Макки ибн Аби ТалибФуссилят · 41:19–38

Макки ибн Аби Талиб · Тафсир · на арабском

Фуссилят 41:19–38

41:19–24Страница 478

وَيَوۡمَ يُحۡشَرُ أَعۡدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٩

В тот день, когда враги Аллаха будут собраны перед Огнем, их задержат.

حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٠

Когда же они достигнут его, их слух, их взоры и их кожа станут свидетельствовать против них о том, что они совершали.

وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖۚ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢١

Они скажут своей коже: «Почему вы стали свидетельствовать против нас?». Они скажут: «Нас заставил говорить Аллах, Который заставил говорить всякую вещь». Он сотворил вас в первый раз, и к Нему вы будете возвращены.

وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٢

Вы не укрывались от свидетельств вашего слуха, ваших взоров и вашей кожи. Но вы предполагали, что Аллах не знает многого из того, что вы совершали.

وَذَٰلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣

Эти ваши предположения, которые вы делали о вашем Господе, погубили вас, и вы оказались одними из потерпевших убыток.

فَإِن يَصۡبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡۖ وَإِن يَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِينَ ٢٤

Если даже они проявят терпение, их обителью будет Огонь. Если же они попросят о благосклонности, то к ним не будут благосклонны (или если к ним проявят благосклонность, то они не станут искать благосклонности).

قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المشركين وغيرهم من أعداء الله إلى نار جهنم.

﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، أي: يحبس أولهم على آخرهم قاله السدي وقتادة وغيرهما.

قال أبو الأحوص: "فإذا تكاملت العدة بدئ بالأكابر فالأكابر جرماً".

قال أبو عبيدة: يوزعون: يدفعون.

يقال: وزعه يزعه، ويزعه، إذا كفه وحبسه.

* *

ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم﴾. هذا الكلام فيه حذف مفهوم، واختصار بليغ، (وهذا أمر معجز) القرآن.

والتقدير: حتى إذا جاءوا النار سئلوا عن كفرهم وجحودهم، فأنكروا بعد أن شهد عليهم النبيئون والمؤمنون، فعند ذلك تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون في الدنيا.

وأكثر المفسرين على أن الجلود هنا: الفروج. كنى عنها كما كنى عن النكاح بالمس.

وقيل عنى بها الجلود بعينها، وهو اختيار الطبري لأنه الأشهر المستعمل في كلام العرب، ولا يحسن نقل المعروف في كلامها إلى غيره إلا بحجة ودليل يجب له التسليم.

قال ابن مسعود (رضي الله عنه) يجادل المنافق عند الميزان ويدفع الحق ويدعي الباطل فيختم على فيه، ثم تستنطق جوارحه فتشهد عليه، ثم يطلق عنه فيقول: بعداً لكن وسحقاً، إنما كنت أجادل عنكن.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا﴾، (أي: وقال المشركون للجلود لما أنطقها الله بالشهادة عليهم لم شهدتم علينا) فأجابتهم.

﴿أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فنطقنا.

روى أنس أن النبي ﷺ ضحك ذات يوم حتى بدت نواجذه، ثم قال: "ألا تسألوني مم ضحكت؟ قالوا: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: عجبت من مجادلة العبد ربه سبحانه يوم القيامة: قال: يقول: أي رب، أليس وعدتني ألا تظلمني؟! قال: فإن (ذلك لك) قال: فإني لا أقبل علي شاهداً إلا من نفسي. قال: أوليس كفى بي شهيداً وبالملائكة الكرام الكاتبين! قال: فيختم على فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل. قال: فيقول لهم بعداً وسحقاً، عنكم، كنت أجادل"

وروى حكيم بن معاوية عن أبيه أن النبي (ﷺ) قال: وأشار بيده إلى الشام فقال: "من (هاهنا) يحشرون ركباناً ومشاتاً وعلى وجوههم يوم القيامة، على أفواههم الفدام. توفون سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله، وإن أول (ما يعترف من أحدهم) فخذه"

وعن عقبة بن عامر أنه سمع النبي ﷺ يقول: "أول عظم يتكلم من الإنسان (يوم يختم على الأفواه: فخذه من رجل الشمال"، وفي حديث آخر) "فخذه وكفه

ثم قال: "﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي خلق الخلق الأول ولم يكونوا شيئاً.

﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ﴾.

قال السدي: معناه: وما كنتم تستخفون من جوارحكم.

وقال مجاهد: معناه: "وما كنتم تتقون"، وقال قتادة: معناه: وما كنتم تظنون.

قال قتادة: والله إن عليك يا ابن آدم لشهوداً غير متهمة من بدنك فراقبهم واتق الله في سر أمرك وعلانيتك، فإنه لا تخفى عليه خافية، الظلمة عنده (ضوء، والسر) عنده علانية من استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل، ولا قوة إلا بالله.

* *

ثم قال: ﴿وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ولكن حسبتم أيها العاصون حين ركبتم المعاصي في الدنيا أن الله لا يعلم أعمالكم فلذلك فعلتموها).

قال ابن مسعود: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر: ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي، كثير شحوم أبدانهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أفهمه. فقال أحدهم، أترون أن الله يسمع ما نقول. فقال الرجلان: إذا رفعنا أصواتنا سمع، وإذا لم نرفع أصواتنا لم يسمع. فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ ...﴾ الآية.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ أي: وذلك الذي جنيتم في الدنيا على أنفسكم من معاصي الله هو من ظنكم الذي ظننتم أن الله لا يعلم ما تعملون، أهلككم ذلكم الظن فأصبح في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم.

وقرأ الحسن هذه الآية ثم قال: قال الله جل ذكره: "عبدي، أنا عند ظنه بي، وأنا معه إذا دعاني". ثم نظر الحسن فقال: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن بالله الظن وأحسن العمل، (وأما الكافر والمنافق فأساء الظن وأساء العمل).

وذكر معمر أنه بلغه أنه: "يؤمر برجل إلى النار فيلتفت فيقول: يا رب، ما كان هذا ظني بك. قال: (وما كان ظنك) قال: كان ظني بك أن تغفر لي ولا تعذبني قال: فإني عند ظن عبدي".

وقال قتادة: الظن ظننان: ظنُّ مُرْدٍ، وظنُّ مُنْجٍ، فأما الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم، ومن قال: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] فهذا الظن المنجي - ظن ظناً يقيناً - قال: وقال هاهنا: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ فهذا ظن مرد.

وقوله عن قول الكافرين: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾ [الجاثية: ٣٢] مثله.

قال قتادة: وذكر لنا أن نبي الله عليه السلام كان يقول ويروي عن ربه عز وجل: "عبدي أنا عند ظنه بي وأنا معه إذا دعاني

فمعنى الآية: وهذا الظن الذي ظننتم بربكم أنه لا يعلم كثيراً مما تعملون هو الذي أهلككم لأنكم من أجل هذا الظن الخبيث تجرأتم على محارم الله سبحانه، وركبتم ما نهاكم عنه فأهلككم ذلك وأصبحتم في القيامة من الذين خسروا أنفسهم فهلكوا.

وقد روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "من استطاع منكم ألا يموت إلا وهو يحسن الظن بالله فليفعل. ثم تلا: "﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ﴾ الآية.

واستحب العلماء للرجل المؤمن أن يكون الخوف عليه في صحته أغلب من الرجاء، فإذا مرض وحضرت وفاته استحبوا أن يكون الرجاء في عفو الله أغلب عليه من الخوف.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾، المعنى فإن يصبروا على النار أولا يصبروا فالنار مسكن ومأوى لهم.

﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾، أي: وإن يسألوا الرجعة إلى الدنيا والتخفيف من العذاب فما هم ممن يخفف عنهم ما هم فيه ولا يرجعون إلى الدنيا.

وقيل: المعنى: فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار فالنار مسكن لهم في الآخرة كما قال: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥].

وقيل: المعنى: وإن يستعتبوا في الدنيا وهم مقيمون على كفرهم فما هم من المعتبين.

والاستعتاب إنما يكون من الجزع. فهذا يدل على أنه في النار يكون ذلك.

وقيل: المعنى: "فإن يصبروا فالنار أو يجزعوا فالنار مسكن لهم". وقيل: المعنى: إن يصبروا في الدنيا على تكذيبك واتباع آلهتهم، فالنار مثوى لهم يوم القيامة.

ويقال: إن هذا جواب لقولهم: ﴿أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ﴾ فقال الله تعالى جل ذكره إن يصبروا على آلهتهم، أي: على عبادتها ﴿فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾، وإن يستعتبوا يوم القيامة فلن يعتبوا.

41:25–32Страница 479

۞ وَقَيَّضۡنَا لَهُمۡ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ٢٥

Мы приставили к ним товарищей, которые представили им прекрасным их настоящее и будущее, и сбылось Слово относительно них и относительно живших до них народов из числа джиннов и людей. Воистину, они были потерпевшими убыток.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ ٢٦

Неверующие сказали: «Не слушайте этот Коран, а начинайте говорить вздор (опровергайте его любым способом или шумите во время его чтения). Быть может, вы одержите верх».

فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابٗا شَدِيدٗا وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٧

Мы непременно дадим неверующим вкусить тяжкие мучения и воздадим им за наихудшее из того, что они совершали.

ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعۡدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِيهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٢٨

Таково воздаяние врагам Аллаха! Огонь! В нем будет их Вечная обитель в воздаяние за то, что они отвергали Наши знамения.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيۡنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ نَجۡعَلۡهُمَا تَحۡتَ أَقۡدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٢٩

Неверующие скажут: «Господь наш! Покажи нам тех джиннов и людей, которые ввели нас в заблуждение. Мы бросим их себе под ноги, чтобы они были самыми низкими».

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٣٠

Воистину, к тем, которые сказали: «Наш Господь - Аллах», - а потом были стойки, нисходят ангелы: «Не бойтесь и не печальтесь, а возрадуйтесь Раю, который был обещан вам.

نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٣١

Мы - ваши помощники (или хранители) в мирской жизни и Последней жизни. Вам там уготовано все, чего пожелают ваши души! Вам там уготовано все, о чем вы попросите!

نُزُلٗا مِّنۡ غَفُورٖ رَّحِيمٖ ٣٢

Таково угощение от Прощающего, Милосердного».

قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ﴾ - إلى قوله - ﴿مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾.

أي: ونصبنا لهم نظراء من الشياطين فجعلناهم لهم قرناء يزينون لهم قبائح أعمالهم.

قال ابن عباس: القرناء هنا: الشياطين.

وحقيقة قيضنا سببنا لهم من حيث لم يحتسبوا.

* *

وقوله: ﴿فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾.

يعني: من أمر الدنيا فحسنوا ذلك، وحببوه لهم حتى آثروه على أمر الآخرة.

* *

وقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ قال مجاهد: حسنوا لهم أيضاً ما بعد مماتهم فدعوهم إلى التكذيب بالمعاد، وأنه لا ثواب ولا عقاب، وهو أيضاً قول السدي.

وقيل: معنى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ﴾، يعني: في النار فزينوا لهم أعمالهم في الدنيا.

والمعنى: قدرنا عليهم ذلك أنه سيكون وحكمنا به عليهم.

وقيل: المعنى: أخرجناهم إلى الاقتران فأحوجنا الغني إلى الفقير ليستعين به، وأحوجنا الفقير إلى الغني لينال منه، فحاجة بعضهم إلى بعض تقيض من الله عز وجل لهم ليتعاونوا على طاعته فزين بعضهم لبعض المعاصي.

قال ابن عباس: ما بين أيديهم هو تكذيبهم بالآخرة والجزاء والجنة والنار، وما خلفهم: الترغيب في الدنيا والتسويف بالمعاصي وقيل: المعنى إنهم زينوا لهم مثل ما تقدم لهم من المعاصي فهو ما بين أيديهم، وما خلفهم: ما يعمل بعدهم أو بحضرتهم.

وقيل: ما بين أيديهم: ما هم فيه، وما خلفهم: ما عزموا أن يعملوه.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ﴾، أي: وجب لهم العذاب بكفرهم وقبولهم ما زين لهم قرناؤهم من الشياطين.

* *

وقوله: ﴿فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ﴾، معناه: ووجب عليهم القول في أمم قد مضت قبلهم.

(أي ووجب عليهم من العذاب مثل ما وجب على أمم مضت قبلهم) من الجن والإنس لكفرهم وعملهم مثل عملهم.

وقيل: "في" هنا، بمعنى: "مع".

فالمعنى: ووجب عليهم العذاب بكفرهم مع أمم مضت قبلهم بكفرهم أيضاً، أي: هم داخلون فيما دخل فيه من قبلهم من الأمم الكافرة. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ﴾، أي: مغبونين ببيعهم رضاء الله عز وجل بسخطه، ورحمته بعذابه.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ﴾، أي: قال الملأ من قريش لأهل طاعتهم من العامة: لا تسمعوا لقارئ هذا القرآن إذا قرأه ولا تتبعوا ما فيه. وألغوا فيه بالباطل (من القول). إذا سمعتم قارئه يقرأه لا تسمعوا ولا تفقهوا) ما فيه. هذا قول ابن عباس.

وقال مجاهد: اللغو هنا: المكاء والتصفيق والتخليط (في المنطق) على رسول الله ﷺ، إذا قرأ القرآن أمروا سفهاءهم بذلك.

وقال قتادة: والغوا فيه، أي: اجحدوه وأنكروه وعادوه.

يقال: لغى يلغى، (ويلغو لغواً، ولغى ولغي يلغى لغى) وبهذه جاء القرآن.

وقرأ ابن أبي إسحاق: "والغوا فيه" على لغا يلغو، واللغو في الكلام ما كان على غير وجهه مما يجب أن يطرح ولا يعرج عليه. واللغو أيضاً مما لا يفيد معنى من الكلام.

قال ابن عباس: كان النبي ﷺ إذا قرأ رفع صوته فتطرد قريش عنه الناس ويقولون: لا تسمعوا والغوا فيه لعلكم تغلبون، وإذا خافت لم يسمع من يريد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠].

وعن ابن عباس أيضاً أن أبا جهل هو الذي قال هذا: إذا رأيتم محمداً يصلي فصيحوا في وجهه وشدوا أصواتكم بما لا يفهم حتى لا يدري ما يقول.

وروي أنهم إنما فعلوا ذلك لما أعجزهم القرآن، ورأوا من (يكرهه) يؤمن به لإعجازه بفصاحته، وكثرة معانيه وحسنه ورصفه.

ومعنى قوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾، أي: لعلكم تصدون من أراد استماعه عن فهمه فلا ينتفع به فتغلبون محمداً ﷺ أي في الآخرة على فعلهم.

﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾"، أي ولنجازينهم على قبيح أعمالهم في الدنيا.

* *

ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ﴾، أي: جزاء المشركين في الآخرة النار، لهم فيها دار المكث أبداً.

﴿جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾، أي: فعلنا بهم ذلك جزاء لهم بجحودهم في الدنيا بآياتنا، وكفرهم بها.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ﴾، أي: وقال الكفار يوم القيامة بعد دخولهم النار: ربنا أرنا اللذين أضلانا من خلقك من جهنم وإنسهم نجعلهما تحت أقدامنا في النار، لأن أبواب جهنم بعضها تحت بعض فكل ما سفل كان أشد عذاباً مما علا، نعوذ بالله منها.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هما إبليس الأبالسة وابن آدم الذي قتل أخاه. وهذا قول قتادة والسدي.

* *

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ﴾، إن الذين وحدوا الله وعلموا أنه لا رب لهم غيره، ثم استقاموا على التوحيد والطاعة إلى الوفاة.

روى أنس أن النبي ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ﴾ - الآية" فقال: "قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم. فمن مات عليها فهو ممن استقام"

وقيل: معناه: ثم لم يشركوا به شيئاً. قاله أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

وروي عنه أن هذه الآية قرئت عنده فقال: هم الذين لم يشركوا به شيئاً، فقالوا: لم يعصوا الله؟ فقال أبو بكر: لقد ضيقتم الأمر، إنما هو: ثم استقاموا (على ألا يشركوا به شيئاً).

وعنه أنه قال: ثم استقاموا: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان.

وقال مجاهد: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله، ثم لم يشركوا حتى لقوه.

وروى الزهري أن عمر رضي الله عنه تلا هذه الآية فقال: استقاموا - والله - على طاعة الله ولم يروغوا روغان الثعلب.

وقال قتادة: استقاموا على طاعة الله عز وجل.

وكان الحسن إذا قرأها قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الإستقامة.

وقال ابن زيد: استقاموا على (عبادة الله وعلى طاعته).

وقيل: لم يحدثوا بعد إيمانهم كفراً. لأن المشركين قالوا: ربنا الله وعبدوا الأصنام وقالوا: الملائكة بنات الله سبحانه، وقالت اليهود: ربنا الله، ثم كفروا فقالوا: عزير ابن الله سبحانه وكفروا بمحمد، (وقالت النصارى: ربنا الله ثم كفروا وقالوا عيسى ابن الله، وقال بعضهم هو الله، وقال المسلمون: ربنا الله ولم يعبدوا معه غيره وآمنوا بمحمد وبجميع الأنبياء.

وقوله ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ﴾، معناه: تتهبط عليهم الملائكة من عند الله عند نزول الموت بهم. قاله مجاهد والسدي.

يقولون لهم: لا تخافوا مما قدامكم، ولا تحزنوا على ما خلفكم، وأبشروا بالجنة التي وعدكموها الله عز وجل، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

وقرأ ابن مسعود: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ﴾ لا تخافوا، أي: قائلة لهم: لا تخافوا مما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما تخلفونه وراءكم.

وقال السدي: معناه: لا تخافوا مما أمامكم ولا تحزنوا على ما بعدكم.

وقال مجاهد: معناه: ألا تخافوا مما تقدمون عليه من أمر الآخرة ولا تحزنوا على ما خلفتم من دنياكم من أهل، وولد، ودار فإنا نخلفكم في ذلك كله.

قال زيد بن أسلم: البشارة في ثلاثة مواطن: عند الموت، وعند القبر، وعند البعث.

وعن ابن عباس أن هذه البشرى في الآخرة تكون لهم من الملائكة.

فالمعنى: تقول لهم الملائكة: نحن كنا نتولاكم في الدنيا وهم الحفظة الكتبة، قاله السدي، قال: هم الحفظة وهم أولياء المؤمن في الآخرة كما كانوا أولياءه في الدنيا.

﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ﴾، أي: لكم ذلك في الجنة.

﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾، أي ما تريدون، وتدعون ما شئتم يأتكم.

* *

وقوله: ﴿نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾، أي: أنزلهم الله عز وجل ذلك نزلاً، فهو مصدر، وقيل: هو في موضع الحال. والمعنى: منزلين ﴿نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ﴾ للذنوب لمن تاب منها، ﴿رَّحِيمٍ﴾ بمن آمن وتاب.

قال ثابت البناني: بلغنا أن المؤمن يتلقاه ملكاه - اللذان كانا معه في الدنيا - إذا بعث من القبر - فيقولان له: لا تخف ولا تحزن ﴿وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ﴾ - إلى قوله - ﴿مَا تَدَّعُونَ﴾ فيؤمن الله خوفه، ويقر عينه.

41:33–38Страница 480

وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٣

Чья речь прекраснее, чем речь того, кто призывает к Аллаху, поступает праведно и говорит: «Воистину, я - один из мусульман»?

وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ ٣٤

Не равны добро и зло. Оттолкни зло тем, что лучше, и тогда тот, с кем ты враждуешь, станет для тебя словно близкий любящий родственник.

وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٣٥

Но не будет это даровано никому, кроме тех, кто проявляет терпение, и не будет это даровано никому, кроме тех, кто обладает великой долей.

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٦

А если тебя коснется наваждение от дьявола, то прибегай к защите Аллаха, ибо Он - Слышащий, Знающий.

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ٣٧

Среди Его знамений - ночь и день, солнце и луна. Не падайте ниц перед солнцем и луной, а падайте ниц перед Аллахом, Который сотворил их, если Ему вы поклоняетесь.

فَإِنِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمۡ لَا يَسۡـَٔمُونَ۩ ٣٨

Если же они возгордятся, то ведь находящиеся возле твоего Господа прославляют Его ночью и днем, и им это не наскучивает.

قوله تعالى ذكره ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ﴾ معناه: لا أحد أحسن قولاً ممن هذه صفته، أي: ممن قال: ربنا الله ثم استقام على الإيمان به والقبول لأمره ونهيه، ودعا عباد الله إلى ما قال به وما عمل. وقرأ الحسن يوماً هذه الآية فقال: هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب الخلق إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، وقال إنني من المسلمين؛ فهو خليفة الله سبحانه.

فالآية عند الحسن لجميع المؤمنين.

وقال قتادة: هذا عبد صدق قوله عمله، ومولجه مخرجه، وسره علانيته وشاهده مغيبه، ثم قال: وإن المنافق عبد خالف قوله عمله ومولجه مخرجه، وسره علانيته، وشاهده مغيبه.

قال السدي: عنى بهذه نبي الله محمداً ﷺ، دعا إلى الله جل ذكره، وعمل صالحاً، وقاله ابن زيد وابن سيرين).

روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: نزلت في المؤذنين.

وقال عكرمة: قوله: ﴿مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾، يعني: المؤذنين. ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾، قال: صلى وصام.

وذكر في حديث يرفعه: "أول من (يقضي) الله له بالرحمة يوم القيامة المؤذنون، وأول المؤذنين مؤذنو مكة. قال: والمؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة. والمؤذنون إذا خرجوا من قبورهم أذنوا فنادوا بالآذان، والمؤذنون لا يدودون في قبورهم

وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: "قالت الملائكة: لو كنا نزولاً في الأرض ما سبقنا إلى الآذان أحد".

وقال قيس بن أبي حازم: ﴿مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾، قال: هو المؤمن ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾، قال: الصلاة بين الأذان إلى الإقامة.

وهذه الآية تدل على أنه جائز أن يقول المسلم: أنا مسلم بلا استثناء، أي: قد استسلمت لله عز وجل وخضعت له بالطاعة جلة عظمته.

* *

ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ﴾ "لا" الثانية زائدة للتأكيد.

والمعنى: لا يستوي الإيمان بالله عز وجل، والعمل بطاعته سبحانه، والشرك بالله عز وجل والعمل بمعصيته تعالى.

قال عطاء: الحسنة هنا: لا إله إلا الله، والسيئة الشرك.

* *

ثم قال ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، أي: ادفع بالحالة التي هي أحسن السيئة. والمعنى: ادفع يا محمد بحلمك جهل من جهل عليك، وبعفوك إساءة من أساء إليك، وبصبرك على مكروه من تعدى عليك.

وقال ابن عباس في الآية: أمر الله عز وجل المسلمين بالصبر عند الغضب والحلم والعفو عند الإساءة. فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم حتى يصير كأنه ولي حميم.

وقال مجاهد: معناه: ادفع بالسلام إساءة من أساء إليك، تقول له إذا لقيته السلام عليكم، وقاله عطاء.

وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هما الرجلان يسب أحدهما الآخر، فيقول المسبوب للساب: إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك، فيصير الساب كأنه صديق لك، قريب منك. والحميم: القريب.

قال المبرد: "الحميم: الخاص".

ثم قال تعالى جل ذكره ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾، أي: وما يعطى دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا - لله - على المكاره والأمور الشاقة ﴿وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، أي: وما يعطى ذلك إلا ذو نصيب وافر من الخير.

وقيل: المعنى: ما يلقى شهادة ألا إله إلا الله إلا الذين صبروا على المكاره والأذى في الله عز وجل، وما يلقى ذلك إلا ذو حظ عظيم في الآخرة.

ونزل هذا كله بمكة والمؤمنون يؤذون على الإيمان، ويمتحنون ويعذبون حتى فروا إلى أرض الحبشة.

وقيل: إنها والتي قبلها نزلتا في أبي بكر رضي الله عنه. ثم هي عامة في كل من كان على طريقته ومنهاجه.

وقال قتادة: الحظ العظيم هنا: الجنة: وقاله ابن عباس أيضاً.

وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه شتمه رجل ورسول الله ﷺ شاهد فعفا عنه ساعة؛ ثم إن أبا بكر جاش به الغضب فرد عليه، فقام النبي ﷺ، فاتبعه أبو بكر وقال: يا نبي الله شتمني الرجل فعفوت عنه وصفحت وأنت قاعد؛ فلما أخذت أنتصر قمت! فقال له النبي ﷺ "إنه كان يرد عليه ملك من الملائكة، فلما أخذت تنتصر ذهب الملك وجاء الشيطان، فوالله ما كنت لأجالس الشيطان يا أبا بكر"

ثم قال تعالى ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ﴾، أي: وإما يلقين الشيطان - يا محمد - في نفسك وسوسة من العزيمة على مجازاة المسيء بإساءته فاستجر بالله واعتصم به من عمل الشيطان.

﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ﴾ لاستعاذتك واستجارتك به.

﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما ألقى الشيطان في نفسك من نزعاته هذا قول السدي وقال ابن زيد: هو الغضب.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ﴾، أي: ومن علاماته وأدلته التي تدل على وحدانيته وقدرته وحجته على خلقه وعظيم سلطانه اختلاف الليل والنهار، ومعاقبة كل واحد منهما الآخر. والشمس والقمر مسخرات لا يدرك أحدهما الآخر.

* *

ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾، فإنما هما خلق مثلكم خلقا لمنافعكم بهما.

* *

وقوله: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ جاء بلفظ التأنيث، والجمع رد على الليل والنهار والشمس والقمر وأنثن، كما يؤنث جمع ما لا يعقل وإن كان مذكراً إذا كان من غير بني آدم.

وقيل: الضمير يعود على الشمس والقمر، وأتى الجمع في موضع التثنية لأن الاثنين جمع. وقيل: الضمير يعود على معنى الآية.

* *

وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، أي: أخلصوا لله وحده إن كنتم إياه تعبدون، وهذا موضع السجدة عند مالك.

وقد روي أن رجلاً من الأنصار على عهد النبي ﷺ استتر بشجرة يصلي من الليل فقرأ "ص" فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجراً، وارزقني بها شكراً وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داوود (عليه السلام). فذكر الرجل ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "نحن أحق أن نقول ذلك". فكان النبي ﷺ يقول ذلك في سجوده

ثم قال تعالى ﴿فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾، أي: فإن استكبر هؤلاء الذين أنت - يا محمد - بين أظهرهم، عن السجود والخضوع لله الذي خلقهم وخلق الشمس، فإن الملائكة الذين عند ربك لا يستكبرون عن ذلك: على جلالة قدرهم، بل يسبحون له ويصلون ليلاً ونهاراً.

﴿وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ﴾، أي: لا يفترون ولا يملون.

* *

ومعنى ﴿عِندَ رَبِّكَ﴾، أي: في طاعته وعبادته، لم يعن القرب من مكانه لأن المكان على الله تعالى لا يجوز ولا يحتاج إلى مكان لأن المكان محدث وقد كان تعالى ذكره ولا مكان. فالمعنى: فالذين في طاعة ربك وعبادته يسبحون له.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English