An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
يونس
Yunus
Jonah · Meccan · 109 ayahs
10:1Page 208
الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ١
(p-٥)سُورَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ مِائَةٌ وتِسْعُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ
وَكَذا ما بَعْدَها إلى سُورَةِ النُورِ
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿الر﴾ ونَحْوُهُ مُمالٌ حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ وأبُو عَمْرٍو وهو تَعْدِيدٌ لِلْحُرُوفِ عَلى طَرِيقِ التَحَدِّي ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ السُورَةُ مِنَ الآياتِ و( الكِتابُ ) السُورَةُ ﴿الحَكِيمِ﴾ ذِي الحِكْمَةِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْها أوِ المُحْكَمِ عَنِ الكَذِبِ والافتراء.
10:2Page 208
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ ٢
Have the people been amazed that We revealed [revelation] to a man from among them, [saying], "Warn mankind and give good tidings to those who believe that they will have a [firm] precedence of honor1 with their Lord"? [But] the disbelievers say, "Indeed, this is an obvious magician."
والهَمْزَةُ في ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ لِإنْكارِ التَعَجُّبِ والتَعْجِيبِ مِنهُ ﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ اسْمُ كانَ وعَجَبًا خَبَرُهُ واللامُ في لِلنّاسِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِعَجَبًا فَلَمّا تَقَدَّمَ صارَ حالًا ﴿إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ الناسَ﴾ بِأنْ أنْذِرْ، أوْ هي مُفَسِّرَةٌ إذِ الإيحاءُ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهُمْ﴾ بِأنَّ لَهم ومَعْنى اللامِ في لِلنّاسِ أنَّهم جَعَلُوهُ لَهم أُعْجُوبَةً يَتَعَجَّبُونَ مِنهُ والَّذِي تَعَجَّبُوا مِنهُ أنْ يُوحى إلى بَشَرٍ وأنْ يَكُونَ رَجُلًا مِن أفْناءِ رِجالِهِمْ دُونَ عَظِيمٍ مِن عُظَمائِهِمْ فَقَدْ كانُوا يَقُولُونَ: العَجَبُ أنَّ اللهَ لَمْ يَجِدْ رَسُولًا يُرْسِلُهُ إلى الناسِ إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ وأنْ يَذْكُرَ لَهُمُ البَعْثَ ويُنْذِرَ بِالنِيرانِ ويُبَشِّرَ بِالجِنانِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ لَيْسَ بِعَجَبٍ لِأنَّ الرُسُلَ المَبْعُوثِينَ إلى الأُمَمِ لَمْ يَكُونُوا إلّا بَشَرًا مِثْلَهم، وإرْسالُ اليَتِيمِ أوِ الفَقِيرِ لَيْسَ بِعَجَبٍ أيْضًا (p-٦)لِأنَّ اللهَ تَعالى إنَّما يَخْتارُ لِلنُّبُوَّةِ مَن جَمَعَ أسْبابَها، والغِنى والتَقَدُّمُ في الدُنْيا لَيْسَ مِن أسْبابِها والبَعْثُ لِلْجَزاءِ عَلى الخَيْرِ والشَرِّ هو الحِكْمَةُ العُظْمى فَكَيْفَ يَكُونُ عَجَبًا إنَّما العَجَبُ والمُنْكَرُ في العُقُولِ تَعْطِيلُ الجَزاءِ ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: سابِقَةً وفَضْلًا ومَنزِلَةً رَفِيعَةً، ولَمّا كانَ السَعْيُ والسَبْقُ بِالقَدَمِ سُمِّيَتِ المَسْعاةُ الجَمِيلَةُ والسابِقَةُ قَدَمًا كَما سُمِّيَتِ النِعْمَةُ يَدًا لِأنَّها تُعْطى بِاليَدِ وباعًا لِأنَّ صاحِبَها يَبُوعُ بِها فَقِيلَ: لِفُلانٍ قَدَمٌ في الخَيْرِ وإضافَتُها إلى صِدْقٍ دَلالَةٌ عَلى زِيادَةِ فَضْلٍ وأنَّهُ مِنَ السَوابِقِ العَظِيمَةِ أوْ مَقامُ صِدْقٍ أوْ سَبْقُ السَعادَةِ ﴿قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ الكِتابَ ( لَسِحْرٌ ) مَدَنِيٌّ وبَصْرِيٌّ وشامِيٌّ ومَن قَرَأ (لَساحِرٌ) فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو دَلِيلُ عَجْزِهِمْ واعْتِرافِهِمْ بِهِ.وَإنْ كانُوا كاذِبِينَ في تَسْمِيَتِهِ سِحْرًا.
10:3Page 208
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣
Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and the earth in six days and then established Himself above the Throne,1 arranging the matter [of His creation]. There is no intercessor except after His permission. That is Allāh, your Lord, so worship Him. Then will you not remember?
﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾
أيِ اسْتَوْلى فَقَدْ يُقَدَّسُ الدَيّانُ عَنِ المَكانِ والمَعْبُودُ عَنِ الحُدُودِ ﴿يُدَبِّرُ﴾ يَقْضِي ويُقَدِّرُ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ ﴿الأمْرَ﴾ أيْ: أمْرَ الخَلْقِ كُلِّهِ وأمْرَ مَلَكُوتِ السَمَواتِ والأرْضِ والعَرْشِ، ولَمّا ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى عَظْمَتِهِ ومُلْكِهِ مِن خَلْقِ السَمَواتِ والأرْضِ والِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ أتْبَعَها هَذِهِ الجُمْلَةَ لِزِيادَةِ الدَلالَةِ عَلى العَظَمَةِ وأنَّهُ لا يَخْرُجُ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ عَنْ قَضائِهِ وتَقْدِيرِهِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ دَلِيلٌ عَلى عِزَّتِهِ وكِبْرِيائِهِ ﴿ذَلِكُمُ﴾ العَظِيمُ المَوْصُوفُ بِما وُصِفَ بِهِ ﴿اللهُ رَبُّكُمْ﴾ وهو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ وحِّدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ بَعْضَ خَلْقِهِ مِن إنْسانٍ أوْ مَلَكٍ فَضْلًا عَنْ جَمادٍ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أفَلا تَتَدَبَّرُونَ فَتَسْتَدِلُّونَ بِوُجُودِ المَصالِحِ والمَنافِعِ عَلى وُجُودِ المُصْلِحِ النافِعِ (p-٧)
10:4Page 208
إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٤
To Him is your return all together. [It is] the promise of Allāh [which is] truth. Indeed, He begins the [process of] creation and then repeats it that He may reward those who have believed and done righteous deeds, in justice. But those who disbelieved will have a drink of scalding water and a painful punishment for what they used to deny.
﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ حالٌ أيْ: لا تَرْجِعُونَ في العاقِبَةِ إلّا إلَيْهِ فاسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ، والمَرْجِعُ: الرُجُوعُ أوْ مَكانُ الرُجُوعِ ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَعْناهُ التَعْلِيلُ لِوُجُوبِ المَرْجِعِ إلَيْهِ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ أيِ الحِكْمَةُ بِابْتِداءِ الخَلْقِ وإعادَتِهِ هو جَزاءُ المُكَلَّفِينَ عَلى أعْمالِهِمْ ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِيَجْزِيَ أيْ: لِيَجْزِيَهم بِقِسْطِهِ ولِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم، أوْ: بِقِسْطِهِمْ، أيْ: بِما أقْسَطُوا وعَدَلُوا ولَمْ يَظْلِمُوا حِينَ آمَنُوا إذِ الشِرْكُ ظُلْمٌ ﴿إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وهَذا أوْجَهُ لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ولِوَجْهٍ كَلامِيٍّ.
10:5Page 208
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥
It is He who made the sun a shining light and the moon a derived light and determined for it phases - that you may know the number of years and account [of time]. Allāh has not created this except in truth. He details the signs for a people who know.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَمْسَ ضِياءً﴾ الياءُ فِيهِ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوِ ضَوْءٍ لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، وقَلَبَها قُنْبُلٌ هَمْزَةً، لِأنَّها لِلْحَرَكَةِ أجْمَلُ ﴿والقَمَرَ نُورًا﴾ والضِياءُ أقْوى مِنَ النُورِ فَلِذا جَعَلَهُ لِلشَّمْسِ ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ وقَدَّرَ القَمَرَ أيْ: وقَدَّرَ مَسِيرَهُ ﴿مَنازِلَ﴾ أوْ وقَدَّرَهُ ذا مَنازِلَ كَقَوْلِهِ ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس: ٣٩] ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِنِينَ﴾ أيْ: عَدَدَ السِنِينَ والشُهُورِ فاكْتَفى بِالسِنِينَ لِاشْتِمالِها عَلى الشُهُورِ ﴿والحِسابَ﴾ وحِسابَ الآجالِ والمَواقِيتِ المُقَدَّرَةِ بِالسِنِينَ والشُهُورِ ﴿ما خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ﴾ المَذْكُورَ ﴿إلا﴾ مُلْتَبِسًا ﴿بِالحَقِّ﴾ الَّذِي هو الحِكْمَةُ البالِغَةُ ولَمْ يَخْلُقْهُ عَبَثًا " يُفَصِّلُ الآياتِ" مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ وحَفْصٌ وبِالنُونِ غَيْرُهم ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فَيَنْتَفِعُونَ بِالتَأمُّلِ فِيها.
10:6Page 208
إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ ٦
Indeed, in the alternation of the night and the day and [in] what Allāh has created in the heavens and the earth are signs for a people who fear Allāh.
﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ﴾ في مَجِيءِ كُلِّ واحِدٍ مِنها خَلْفَ الآخَرِ أوْ: (p-٨)فِي اخْتِلافِ لَوْنَيْهِما ﴿وَما خَلَقَ اللهُ في السَماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ الخَلائِقِ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ خَصَّهم بِالذِكْرِ، لِأنَّهم يَحْذَرُونَ الآخِرَةَ فَيَدْعُوهُمُ الحَذَرُ إلى النَظَرِ.
10:7Page 209
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ ٧
Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs -
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لا يَتَوَقَّعُونَهُ أصْلًا ولا يُخْطِرُونَهُ بِبالِهِمْ لِغَفْلَتِهِمْ عَنِ التَفَطُّنِ لِلْحَقائِقِ أوْ لا يُؤَمِّلُونَ حُسْنَ لِقائِنا كَما يُؤَمِّلُهُ السُعَداءُ أوْ لا يَخافُونَ سُوءَ لِقائِنا الَّذِي يَجِبُ أنْ يُخافَ ﴿وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُنْيا﴾ مِنَ الآخِرَةِ وآثَرُوا القَلِيلَ الفانِيَ عَلى الكَثِيرِ الباقِي ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ وسَكَنُوا فِيها سُكُونَ مَن لا يُزْعَجُ عَنْها فَبَنَوْا شَدِيدًا وأمَّلُوا بَعِيدًا ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا وقْفَ عَلَيْهِ لِأنَّ خَبَرَ إنَّ:
10:8Page 209
أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨
For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.
﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النارُ﴾ فَأُولَئِكَ: مُبْتَدَأٌ، ومَأْواهُمْ: مُبْتَدَأٌ ثانٍ، والنارُ: خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ أُولَئِكَ، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ وهو جُوزُوا.
10:9Page 209
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٩
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - their Lord will guide them because of their faith. Beneath them rivers will flow in the Gardens of Pleasure.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ يُسَدِّدُهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ لِلِاسْتِقامَةِ عَلى سُلُوكِ الطَرِيقِ السَدِيدِ المُؤَدِّي إلى الثَوابِ،وَلِذا جَعَلَ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ بَيانًا لَهُ وتَفْسِيرًا إذِ التَمَسُّكُ بِسَبَبِ السَعادَةِ كالوُصُولِ إلَيْها، أوْ يَهْدِيهِمْ في الآخِرَةِ بِنُورِ إيمانِهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، ومِنهُ الحَدِيثُ " إنَّ المُؤْمِنَ إذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ صُوِّرَ لَهُ عَمَلُهُ في صُورَةٍ حَسَنَةٍ فَيَقُولُ لَهُ أنا عَمَلُكَ فَيَكُونُ لَهُ نُورًا وقائِدًا إلى الجَنَّةِ والكافِرَ إذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ صُوِّرَ لَهُ عَمَلُهُ في صُورَةٍ سَيِّئَةٍ فَيَقُولُ لَهُ أنا عَمَلُكَ فَيَنْطَلِقُ بِهِ حَتّى يُدْخِلَهُ النارَ". وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ المُجَرَّدَ مُنْجٍ حَيْثُ قالَ بِإيمانِهِمْ ولَمْ يَضُمَّ إلَيْهِ العَمَلُ الصالِحُ ﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَجْرِي أوْ حالٌ مِنَ الأنْهارِ (p-٩)
10:10Page 209
دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠
Their call therein will be, "Exalted are You, O Allāh," and their greeting therein will be, "Peace." And the last of their call will be, "Praise to Allāh, Lord of the worlds!"
﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ أيْ: دُعاؤُهم لِأنَّ (اللهُمَّ ) نِداءٌ لِلَّهِ ومَعْناهُ اللهُمَّ إنّا نُسَبِّحُكَ أيْ: يَدْعُونَ اللهَ بِقَوْلِهِمْ سُبْحانَكَ اللهُمَّ تَلَذُّذًا بِذِكْرِهِ لا عِبادَةَ ﴿وَتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ أيْ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَلامِ أوْ هي تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ إيّاهم، وأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى المَفْعُولِ، أوْ تَحِيَّةُ اللهِ لَهم ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ وخاتِمَةُ دُعائِهِمُ الَّذِي هو التَسْبِيحُ ﴿أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾
أنْ يَقُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، (أنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وأصْلُهُ: أنَّهُ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والضَمِيرُ لِلشَّأْنِ، قِيلَ: أوَّلُ كَلامِهِمُ التَسْبِيحُ وآخِرُهُ التَحْمِيدُ، فَيَبْتَدِئُونَ بِتَعْظِيمِ اللهِ وتَنْزِيهِهِ ويَخْتِمُونَ بِالشُكْرِ والثَناءِ عَلَيْهِ ويَتَكَلَّمُونَ بَيْنَهُما بِما أرادُوا.
10:11Page 209
۞ وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ لَقُضِيَ إِلَيۡهِمۡ أَجَلُهُمۡۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١
And if Allāh was to hasten for the people the evil [they invoke]1 as He hastens for them the good, their term would have been ended for them.2 But We leave the ones who do not expect the meeting with Us, in their transgression, wandering blindly.
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ أصْلُهُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَرَّ تَعْجِيلَهُ لَهُمُ الخَيْرَ فَوَضَعَ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ لَهم، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ وقَوْلُهم فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَماءِ أيْ: ولَوْ عَجَّلْنا لَهُمُ الشَرَّ الَّذِي دَعَوْا بِهِ كَما نُعَجِّلُ لَهُمُ الخَيْرَ ونُجِيبُهم إلَيْهِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُمِيتُوا وأُهْلِكُوا، ( لَقَضى إلَيْهِمْ أجَلَهم ) شامِيٌّ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ﴾ شِرْكِهِمْ وضَلالِهِمْ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يَتَرَدَّدُونَ، ووَجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّ قَوْلَهُ ولَوْ يُعَجِّلُ اللهُ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى نَفْيِ التَعْجِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ ولا نُعَجِّلُ لَهُمُ الشَرَّ ولا نَقْضِي إلَيْهِمْ أجْلَهم فَنَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ أيْ: فَنُمْهِلُهم ونُفِيضُ عَلَيْهِمُ النِعْمَةَ مَعَ طُغْيانِهِمْ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
10:12Page 209
وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢
And when affliction touches man, he calls upon Us, whether lying on his side or sitting or standing; but when We remove from him his affliction, he continues [in disobedience] as if he had never called upon Us to [remove] an affliction that touched him. Thus is made pleasing to the transgressors that which they have been doing.
﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ أصابَهُ والمُرادُ بِهِ الكافِرُ ﴿الضُرُّ دَعانا﴾ أيْ: دَعا اللهَ لِإزالَتِهِ ﴿لِجَنْبِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِدَلِيلِ عَطْفِ الحالَيْنِ أيْ: ﴿أوْ قاعِدًا (p-١٠)أوْ قائِمًا﴾ عَلَيْهِ أيْ: دَعانا مُضْطَجِعًا، وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الأحْوالِ أنَّ المَضْرُورَ لا يَزالُ داعِيًا لا يَفْتُرُ عَنِ الدُعاءِ حَتّى يَزُولَ عَنْهُ الضُرُّ فَهو يَدْعُونا في حالاتِهِ كُلِّها كانَ مُضْطَجِعًا عاجِزًا عَنِ النُهُوضِ أوْ قاعِدًا لا يَقْدِرُ عَلى القِيامِ أوْ قائِمًا لا يُطِيقُ المَشْيَ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ أزَلْنا ما بِهِ ﴿مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أيْ: مَضى عَلى طَرِيقَتِهِ الأُولى قَبْلَ مَسِّ الضُرِّ ونَسِيَ حالَ الجَهْدِ أوْ مَرَّ عَنْ مَوْقِفِ الِابْتِهالِ والتَضَرُّعِ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ كَأنَّهُ لا عَهْدَ لَهُ بِهِ، والأصْلُ كَأنَّهُ لَمْ يَدَعُنا فَخَفَّفَ وحَذَفَ ضَمِيرَ الشَأْنِ ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ التَزْيِينِ ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ لِلْمُجاوِزِينَ الحَدَّ في الكُفْرِ زَيَّنَ الشَيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الإعْراضِ عَنِ الذِكْرِ واتِّباعِ الكُفْرِ.
10:13Page 209
وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٣
And We had already destroyed generations before you when they wronged, and their messengers had come to them with clear proofs, but they were not to believe. Thus do We recompense the criminal people.
﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ أشْرَكُوا وهو ظَرْفٌ لَأهْلَكْنا، والواوُ في ﴿وَجاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ لِلْحالِ، أيْ: ظَلَمُوا بِالتَكْذِيبِ وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ ﴿وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ إنْ بَقُوا ولَمْ يُهْلَكُوا، لِأنَّ اللهَ عَلِمَ مِنهم أنَّهم يُصِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ وهو عَطْفٌ عَلى ظَلَمُوا أوِ اعْتِراضٌ واللامُ لِتَأْكِيدِ النَفْيِ يَعْنِي أنَّ السَبَبَ في إهْلاكِهِمْ تَكْذِيبُهم لِلرُّسُلِ وعِلْمُ اللهِ أنَّهُ لا فائِدَةَ في إمْهالِهِمْ بَعْدَ أنْ أُلْزِمُوا الحُجَّةَ بِبَعْثَةِ الرُسُلِ ﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ يَعْنِي الإهْلاكَ ﴿نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ وهو وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى إجْرامِهِمْ بِتَكْذِيبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ
10:14Page 209
ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ ١٤
Then We made you successors in the land after them so that We may observe how you will do.
﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ﴾ الخِطابُ لِلَّذِينِ بُعِثَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ أيِ اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لِنَنْظُرَ أتَعْمَلُونَ خَيْرًا أوْشَرًّا فَنُعامِلَكم عَلى حَسَبِ عَمَلِكم، و( كَيْفَ) في مَحَلِّ النَصْبِ بِتَعْمَلُونَ لا بِنَنْظُرَ، لِأنَّ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فِيهِ يَمْنَعُ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ عامِلُهُ والمَعْنى: أنْتُمْ بِمَنظَرٍ مِنّا فانْظُرُوا كَيْفَ تَعْمَلُونَ أبِالِاعْتِبارِ (p-١١)بِماضِيكم أمِ الِاغْتِرارِ بِما فِيكم ؟ قالَ عَلَيْهِ السَلامُ " «الدُنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وإنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكم فِيها فَناظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ » "
10:15Page 210
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥
And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who do not expect the meeting with Us say, "Bring us a Qur’ān other than this or change it." Say, [O Muḥammad], "It is not for me to change it on my own accord. I only follow what is revealed to me. Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ حالٌ ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لَمّا غاظَهم ما في القُرْآنِ مِن ذَمِّ عِبادَةِ الأوْثانِ والوَعِيدِ ِلِأهْلِ الطُغْيانِ ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ لَيْسَ فِيهِ ما يَغِيظُنا مِن ذَلِكَ نَتَّبِعْكَ ﴿أوْ بَدِّلْهُ﴾ بِأنْ تَجْعَلَ مَكانَ آيَةِ عَذابٍ آيَةَ رَحْمَةٍ وتُسْقِطَ ذِكْرَ الآلِهَةِ وذَمَّ عِبادَتِها، فَأُمِرَ بِأنْ يُجِيبَ عَنِ التَبْدِيلِ، لِأنَّهُ داخِلٌ تَحْتَ قُدْرَةِ الإنْسانِ وهو أنْ يَضَعَ مَكانَ آيَةِ عَذابٍ آيَةَ رَحْمَةٍ وأنْ يُسْقِطَ ذِكْرَ الآلِهَةِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي﴾ ما يَحِلُّ لِي ﴿أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ مِن قِبَلِ نَفْسِي ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ لا أتَّبِعُ إلّا وحْيَ اللهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ ولا تَبْدِيلٍ، لِأنَّ الَّذِي أتَيْتُ بِهِ مِن عِنْدِ اللهِ لا مِن عِنْدِي فَأُبَدِّلَهُ ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بِالتَبْدِيلِ مِن عِنْدِ نَفْسِي ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: يَوْمِ القِيامَةِ وأمّا الإتْيانُ بِقُرْآنٍ آخَرَ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الإنْسانُ وقَدْ ظَهَرَ لَهُمُ العَجْزُ عَنْهُ إلّا أنَّهم كانُوا لا يَعْتَرِفُونَ بِالعَجْزِ ويَقُولُونَ " لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا " ولا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِ" ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ مِن جِهَةِ الوَحْيِ لِقَوْلِهِ " ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ " وغَرَضُهم في هَذا الِاقْتِراحِ الكَيْدُ أمّا اقْتِراحُ إبْدالِ قُرْآنٍ بِقُرْآنٍ فَفِيهِ أنَّهُ مِن عِنْدِكَ وأنَّكَ قادِرٌ عَلى مِثْلِهِ فَأبْدِلْ مَكانَهُ آخَرَ وأمّا اقْتِراحُ التَبْدِيلِ فَلِاخْتِبارِ الحالِ وأنَّهُ إنْ وُجِدَ مِنهُ تَبْدِيلٌ فَإمّا أنْ يُهْلِكَهُ اللهُ فَيَنْجُوا مِنهُ، أوْلا يُهْلِكُهُ فَيَسْخَرُوا مِنهُ فَيَجْعَلُوا التَبْدِيلَ حُجَّةً عَلَيْهِ وتَصْحِيحًا لِافْتِرائِهِ عَلى اللهِ.
10:16Page 210
قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦
Say, "If Allāh had willed, I would not have recited it to you, nor would He have made it known to you, for I had remained among you a lifetime before it.1 Then will you not reason?"
﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلاوَتَهُ لَيْسَتْ إلّا بِمَشِيئَةِ (p-١٢)اللهِ وإظْهارِهِ أمْرًا عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العاداتِ وهو أنْ يَخْرُجَ رَجُلٌ أُمِّيٌّ لَمْ يَتَعَلَّمْ ولَمْ يُشاهِدِ العُلَماءَ فَيَقْرَأ عَلَيْكم كِتابًا فَصِيحًا يَغْلِبُ كُلَّ كَلامٍ فَصِيحٍ ويَعْلُو عَلى كُلِّ مَنثُورٍ ومَنظُومٍ مَشْحُونًا بِعُلُومِ الأُصُولِ والفُرُوعِ والإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللهُ ﴿وَلا أدْراكم بِهِ﴾ ولا أعْلَمُكُمُ اللهُ بِالقُرْآنِ عَلى لِسانِي ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ أيْ: فَقَدْ أقَمْتُ فِيما بَيْنَكم أرْبَعِينَ سَنَةً ولَمْ تَعْرِفُونِي مُتَعاطِيًا شَيْئًا مِن نَحْوِهِ ولا قَدَرْتُ عَلَيْهِ ولا كُنْتُ مَوْصُوفًا بِعِلْمٍ وبَيانٍ فَتَتَّهِمُونِي بِاخْتِراعِهِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللهِ لا مِن مِثْلِي وهَذا جَوابٌ عَمّا دَسُّوهُ تَحْتَ قَوْلِهِمْ " ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ [يونس: ١٥] " مِن إضافَةِ الِافْتِراءِ إلَيْهِ.
10:17Page 210
فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٧
So who is more unjust than he who invents a lie about Allāh or denies His signs? Indeed, the criminals will not succeed.
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ افْتِراءَ المُشْرِكِينَ عَلى اللهِ في أنَّهُ ذُو شَرِيكٍ وذُو ولَدٍ وأنْ يَكُونَ تَفادِيًا مِمّا أضافُوهُ إلَيْهِ مِنَ الِافْتِراءِ ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ بِالقُرْآنِ، فِيهِ بَيانُ أنَّ الكاذِبَ عَلى اللهِ والمُكَذِّبَ بِآياتِهِ في الكُفْرِ سَواءٌ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾
10:18Page 210
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٨
And they worship other than Allāh that which neither harms them nor benefits them, and they say, "These are our intercessors with Allāh." Say, "Do you inform Allāh of something He does not know in the heavens or on the earth?" Exalted is He and high above what they associate with Him.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ إنْ تَرَكُوا عِبادَتَها ﴿وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ إنْ عَبَدُوها ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ﴾ أيِ الأصْنامُ ﴿شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ أيْ: في أمْرِ الدُنْيا ومَعِيشَتِها، لِأنَّهم كانُوا لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] أوْ يَوْمَ القِيامَةِ إنْ يَكُنْ بَعْثٌ ونُشُورٌ ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ﴾ أتُخْبِرُونَهُ بِكَوْنِهِمْ شُفَعاءَ عِنْدَهُ وهو إنْباءٌ بِما لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لِلَّهِ وإذا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ وهو عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وقَوْلُهُ ﴿فِي السَماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِهِ، لِأنَّ ما لَمْ يُوجَدْ فِيهِما فَهو مَعْدُومٌ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ نَزَّهَ ذاتَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ (p-١٣)شَرِيكٌ، وبِالتاءِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ، و" ما" مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: عَنِ الشُرَكاءِ الَّذِينَ تُشْرِكُونَهم بِهِ أوْ عَنْ إشْراكِهِمْ.
10:19Page 210
وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٩
And mankind was not but one community [united in religion], but [then] they differed. And if not for a word1 that preceded from your Lord, it would have been judged between them [immediately] concerning that over which they differ.
﴿وَما كانَ الناسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً﴾ حُنَفاءَ مُتَّفِقِينَ عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ أنْ يَخْتَلِفُوا بَيْنَهم وذَلِكَ في عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إلى أنْ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ أوْ بَعْدَ الطُوفانِ حِينَ لَمْ يَذْرِ اللهُ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا ﴿فاخْتَلَفُوا﴾ فَصارُوا مِلَلًا ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ وهو تَأْخِيرُ الحُكْمِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجِلًا ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ ولِيَمِيِزَ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ، وسَبْقُ كَلِمَتِهِ لِحِكْمَةٍ وهي أنَّ هَذِهِ الدارَ تَكْلِيفٌ وتِلْكَ الدارُ دارُ ثَوابٍ وعِقابٍ.
10:20Page 210
وَيَقُولُونَ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٢٠
And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allāh [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."
﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أيْ: هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ فَهو العالِمُ بِالصارِفِ عَنْ إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ لا غَيْرُ ﴿فانْتَظِرُوا﴾ نُزُولَ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ لِما يَفْعَلُ اللهُ بِكم لِعِنادِكم وجُحُودِكُمُ الآياتِ.
10:21Page 211
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ ٢١
And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allāh is swifter in strategy." Indeed, Our messengers [i.e., angels] record that which you conspire.
﴿وَإذا أذَقْنا الناسَ﴾ أهْلَ مَكَّةَ ﴿رَحْمَةً﴾ خِصْبًا وسَعَةً ﴿مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ يَعْنِي القَحْطَ والجُوعَ ﴿إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ أيْ: مَكَرُوا بِآياتِنا بِدَفْعِها وإنْكارِها، رُوِيَ أنَّهُ تَعالى سَلَّطَ القَحْطَ سَبْعَ سِنِينَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ حَتّى كادُوا يَهْلَكُونَ ثُمَّ رَحِمَهم بِالحَيا فَلَمّا رَحِمَهم طَفِقُوا يَطْعَنُونَ في آياتِ اللهِ ويُعادُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ويَكِيدُونَهُ فَإذا الأُولى لِلشَّرْطِ والثانِيَةُ جَوابُها وهي لِلْمُفاجَأةِ وهو كَقَوْلِهِ ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] أيْ: وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ قَنِطُوا، وإذا أذَقْنا الناسَ رَحْمَةً مَكَرُوا (p-١٤)والمَكْرُ: إخْفاءُ الكَيْدِ وطَيُّهُ مِنَ: الجارِيَةِ المَمْكُورَةِ المَطْوِيَّةِ الخُلُقِ، ومَعْنى مَسَّتْهم خالَطَتْهم حَتّى أحَسُّوا بِسُوءِ أثَرِها فِيهِمْ وإنَّما قالَ ﴿قُلِ اللهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ ولَمْ يَصِفْهم بِسُرْعَةِ المَكْرِ، لِأنَّ كَلِمَةَ المُفاجَأةِ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ كَأنَّهُ قالَ وإذا رَحِمْناهم مِن بَعْدِ ضَرّاءَ فاجَئُوا وُقُوعَ المَكْرِ مِنهم وسارَعُوا إلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَغْسِلُوا رُءُوسَهم مِن مَسِّ الضَرّاءِ ﴿إنَّ رُسُلَنا﴾ يَعْنِي الحَفَظَةَ ﴿يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ ما تَظُنُّونَهُ خافِيًا لا يَخْفى عَلى اللهِ وهو مُنْتَقِمٌ مِنكم، وبِالياءِ: سَهْلٌ.
10:22Page 211
هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢
It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them1 by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from every place and they expect to be engulfed, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ يَجْعَلُكم قادِرِينَ عَلى قَطْعِ المَسافاتِ بِالأرْجُلِ والدَوابِّ والفُلْكِ الجارِيَةِ في البِحارِ أوْ يَخْلُقُ فِيكُمُ السَيْرَ. " يَنْشُرُكُمْ" شامِيٌّ ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ أيِ السُفُنِ ﴿وَجَرَيْنَ﴾ أيِ السُفُنُ ﴿بِهِمْ﴾ بِمَن فِيها، رُجُوعٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ لِلْمُبالَغَةِ ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ لَيِّنَةِ الهُبُوبِ لا عاصِفَةٍ ولا ضَعِيفَةٍ ﴿وَفَرِحُوا بِها﴾ بِتِلْكَ الرِيحِ لِلِينِها واسْتِقامَتِها ﴿جاءَتْها﴾ أيِ الفُلْكَ أوِ الرِيحَ الطَيِّبَةَ أيْ: تَلَقَّتْها ﴿رِيحٌ عاصِفٌ﴾ ذاتُ عَصْفٍ أيْ: شَدِيدَةُ الهُبُوبِ ﴿وَجاءَهُمُ المَوْجُ﴾ هو ما عَلا عَلى الماءِ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ مِنَ البَحْرِ أوْ مِن جَمِيعِ أمْكِنَةِ المَوْجِ ﴿وَظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أُهْلِكُوا، جَعَلَ إحاطَةَ العَدُوِّ بِالحَيِّ مَثَلًا في الإهْلاكِ ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ﴾ مِن غَيْرِ إشْراكٍ بِهِ لِأنَّهم لا يَدْعُونَ حِينَئِذٍ مَعَهُ غَيْرَهُ يَقُولُونَ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ﴾ الأهْوالِ أوْ مِن هَذِهِ الرِيحِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكِرِينَ﴾ لِنِعْمَتِكَ مُؤْمِنِينَ بِكَ مُتَمَسِّكِينَ بِطاعَتِكَ ولَمْ يَجْعَلِ الكَوْنَ في الفُلْكِ غايَةً لِلتَّسْيِيرِ في البَحْرِ ولَكِنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الشَرْطِيَّةِ الواقِعَةِ بَعْدَ حَتّى بِما في حَيِّزِها كَأنَّهُ قِيلَ: يُسَيِّرُكم حَتّى إذا وقَعَتْ هَذِهِ الحادِثَةُ وكانَ كَيْتَ وكَيْتَ مِن مَجِيءِ الرِيحِ العاصِفِ وتَراكُمِ الأمْواجِ والظَنِّ بِالهَلاكِ والدُعاءِ بِالإنْجاءِ، وجَوابُ إذا: جاءَتْها، ودَعَوْا: بَدَلٌ مِن (p-١٥)ظَنُّوا، لِأنَّ دُعاءَهم مِن لَوازِمِ ظَنِّهِمْ لِلْهَلاكِ فَهو مُلْتَبِسٌ بِهِ.
10:23Page 211
فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٣
But when He saves them, at once they commit injustice1 upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.
﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ يُفْسِدُونَ فِيها ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ باطِلًا أيْ: مُبْطِلِينَ ﴿يا أيُّها الناسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: ظُلْمُكم يَرْجِعُ إلَيْكم كَقَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا﴾ حَفْصٌ، أيْ: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا، وعَلى أنْفُسِكم: خَبَرٌ لِـ"بَغْيُكُمْ"، غَيْرُهُ: بِالرَفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ "بَغْيُكُمْ"، وعَلى أنْفُسِكُمْ: صِلَتُهُ، كَقَوْلِهِ ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] ومَعْناهُ: إنَّما بَغْيُكم عَلى أمْثالِكم، أوْ هو: خَبَرٌ، و"مَتاعٌ" خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ "مَتاعٌ " خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أيْ: هو مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا وفي الحَدِيثِ " «أسْرَعُ الخَيْرِ ثَوابًا صِلَةُ الرَحِمِ وأعَجَلُ الشَرِّ عِقابًا البَغْيُ واليَمِينُ الفاجِرَةُ » "، ورُوِيَ" «ثِنْتانِ يُعَجِّلُهُما اللهُ في الدُنْيا البَغْيُ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ » "، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما – " لَوْ بَغى جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَدُكَّ الباغِي "، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ " ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ كُنَّ عَلَيْهِ البَغْيُ والنَكْثُ والمَكْرُ. قالَ اللهُ تَعالى ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَيِّئُ إلا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَنُخْبِرُكم بِهِ ونُجازِيكم عَلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences