهُ كَما قالَ بَعْضُهُمْ، وقَدْ سُئِلَ: مَتى يَسْتَحِقُّ الفَقِيرُ اسْمَ الفَقْرِ؟ فَقالَ: إذا لَمْ يَبْقِ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنهُ. فَقِيلَ لَهُ: وكَيْفَ ذاكَ؟ فَقالَ: إذا كانَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ. وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ فَهو لَهُ.

وَهَذِهِ مِن أحْسَنِ العِباراتِ عَنْ مَعْنى الفَقْرِ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ القَوْمُ. وهو أنَّ كُلَّهُ يَصِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. لا يَبْقى عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِن نَفْسِهِ وحَظِّهِ وهَواهُ. فَمَتى بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِ نَفْسِهِ فَفَقْرُهُ مَدْخُولٌ.

ثُمَّ فُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إذا كانَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ، أيْ: إذا كانَ لِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ. وإذا لَمْ يَكُنْ لِنَفَسِهِ فَهو لِلَّهِ.

فَحَقِيقَةُ الفَقْرِ أنْ لا تَكُونَ لِنَفْسِكَ. ولا يَكُونَ لَها مِنكَ شَيْءٌ، بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّكَ لِلَّهِ.

وَإذا كُنْتَ لِنَفْسِكَ فَثَمَّ مِلْكٌ واسْتِغْناءٌ مُنافٍ لِلْفَقْرِ.

وَهَذا الفَقْرُ الَّذِي يُشِيرُونَ إلَيْهِ: لا تُنافِيهِ الجِدَةُ ولا الأمْلاكُ. فَقَدْ كانَ رُسُلُ اللَّهِ وأنْبِياؤُهُ في ذُرْوَتِهِ مَعَ جِدَتِهِمْ، ومُلْكِهِمْ، كَإبْراهِيمَ الخَلِيلِ ﷺ كانَ أبا الضِّيفانِ. وكانَتْ لَهُ الأمْوالُ والمَواشِي، وكَذَلِكَ كانَ سُلَيْمانُ وداوُدُ عَلَيْهِما السَّلامُ. وكَذَلِكَ كانَ نَبِيُّنا ﷺ، كانَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]

فَكانُوا أغْنِياءَ في فَقْرِهِمْ. فُقَراءَ في غِناهم.

فالفَقْرُ الحَقِيقِيُّ: دَوامُ الِافْتِقارِ إلى اللَّهِ في كُلِّ حالٍ، وأنْ يَشْهَدَ العَبْدَ - في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ - فاقَةً تامَّةً إلى اللَّهِ تَعالى مِن كُلِّ وجْهٍ.

فالفَقْرُ ذاتِيٌّ لِلْعَبْدِ. وإنَّما يَتَجَدَّدُ لَهُ لِشُهُودِهِ ووُجُودِهِ حالًا، وإلّا فَهو حَقِيقَةٌ.

كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ. قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ:

؎والفَقْرُ لِي وصْفُ ذاتٍ لازِمٌ أبَدًا ∗∗∗ كَما الغِنى أبَدًا وصْفٌ لَهُ ذاتِيُّ

[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الغِنى]

وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الغِنى العالِي.

وَهُوَ نَوْعانِ: غِنًى بِاللَّهِ، وغِنًى عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وهُما حَقِيقَةُ الفَقْرِ. ولَكِنَّ أرْبابَ الطَّرِيقِ أفْرَدُوا لِلْغِنى مَنزِلَةً.

قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ " رَحِمَهُ اللَّهُ: بابُ الغِنى. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨].

وَفِي الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُهُما: أنَّهُ أغْناهُ مِنَ المالِ بَعْدَ فَقْرِهِ: وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. لِأنَّهُ قابَلَهُ بِقَوْلِهِ: عائِلًا، والعائِلُ: هو المُحْتاجُ. لَيْسَ ذا العَيْلَةِ. فَأغْناهُ مِنَ المالِ.

والثّانِي: أنَّهُ أرْضاهُ بِما أعْطاهُ. وأغْناهُ بِهِ عَنْ سِواهُ. فَهو غِنى قَلْبٍ ونَفْسٍ، لا غِنى مالٍ. وهو حَقِيقَةُ الغِنى.

والثّالِثُ: - وهو الصَّحِيحُ - أنَّهُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ: نَوْعَيِ الغِنى؛ فَأغْنى قَلْبَهُ بِهِ. وأغْناهُ مِنَ المالِ.

ثُمَّ قالَ: الغِنى اسْمٌ لِلْمِلْكِ التّامِّ.

يَعْنِي أنَّهُ مَن كانَ مالِكًا مَن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ فَلَيْسَ بِغَنِيٍّ. وعَلى هَذا: فَلا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الغَنِيَّ بِالحَقِيقَةِ إلّا اللَّهُ. وكُلُّ ما سِواهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ بِالذّاتِ.

[دَرَجاتُ الغِنى]

[الدَّرَجَةُ الأُولى غِنى القَلْبِ]

قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: غِنى القَلْبِ. وهو سَلامَتُهُ مِنَ السَّبَبِ. ومُسالَمَتُهُ لِلْحُكْمِ. وخَلاصُهُ مِنَ الخُصُومَةِ.

حَقِيقَةُ غِنى القَلْبِ: تُعَلُّقَهُ بِاللَّهِ وحْدَهُ. وحَقِيقَةُ فَقْرِهِ المَذْمُومِ: تُعَلُّقُهُ بِغَيْرِهِ.

فَإذا تَعَلَّقَ بِاللَّهِ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ الَّتِي ذَكَرَها.

سَلامَتُهُ مِنَ السَّبَبِ أيْ مِنَ التَّعَلُّقِ بِهِ. لا مِنَ القِيامِ بِهِ. والغِنى عِنْدَ أهْلِ الغَفْلَةِ بِالسَّبَبِ. ولِذَلِكَ قُلُوبُهم مُعَلَّقَةٌ بِهِ. وعِنْدَ العارِفِينَ بِالمُسَبِّبِ. وكَذَلِكَ الصِّناعَةُ والقُوَّةُ.

فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ: هي جِهاتُ الغِنى عِنْدَ النّاسِ. وهي الَّتِي أشارَ إلَيْها النَّبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ:

«إنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ. ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ»

وَفِي رِوايَةٍ: ولا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ وهو غِنًى بِالشَّيْءِ. فَصاحِبُها غَنِيٌّ بِها إذا سَكَنَتْ نَفْسُهُ إلَيْها. وإنْ كانَ سُكُونُهُ إلى رَبِّهِ: فَهو غَنِيٌّ بِهِ. وكُلُّ ما سَكَنَتِ النَّفْسُ إلَيْهِ فَهي فَقِيرَةٌ إلَيْهِ.

وَأمّا مُسالَمَةُ الحُكْمِ فَعَلى نَوْعَيْنِ.

أحَدُهُما: مُسالَمَةُ الحُكْمِ الدِّينِيِّ الأمْرِيِّ. وهي مُعانَقَتُهُ ومُوافَقَتُهُ. ضِدَّ مُحارَبَتِهِ.

والثّانِي: مُسالَمَةُ الحُكْمِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ. الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى دَفْعِهِ، وهو غَيْرُ مَأْمُورٍ بِدَفْعِهِ.

وَفِي مُسالَمَةِ الحُكْمِ نُكْتَةٌ لا بُدَّ مِنها. وهي تَجْرِيدُ إضافَتِهِ ونِسْبَتِهِ إلى مَن صَدَرَ عَنْهُ، بِحَيْثُ لا يَنْسُبُهُ إلى غَيْرِهِ.

وَهَذا يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ في مُسالَمَةِ الحُكْمِ الكَوْنِيِّ. وتَوْحِيدَ الإلَهِيَّةِ في مُسالَمَةِ الحُكْمِ الدِّينِيِّ. وهُما حَقِيقَةُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

وَأمّا الخَلاصُ مِنَ الخُصُومَةِ فَإنَّما يُحْمَدُ مِنهُ: الخَلاصُ مِنَ الخُصُومَةِ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ. وأمّا إذا خاصَمَ بِاللَّهِ ولِلَّهِ: فَهَذا مِن كَمالِ العُبُودِيَّةِ. وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ في اسْتِفْتاحِهِ:

«اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ. وبِكَ آمَنتُ. وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. وإلَيْكَ أنَبْتُ. وبِكَ خاصَمْتُ. وإلَيْكَ حاكَمْتُ».

[الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ غِنى النَّفْسِ]

قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ. غِنى النَّفْسِ. وهو اسْتِقامَتُها عَلى المَرْغُوبِ. وسَلامَتُها مِنَ الحُظُوظِ. وبَراءَتُها مِنَ المُراءاةِ

جَعَلَ الشَّيْخُ: غِنى النَّفْسِ فَوْقَ غِنى القَلْبِ.

وَمَعْلُومٌ: أنَّ أُمُورَ القَلْبِ أكْمَلُ وأقْوى مِن أُمُورِ النَّفْسِ. لَكِنَّ في هَذا التَّرْتِيبِ نُكْتَةً لَطِيفَةً. وهي أنَّ النَّفْسَ مِن جُنْدِ القَلْبِ ورَعِيَّتِهِ. وهي مِن أشَدِّ جُنْدِهِ خِلافًا عَلَيْهِ، وشِقاقًا لَهُ. ومِن قِبَلِها تَتَشَوَّشُ عَلَيْهِ المَمْلَكَةُ. ويَدْخُلُ عَلَيْهِ الدّاخِلُ. فَإذا حَصَلَ لَهُ كَمالٌ بِالغِنى: لَمْ يَتِمَّ لَهُ إلّا بِغِناها أيْضًا. فَإنَّها مَتى كانَتْ فَقِيرَةً عادَ حُكْمُ فَقْرِها عَلَيْهِ. وتَشَوَّشَ عَلَيْهِ غِناهُ. فَكانَ غِناها تَمامًا لِغِناهُ وكَمالًا لَهُ. وغِناهُ أصْلًا بِغِناها. فَمِنهُ يَصِلُ الغِنى إلَيْها. ومِنها يَصِلُ الفَقْرُ والضَّرَرُ والعَنَتُ إلَيْهِ.

إذا عُرِفَ هَذا، فالشَّيْخُ جَعَلَ غِناها بِثَلاثَةِ أشْياءَ:

اسْتِقامَتُها عَلى المَرْغُوبِ وهو الحَقُّ تَعالى. واسْتِقامَتُها عَلَيْهِ: اسْتِدامَةُ طَلَبِهِ. وقَطْعُ المَنازِلِ بِالسَّيْرِ إلَيْهِ.

الثّانِي: سَلامَتُها مِنَ الحُظُوظِ وهي تَعَلُّقاتُها الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ بِما سِوى اللَّهِ.

الثّالِثُ: بَراءَتُها مِنَ المُراءاةِ وهي إرادَةُ غَيْرِ اللَّهِ بِشَيْءٍ مِن أعْمالِها وأقْوالِها. فَمُراءاتُها دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ فَقْرِها. وتَعَلُّقُها بِالحُظُوظِ مِن فَقْرِها أيْضًا.

وَعَدَمُ اسْتِقامَتِها عَلى مَطْلُوبِها الحَقَّ: أيْضًا مِن فَقْرِها. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها غَيْرُ واجِدَةٍ لِلَّهِ. إذْ لَوْ وجَدَتْهُ لاسْتَقامَتْ عَلى السَّيْرِ إلَيْهِ. ولَقَطَعَتْ تَعَلُّقاتِها وحُظُوظَها مِن غَيْرِهِ. ولَما أرادَتْ بِعَمَلِها غَيْرَهُ.

فَلا تَسْتَقِيمُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ إلّا لِمَن قَدْ ظَفِرَ بِنَفْسِهِ، ووَجَدَ مَطْلُوبَهُ. وما لَمْ يَجِدْ رَبَّهُ تَعالى فَلا اسْتِقامَةَ لَهُ. ولا سَلامَةَ لَها مِنَ الحُظُوظِ. ولا بَراءَةَ لَها مِنَ الرِّياءِ.

[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ الغِنى بِالحَقِّ]

قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: الغِنى بِالحَقِّ. وهو عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ. المَرْتَبَةُ الأُولى: شُهُودُ ذِكْرِهِ إيّاكَ. والثّانِيَةُ: دَوامُ مَطالَعَةِ أوَّلِيَّتِهِ. والثّالِثَةُ: الفَوْزُ بِوُجُودِهِ.

أمّا شُهُودُ ذِكْرِهِ إيّاكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا.

وَأمّا مُطالَعَةُ أوَّلِيَّتِهِ فَهو سَبْقُهُ لِلْأشْياءِ جَمِيعًا. فَهو الأوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ.

قالَ بَعْضُهم. ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا وقَدْ رَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ.

فَإنْ قُلْتَ: وأيُّ غِنًى يَحْصُلُ لِلْقَلْبِ مِن مُطالَعَةِ أوَّلِيَّةِ الرَّبِّ، وسَبْقِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا حاصِلٌ لِكُلِّ أحَدٍ، مِن غَنِيٍّ أوْ فَقِيرٍ، فَما وجْهُ الغِنى الحاصِلِ بِهِ؟

قُلْتُ: إذا شَهِدَ القَلْبُ سَبْقَهُ لِلْأسْبابِ، وأنَّها كانَتْ في حَيِّزِ العَدَمِ. وهو الَّذِي كَساها حُلَّةَ الوُجُودِ، فَهي مَعْدُومَةٌ بِالذّاتِ. فَقِيرَةٌ إلَيْهِ بِالذّاتِ. وهو المَوْجُودُ بِذاتِهِ. والغَنِيُّ بِذاتِهِ لا بِغَيْرِهِ. فَلَيْسَ الغِنى في الحَقِيقَةِ إلّا بِهِ، كَما أنَّهُ لَيْسَ في الحَقِيقَةِ إلّا لَهُ. فالغِنى بِغَيْرِهِ: عَيْنُ الفَقْرِ. فَإنَّهُ غِنًى بِمَعْدُومٍ فَقِيرٍ. وفَقِيرٌ كَيْفَ يَسْتَغْنِي بِفَقِيرٍ مِثْلِهِ؟

وَأمّا الفَوْزُ بِوُجُودِهِ فَإشارَةُ القَوْمِ كُلِّهِمْ إلى هَذا المَعْنى. وهو نِهايَةُ سَفَرِهِمْ. وفي الأثَرِ الإلَهِيِّ: ابْنَ آدَمَ، اطْلُبْنِي تَجِدْنِي، فَإنْ وجَدَتْنِي وجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ. وإنْ فُتُّكَ فاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ. وأنا أحَبُّ إلَيْكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ.

وَمَن لَمْ يَعْلَمْ مَعْنى وجُودِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ والفَوْزَ بِهِ: فَلْيَحْثُ عَلى رَأْسِهِ الرَّمادَ. ولْيَبْكِ عَلى نَفْسِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

93:9Страница 596

فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ ٩

Посему не притесняй сироту!

К этому аяту нет толкования

93:10Страница 596

وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ ١٠

И не гони просящего!

К этому аяту нет толкования

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English