An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:24–44
12:24Page 238
وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤
And she certainly determined [to seduce] him, and he would have inclined to her had he not seen the proof [i.e., sign] of his Lord. And thus [it was] that We should avert from him evil and immorality. Indeed, he was of Our chosen servants.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ هَمَّ عَزْمٍ ﴿وَهَمَّ بِها﴾ هَمَّ الطِباعِ مَعَ الِامْتِناعِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَمَّ بِها هَمَّ خَطْرَةٍ ولا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيما يَخْطُرُ بِالقَلْبِ ولا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ ولَوْ كانَ هَمُّهُ كَهَمِّها لَما مَدَحَهُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ مِن عِبادِهِ المُخْلَصِينَ وقِيلَ: "وَهَمَّ بِها" وشارَفَ أنْ يَهُمَّ بِها، يُقالُ: هَمَّ بِالأمْرِ، إذا قَصَدَهُ وعَزَمَ عَلَيْهِ، وجَوابُ ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ مَحْذُوفٌ أيْ: لَكانَ ما كانَ، وقِيلَ "وَهَمَّ بِها" جَوابُهُ ولا يَصِحُّ، لِأنَّ جَوابَ لَوْلا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها، لِأنَّهُ في حُكْمِ الشَرْطِ ولَهُ صَدْرُ الكَلامِ، والبُرْهانُ:الحُجَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "وَهَمَّ بِها" داخِلًا في حُكْمِ القَسَمِ في قَوْلِهِ "وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ" ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خارِجًا ومِن حَقِّ القارِئِ إذا قَدَّرَ خُرُوجَهُ مِن حُكْمِ القَسَمِ وجَعَلَهُ كَلامًا بِرَأْسِهِ أنْ يَقِفَ عَلى " بِهِ " ويَبْتَدِئَ بِقَوْلِهِ "وَهَمَّ بِها" وفِيهِ أيْضًا إشْعارٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ الهَمَّيْنِ، وفُسِّرَ هَمُّ يُوسُفَ بِأنَّهُ حَلَّ تِكَّةَ سَراوِيلِهِ وقَعَدَ بَيْنَ شُعَبِها الأرْبَعِ وهي مُسْتَلْقِيَةٌ عَلى قَفاها، وفُسِّرَ (p-١٠٤)البُرْهانُ بِأنَّهُ سَمِعَ صَوْتًا: إيّاكَ وإيّاها مَرَّتَيْنِ فَسَمِعَ ثالِثًا أعْرِضْ عَنْها فَلَمْ يُنْجِعْ فِيهِ حَتّى مَثُلَ لَهُ يَعْقُوبُ عاضًّا عَلى أُنْمُلَتِهِ، وهو باطِلٌ، ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِهِ قَوْلُهُ ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦] ولَوْ كانَ ذَلِكَ مِنهُ أيْضًا لَمّا بَرَّأ نَفْسَهُ مِن ذَلِكَ، وقَوْلُهُ " ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُوءَ والفَحْشاءَ﴾ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ السُوءُ مَصْرُوفًا عَنْهُ، وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] " ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَخانَهُ بِالغَيْبِ، وقَوْلُهُ " ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] ولِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ مِنهُ ذَلِكَ لَذُكِرَتْ تَوْبَتُهُ واسْتِغْفارُهُ كَما كانَ لِآدَمَ ونُوحٍ وذِي النُونِ وداوُدَ عَلَيْهِمُ السَلامُ وقَدْ سَمّاهُ اللهُ مُخْلَصًا فَعُلِمَ بِالقَطْعِ أنَّهُ ثَبَتَ في ذَلِكَ المَقامِ وجاهَدَ نَفْسَهُ مُجاهَدَةَ أُولِي العَزْمِ ناظِرًا في دَلائِلِ التَحْرِيمِ حَتّى اسْتَحَقَّ مِنَ اللهِ الثَناءَ، ومَحَلُّ الكافِ في ﴿كَذَلِكَ﴾ نَصْبٌ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَثْبِيتِ ثَبَّتْناهُ، أوْ رَفْعٌ أيْ: الأمْرُ مِثْلُ ذَلِكَ ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُوءَ﴾ خِيانَةَ السَيِّدِ ﴿والفَحْشاءَ﴾ الزِنا ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ بِفَتْحِ اللامِ حَيْثُ كانَ:مَدَنِيٌّ وكُوفِيٌّ، أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللهُ لِطاعَتِهِ وبِكَسْرِها غَيْرُهم أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ، ومَعْنى ﴿مِن عِبادِنا﴾ بَعْضُ عِبادِنا أيْ: هو مُخْلَصٌ مِن جُمْلَةِ المُخْلَصِينَ.
12:25Page 238
وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٥
And they both raced to the door, and she tore his shirt from the back, and they found her husband at the door. She said, "What is the recompense of one who intended evil for your wife but that he be imprisoned or a painful punishment?"
﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ وتَسابَقا إلى البابِ هي لِلطَّلَبِ وهو لِلْهَرَبِ عَلى حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] أوْ عَلى تَضْمِينِ "اسْتَبَقا" مَعْنى ابْتَدَرا، نَفَرَ مِنها يُوسُفُ فَأسْرَعَ يُرِيدُ البابَ لِيَخْرُجَ وأسْرَعَتْ وراءَهُ لِتَمْنَعَهُ الخُرُوجَ ووَحَّدَ البابَ وإنْ كانَ جَمَعَهُ في قَوْلِهِ " ﴿وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، لِأنَّهُ أرادَ البابَ البَرّانِيَّ الَّذِي هو المُخْرِجُ مِنَ الدارِ ولَمّا هَرَبَ يُوسُفُ جَعَلَ فَراشُ القُفْلِ يَتَناثَرُ ويَسْقُطُ حَتّى خَرَجَ (p-١٠٥)﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ اجْتَذَبَتْهُ مِن خَلْفِهِ فانْقَدَّ أيِ انْشَقَّ حِينَ هَرَبَ مِنها إلى البابِ وتَبِعَتْهُ تَمْنَعُهُ ﴿وَألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ وصادَفا بَعْلَها قِطْفِيرَ مُقْبِلًا يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ فَلَمّا رَأتْهُ احْتالَتْ لِتَبْرِئَةِ ساحَتِها عِنْدَ زَوْجِها مِنَ الرِيبَةِ ولِتَخْوِيفِ يُوسُفَ طَمَعًا في أنْ يُواطِئَها خِيفَةً مِنها ومِن مَكْرِها حَيْثُ ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ما نافِيةٌ أيْ: لَيْسَ جَزاؤُهُ إلّا السِجْنَ،
﴿أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وهو الضَرْبُ بِالسِياطِ ولَمْ تُصَرِّحْ بِذِكْرِ يُوسُفَ وأنَّهُ أرادَ بِها سُوءًا، لِأنَّها قَصَدَتِ العُمُومَ أيْ: كُلُّ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا فَحَقُّهُ أنْ يُسْجَنَ أوْ يُعَذَّبَ، لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ فِيما قَصَدَتْ مِن تَخْوِيفِ يُوسُفَ، ولَمّا عَرَّضَتْهُ لِلسِّجْنِ والعَذابِ ووَجَبَ عَلَيْهِ الدَفْعُ عَنْ نَفْسِهِ.
12:26Page 238
قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٦
[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified, "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.
﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ولَوْلا ذَلِكَ لَكَتَمَ عَلَيْها ولَمْ يَفْضَحْها ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ هو ابْنُ عَمٍّ لَها وإنَّما ألْقى اللهُ الشَهادَةَ عَلى لِسانِ مَن هو مِن أهْلِها لِتَكُونَ أوْجَبَ لِلْحُجَّةِ عَلَيْها وأوْثَقَ لِبَراءَةِ يُوسُفَ، وقِيلَ: كانَ ابْنَ خالٍ لَها وكانَ صَبِيًّا في المَهْدِ وسُمِّيَ قَوْلُهُ شَهادَةً، لِأنَّهُ أدّى مُؤَدّى الشَهادَةِ في أنْ ثَبَتَ بِهِ قَوْلُ يُوسُفَ وبَطَلَ قَوْلُها ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾
12:27Page 238
وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٧
But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."
﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصادِقِينَ﴾ والتَقْدِيرُ: وشَهِدَ شاهِدٌ فَقالَ إنْ كانَ قَمِيصُهُ وإنَّما دَلَّ "قُدَّ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ "عَلى أنَّها صادِقَةٌ، لِأنَّهُ يُسْرِعُ خَلْفَها لِيَلْحَقَها فَيَعْثُرُ في مَقادِمِ قَمِيصِهِ فَيَشُقُّهُ ولِأنَّهُ يُقْبِلُ عَلَيْها وهي تَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِها فَيَتَخَرَّقُ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ وأمّا تَنْكِيرُ قُبُلٍ ودُبُرٍ فَمَعْناهُ مِن جِهَةٍ يُقالُ لَها قُبُلٍ ومِن جِهَةٍ يُقالُ لَها دُبُرٍ وإنَّما جَمَعَ (p-١٠٦)بَيْنَ "إنِ" الَّتِي لِلِاسْتِقْبالِ وبَيْنَ كانَ، لِأنَّ المَعْنى إنْ يَعْلَمْ أنَّهُ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ.
12:28Page 238
فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ ٢٨
So when he [i.e., her husband] saw his shirt torn from the back, he said, "Indeed, it is of your [i.e., women's] plan. Indeed, your plan is great [i.e., vehement].
﴿فَلَمّا رَأى﴾ قِطْفِيرُ ﴿قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ وعَلِمَ بَراءَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ وصِدْقَهُ وكَذِبَها ﴿قالَ إنَّهُ﴾ إنَّ قَوْلَكِ ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] أوْ إنَّ هَذا الأمْرَ وهو الِاحْتِيالُ لِنَيْلِ الرِجالِ ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ الخِطابُ لَها ولِأُمَّتِها ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، لِأنَّهُنَّ ألْطَفُ كَيْدًا وأعْظَمُ حِيلَةً وبِذَلِكَ يَغْلِبْنَ الرِجالَ، والقُصْرَياتُ مِنهُنَّ مَعَهُنَّ ما لَيْسَ مَعَ غَيْرِهِنَّ مِنَ البَوائِقِ، وعَنْ بَعْضِ العُلَماءِ: إنِّي أخافُ مِنَ النِساءِ أكْثَرَ مِمّا أخافُ مِنَ الشَيْطانِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى قالَ ﴿إنَّ كَيْدَ الشَيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وقالَ لَهُنَّ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾
12:29Page 238
يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ ٢٩
Joseph, ignore this.1 And, [my wife], ask forgiveness for your sin. Indeed, you were of the sinful."
﴿يُوسُفُ﴾ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِداءِ، لِأنَّهُ مُنادًى قَرِيبٌ مُفاطِنٌ لِلْحَدِيثِ وفِيهِ تَقْرِيبٌ لَهُ وتَلْطِيفٌ لِمَحَلِّهِ ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الأمْرِ واكْتُمْهُ ولا تُحَدِّثْ بِهِ ثُمَّ قالَ لِراعِيلَ ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
مِن جُمْلَةِ القَوْمِ المُتَعَمِّدِينَ لِلذَّنْبِ يُقالُ: خَطِئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا وإنَّما قالَ بِلَفْظِ التَذْكِيرِ تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وكانَ العَزِيزُ رَجُلًا حَلِيمًا قَلِيلَ الغَيْرَةِ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلى هَذا القَوْلِ.
12:30Page 238
۞ وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٠
And women in the city said, "The wife of al-ʿAzeez is seeking to seduce her slave boy; he has impassioned her with love. Indeed, we see her [to be] in clear error."
﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ جَماعَةٌ مِنَ النِساءِ وكُنَّ خَمْسًا: امْرَأةُ الساقِي وامْرَأةُ الخَبّازِ وامْرَأةُ صاحِبِ الدَوابِّ وامْرَأةُ صاحِبِ السِجْنِ وامْرَأةُ الحاجِبِ والنِسْوَةُ اسْمٌ مُفْرَدٌ لِجَمْعِ المَرْأةِ وتَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِذا لَمْ يَقُلْ: قالَتْ وفِيهِ لُغَتانِ كَسْرُ النُونِ وضَمُّها ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ في مِصْرَ ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ﴾ يُرِدْنَ قِطْفِيرَ، والعَزِيزُ المَلِكُ بِلِسانِ العَرَبِ ﴿تُراوِدُ فَتاها﴾ غُلامَها يُقالُ فَتايَ وفَتاتِي أيْ: غُلامِي وجارِيَتِي ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ لِتَنالَ شَهْوَتَها مِنهُ ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ تَمْيِيزٌ أيْ: قَدْ شَغَفَها حُبُّهُ يَعْنِي حَرَقَ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها حَتّى وصَلَ إلى الفُؤادِ، والشَغافُ:حِجابُ القَلْبِ أوْ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ يُقالُ لَها لِسانُ القَلْبِ (p-١٠٧)﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ في خَطَأٍ وبُعْدٍ عَنْ طَرِيقِ الصَوابِ.
12:31Page 239
فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ ٣١
So when she heard of their scheming, she sent for them and prepared for them a banquet and gave each one of them a knife and said [to Joseph], "Come out before them." And when they saw him, they greatly admired him and cut their hands1 and said, "Perfect is Allāh!2 This is not a man; this is none but a noble angel."
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ﴾ راعِيلُ ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ بِاغْتِيابِهِنَّ وقَوْلِهِنَّ:امْرَأةُ العَزِيزِ عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ ومَقَتَها، وسُمِّيَ الِاغْتِيابُ مَكْرًا، لِأنَّهُ في خُفْيَةٍ وحالِ غَيْبَةٍ كَما يُخْفِي الماكِرُ مَكْرَهُ وقِيلَ كانَتِ اسْتَكْتَمَتْهُنَّ سِرَّها فَأفْشَيْنَهُ عَلَيْها ﴿أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ﴾ دَعَتْهُنَّ قِيلَ دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرَأةً مِنهُنَّ الخَمْسُ المَذْكُوراتُ ﴿وَأعْتَدَتْ﴾ وهَيَّأتْ، افْتَعَلَتْ مِنَ العَتادِ ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِن نَمارِقَ قَصَدَتْ بِتِلْكَ الهَيْئَةِ وهي قُعُودُهُنَّ مُتَّكِآتٍ والسَكاكِينُ في أيْدِيهِنَّ أنْ يُدْهَشْنَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ويُشْغَلْنَ عَنْ نُفُوسِهِنَّ فَتَقَعُ أيْدِيهِنَّ عَلى أيْدِيهِنَّ فَيَقْطَعْنَها، لِأنَّ المُتَّكِئَ إذا بُهِتَ لِشَيْءٍ وقَعَتْ يَدُهُ عَلى يَدِهِ ﴿وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ وكانُوا لا يَأْكُلُونَ في ذَلِكَ الزَمانِ إلّا بِالسَكاكِينِ كَفِعْلِ الأعاجِمِ ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ بِكَسْرِ التاءِ بَصْرِيٌّ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ، وبِضَمِّها غَيْرُهم ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ أعْظَمْنَهُ وهَبْنَ ذَلِكَ الحُسْنَ الرائِقَ والجَمالَ الفائِقَ وكانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلى الناسِ في الحُسْنِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى نُجُومِ السَماءِ وكانَ إذا سارَ في أزِقَّةِ مِصْرَ يُرى تَلَأْلُؤُ وجْهِهِ عَلى الجُدْرانِ وكانَ يُشْبِهُ آدَمَ يَوْمَ خَلَقَهُ رَبُّهُ وقِيلَ وِرْثَ الجَمالَ مِن جَدَّتِهِ سارَّةَ، وقِيلَ أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ والهاءُ لِلسَّكْتِ إذْ لا يُقالُ النِساءُ قَدْ حِضْنَهُ، لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ يُقالُ أكْبَرَتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ وحَقِيقَتُهُ دَخَلَتْ في الكِبَرِ، لِأنَّها بِالحَيْضِ تَخْرُجُ مِن حَدِّ الصِغَرِ، وكَأنَّ أبا الطِيبِ أخَذَ مِن هَذا التَفْسِيرِ قَوْلَهُ:
؎ خَفِ اللهَ واسْتُرْ ذا الجَمالَ بِبُرْقُعِ فَإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخُدُورِ العَواتِقُ
﴿وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ وجَرَّحْنَها كَما تَقُولُ كُنْتُ أقْطَعُ اللَحْمَ فَقَطَعَتْ يَدِي تُرِيدُ جَرَحَتْها أيْ: أرَدْنَ أنْ يُقَطِّعْنَ الطَعامَ الَّذِي في أيْدِيهِنَّ فَدُهِشْنَ لِما رَأيْنَهُ فَخَدَشْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ حاشا كَلِمَةٌ تُفِيدُ مَعْنى التَنْزِيهِ في بابِ الِاسْتِثْناءِ تَقُولُ: أساءَ القَوْمُ حاشا زَيْدٍ وهي حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الجَرِّ (p-١٠٨)فَوُضِعَتْ مَوْضِعَ التَنْزِيهِ والبَراءَةِ، فَمَعْنى "حاشا اللهِ" بَراءَةُ اللهِ وتَنْزِيهُ اللهِ وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو "حاشا لِلَّهِ" نَحْوُ قَوْلِكَ سَقْيًا لَكَ،كَأنَّهُ قالَ بُرْءًا ثُمَّ قالَ لِلَّهِ لِبَيانِ مَن يُبَرَّأُ ويُنَزَّهُ، وغَيْرُهُ "حاشَ لِلَّهِ" بِحَذْفِ الألِفِ الأخِيرَةِ والمَعْنى تَنْزِيهُ اللهِ مِن صِفاتِ العَجْزِ والتَعَجُّبُ مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلَقِ جَمِيلٍ مِثْلِهِ ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِغَرابَةِ جَمالِهِ وأثْبَتْنَ لَهُ المَلَكِيَّةَ وبَتَتْنَ بِها الحُكْمَ لِما رَكَزَ في الطِباعِ أنْ لا أحْسَنَ مِنَ المَلَكِ كَما رَكَزَ فِيها أنْ لا أقْبَحَ مِنَ الشَيْطانِ.
12:32Page 239
قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ٣٢
She said, "That is the one about whom you blamed me. And I certainly sought to seduce him, but he firmly refused; and if he will not do what I order him, he will surely be imprisoned and will be of those debased."
﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ تَقُولُ هو ذَلِكَ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ ثُمَّ لُمْتُنَّنِي فِيهِ، تَعْنِي: إنَّكُنَّ لَمْ تُصَوَّرْنَهُ حَقَّ صُورَتِهِ وإلّا لَعَذَرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ بِهِ ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ والِاسْتِعْصامُ بِناءُ مُبالِغَةٍ يَدُلُّ عَلى الِامْتِناعِ البَلِيغِ والتَحَفُّظِ الشَدِيدِ كَأنَّهُ في عِصْمَةٍ وهو يَجْتَهِدُ في الِاسْتِزادَةِ مِنها وهَذا بَيانٌ جَلِيٌّ عَلى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ بَرِيءٌ مِمّا فَسَّرَ بِهِ أُولَئِكَ الفَرِيقُ الهَمَّ والبُرْهانَ، ثُمَّ قُلْنَ لَهُ أطِعْ مَوْلاتَكَ فَقالَتْ راعِيلُ ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ الضَمِيرُ راجِعٌ إلى "ما" وهي مَوْصُولَةٌ والمَعْنى ما آمُرُ بِهِ فَحُذِفَ الجارُّ كَما في قَوْلِهِ أمَرْتُكَ الخَيْرَ أوْ ما مَصْدَرِيَّةٌ والضَمِيرُ يَرْجِعُ إلى يُوسُفَ أيْ: ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ أمْرِي إيّاهُ أيْ: مُوجِبَ أمْرِي ومُقْتَضاهُ ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ لِيُحْبَسَنَّ والألِفُ في ﴿وَلَيَكُونًا﴾ بَدَلٌ مِن نُونِ التَأْكِيدِ الخَفِيفَةِ ﴿مِنَ الصاغِرِينَ﴾ مَعَ السُرّاقِ والسُفّاكِ والأُبّاقِ كَما سَرَقَ قَلْبِي وأبِقَ مِنِّي وسَفَكَ دَمِي بِالفِراقِ، فَلا يَهْنَأُ لِيُوسُفَ الطَعامُ والشَرابُ والنَوْمُ هُنالِكَ كَما مَنَعَنِي هُنا كُلَّ ذَلِكَ ومَن لَمْ يَرْضَ بِمِثْلِي في الحَرِيرِ عَلى السَرِيرِ أمِيرًا حَصَلَ في الحَصِيرِ عَلى الحَصِيرِ حَسِيرًا، فَلَمّا سَمِعَ يُوسُفُ تَهْدِيدَها.
12:33Page 239
قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٣
He said, "My Lord, prison is more to my liking than that to which they invite me. And if You do not avert from me their plan, I might incline toward them and [thus] be of the ignorant."
﴿قالَ رَبِّ السِجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ أسْنَدَ الدَعْوَةَ إلَيْهِنَّ، لِأنَّهُنَّ قُلْنَ لَهُ ما عَلَيْكَ لَوْ أجَبْتَ مَوْلاتَكَ أوِ افْتَتَنْتَ (p-١٠٩)كُلُّ واحِدَةٍ فَدَعَتْهُ إلى نَفْسِها سِرًّا فالتَجَأ إلى رَبِّهِ "قالَ رَبِّ السِجْنُ أحَبُّ إلَيَّ" مِن رُكُوبِ المَعْصِيَةِ ﴿وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ فَزَعٌ مِنهُ إلى اللهِ في طَلَبِ العِصْمَةِ ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أمِلْ إلَيْهِنَّ، والصَبْوَةُ المَيْلُ إلى الهَوى ومِنهُ الصَبا، لِأنَّ النُفُوسَ تَصْبُو إلَيْها لِطِيبِ نَسِيمِها ورَوْحِها ﴿وَأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ، لِأنَّ مَن لا جَدْوى لِعِلْمِهِ فَهو ومَن لَمْ يَعْلَمْ سَواءٌ أوْ مِنَ السُفَهاءِ.
12:34Page 239
فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٤
So his Lord responded to him and averted from him their plan. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.
فَلَمّا كانَ في قَوْلِهِ ﴿وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣٣] مَعْنى طَلَبِ الصَرْفِ والدُعاءِ قالَ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ أيْ: أجابَ اللهُ دُعاءَهُ ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَمِيعُ﴾ لِدَعَواتِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ ﴿العَلِيمُ﴾ بِحالِهِ وحالِهِنَّ.
12:35Page 239
ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٖ ٣٥
Then it appeared to them after they had seen the signs1 that he [i.e., al-ʿAzeez] should surely imprison him for a time.2
﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ﴾ فاعِلُهُ مُضْمَرٌ لِدَلالَةِ ما يُفَسِّرُهُ عَلَيْهِ وهو لَيَسْجُنُنَّهُ والمَعْنى: بَدا لَهم بَداءٌ أيْ: ظَهَرَ لَهم رَأْيٌ والضَمِيرُ في لَهم لِلْعَزِيزِ وأهْلِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ وهي الشَواهِدُ عَلى بَراءَتِهِ كَقَدِّ القَمِيصِ وقَطْعِ الأيْدِي وشَهادَةِ الصَبِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ لِإبْداءِ عُذْرِ الحالِ وإرْخاءِ السِتْرِ عَلى القِيلِ والقالِ وما كانَ ذَلِكَ إلّا بِاسْتِنْزالِ المَرْأةِ لِزَوْجِها وكانَ مِطْواعًا لَها وحُمَيْلًا ذَلُولًا، زِمامُهُ في يَدِها وقَدْ طَمِعَتْ أنْ يُذَلِّلَهُ السِجْنُ ويُسَخِّرَهُ لَها أوْ خافَتْ عَلَيْهِ العُيُونَ وظَنَّتْ فِيهِ الظُنُونَ فَألْجَأها الخَجَلُ مِنَ الناسِ والوَجَلُ مِنَ الباسِ إلى أنْ رَضِيَتْ بِالحِجابِ مَكانَ خَوْفِ الذَهابِ لِتَشْتَفِيَ بِخَبَرِهِ إذا مُنِعَتْ مِن نَظَرِهِ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ إلى زَمانٍ كَأنَّها اقْتَرَحَتْ أنْ يُسْجَنَ زَمانًا حَتّى تُبْصِرَ ما يَكُونُ مِنهُ.
12:36Page 239
وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجۡنَ فَتَيَانِۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَعۡصِرُ خَمۡرٗاۖ وَقَالَ ٱلۡأٓخَرُ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَحۡمِلُ فَوۡقَ رَأۡسِي خُبۡزٗا تَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِنۡهُۖ نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِيلِهِۦٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٦
And there entered the prison with him two young men. One of them said, "Indeed, I have seen myself [in a dream] pressing [grapes for] wine." The other said, "Indeed, I have seen myself carrying upon my head [some] bread, from which the birds were eating. Inform us of its interpretation; indeed, we see you to be of those who do good."
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِجْنَ فَتَيانِ﴾ عَبْدانِ لِلْمَلِكِ خَبّازُهُ وشَرابِيُّهُ بِتُهْمَةِ السَمِّ فَأُدْخِلا السِجْنَ ساعَةَ أُدْخِلَ يُوسُفُ، لِأنَّ مَعَ يَدُلُّ عَلى مَعْنى الصُحْبَةِ تَقُولُ خَرَجْتُ مَعَ الأمِيرِ تُرِيدُ مُصاحِبًا لَهُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ دُخُولُهُما السِجْنَ مُصاحِبَيْنِ لَهُ ﴿قالَ أحَدُهُما﴾ أيْ: شَرابِيُّهُ ﴿إنِّي أرانِي﴾ أيْ: في المَنامِ (p-١١٠)وَهِيَ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ﴿أعْصِرُ خَمْرًا﴾ أيْ: عِنَبًا تَسْمِيَةً لِلْعِنَبِ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أوِ الخَمْرُ بِلُغَةِ عُمانَ اسْمٌ لِلْعِنَبِ ﴿وَقالَ الآخَرُ﴾ أيْ: خَبّازُهُ ﴿إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَيْرُ مِنهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ بِتَأْوِيلِ ما رَأيْناهُ ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ عِبارَةَ الرُؤْيا أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلى أهْلِ السِجْنِ فَإنَّكَ تُداوِي المَرِيضَ وتُعَزِّي الحَزِينَ وتُوَسِّعُ عَلى الفَقِيرِ فَأحْسِنْ إلَيْنا بِتَأْوِيلِ ما رَأيْناهُ وقِيلَ إنَّهُما تَحالَما لَهُ يَمْتَحِناهُ فَقالَ الشَرابِيُّ: إنِّي رَأيْتُ كَأنِّي في بُسْتانٍ فَإذا بِأصْلِ حَبَلَةٍ عَلَيْها ثَلاثَةُ عَناقِيدَ مِن عِنَبٍ فَقَطَفْتُها وعَصَرْتُها في كَأْسِ المَلِكِ وسَقَيْتُهُ وقالَ الخَبّازُ إنِّي رَأيْتُ كَأنَّ فَوْقَ رَأْسِي ثَلاثَ سِلالٍ فِيها أنْواعُ الأطْعِمَةِ فَإذا سِباعُ الطَيْرِ تَنْهَشُ مِنها.
12:37Page 239
قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٧
He said, "You will not receive food that is provided to you except that I will inform you of its interpretation before it comes to you. That is from what my Lord has taught me. Indeed, I have left the religion of a people who do not believe in Allāh, and they, in the Hereafter, are disbelievers.
﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: بِبَيانِ ماهِيَّتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ تَفْسِيرَ المُشْكِلِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ لَمّا اسْتَعْبَراهُ ووَصَفاهُ بِالإحْسانِ افْتَرَضَ ذَلِكَ فَوَصَلَ بِهِ وصْفَ نَفْسِهِ بِما هو فَوْقَ عِلْمِ العُلَماءِ وهو الإخْبارُ بِالغَيْبِ وأنَّهُ يُنَبِّئُهُما بِما يُحْمَلُ إلَيْهِما مِنَ الطَعامِ في السِجْنِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُما ويَصِفُهُ لَهُما ويَقُولُ: اليَوْمَ يَأْتِيكُما طَعامٌ مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ فَيَكُونُ كَذَلِكَ وجَعَلَ ذَلِكَ تَخَلُّصًا إلى أنْ يَذْكُرَ لَهُما التَوْحِيدَ ويَعْرِضَ عَلَيْهِما الإيمانَ ويُزَيِّنَهُ لَهُما ويُقَبِّحَ إلَيْهِما الشِرْكَ وفِيهِ أنَّ العالِمَ إذا جُهِلَتْ مَنزِلَتُهُ في العِلْمِ فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِما هو بِصَدَدِهِ - وغَرَضُهُ أنْ يُقْتَبَسَ مِنهُ - لَمْ يَكُنْ مِن بابِ التَزْكِيَةِ ﴿ذَلِكُما﴾ إشارَةٌ لَهُما إلى التَأْوِيلِ أيْ: ذَلِكَ التَأْوِيلُ والإخْبارُ بِالمُغَيَّباتِ ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ وأوْحى بِهِ إلَيَّ ولَمْ أقُلْهُ عَنْ تَكَهُّنٍ وتَنَجُّمٍ ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (p-١١١)كَلامًا مُبْتَدَأً وأنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَهُ أيْ: عَلَّمَنِي ذَلِكَ وأوْحى بِهِ إلَيَّ لِأنِّي رَفَضْتُ مِلَّةَ أُولَئِكَ، وهم أهْلُ مِصْرَ ومَن كانَ الفِتْيانُ عَلى دِينِهِمْ.
12:38Page 240
وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٣٨
And I have followed the religion of my fathers, Abraham, Isaac and Jacob. And it was not for us to associate anything with Allāh. That is from the favor of Allāh upon us and upon the people, but most of the people are not grateful.
﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ وهي المِلَّةُ الحَنِيفِيَّةُ وتَكْرِيرُ هم لِلتَّوْكِيدِ،وَذَكَرَ الآباءَ لِيُرِيَهُما أنَّهُ مِن بَيْتِ النُبُوَّةِ بَعْدَ أنْ عَرَّفَهُما أنَّهُ نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ بِما ذَكَرَ مِن إخْبارِهِ بِالغُيُوبِ لِيُقَوِّيَ رَغْبَتَهُما في اتِّباعِ قَوْلِهِ والمُرادُ بِهِ تَرْكُ الِابْتِداءِ لا أنَّهُ كانَ فِيهِ ثُمَّ تَرَكَهُ ﴿ما كانَ لَنا﴾ ما صَحَّ لَنا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ ﴿أنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيَّ شَيْءٍ كانَ صَنَمًا أوْ غَيْرَهُ ثُمَّ قالَ ﴿ذَلِكَ﴾ التَوْحِيدُ ﴿مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وعَلى الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَ اللهِ فَيُشْرِكُونَ بِهِ ولا يَنْتَهُونَ.
12:39Page 240
يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٣٩
O [my] two companions of prison, are separate lords better or Allāh, the One,1 the Prevailing?2
﴿يا صاحِبَيِ السِجْنِ﴾ [يوسف: ٤١] يا ساكِنَيِ السِجْنِ كَقَوْلِهِ ﴿أصْحابُ النارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ يُرِيدُ التَفَرُّقَ في العَدَدِ والتَكاثُرِ أيْ: أأنْ تَكُونَ أرْبابٌ شَتّى يَسْتَعْبِدُكُما هَذا ويَسْتَعْبِدُكُما هَذا خَيْرٌ لَكُما أمْ يَكُونُ لَكُما رَبٌّ واحِدٌ قَهّارٌ لا يُغالَبُ ولا يُشارَكُ في الرُبُوبِيَّةِ؟ وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِعِبادَةِ اللهِ وحْدَهُ ولِعِبادَةِ الأصْنامِ.
12:40Page 240
مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠
You worship not besides Him except [mere] names you have named them,1 you and your fathers, for which Allāh has sent down no evidence. Legislation is not but for Allāh. He has commanded that you worship not except Him. That is the correct religion, but most of the people do not know.
﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ خِطابٌ لَهُما ولِمَن كانَ عَلى دِينِهِما مِن أهْلِ مِصْرَ ﴿مِن دُونِهِ﴾ مِن دُونِ اللهِ ﴿إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ أيْ: سَمَّيْتُمْ ما لا يَسْتَحِقُّ الأُلُوهِيَّةَ آلِهَةً ثُمَّ طَفِقْتُمْ تَعْبُدُونَها فَكَأنَّكم لا تَعْبُدُونَ إلّا أسْماءً لا مُسَمَّياتِ لَها، ومَعْنى "سَمَّيْتُمُوها" سَمَّيْتُمْ بِها يُقالُ سَمَّيْتُهُ زَيْدًا (p-١١٢)وَسَمَّيْتُهُ بِزَيْدٍ ﴿ما أنْـزَلَ اللهُ بِها﴾ بِتَسْمِيَتِها ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ حُجَّةً ﴿إنِ الحُكْمُ﴾ في أمْرِ العِبادَةِ والدِينِ ﴿إلا لِلَّهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ ما حَكَمَ بِهِ فَقالَ ﴿أمَرَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ﴾
الثابِتُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقُوبَةَ تَلْزَمُ العَبْدَ وإنْ جَهِلَ إذا أمْكَنَ لَهُ العِلْمُ بِطَرِيقِهِ.
12:41Page 240
يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ ٤١
O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."
ثُمَّ عَبَّرَ الرُؤْيا فَقالَ ﴿يا صاحِبَيِ السِجْنِ أمّا أحَدُكُما﴾ يُرِيدُ الشَرابِيَّ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ سَيِّدَهُ ﴿خَمْرًا﴾ أيْ: يَعُودُ إلى عَمَلِهِ ﴿وَأمّا الآخَرُ﴾ أيِ الخَبّازُ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِلْأوَّلِ ما رَأيْتَ مِنَ الكَرْمَةِ وحُسْنِها هو المَلِكُ وحُسْنُ حالِكَ عِنْدَهُ وأمّا القُضْبانُ الثَلاثَةُ فَإنَّها ثَلاثَةُ أيّامٍ تَمْضِي في السِجْنِ ثُمَّ تَخْرُجُ وتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ، وقالَ لِلثّانِي ما رَأيْتَ مِنَ السِلالِ ثَلاثَةُ أيّامٍ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُقْتَلُ ولَمّا سَمِعَ الخَبّازُ صَلْبَهُ قالَ ما رَأيْتُ شَيْئًا فَقالَ يُوسُفُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ أيْ: قُطِعَ وتَمَّ ما تَسْتَفْتِيانِ فِيهِ مِن أمْرِكُما وشَأْنِكُما أيْ: ما يَجُرُّ إلَيْهِ مِنَ العاقِبَةِ وهي هَلاكُ أحَدِهِما ونَجاةُ الآخَرِ.
12:42Page 240
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ ٤٢
And he said to the one whom he knew would go free, "Mention me before your master." But Satan made him forget the mention [to] his master, and he [i.e., Joseph] remained in prison several years.
﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ الظانُّ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ إنْ كانَ تَأْوِيلُهُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهادِ وإنْ كانَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ فالظانُّ هو الشَرابِيُّ أوْ يَكُونُ الظَنُّ بِمَعْنى اليَقِينِ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ صِفْنِي عِنْدَ المَلِكِ بِصِفَتِي وقُصَّ عَلَيْهِ قِصَّتِي لَعَلَّهُ يَرْحَمُنِي ويُخَلِّصُنِي مِن هَذِهِ الوَرْطَةِ ﴿فَأنْساهُ الشَيْطانُ﴾ فَأنْسى الشَرابِيَّ ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أنْ يَذْكُرَهُ لِرَبِّهِ أوْ عِنْدَ رَبِّهِ أوْ فَأنْسى يُوسُفَ ذِكْرَ اللهِ حِينَ وكَلَ أمْرَهُ إلى غَيْرِهِ وفي الحَدِيثِ " «رَحِمَ اللهُ (p-١١٣)أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يُقِلِ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لَما لَبِثَ في السِجْنِ سَبْعًا" »﴿فَلَبِثَ في السِجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ أيْ: سَبْعًا عِنْدَ الجُمْهُورِ والبِضْعُ ما بَيْنَ الثَلاثِ إلى التِسْعِ.
12:43Page 240
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّيٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ ٤٣
And [subsequently] the king said, "Indeed, I have seen [in a dream] seven fat cows being eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry. O eminent ones, explain to me my vision, if you should interpret visions."
﴿وَقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ لَمّا دَنا فَرَجُ يُوسُفَ رَأى مَلِكُ مِصْرَ الرَيّانُ بْنُ الوَلِيدِ رُؤْيا عَجِيبَةً هالَتْهُ رَأى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ وسَبْعَ بَقَراتٍ عِجافٍ فابْتَلَعَتِ العِجافُ السِمانَ ورَأى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ قَدِ اسْتَحْصَدَتْ وأدْرَكَتْ فالتَوَتِ اليابِساتُ عَلى الخُضْرِ حَتّى غَلَبْنَ عَلَيْها فاسْتَعْبَرَها فَلَمْ يَجِدْ في قَوْمِهِ مَن يُحْسِنُ عِبارَتَها وقِيلَ كانَ ابْتِداءُ بَلاءِ يُوسُفَ في الرُؤْيا ثُمَّ كانَ سَبَبَ نَجاتِهِ أيْضًا الرُؤْيا. "سِمانٌ" جَمْعُ سَمِينٍ وسَمِينَةٍ، والعِجافُ:المَهازِيلُ والعَجَفُ الهُزالُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ سَمانَةٌ، والسَبَبُ في وُقُوعِ "عِجافٌ" جَمْعًا لِعَجْفاءَ - وأفْعَلُ وفَعْلاءُ لا يُجْمَعانِ عَلى فِعالٍ - حَمْلُهُ عَلى نَقِيضِهِ وهو "سِمانٌ" ومِن دَأْبِهِمْ حَمْلُ النَظِيرِ عَلى النَظِيرِ والنَقِيضُ عَلى النَقِيضِ، وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ السُنْبُلاتِ اليابِسَةَ كانَتْ سَبْعًا كالخُضْرِ، لِأنَّ الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى انْصِبابِهِ إلى هَذا العَدَدِ في البَقَراتِ السِمانِ والعِجافِ والسَنابِلِ الخُضْرِ فَوَجَبَ أنْ يَتَناوَلَ مَعْنى الأُخَرِ السَبْعُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ "وَأُخَرَ يابِساتٍ" بِمَعْنى وسَبْعًا أُخَرَ ﴿يا أيُّها المَلأُ﴾ كَأنَّهُ أرادَ الأعْيانَ مِنَ العُلَماءِ والحُكَماءِ ﴿أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ اللامُ في لِلرُّؤْيا لِلْبَيانِ كَقَوْلِهِ "وَكانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهِدِينَ" أوْ لِأنَّ المَفْعُولَ بِهِ إذا تَقَدَّمَ عَلى الفِعْلِ لَمْ يَكُنْ في قُوَّتِهِ عَلى العَمَلِ فِيهِ مِثْلَهُ إذا تَأخَّرَ عَنْهُ فَعُضِّدَ بِها، تَقُولُ: عَبَرْتُ الرُؤْيا ولِلرُّؤْيا عَبَرْتُ، أوْ يَكُونُ "لِلرُّؤْيا" خَبَرَ كانَ كَقَوْلِكَ: كانَ فُلانٌ لِهَذا الأمْرِ إذا كانَ مُسْتَقِلًّا بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، و"تَعْبُرُونَ" خَبَرٌ آخَرُ (p-١١٤)، أوْ حالٌ وحَقِيقَةُ عَبَّرْتُ الرُؤْيا ذَكَرْتُ عاقِبَتَها وآخِرَ أمْرِها كَما تَقُولُ عَبَرْتُ النَهْرَ إذا قَطَعْتَهُ حَتّى تَبْلُغَ آخِرَ عَرْضِهِ وهو عَبْرُهُ، ونَحْوُهُ أوَّلْتُ الرُؤْيا إذا ذَكَرْتَ مَآلَها وهو مَرْجِعُها وعَبَرَتِ الرُؤْيا بِالتَخْفِيفِ هو الَّذِي اعْتَمَدَهُ الأثْباتُ ورَأيْتُهم يُنْكِرُونَ عَبَّرْتُ بِالتَشْدِيدِ والتَعْبِيرَ والمُعَبِّرَ.
12:44Page 241
قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ ٤٤
They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."
﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ أيْ: هي "أضْغاثُ أحْلامٍ" أيْ: تَخالِيطُها وأباطِيلُها وما يَكُونُ مِنها مِن حَدِيثِ نَفْسٍ أوْ وسْوَسَةِ شَيْطانٍ وأصْلُ الأضْغاثِ ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَباتِ وحُزَمِ مِن أنْواعِ الحَشِيشِ، الواحِدُ: ضِغْثٌ، فاسْتُعِيرَتْ لِذَلِكَ والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، أيْ: أضْغاثٌ مِن أحْلامٍ وإنَّما جُمِعَ وهو حُلْمٌ واحِدٌ تَزايُدًا في وصْفِ الحُلْمِ بِالبُطْلانِ وجازَ أنْ يَكُونَ قَدْ قَصَّ عَلَيْهِمْ مَعَ هَذِهِ الرُؤْيا رُؤْيا غَيْرَها ﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ أرادُوا بِالأحْلامِ: المَناماتِ الباطِلَةَ فَقالُوا لَيْسَ لَها عِنْدَنا تَأْوِيلٌ إنَّما التَأْوِيلُ لِلْمَناماتِ الصَحِيحَةِ أوِ اعْتَرَفُوا بِقُصُورِ عِلْمِهِمْ وأنَّهم لَيْسُوا في تَأْوِيلِ الأحْلامِ بِخابِرِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences