Makki ibn Abi TalibQaf · 50:1–22

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

ق

Qaf

The Letter "Qaf" · Meccan · 45 ayahs

50:1–14Page 518

قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ ١

Qāf.1 By the honored Qur’ān...2

بَلۡ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡ فَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَيۡءٌ عَجِيبٌ ٢

But they wonder that there has come to them a warner from among themselves, and the disbelievers say, "This is an amazing thing.

أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗاۖ ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ ٣

When we have died and have become dust, [we will return to life]? That is a distant [i.e., unlikely] return."

قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ ٤

We know what the earth diminishes [i.e., consumes] of them, and with Us is a retaining record.

بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَهُمۡ فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ ٥

But they denied the truth when it came to them, so they are in a confused condition.

أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ ٦

Have they not looked at the heaven above them - how We structured it and adorned it and [how] it has no rifts?

وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ ٧

And the earth - We spread it out and cast therein firmly set mountains and made grow therein [something] of every beautiful kind,

تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٨

Giving insight and a reminder for every servant who turns [to Allāh].

وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٩

And We have sent down blessed rain from the sky and made grow thereby gardens and grain from the harvest

وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ١٠

And lofty palm trees having fruit arranged in layers -

رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ ١١

As provision for the servants, and We have given life thereby to a dead land. Thus is the emergence [i.e., resurrection].

كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢

The people of Noah denied before them,1 and the companions of the well2 and Thamūd

وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ ١٣

And ʿAad and Pharaoh and the brothers [i.e., people] of Lot

وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤

And the companions of the thicket and the people of Tubbaʿ. All denied the messengers, so My threat was justly fulfilled.

قوله تعالى: ﴿قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ الآيات.

روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن قۤ اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به.

وقال ابن عباس: "قۤ" و "نۤ" وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله.

وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن.

وقال الفراء: معنى قۤ، "قُفِيَ الأَمْرُ واللهَّ"، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما قال: "قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا، فَقَالَتْ قَافْ"، أي: قَد وقَفْتُ، أي: فاكتفى بالقاف عن الجملة، وتَقِفُ على "قاف" في هذا القول إِلاَّ أن تَجْعَلَه جواباً للقسم بعده فلا تقِفُ عليه، فإن أضمرتَ الجواب وقفتَ على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي بعده، وهو قول مجاهد.

وقال مجاهد: قۤ جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة السماء والبحر منه.

* *

وقوله: ﴿وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ﴾ قسم، والمجيد: الكريم.

وقيل: الرفيع القدر.

واختُلف في جواب القسم، فقيل: الجواب ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ﴾ لأن "بل" تُؤَكد وتُوجِب وقوع ما بعدها. مثل "أن" و "اللام"، وقولُك "لَقَدْ عَجِبُوا" و "بَلْ عَجِبُوا" واحد.

وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا ذلك، وهو قول الكسائي.

وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتُبعثُن.

وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك مَا حكى الله عنهم من قولهم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾.

وقيل الجواب (قۤ لأنه) بمعنى قُفِيَ الأَمْرُ والقرآن المجيد.

وقيل الجواب (قۤ): وعلى تقدير هو "قۤ" والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا "قاف" اسم للجبل المحيط بالأرض.

وقيل الجواب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ﴾.

* *

ثم قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾.

أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل.

* *

﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.

قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم.

ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: ﴿فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا﴾ الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب.

ثم بيَّن قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به.

ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾، وإنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا:

﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: أَنُبعَثُ إذا كنا في قبورنا تراباً؟ وقوله: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي ﷺ لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم.

ودل على ذلك قوله: ﴿أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون فأنكروا ذلك، فقالوا: أئِذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي ﷺ.

وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزاباً: أنبعث إذا كنا تراباً، إنكاراً للبعث.

وقيل: أن "أئذا متنا" جواب لِما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا تراباً نبعث.

ومعنى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: ذلك بعث لا يكون.

* *

﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ﴾.

أي: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ بما تأكل الأرض منهم.

قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم].

وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور.

وروى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عَجُبُ الذَّنَبِ، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة خردل منه تنشرون

وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين).

* *

ثم قال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ يعني بالقرآن.

﴿فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله.

وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ضلالة.

وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس.

وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون ، ثم دلهم جل ذكره على وحدانيته وآياته فقال:

* *

﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾.

أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خَلقنا السماء فوقهم بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٦].

* *

ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾.

أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددناها مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على جوانبها جبالاً تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء الموتى بعد موتهم.

وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس.

* *

ثم قال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾.

أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء أراده، ويتذكرون به فيتَّعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه.

والمنيب: التائب، قاله قتادة. وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد.

و ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ﴾: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك "ليبصركم الله" القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء الموتى وغير ذلك.

* *

ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ أي: مطراً مباركاً فأنبتا به جنات، أي: بساتين، و "حب الحصيد" يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب.

قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد.

والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد.

* *

ثم قال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز منضم متراكب.

* *

ثم قال: ﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ "رزقاً" مصدر أو مفعول من أجله.

* *

ثم قال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت فلا نبات فيها.

* *

ثم قال: ﴿كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطراً فتحيون للبعث يوم القيامة.

* *

ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح.

﴿وَأَصْحَابُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾

أصحاب الأيكة: قوم شعيب.

والرس: بير قتل فيها صاحب يسۤ، قاله الضحاك.

وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: والرس: الأخدود.

قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف.

قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفِتيَة فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً.

* *

وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على كفرهم حق عليهم الوعيد أيضاً.

50:15–22Page 518

أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٥

Did We fail in the first creation? But they are in confusion over a new creation.

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦

And We have already created man and know what his soul whispers to him, and We are closer1 to him than [his] jugular vein.

إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧

When the two receivers [i.e., recording angels] receive,1 seated on the right and on the left.

مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨

He [i.e., man] utters no word except that with him is an observer prepared [to record].

وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ ١٩

And the intoxication of death will bring the truth; that is what you were trying to avoid.

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ ٢٠

And the Horn will be blown. That is the Day of [carrying out] the threat.

وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ ٢١

And every soul will come, with it a driver and a witness.1

لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ ٢٢

[It will be said], "You were certainly in unmindfulness of this, and We have removed from you your cover,1 so your sight, this Day, is sharp."

قوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ﴾ إلى قوله: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ الآيات.

هذا توبيخ وتقريع لمن أنكر البعث بعد الموت، والمعنى: أفعيينا بابتداع الخلق الذي خلقناه ولم يكن شيئاً، فنعيا بإعادتهم خلقاً كما كانوا بعد فنائهم. أي: ليس يعيينا ذلك، بل نحن قادِرون عليه.

* *

ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.

أي: بل هم في شك من إعادة الخلق بعد فنائهم فلذلك أنكروا البعث بعد الموت.

* *

ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أي: ما تحدثه به نفسه لا تخفى عليه سرائره.

وقيل: هو مخصوص بآدم عليه السلام وما وحرمت به نفسه من أكل الشجرة التي نهي عنها، ثم هي عامة في جميع الخلق لا يخفى عليه شيء من وسواس أنفسهم إليهم.

* *

ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ أي: ونحن أقرب إلى الإنسان من فتل العاتق.

وقيل معناه: ونحن أملك به وأقرب إليه.

وقيل معناه: ونحن أقرب إليه في العلم بما توسوس به نفسه من حبل الوريد.

وهنا من الله جلّ ذكره زجر للإنسان عن إضمار المعصية.

قال الفراء: الوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين.

وقال ابن عباس: "مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" أي: من عرق العنق.

وقال أبو عبيدة: حبل الوريد: حبل العاتق، والوريد عرق في العنق متصل بالقلب، وهو نياط القلب، والوريد والوتين ما في القلب.

قال الأقرع: هو نهر الجسد يمتد من الخنصر أو الإبهام، فإذا كان في الفخذ أو الساق فهو الساق وإذا كان في البطن فهو الحالب وإذا كان في القلب فهو الأبهر وإذا كان في اليد فهو الأكحل وإذا كان في العنق فهو الوريد وإذا كان في العين فهو الناظر وإذا كان في القلب فهو الوتين.

* *

ثم قال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾.

العامل في "إذ أقرب"، أي: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي: قاعد، وتقديره عند سيبويه: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد". ثم حذف الأول لدلالة الثاني عليه.

فلذلك لم يقل، قعيدان، وهو قول الكسائي.

ومذهب الأخفش والفراء: أن قعيداً يؤدى عن اثنين وأكثر منهما كقوله: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧]. ومذهب المبرد: أن "قعيداً" ينوي به التقديم والتأخير، والتقدير عنده: "عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد" فاكتفى بالأول عن الثاني ومثله ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].

وقيل: قعيد بمعنى الجماعة، كما قال: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤].

قال قتادة وغيره: المتلقيان الملكان الحافظان على الإنسان جميع أعماله وألفاظه.

قال مجاهد: الذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات.

* *

ثم قال: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.

أي: ما يلفظ بكلام من خير أو شر إلا كتب عليه، قاله عكرمة وغيره.

قال الحسن وقتادة: يكتب الملكان ما يلفظ به من جميع الأشياء.

قال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب قال لا تعجل لعله يستغفر.

وروي: أن الله جل ذكره جعل لصاحب اليمين على صاحب الشمال سلطاناً يطيعه به، فإذا كان الليل قال: صاحب اليمين لصاحب الشمال ألاقيك، أطرح أنا حسنة واطرح أنت عشر سيئات، حتى يصعد صاحب الحسنات لا سيئات معه.

ويروى أن مجلس الملك على باب الإنسان الذي وكل به، وقلم الملك لسان الإنسان، ومداده ريق الإنسان، وهذا تمثيل في القرب، والله أعلم (بكيفية ذلك).

ويروى أن رجلاً قال لبعيره: حَلْ، فقال صاحب الحسنات، ما هي بحسنة فاكتبها وقال صاحب السيئات: ما هي بسيئة فاكتبها، فأوحى الله عز وجل إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحب اليمين فاكتب.

(وروت أم حبيبة: أن النبي ﷺ قال: كلام ابن آدم عليه السلام عليه لاَ لَه إِلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو ذكر الله عز وجل)

وقال [عمرو بن الحارث]: بلغني أن رجلاً إذا عمل سيئة قال كاتب اليمين لصاحب الشمال أكتب فيقول لا بل أنت فيمتنعان فينادي منادياً صاحب الشمال: أكتب ما ترك صاحب اليمين.

وقال أبو صالح: في قول الله جل ذكره: ﴿يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] أن الملائكة تكتب كل ما تكلم به الإنسان فيمحو الله عز وجل منه ما ليس له وما ليس عليه ويثبت ما له وما عليه، وهذا القول موافق لقول الحسن وقتادة أن الملكين يكتبان كل ما يقول الإنسان ويعمل من جميع الأشياء.

* *

وقوله: ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ معناه حافظ حاضر يكتب عليه ويحفظه.

وقيل: عتيد معناه معد، وفعيل يأتي بمعنى فاعل نحو قدير بمعنى قادر وهو كثير، ويأتي بمعنى مفعول نحو سميع بمعنى مسمع.

وأليم بمعنى مؤلم، ويأتي بمعنى مفعول، نحو قتيل بمعنى مقتول وهو كثير، ويأتي بمعنى الجمع نحو ما ذكرنا من قعيد وله نظائر.

(وروى أنس أن النبي ﷺ قال: إن الله عز وجل وكل بعبده ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان اللذان وكلا به: ربنا قد مات عبدك فلان بن فلان فتأذن لنا فنصعد إلى السماء فيقول سمائي مملوءة من ملائكتي، فيقولان ربنا فنقيم في الأرض، فيقول الله عز وجل أرضي مملوءة من خلقي فيقولان ربنا فأين، فيقول قُومَا عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني وهللالي واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم يبعثون)

ثم قال: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾.

أي: وجاءت شدة الموت وغلبته على فهم الإنسان بالحق من أمر الآخرة.

وقيل المعنى: (وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت).

وفي قراءة عبد الله: "وجاءت سكرة الحق بالموت"، وكذلك [قال] أبو بكر رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه لعائشة رضي الله عنها.

ومعنى هذه القراءة: أن الحق هو الله، فالمعنى وجاءته سكرة الله بالموت.

وقيل: الحق هنا الموت، فالتقدير وجاءت سكرة الموت بالموت فالحق هو الموت الذي حتمه الله على جميع خلقه.

* *

ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: السكرة التي جاءتك أيها الإنسان، والموت الذي أتاك هو الذي كنت منه تهرب، وعنه تروع.

* *

ثم قال: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾.

قد تقدم صفة النفخ في الصور، ومعنى الصور، والاختلاف فيه في غير موضع.

فالمعنى ذلك اليوم الذي ينفخ فيه في الصور، وهو اليوم الذي وعدكم الله عز وجل فيه أن يبعثكم ويجازيكم بأعمالكم.

* *

ثم قال: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾.

أي: وجاءت يوم القيامة كل نفس معها سائق يسوقها إلى الله عز وجل حتى يوردها الموقف، وشهيد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير وشر، قاله الحسين والربيع وقتادة وغيرهم.

قال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه.

وقال مجاهد: هما الملكان.

وقال الضحاك: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل، والملائكة أيضاً تشهد عليهم، والأنبياء يشهدون عليهم.

وقال ابن زيد: يوكل به ملك يحصي عليه عمله، ويشهد به عليه وملك يسوقه إلى محشره.

وقال أبو هريرة: السائق والشهيد نفسه.

وقيل: السائق شيطان النفس يكون خلفها، والشهيد ملكه.

وهذه الآية إلى "حديدٌ" في قول أكثر العلماء يراد بها البر والفاجر، وهو اختيار الطبري.

وقيل: عني بها النبي ﷺ.

وقيل: عني بها المشركون وهو قول الضحاك، والقول الثاني روي عن زيد بن أسلم: يريد به استنقاذ الله عز وجل النبي ﷺ مما كان عليه في الجاهلية، ودلّ على ذلك قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٧] والقول الأول أولى بالصواب والله أعلم.

* *

ثم قال: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾.

أي: لقد كنت أيها الإنسان في غفلة في الدنيا عما يراد بك وعما يحصى عليك إذ لم تعاينه، فكشفنا عنك الغطاء الآن فنظرت إلى الأهوال والشدائد فزالت الغفلة.

قال ابن عباس: هذا للكافر خاصة، لأن المؤمن قد آمن بجميع ما يقدم عليه فلم يكن عليه غطاء، وكذلك قال مجاهد وسفيان.

وقال ابن زيد هو للنبي ﷺ خاصة أي: كنت مع القوم في جاهليتهم فهديناك إلى الإسلام، وأعلمناك ما يراد بك فكشفنا عنك الغطاء الذي كان عليك في الجاهلية.

وقد احتج زيد بن أسلم في هذه الآيات أنها للنبي ﷺ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: ٦-٧] فيكون الكشف على قوله في الدنيا، وعلى قول ابن عباس ومجاهد وسفيان يوم القيامة.

وقيل: بل هذا لجميع الخلق، البر والفاجر، لأن المعاينة ليست كالخبر.

وعن ابن عباس: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ﴾ قال: هو الحياة بعد الموت.

* *

ثم قال: ﴿فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾.

أي: فأنت اليوم حاد النظر، عالم بما كنت تخبر به علم معاينة لا علم خبر.

والبصر هنا يراد به بصر القلب، كما يقال: فلان بصير بالفقه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском