An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:88–115
11:88Page 231
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨
He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...?1 And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allāh. Upon Him I have relied, and to Him I return.2
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ﴾ مِن لَدُنْهُ ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ يَعْنِي النُبُوَّةَ والرِسالَةَ أوْ مالًا حَلالًا مِن غَيْرِ بَخْسٍ وتَطْفِيفٍ، وجَوابُ أرَأيْتُمْ مَحْذُوفٌ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ مِن رَبِّي وكُنْتُ نَبِيًّا عَلى الحَقِيقَةِ أيَصِحُّ لِي أنْ لا آمُرَكم بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والكَفِّ عَنِ المَعاصِي؟ والأنْبِياءُ لا يُبْعَثُونَ إلّا لِذَلِكَ، يُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا: إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ، وخالَفَنِي عَنْهُ إذا ولّى عَنْهُ وأنْتَ قاصِدُهُ، ويَلْقاكَ الرَجُلُ صادِرًا عَنِ الماءِ فَتَسْألُهُ عَنْ صاحِبِهِ فَيَقُولُ: خالَفَنِي إلى الماءِ، يُرِيدُ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وأرادَ وأنا ذاهِبٌ عَنْهُ صادِرًا ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ يَعْنِي أنْ أسْبِقَكم إلى شَهَواتِكُمُ الَّتِي نَهَيْتُكم عَنْها لِأسْتَبِدَّ بِها دُونَكم ﴿إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ﴾ ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَكم بِمَوْعِظَتِي ونَصِيحَتِي وأمْرِي بِالمَعْرُوفِ ونَهْيِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ ظَرْفٌ أيْ: مُدَّةَ اسْتِطاعَتِي لِلصَّلاحِ ومادُمْتُ مُتَمَكِّنًا مِنهُ لا آلُو فِيهِ جُهْدًا ﴿وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ﴾ وما كَوْنِي مُوَفَّقًا لِإصابَةِ الحَقِّ فِيما آتِي وأذَرُ إلّا بِمَعُونَتِهِ وتَأْيِيدِهِ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعْتَمَدْتُ ﴿وَإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أرْجِعُ في السَرّاءِ والضَراءِ.
11:89Page 232
وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ ٨٩
And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hūd or the people of Ṣāliḥ. And the people of Lot are not from you far away.
جَرَمَ مِثْلُ كَسَبَ في تَعَدِّيهِ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وإلى مَفْعُولَيْنِ ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ أيْ: لا يُكْسِبَنَّكم خِلافِي إصابَةَ العَذابِ ﴿مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ وهو الغَرَقُ والرِيحُ والرَجْفَةُ ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ في الزَمانِ فَهم أقْرَبُ الهالِكِينَ مِنكم أوْ في المَكانِ فَمَنازِلُهم قَرِيبَةٌ مِنكم أوْ فِيما يَسْتَحِقُّ بِهِ الهَلاكَ وهو الكُفْرُ والمَساوِئُ، وسُوِّيَ فِي: قَرِيبٍ وبَعِيدٍ وقَلِيلٍ وكَثِيرٍ بَيْنَ المُذَكَّرِ (p-٨٠)والمُؤَنَّثِ لِوُرُودِها عَلى زِنَةِ المَصادِرِ الَّتِي هي: الصَهِيلُ والنَهِيقُ ونَحْوُهُما.
11:90Page 232
وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ ٩٠
And ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. Indeed, my Lord is Merciful and Affectionate."
﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ يَغْفِرُ لِأهْلِ الجَفاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿وَدُودٌ﴾ يُحِبُّ أهْلَ الوَفاءِ مِنَ الصالِحِينَ.
11:91Page 232
قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ ٩١
They said, "O Shuʿayb, we do not understand much of what you say, and indeed, we consider you among us as weak. And if not for your family, we would have stoned you [to death]; and you are not to us one respected."
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ أيْ: لا نَفْهَمُ صِحَّةَ ما تَقُولُ وإلّا فَكَيْفَ لا يُفْهَمُ كَلامُهُ وهو خَطِيبُ الأنْبِياءِ؟ ﴿وَإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ لا قُوَّةَ لَكَ ولا عِزَّ فِيما بَيْنَنا فَلا تَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِنّا إنْ أرَدْنا بِكَ مَكْرُوهًا ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ ولَوْلا عَشِيرَتُكَ لَقَتَلْناكَ بِالرَجْمِ وهو شَرُّ قِتْلَةٍ وكانَ رَهْطُهُ مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ فَلِذَلِكَ أظْهَرُوا المَيْلَ إلَيْهِمْ والإكْرامَ لَهم ﴿وَما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ أيْ: لا تَعِزُّ عَلَيْنا ولا تُكْرَمُ حَتّى نُكْرِمَكَ مِنَ القَتْلِ ونَرْفَعَكَ عَنِ الرَجْمِ وإنَّما يَعِزُّ عَلَيْنا رَهْطُكَ، لِأنَّهم مِن أهْلِ دِينِنا وقَدْ دَلَّ إيلاءُ ضَمِيرِهِ حَرْفَ النَفْيِ عَلى أنَّ الكَلامَ واقِعٌ في الفاعِلِ لا في الفِعْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ بَلْ رَهْطُكَ هُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْنا ولِذَلِكَ.
11:92Page 232
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٩٢
He said, "O my people, is my family more respected for power by you than Allāh? But you put Him behind your backs [in neglect]. Indeed, my Lord is encompassing of what you do.
﴿قالَ﴾ في جَوابِهِمْ ﴿يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ﴾ ولَوْ قِيلَ:وَما عَزَزْتَ عَلَيْنا لَمْ يَصِحَّ هَذا الجَوابُ وإنَّما قالَ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ، الكَلامُ واقِعٌ فِيهِ وفي رَهْطِهِ وأنَّهُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْهِمْ دُونَهُ، لِأنَّ تَهاوُنَهم بِهِ وهو نَبِيُّ اللهِ تَهاوُنٌ بِاللهِ وحِينَ عَزَّ عَلَيْهِمْ رَهْطُهُ دُونَهُ كانَ رَهْطُهُ أعَزَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللهِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ ونَسِيتُمُوهُ وجَعَلْتُمُوهُ كالشَيْءِ المَنبُوذِ وراءَ الظَهْرِ لا يُعْبَأُ بِهِ، والظِهْرِيُّ: مَنسُوبٌ إلى الظَهْرِ والكَسْرُ مِن تَغْيِيراتِ النَسَبِ كَقَوْلِهِمْ في النِسْبَةِ إلى الأمْسِ إمْسِيٌّ ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ قَدْ أحاطَ بِأعْمالِكم عِلْمًا فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها.
11:93Page 232
وَيَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَمَنۡ هُوَ كَٰذِبٞۖ وَٱرۡتَقِبُوٓاْ إِنِّي مَعَكُمۡ رَقِيبٞ ٩٣
And O my people, work according to your position; indeed, I am working. You are going to know to whom will come a punishment that will disgrace him and who is a liar. So watch; indeed, I am with you a watcher, [awaiting the outcome]."
﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ هي بِمَعْنى المَكانِ يُقالُ:مَكانٌ (p-٨١)وَمَكانَةٌ ومَقامٌ ومَقامَةٌ، أوْ مَصْدَرٌ مِن مَكُنَ فَهو مَكِينٌ إذا تَمَكَّنَ مِنَ الشَيْءِ يَعْنِي اعْمَلُوا قارِّينَ عَلى جِهَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنَ الشِرْكِ والشَنَآنِ لِي أوِ اعْمَلُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن عَداوَتِي مُطْبِقِينَ لَها ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ عَلى حَسَبِ ما يُؤْتِينِي اللهُ مِنَ النُصْرَةِ والتَأْيِيدِ ويُمْكِنُنِي ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ "مَن" اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ عَنْ عَمَلِهِ فِيها كَأنَّهُ قِيلَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ "يُخْزِيهِ" أيْ: يَفْضَحُهُ، وأيُّنا هو كاذِبٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ قَدْ عَمِلَ فِيها كَأنَّهُ قِيلَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ الشَقِيَّ الَّذِي يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ والَّذِي هو كاذِبٌ في زَعْمِكم ودَعَوْاكم، وإدْخالُ الفاءِ في "سَوْفَ" وصْلٌ ظاهِرٌ بِحَرْفٍ وُضِعَ لِلْوَصْلِ ونَزْعُها وصْلٌ تَقْدِيرِيٌّ بِالِاسْتِئْنافِ الَّذِي هو جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهم قالُوا فَماذا يَكُونُ إذا عَمِلْنا نَحْنُ عَلى مَكانَتِنا وعَمِلْتَ أنْتَ فَقالَ" سَوْفَ تَعْلَمُونَ" والإتْيانُ بِالوَجْهَيْنِ لِلتَّفَنُّنِ في البَلاغَةِ وأبْلُغُهُما الِاسْتِئْنافُ ﴿وارْتَقِبُوا﴾ وانْتَظِرُوا العاقِبَةَ وما أقُولُ لَكم ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ مُنْتَظِرٌ، والرَقِيبُ بِمَعْنى الراقِبِ مِن رَقَبَهُ كالضَرِيبِ بِمَعْنى الضارِبِ أوْ بِمَعْنى المُراقِبِ كالعَشِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ أوْ بِمَعْنى المُرْتَقِبِ كالرَفِيعِ بِمَعْنى المُرْتَفِعِ.
11:94Page 232
وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩٤
And when Our command came, We saved Shuʿayb and those who believed with him, by mercy from Us. And the shriek seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone
﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ﴾ صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ فَهَلَكُوا وإنَّما ذُكِرَ في آخِرِ قِصَّةِ عادٍ ومَدْيَنَ "وَلَمّا جاءَ" وفي آخِرِ قِصَّةِ ثَمُودَ ولُوطٍ "فَلَمّا جاءَ"، لِأنَّهُما وقَعا بَعْدَ ذِكْرِ المَوْعِدِ وذَلِكَ قَوْلُهُ "إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُبْحُ" ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فَجِيءَ بِالفاءِ الَّذِي هو لِلتَّسْبِيبِ كَقَوْلِكَ وعَدْتُهُ فَلَمّا جاءَ المِيعادُ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الأُخْرَيانِ فَقَدْ وقَعَتا مُبْتَدَأتَيْنِ فَكانَ (p-٨٢)حَقُّهُما أنْ تُعْطَفا بِحِرَفِ الجَمْعِ عَلى ما قَبْلَها ما قَبْلَها كَما تُعْطَفُ قِصَّةٌ عَلى قِصَّةٍ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ الجاثِمُ اللازِمُ لِمَكانِهِ لا يَرِيمُ يَعْنِي أنَّ جِبْرِيلَ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فَزَهِقَ رُوحُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِحَيْثُ هو بَغْتَةً.
11:95Page 232
كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ ٩٥
As if they had never prospered therein. Then, away with Madyan as Thamūd was taken away.
﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دِيارِهِمْ أحْياءً مُتَصَرِّفِينَ مُتَرَدِّدِينَ ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ البُعْدُ بِمَعْنى البَعَدِ وهو الهَلاكُ كالرُشْدِ بِمَعْنى الرَشَدِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ وقُرِئَ "كَما بَعُدَتْ" والمَعْنى في البِناءَيْنِ واحِدٌ وهو نَقِيضُ القُرْبِ إلّا أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَ البُعْدِ مِن جِهَةِ الهَلاكِ وبَيْنَ غَيْرِهِ فَغَيَّرُوا البِناءَ كَما فَرَّقُوا بَيْنَ ضَمانَيِ الخَيْرِ والشَرِّ فَقالُوا وعَدَ وأوْعَدَ.
11:96Page 232
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٩٦
And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority1
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ المُرادُ بِهِ العَصا، لِأنَّها أبْهَرَها.
11:97Page 232
إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ فِرۡعَوۡنَۖ وَمَآ أَمۡرُ فِرۡعَوۡنَ بِرَشِيدٖ ٩٧
To Pharaoh and his establishment, but they followed the command of Pharaoh, and the command of Pharaoh was not [at all] discerning.
﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا﴾ أيِ المَلَأُ ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ هو تَجْهِيلٌ لِمُتَّبِعِيهِ حَيْثُ تابَعُوهُ إلى أمْرِهِ وهو ضَلالٌ مُبِينٌ وذَلِكَ أنَّهُ ادَّعى الأُلُوهِيَّةَ وهو بَشَرٌ مِثْلُهم وجاهِزٌ بِالظُلْمِ والشَرِّ الَّذِي لا يَأْتِي إلّا مِن شَيْطانٍ ومِثْلُهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ وفِيهِ أنَّهم عايَنُوا الآياتِ والسُلْطانَ المُبِينَ وعَلِمُوا أنَّ مَعَ مُوسى الرُشْدَ والحَقَّ ثُمَّ عَدَلُوا عَنِ اتِّباعِهِ إلى اتِّباعِ مَن لَيْسَ في أمْرِهِ رُشْدٌ قَطُّ أوِ المُرادُ وما أمْرُهُ بِصالِحٍ حَمِيدِ العاقِبَةِ ويَكُونُ قَوْلُهُ.
11:98Page 233
يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ ٩٨
He will precede his people on the Day of Resurrection and lead them into the Fire; and wretched is the place to which they are led.
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يَتَقَدَّمُهم وهم عَلى عَقِبِهِ تَفْسِيرًا لَهُ وإيضاحًا أيْ: كَيْفَ يَرْشُدُ أمْرُ مَن هَذِهِ عاقِبَتُهُ والرُشْدُ يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يُحْمَدُ ويُرْتَضى كَما اسْتُعْمِلَ الغَيُّ في كُلِّ ما يُذَمُّ ويُقالُ قَدِمَهُ بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ ﴿فَأوْرَدَهُمُ النارَ﴾ أدْخَلَهم وجِيءَ بِلَفْظِ الماضِي، لِأنَّ الماضِيَ يَدُلُّ عَلى أمْرٍ مَوْجُودٍ مَقْطُوعٍ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ يَقْدُمُهم فَيُورِدُهُمُ النارَ لا مَحالَةَ يَعْنِي كَما (p-٨٣)كانَ قُدْوَةً لَهم في الضَلالِ كَذَلِكَ يَتَقَدَّمُهم إلى النارِ وهم يَتْبَعُونَهُ ﴿وَبِئْسَ الوِرْدُ﴾ المَوْرِدُ و﴿المَوْرُودُ﴾ الَّذِي ورَدَهُ شُبِّهَ بِالفارِطِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ إلى الماءِ وشُبِّهَ أتْباعُهُ بِالوارِدَةِ ثُمَّ قالَ "وَبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ" الَّذِي يَرِدُونَهُ: النارُ، لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُرادُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ والنارُ ضِدُّهُ.
11:99Page 233
وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ ٩٩
And they were followed in this [world] with a curse and on the Day of Resurrection. And wretched is the gift1 which is given.
﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ﴾ أيِ الدُنْيا ﴿لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يُلْعَنُونَ في الدُنْيا ويُلْعَنُونَ في الآخِرَةِ ﴿بِئْسَ الرِفْدُ المَرْفُودُ﴾ رِفْدُهم أيْ: بِئْسَ العَوْنُ المُعانُ أوْ بِئْسَ العَطاءُ المُعْطى.
11:100Page 233
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ مِنۡهَا قَآئِمٞ وَحَصِيدٞ ١٠٠
That is from the news of the cities, which We relate to you; of them, some are [still] standing and some are [as] a harvest [mowed down].1
﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿مِن أنْباءِ القُرى﴾ خَبَرٌ ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أيْ: ذَلِكَ النَبَأُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى المُهْلَكَةِ مَقْصُوصٌ عَلَيْكَ ﴿مِنها﴾ مِنَ القُرى ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ أيْ: بَعْضُها باقٍ وبَعْضُها عافِي الأثَرِ كالزَرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ والَّذِي حُصِدَ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
11:101Page 233
وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ ١٠١
And We did not wrong them, but they wronged themselves. And they were not availed at all by their gods which they invoked other than Allāh when there came the command of your Lord. And they did not increase them in other than ruin.
﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِإهْلاكِنا إيّاهم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِارْتِكابِ ما بِهِ أُهْلِكُوا ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ﴾ فَما قَدَرَتْ أنْ تَرُدَّ عَنْهم بَأْسَ اللهِ ﴿الَّتِي يَدْعُونَ﴾ يَعْبُدُونَ وهي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ﴿مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ عَذابُهُ، ولَمّا مَنصُوبٌ بِـ "ما أغْنَتْ" ﴿وَما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ تَخْسِيرٍ يُقالُ تَبَّ إذا خَسِرَ وتَبَّبَهُ غَيْرُهُ: إذا أوْقَعَهُ في الخُسْرانِ يَعْنِي وما أفادَتْهم عِبادَةُ غَيْرِ اللهِ شَيْئًا بَلْ أهْلَكَتْهُمْ.
11:102Page 233
وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ ١٠٢
And thus is the seizure of your Lord when He seizes the cities while they are committing wrong. Indeed, His seizure is painful and severe.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ مَحَلُّ الكافِ الرَفْعُ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ ﴿أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى﴾ أيْ: أهْلَها ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حالٌ مِنَ القُرى ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ مُؤْلِمٌ شَدِيدٌ صَعْبٌ عَلى المَأْخُوذِ وهَذا تَحْذِيرٌ لِكُلِّ قَرْيَةٍ ظالِمَةٍ مِن كُفّارِ مَكَّةَ وغَيْرِها فَعَلى كُلِّ ظالِمٍ أنْ يُبادِرَ التَوْبَةَ ولا يَغْتَرَّ بِالإمْهالِ (p-٨٤)
11:103Page 233
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ ١٠٣
Indeed in that is a sign for those who fear the punishment of the Hereafter. That is a Day for which the people will be collected, and that is a Day [which will be] witnessed.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ فِيما قَصَّ اللهُ مِن قِصَصِ الأُمَمِ الهالِكَةِ ﴿لآيَةً﴾ لِعِبْرَةً ﴿لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ أيِ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ ووُجُودَهُ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّ عَذابَ الآخِرَةِ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ الناسُ﴾ هو مَرْفُوعٌ بِـ "مَجْمُوعٌ" كَما يَرْفَعُ فِعْلُهُ إذا قُلْتَ: يُجْمَعُ لَهُ الناسُ، وإنَّما آثَرَ اسْمَ المَفْعُولِ عَلى فِعْلِهِ لِما في اسْمِ المَفْعُولِ مِن دَلالَتِهِ عَلى ثَباتِ مَعْنى الجَمْعِ لِلْيَوْمِ وأنَّهُ أثْبَتُ أيْضًا لِإسْنادِ الجَمْعِ إلى الناسِ وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ مِنهُ يُجْمَعُونَ لِلْحِسابِ والثَوابِ والعِقابِ ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أيْ: مَشْهُودٌ فِيهِ فاتُّسِعَ في الظَرْفِ بِإجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ أيْ: يَشْهَدُ فِيهِ الخَلائِقُ المَوْقِفَ لا يَغِيبُ عَنْهُ أحَدٌ.
11:104Page 233
وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٖ مَّعۡدُودٖ ١٠٤
And We do not delay it except for a limited term.
﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيِ اليَوْمَ المَذْكُورَ. الأجَلُ: يُطْلَقُ عَلى مُدَّةِ التَأْجِيلِ كُلِّها وعَلى مُنْتَهاها والعَدُّ إنَّما هو لِلْمُدَّةِ لا لِغايَتِها ومُنْتَهاها فَمَعْنى قَوْلِهِ وما نُؤَخِّرُهُ ﴿إلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ إلّا لِانْتِهاءِ مُدَّةٍ مَعْدُودَةٍ بِحَذْفِ المُضافِ أوْ ما نُؤَخِّرُ هَذا اليَوْمَ إلّا لِتَنْتَهِيَ المُدَّةُ الَّتِي ضَرَبْناها لِبَقاءِ الدُنْيا.
11:105Page 233
يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ ١٠٥
The Day it comes no soul will speak except by His permission. And among them will be the wretched and the prosperous.
﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ وبِالياءِ: مَكِّيٌّ وافَقَهُ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وعَلِيٌّ في الوَصْلِ، وإثْباتُ الياءِ هو الأصْلُ إذْ لا عِلَّةَ تُوجِبُ حَذْفَها، وحَذْفُ الياءِ والِاجْتِزاءُ عَنْها بِالكَسْرَةِ كَثِيرٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ، ونَظِيرُهُ ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] وفاعِلُ يَأْتِ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ " يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ الناسُ " لا اليَوْمُ المُضافُ إلى يَأْتِ، و" يَوْمَ" مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ أوْ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَكَلَّمُ﴾ أيْ: لا تَتَكَلَّمُ ﴿نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ: لا يَشْفَعُ أحَدٌ إلّا بِإذْنِ اللهِ "مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ" ﴿فَمِنهُمْ﴾ الضَمِيرُ لِأهْلِ المَوْقِفِ لِدَلالَةِ "لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ" عَلَيْهِ وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ الناسِ في قَوْلِهِ ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ الناسُ﴾ [هود: ١٠٣] ﴿شَقِيٌّ﴾ مُعَذَّبٌ ﴿وَسَعِيدٌ﴾ أيْ: ومِنهم سَعِيدٌ أيْ: مُنَعَّمٌ.
11:106Page 233
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ ١٠٦
As for those who were [destined to be] wretched, they will be in the Fire. For them therein is [violent] exhaling and inhaling.1
﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ هو أوَّلُ نَهِيقِ الحِمارِ ﴿وَشَهِيقٌ﴾ هو آخِرُهُ أوْ هُما إخْراجُ النَفْسِ ورَدُّهُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ (p-٨٥)الحالِ والعامِلُ فِيها الِاسْتِقْرارُ الَّذِي في النارِ.
11:107Page 233
خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ١٠٧
[They will be] abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will. Indeed, your Lord is an effecter of what He intends.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ ﴿ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ﴾ في مَوْضِعِ النَصْبِ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ السَمَواتِ والأرْضِ والمُرادُ سَمَواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها وهي دائِمَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ والدَلِيلُ عَلى أنَّ لَها سَمَواتٍ وأرْضًا قَوْلُهُ " ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقِيلَ مادامَتْ فَوْقَ وتَحْتَ، ولِأنَّهُ لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهم إمّا سَماءٌ أوْ عَرْشٌ وكُلُّ ما أظَلَّكَ فَهو سَماءٌ أوْ هو عِبارَةٌ عَنِ التَأْبِيدِ ونَفْيُ الِانْقِطاعِ كَقَوْلِ العَرَبِ: ما لاحَ كَوْكَبٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن كَلِماتِ التَأْبِيدِ ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الخُلُودِ في عَذابِ النارِ وذَلِكَ، لِأنَّ أهْلَ النارِ لا يُخَلَّدُونَ في عَذابِ النارِ وحْدَهُ بَلْ يُعَذَّبُونَ بِالزَمْهَرِيرِ وأنْواعٍ مِنَ العَذابِ سِوى عَذابِ النارِ أوْ "ما شاءَ" بِمَعْنى مَن شاءَ وهم قَوْمٌ يَخْرُجُونَ مِنَ النارِ ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُقالُ لَهُمُ: الجَهَنَّمِيُّونَ، وهُمُ المُسْتَثْنَوْنَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ أيْضًا لِمُفارَقَتِهِمْ إيّاها بِكَوْنِهِمْ في النارِ أيّامًا فَهَؤُلاءِ لَمْ يَشْقَوْا شَقاوَةَ مَن يَدْخُلُ النارَ عَلى التَأْبِيدِ ولا سَعِدُوا سَعادَةَ مَن لا تَمَسُّهُ النارُ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَحّاكِ وقَتادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهم ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ بِالشَقِيِّ والسَعِيدِ.
11:108Page 233
۞ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ ١٠٨
And as for those who were [destined to be] prosperous, they will be in Paradise, abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will - a bestowal uninterrupted.
﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ "سُعِدُوا" حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ، سَعِدَ لازِمٌ، وسَعَدَهُ يَسْعَدُهُ مُتَعَدٍّ ﴿فَفِي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الخُلُودِ في نَعِيمِ الجَنَّةِ وذَلِكَ أنَّ لَهم سِوى الجَنَّةِ ما هو أكْبَرُ مِنها وهو رُؤْيَةُ اللهِ تَعالى ورِضْوانُهُ أوْ مَعْناها إلّا مَن شاءَ أنْ يُعَذِّبَهُ بِقَدْرِ ذَنْبِهِ قَبْلَ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الِاسْتِثْناءُ في الآيَتَيْنِ لِأهْلِ الجَنَّةِ » ومَعْناهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ لا يَكُونُ (p-٨٦)لِلْمُسْلِمِ العاصِي الَّذِي دَخَلَ النارَ خُلُودٌ في النارِ حَيْثُ يَخْرُجُ مِنها ولا يَكُونُ لَهُ أيْضًا خُلُودٌ في الجَنَّةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ ابْتِداءً، والمُعْتَزِلَةُ لَمّا لَمْ يَرَوْا خُرُوجَ العُصاةِ مِنَ النارِ رَدُّوا الأحادِيثَ المَرْوِيَّةَ في هَذا البابِ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غَيْرَ مَقْطُوعٍ ولَكِنَّهُ مُمْتَدٌّ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ كَقَوْلِهِ "لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ" وهو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ أيْ: أُعْطُوا "عَطاءً"، قِيلَ:كَفَرَتِ الجَهْمِيَّةُ بِأرْبَعِ آياتٍ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] " ﴿وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] " ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] "
11:109Page 234
فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّمَّا يَعۡبُدُ هَٰٓؤُلَآءِۚ مَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبۡلُۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمۡ نَصِيبَهُمۡ غَيۡرَ مَنقُوصٖ ١٠٩
So do not be in doubt, [O Muḥammad], as to what these [polytheists] are worshipping. They worship not except as their fathers worshipped before. And indeed, We will give them their share undiminished.
لَمّا قَصَّ اللهُ قَصَصَ عَبَدَةِ الأوْثانِ وذَكَرَ ما أحَلَّ بِهِمْ مِن نِقَمِهِ وما أعَدَّ لَهم مِن عَذابِهِ قالَ ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: فَلا تَشُكَّ بَعْدَ ما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِن هَذِهِ القِصَصِ في سُوءِ عاقِبَةِ عِبادَتِهِمْ لِما أصابَ أمْثالَهم قَبْلَهم تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وعِدَةً بِالِانْتِقامِ مِنهم ووَعِيدًا لَهم ثُمَّ قالَ ﴿ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ يُرِيدُ أنَّ حالَهم في الشِرْكِ مِثْلُ حالِ آبائِهِمْ وقَدْ بَلَغَكَ ما نَزَلَ بِآبائِهِمْ فَسَيَنْزِلُ بِهِمْ مِثْلُهُ وهو اسْتِئْنافٌ مَعْناهُ تَعْلِيلُ النَهْيِ عَنِ المِرْيَةِ وما في "مِمّا" و"كَما" مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ أيْ: مِن عِبادَتِهِمْ وكَعِبادَتِهِمْ أوْ مِمّا يَعْبُدُونَ مِنَ الأوْثانِ ومِثْلَ ما يَعْبُدُونَ مِنها ﴿وَإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ حَظَّهم مِنَ العَذابِ كَما وفَّيْنا آباءَهم أنْصِباءَهم ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حالٌ مِن نَصِيبِهِمْ أيْ: كامِلًا.
11:110Page 234
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١١٠
And We had certainly given Moses the Scripture, but it came under disagreement. And if not for a word1 that preceded from your Lord, it would have been judged between them. And indeed they are, concerning it [i.e., the Qur’ān], in disquieting doubt.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ التَوْراةَ ﴿فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ آمَنَ بِهِ قَوْمٌ وكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ كَما اخْتُلِفَ في القُرْآنِ وهو تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ إنَّهُ لا يُعاجِلُهم بِالعَذابِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ قَوْمِ مُوسى أوْ قَوْمِكَ بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ ﴿وَإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ﴾ مِنَ القُرْآنِ أوْ مِنَ العَذابِ (p-٨٧)﴿مُرِيبٍ﴾ مِن أرابَ الرَجُلُ إذا كانَ ذا رِيبَةٍ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ.
11:111Page 234
وَإِنَّ كُلّٗا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ رَبُّكَ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١١
And indeed, each [of the believers and disbelievers] - your Lord will fully compensate them for their deeds. Indeed, He is Aware of what they do.
﴿وَإنَّ كُلا﴾ التَنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ يَعْنِي وإنَّ كُلَّهم أيْ: وإنَّ جَمِيعَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ و"إنَّ" مُشَدَّدَةٌ ﴿لَمّا﴾ مُخَفَّفٌ بَصْرِيٌّ وعَلِيٌّ "ما" مَزِيدَةٌ جِيءَ بِها لِيُفْصَلَ بِها بَيْنَ لامِ إنَّ ولامِ ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، واللامُ في "لَما" مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، والمَعْنى:وَإنَّ جَمِيعَهم واللهِ لِيُوَفِّيَنَّهم ﴿رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ مِن إيمانٍ وجُحُودٍ وحَسَنٍ وقَبِيحٍ، بِعَكْسِ الأُولى: أبُو بَكْرٍ، مُخَفَّفَتانِ: مَكِّيٌّ ونافِعٌ، عَلى إعْمالِ المُخَفَّفَةِ عَمَلَ الثَقِيلَةِ اعْتِبارًا لِأصْلِها الَّذِي هو التَثْقِيلُ ولِأنَّ إنْ تُشْبِهِ الفِعْلَ والفِعْلُ يَعْمَلُ قَبْلَ الحَذْفِ وبَعْدَهُ نَحْوُ: لَمْ يَكُنْ ولَمْ يَكُ فَكَذا المُشَبَّهُ بِهِ، مُشَدَّدَتانِ: غَيْرُهم وهو مُشْكِلٌ، وأحْسَنَ ما قِيلَ فِيهِ: أنَّهُ مِن لَمِمْتُ الشَيْءَ: جَمَعْتُهُ لَمًّا، ثُمَّ وقَفَ فَصارَ "لَمّا" ثُمَّ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وجازَ أنْ يَكُونَ مِثْلَ الدَعْوى والثَرْوى وما فِيهِ ألِفُ التَأْنِيثِ مِنَ المَصادِرِ، وقَرَأ الزَهْرِيُّ "وَإنَّ كُلًّا لَمًّا" بِالتَنْوِينِ كَقَوْلِهِ ﴿أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] وهو يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا، والمَعْنى وإنَّ كُلًّا مَلْمُومِينَ أيْ: مَجْمُوعَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ كُلًّا جَمِيعًا كَقَوْلِهِ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] وقالَ صاحِبُ الإيجازِ: "لَمّا" فِيهِ مَعْنى الظَرْفِ وقَدْ دَخَلَ في الكَلامِ اخْتِصارٌ كَأنَّهُ قِيلَ: "وَإنَّ كُلًّا لَمّا" بُعِثُوا "لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ" وقالَ الكِسائِيُّ لَيْسَ لِي بِتَشْدِيدِ "لَمّا" عِلْمٌ ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
11:112Page 234
فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٢
So remain on a right course as you have been commanded, [you] and those who have turned back with you [to Allāh], and do not transgress. Indeed, He is Seeing of what you do.
﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ فاسْتَقِمِ اسْتِقامَةً مِثْلَ الِاسْتِقامَةِ الَّتِي أُمِرْتَ بِها غَيْرَ عادِلٍ عَنْها ﴿وَمَن تابَ مَعَكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المُسْتَتِرِ في "اسْتَقِمْ" وجازَ لِلْفاصِلِ، يَعْنِي: فاسْتَقِمْ أنْتَ ولْيَسْتَقِمْ مَن تابَ عَنِ الكُفْرِ ورَجَعَ إلى اللهِ مُخْلِصًا ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ ولا تَخْرُجُوا عَنْ حُدُودِ اللهِ ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَهو (p-٨٨)مُجازِيكم فاتَّقَوْهُ قِيلَ:ما نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ آيَةٌ كانَ أشَقَّ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ ولِهَذا قالَ «شَيَّبَتْنِي هُودٌ »
11:113Page 234
وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣
And do not incline toward those who do wrong, lest you be touched by the Fire, and you would not have other than Allāh any protectors; then you would not be helped.
﴿وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولا تَمِيلُوا،قالَ الشَيْخُ رَحِمَهُ اللهُ:هَذا خِطابٌ لِأتْباعِ الكَفَرَةِ أيْ: لا تَرْكَنُوا إلى القادَةِ والكُبَراءِ في ظُلْمِهِمْ وفِيما يَدْعُونَكم إلَيْهِ ﴿فَتَمَسَّكُمُ النارُ﴾ وقِيلَ الرُكُونُ إلَيْهِمُ الرِضا بِكُفْرِهِمْ،وَقالَ قَتادَةُ:وَلا تَلْحَقُوا بِالمُشْرِكِينَ، وعَنِ المُوَفَّقِ أنَّهُ صَلّى خَلْفَ الإمامِ فَلَمّا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمّا أفاقَ قِيلَ لَهُ فَقالَ: هَذا فِيمَن رَكَنَ إلى مَن ظَلَمَ فَكَيْفَ بِالظالِمِ، وعَنِ الحَسَنِ" جَعَلَ اللهُ الَّذِينَ بَيْنَ لاءَيْنِ ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود: ١١٢] ﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾ "، وقالَ سُفْيانُ: في جَهَنَّمَ وادٍ لا يَسْكُنُهُ إلّا القُرّاءُ الزائِرُونَ لِلْمُلُوكِ، وعَنِ الأوْزاعِيِّ:ما مِن شَيْءٍ أبْغَضَ إلى اللهِ مِن عالِمٍ يَزُورُ عامِلًا، وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مَن دَعا لِظالِمٍ بِالبَقاءِ فَقَدْ أحَبَّ أنْ يُعْصى اللهُ في أرْضِهِ، » ولَقَدْ سُئِلَ سُفْيانُ عَنْ ظالِمٍ أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ في بَرِّيَّةٍ هَلْ يُسْقى شَرْبَةَ ماءٍ فَقالَ: لا، فَقِيلَ لَهُ يَمُوتُ، فَقالَ: دَعْهُ يَمُوتُ ﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ﴾ حالٌ مِن قَوْلِهِ" ﴿فَتَمَسَّكُمُ النارُ﴾ أيْ فَتَمَسَّكُمُ النارُ وأنْتُمْ عَلى هَذِهِ الحالَةِ ومَعْناهُ وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن أوْلِياءَ يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِكم مِن عَذابِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى مَنعِكم مِنهُ غَيْرُهُ ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ثُمَّ لا يَنْصُرُكم هو لِأنَّهُ حَكَمَ بِتَعْذِيبِكم ومَعْنى ثُمَّ الِاسْتِبْعادُ، أيِ:النُصْرَةُ مِنَ اللهِ مُسْتَبْعَدَةٌ.
11:114Page 234
وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ١١٤
And establish prayer at the two ends of the day and at the approach of the night. Indeed, good deeds do away with misdeeds. That is a reminder for those who remember.
﴿وَأقِمِ الصَلاةَ طَرَفَيِ النَهارِ﴾ غَدْوَةً وعَشِيَّةً ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَيْلِ﴾ وساعاتٍ مِنَ اللَيْلِ جَمْعُ زُلْفَةٍ وهي ساعاتُهُ القَرِيبَةُ مِن آخِرِ النَهارِ مِن أزْلَفَهُ إذا قَرَّبَهُ، وصَلاةُ الغُدْوَةِ: الفَجْرُ، وصَلاةُ العَشِيَّةِ: الظُهْرُ والعَصْرُ، لِأنَّ ما بَعْدَ الزَوالِ عَشِيٌّ، وصَلاةُ الزُلَفِ: المَغْرِبُ والعِشاءُ وانْتِصابُ "طَرَفَيِ (p-٨٩)النَهارِ" عَلى الظَرْفِ، لِأنَّهُما مُضافانِ إلى الوَقْتِ كَقَوْلِكَ:أقَمْتُ عِنْدَهُ جَمِيعَ النَهارِ وأتَيْتُهُ نِصْفَ النَهارِ وأوَّلَهُ وآخِرَهُ، تَنْصِبُ هَذا كُلَّهُ عَلى إعْطاءِ المُضافِ حُكْمَ المُضافِ إلَيْهِ ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَيِّئاتِ﴾ إنَّ الصَلَواتِ الخَمْسَ يُذْهِبْنَ الذُنُوبَ وفي الحَدِيثِ «:"إنَّ الصَلَواتِ الخَمْسَ تُكَفِّرُ ما بَيْنَها مِنَ الذُنُوبِ" »، أوِ الطاعاتِ، قالَ عَلَيْهِ السَلامُ « "أتْبِعِ السَيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها" » أوْ سُبْحانَ اللهَ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللهُ واللهُ أكْبَرُ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى فاسْتَقِمْ فَما بَعْدَهُ أوِ القُرْآنِ ﴿ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ عِظَةٌ لِلْمُتَّعِظِينَ «نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ غُزَيَّةَ الأنْصارِيِّ بائِعِ التَمْرِ قالَ لِامْرَأةٍ: في البَيْتِ تَمْرٌ أجْوَدُ فَدَخَلَتْ فَقَبَّلَها فَنَدِمَ فَجاءَهُ حاكِيًا باكِيًا فَنَزَلَتْ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ هَلْ شَهِدْتَ مَعَنا العَصْرَ قالَ نَعَمْ قالَ هي كَفّارَةٌ لَكَ فَقِيلَ ألَهُ خاصَّةً قالَ بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً »
11:115Page 234
وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٥
And be patient, for indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good.
﴿واصْبِرْ﴾ عَلى امْتِثالِ ما أُمِرْتَ بِهِ والِانْتِهاءِ عَمّا نُهِيتَ عَنْهُ فَلا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنهُ إلّا بِهِ ﴿فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ جاءَ بِما هو مُشْتَمِلٌ عَلى جَمِيعِ الأوامِرِ والنَواهِي مِن قَوْلِهِ ﴿فاسْتَقِمْ﴾ [هود: ١١٢] إلى قَوْلِهِ ﴿واصْبِرْ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَسَناتِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences