An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
الرعد
Ar-Ra'd
The Thunder · Medinan · 43 ayahs
13:1Page 249
الٓمٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِۗ وَٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ١
Alif, Lām, Meem, Rā.1 These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.
(p-١٤١)سُورَةُ الرَعْدِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثٌ وأرْبَعُونَ آيَةً كُوفِيٌّ وخَمْسٌ وأرْبَعُونَ آيَةً شامِيٌّ
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿المر﴾ أنا اللهُ أعْلَمُ وأرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى آياتِ السُورَةِ ﴿آياتُ الكِتابِ﴾ أُرِيدَ بِالكِتابِ السُورَةُ أيْ: تِلْكَ الآياتُ آياتُ السُورَةِ الكامِلَةِ العَجِيبَةِ في بابِها ﴿والَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيِ القُرْآنُ كُلُّهُ ﴿الحَقُّ﴾ خَبَرُ " والَّذِي" ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَيَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ مُحَمَّدٌ.
13:2Page 249
ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ ٢
It is Allāh who erected the heavens without pillars that you [can] see; then He established Himself above the Throne1 and made subject2 the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. He arranges [each] matter; He details the signs that you may, of the meeting with your Lord, be certain.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوجِبُ الإيمانَ فَقالَ ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَماواتِ﴾ أيْ: خَلَقَها مَرْفُوعَةً لا أنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً فَرَفَعَها و"اللهُ" مُبْتَدَأ والخَبَرُ "الَّذِي رَفَعَ السَمَواتِ" ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ حالٌ وهو جَمْعُ عِمادٍ أوْ عَمُودٍ ﴿تَرَوْنَها﴾ الضَمِيرُ يَعُودُ إلى "السَمَواتِ" أيْ: تَرَوْنَها كَذَلِكَ فَلا حاجَةَ إلى البَيانِ أوْ إلى "عَمْدٍ" فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ"عَمَدٍ" أيْ: بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ اسْتَوْلى بِالِاقْتِدارِ ونُفُوذِ السُلْطانِ ﴿وَسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ﴾ لِمَنافِعِ عِبادِهِ ومَصالِحِ بِلادِهِ ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو انْقِضاءُ الدُنْيا ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أمْرَ مَلَكُوتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ ﴿يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ يُبَيِّنُ آياتِهِ في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ ﴿لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ لَعَلَّكم تُوقِنُونَ بِأنَّ هَذا المُدَبِّرَ والمُفَصِّلَ لا بُدَّ لَكم مِنَ الرُجُوعِ إلَيْهِ (p-١٤٢)
13:3Page 249
وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٣
And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ بَسَطَها ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ جِبالًا ثَوابِتَ ﴿وَأنْهارًا﴾ جارِيَةً ﴿وَمِن كُلِّ الثَمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أيِ الأسْوَدَ والأبْيَضَ والحُلْوَ والحامِضَ والصَغِيرَ والكَبِيرَ وما أشْبَهَ ذَلِكَ ﴿يُغْشِي اللَيْلَ النَهارَ﴾ يُلْبِسُهُ مَكانَهُ فَيَصِيرُ أسْوَدَ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ أبْيَضَ مُنِيرًا "يُغَشِّي" حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وأبُو بَكْرٍ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَيَعْلَمُونَ أنَّ لَها صانِعًا عَلِيمًا حَكِيمًا قادِرًا.
13:4Page 249
وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٤
And within the land are neighboring plots and gardens of grapevines and crops and palm trees, [growing] several from a root or otherwise,1 watered with one water; but We make some of them exceed others in [quality of] fruit. Indeed in that are signs for a people who reason.
﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ بِقاعٌ مُخْتَلِفَةٌ مَعَ كَوْنِها مُتَجاوِرَةً مُتَلاصِقَةً طَيِّبَةً إلى سَبْخَةٍ وكَرِيمَةً إلى زَهِيدَةٍ وصُلْبَةً إلى رِخْوَةٍ وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى قادِرٍ مُدَبِّرٍ مُرِيدٍ مُوقِعٍ لِأفْعالِهِ عَلى وجْهٍ دُونَ وجْهٍ ﴿وَجَنّاتٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى "قِطَعٌ" ﴿مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ بِالرَفْعِ:مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ وحَفْصٌ،عَطْفٌ عَلى "قِطَعٌ" غَيْرُهم بِالجَرِّ بِالعَطْفِ عَلى أعْنابٍ، والصِنْوانُ جَمْعٌ صِنْوٍ وهي النَخْلَةُ لَها رَأْسانِ وأصْلُها واحِدٌ، وعَنْ حَفْصٍ بِضَمِّ الصادِ وهُما لُغَتانِ ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ وبِالياءِ عاصِمٌ وشامِيٌّ ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ﴾ وبِالياءِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ ﴿فِي الأُكُلِ﴾ في الثَمَرِ،وَبِسُكُونِ الكافِ نافِعٌ ومَكِّيٌّ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ عَنِ الحَسَنِ: مَثَّلَ اخْتِلافَ القُلُوبِ في آثارِها وأنْوارِها وأسْرارِها بِاخْتِلافِ القِطَعِ في أنْهارِها وأزْهارِها وثِمارِها.
13:5Page 249
۞ وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٥
And if you are astonished,1 [O Muḥammad] - then astonishing is their saying, "When we are dust, will we indeed be [brought] into a new creation?" Those are the ones who have disbelieved in their Lord, and those will have shackles2 upon their necks, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
﴿وَإنْ تَعْجَبْ﴾ يا مُحَمَّدُ مِن قَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ (p-١٤٣)خَبَرٌ ومُبْتَدَأٌ أيْ: فَقَوْلُهم حَقِيقٌ بِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ، لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشاءِ ما عَدَّدَ عَلَيْكَ كانَتِ الإعادَةُ أهْوَنَ شَيْءٍ عَلَيْهِ وأيْسَرَهُ فَكانَ إنْكارُهم أُعْجُوبَةً مِنَ الأعاجِيبِ ﴿أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في مَحَلِّ الرَفْعِ بَدَلٌ مِن "قَوْلُهُمْ" قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ كُلُّ واحِدٍ بِهَمْزَتَيْنِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أُولَئِكَ الكافِرُونَ المُتَمادُونَ في كُفْرِهِمْ ﴿وَأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ وصْفٌ لَهم بِالإصْرارِ أوْ مِن جُمْلَةِ الوَعِيدِ ﴿وَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ دَلَّ تَكْرارُ أُولَئِكَ عَلى تَعْظِيمِ الأمْرِ.
13:6Page 250
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٦
They impatiently urge you to bring about evil before good,1 while there has already occurred before them similar punishments [to what they demand]. And indeed, your Lord is the possessor of forgiveness for the people despite their wrongdoing, and indeed, your Lord is severe in penalty.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ بِالنِقْمَةِ قَبْلَ العافِيَةِ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهم بِالعَذابِ اسْتِهْزاءً مِنهم بِإنْذارِهِ ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ أيْ: عُقُوباتُ أمْثالِهِمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ فَما لَهم لَمْ يَعْتَبِرُوا بِها فَلا يَسْتَهْزِءُوا، والمَثُلَةُ العُقُوبَةُ لِما بَيْنَ العِقابِ والمُعاقَبِ عَلَيْهِ مِنَ المُماثَلَةِ،
﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ أيْ: مَعَ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِالذُنُوبِ ومَحَلُّهُ الحالُ أيْ: ظالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ، قالَ السُدِّيُّ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ وهي أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللهِ حَيْثُ ذَكَرَ المَغْفِرَةَ مَعَ الظُلْمِ وهو بِدُونِ التَوْبَةِ فَإنَّ التَوْبَةَ تُزِيلُها وتَرْفَعُها ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ عَلى الكافِرِينَ أوْ هُما جَمِيعًا في المُؤْمِنِينَ لَكِنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالمَشِيئَةِ فِيهِما أيْ: يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ.
13:7Page 250
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦٓۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٞۖ وَلِكُلِّ قَوۡمٍ هَادٍ ٧
And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" You are only a warner, and for every people is a guide.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ لَمْ يَعْتَدُّوا بِالآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنادًا فاقْتَرَحُوا نَحْوَ آياتِ مُوسى وعِيسى مِنِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً وإحْياءِ المَوْتى فَقِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ إنَّما أنْتَ رَجُلٌ أُرْسِلْتَ مُنْذِرًا مُخَوِّفًا لَهم مِن سُوءِ العاقِبَةِ وناصِحًا كَغَيْرِكَ مِنَ الرُسُلِ (p-١٤٤)وَما عَلَيْكَ إلّا الإتْيانُ بِما يَصِحُّ بِهِ أنَّكَ رَسُولٌ مُنْذِرٌ وصِحَّةُ ذَلِكَ حاصِلَةٌ بِأيِّ آيَةٍ كانَتْ والآياتُ كُلُّها سَواءٌ في حُصُولِ صِحَّةِ الدَعْوى بِها ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ مِنَ الأنْبِياءِ يَهْدِيهِمْ إلى الدِينِ ويَدْعُوهم إلى اللهِ بِآيَةٍ خُصَّ بِها لا بِما يُرِيدُونَ ويَتَحَكَّمُون.
13:8Page 250
ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ ٨
Allāh knows what every female carries1 and what the wombs lose [prematurely] or exceed.2 And everything with Him is by due measure.
﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ ما في هَذِهِ المَواضِعِ الثَلاثَةِ مَوْصُولَةٌ أيْ: يَعْلَمُ ما تَحْمِلُهُ مِنَ الوَلَدِ عَلى أيِّ حالٍ هو مِن ذُكُورَةٍ وأُنُوثَةٍ وتَمامٍ وخَداجٍ وحُسْنٍ وقُبْحٍ وطُولٍ وقِصَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ وما تَغِيضُهُ الأرْحامُ أيْ: ويَعْلَمُ ما تَنْقُصُهُ، يُقالُ: غاضَ الماءُ وغِضْتُهُ أنا وما تَزْدادُهُ، والمُرادُ عَدَدُ الوَلَدِ فَإنَّها تَشْتَمِلُ عَلى واحِدٍ واثْنَيْنِ وثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ أوْ جَسَدُ الوَلَدِ فَإنَّهُ يَكُونُ تامًّا ومُخْدَجًا أوْ مُدَّةُ الوِلادَةِ فَإنَّها تَكُونُ أقَلَّ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ وأزْيَدَ عَلَيْها إلى سَنَتَيْنِ عِنْدَنا وإلى أرْبَعٍ عِنْدَ الشافِعِيِّ وإلى خَمْسٍ عِنْدَ مالِكٍ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ يَعْلَمُ حَمْلَ كُلِّ أنْثى ويَعْلَمُ غَيْضَ الأرْحامِ وازْدِيادَها ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ بِقَدْرٍ وحَدٍّ لا يُجاوِزُهُ ولا يَنْقُصُ عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]
13:9Page 250
عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ ٩
[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.
﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ ما غابَ عَنِ الخَلْقِ ﴿والشَهادَةِ﴾ ما شاهَدُوهُ ﴿الكَبِيرُ﴾ العَظِيمُ الشَأْنِ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ دُونَهُ ﴿المُتَعالِ﴾ المُسْتَعْلِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ أوِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ وتَعالى عَنْها، وبِالياءِ في الحالَيْنِ مَكِّيٌّ.
13:10Page 250
سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ ١٠
It is the same [to Him] concerning you whether one conceals [his] speech or publicizes it and whether one is hidden by night or conspicuous [among others] by day.
﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ أيْ: في عِلْمِهِ ﴿وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَيْلِ﴾ مُتَوارٍ ﴿وَسارِبٌ بِالنَهارِ﴾ ذاهِبٌ في سِرْبِهِ أيْ: في طَرِيقِهِ (p-١٤٥)وَوَجْهِهِ يُقالُ سَرَبَ في الأرْضِ سُرُوبًا، "وَسارِبٌ" عَطْفٌ عَلى "مَن هو مُسْتَخْفٍ" لا عَلى "مُسْتَخْفٍ" أوْ عَلى "مُسْتَخْفٍ" غَيْرَ أنَّ "مَن" في مَعْنى الِاثْنَيْنِ.
13:11Page 250
لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ١١
For him [i.e., each one] are successive [angels]1 before and behind him who protect him by the decree of Allāh.2 Indeed, Allāh will not change the condition of a people until they change what is in themselves. And when Allāh intends for a people ill,3 there is no repelling it. And there is not for them besides Him any patron.
والضَمِيرُ في ﴿لَهُ﴾ مَرْدُودٌ عَلى "مَن" كَأنَّهُ قِيلَ لِمَن أسَرَّ ومَن جَهَرَ ومَنِ اسْتَخْفى ومَن سَرَبَ ﴿مُعَقِّباتٌ﴾ جَماعاتٌ مِنَ المَلائِكَةِ تَعْتَقِبُ في حِفْظِهِ والأصْلُ مُعْتَقِباتٌ فَأُدْغِمَتِ التاءُ في القافِ أوْ هو مُفْعِلاتٌ مِن عَقِبَهُ إذا جاءَ عَلى عَقِبِهِ لِأنَّ بَعْضَهم يَعْقُبُ بَعْضًا أوْ لِأنَّهم يَعْقُبُونَ ما يُتَكَلَّمُ بِهِ فَيَكْتُبُونَهُ ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ أيْ: قُدّامَهُ ووَراءَهُ ﴿يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللهِ﴾ هُما صِفَتانِ جَمِيعًا ولَيْسَ مِن أمْرِ اللهِ بِصِلَةٍ لِلْحِفْظِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن أمْرِ اللهِ أوْ يَحْفَظُونَهُ مِن أجْلِ أمْرِ اللهِ أيْ: مِن أجْلِ أنَّ اللهَ تَعالى أمَرَهم بِحِفْظِهِ أوْ يَحْفَظُونَهُ مِن بَأْسِ اللهِ ونِقْمَتِهِ إذا أذْنَبَ بِدُعائِهِمْ لَهُ ﴿إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ مِنَ العافِيَةِ والنِعْمَةِ ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الحالِ الجَمِيلَةِ بِكَثْرَةِ المَعاصِي ﴿وَإذا أرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ عَذابًا ﴿فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ فَلا يَدْفَعُهُ شَيْءٌ ﴿وَما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ مِن دُونِ اللهِ مِمَّنْ يَلِي أمْرَهم ويَدْفَعُ عَنْهُمْ.
13:12Page 250
هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ١٢
It is He who shows you lightning, [causing] fear and aspiration, and generates the heavy clouds.
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ انْتَصَبا عَلى الحالِ مِنَ "البَرْقِ" كَأنَّهُ في نَفْسِهِ خَوْفٌ وطَمَعٌ،أوْ عَلى ذا خَوْفٍ وذا طَمَعٍ أوْ مِنَ المُخاطَبِينَ أيْ: خائِفِينَ وطامِعِينَ والمَعْنى يَخافُ مِن وُقُوعِ الصَواعِقِ عِنْدَ لَمْعِ البَرْقِ ويَطْمَعُ في الغَيْثِ قالَ أبُو الطِيبِ
؎ فَتًى كالسَحابِ الجُونِ يُخْشى ويُرْتَجى يُرَجّى الحَيا مِنهُ وتُخْشى الصَواعِقُ
(p-١٤٦)أوْ يَخافُ المَطَرَ مَن لَهُ فِيهِ ضَرَرٌ كالمُسافِرِ ومَن لَهُ بَيْتٌ يَكِفُ، ومِنَ البِلادِ ما لا يَنْتَفِعُ أهْلُهُ بِالمَطَرِ كَأهْلِ مِصْرَ ويَطْمَعُ فِيهِ مَن لَهُ نَفْعٌ فِيهِ ﴿وَيُنْشِئُ السَحابَ﴾ هو اسْمُ جِنْسٍ والواحِدَةُ سَحابَةٌ ﴿الثِقالَ﴾ بِالماءِ وهو جَمْعُ ثَقِيلَةٍ تَقُولُ سَحابَةٌ ثَقِيلَةٌ وسَحابٌ ثِقالٌ.
13:13Page 250
وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ ١٣
And the thunder exalts [Allāh] with praise of Him - and the angels [as well] from fear of Him - and He sends thunderbolts and strikes therewith whom He wills while they dispute about Allāh; and He is severe in assault.
﴿وَيُسَبِّحُ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ قِيلَ يُسَبِّحُ سامِعُو الرَعْدِ مِنَ العِبادِ الراجِينَ لِلْمَطَرِ أيْ: يَصِيحُونَ بِسُبْحانَ اللهِ والحَمْدُ لِلَّهِ، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ:" «الرَعْدُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالسَحابِ مَعَهُ مَخارِيقُ مِن نارٍ يَسُوقُ بِها السَحابَ والصَوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ زَجْرُهُ السَحابَ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى حَيْثُ أُمِرَ" »﴿والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ ويُسَبِّحُ المَلائِكَةُ مِن هَيْبَتِهِ وإجْلالِهِ ﴿وَيُرْسِلُ الصَواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ﴾ الصاعِقَةُ: نارٌ تَسْقُطُ مِنَ السَماءِ، لَمّا ذَكَرَ عِلْمَهُ النافِذَ في كُلِّ شَيْءٍ واسْتِواءَ الظاهِرِ والخَفِيِّ عِنْدَهُ وما دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ ووَحْدانِيَّتِهِ قالَ ﴿وَهم يُجادِلُونَ في اللهِ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ كَذَّبُوا رَسُولَ اللهِ صَلّى الهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُجادِلُونَ في اللهِ حَيْثُ يُنْكِرُونَ عَلى رَسُولِهِ ما يَصِفُهُ بِهِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ وإعادَةِ الخَلائِقِ بِقَوْلِهِمْ "مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ" ويَرُدُّونَ الوَحْدانِيَّةَ بِاتِّخاذِ الشُرَكاءِ ويَجْعَلُونَهُ بَعْضَ الأجْسامِ بِقَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتٌ اللهِ، أوِ الواوُ لِلْحالِ أيْ: فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ في حالِ جِدالِهِمْ وذَلِكَ: أنَّ أرْبَدَ (أخا لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ العامِرِيِّ) قالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ - حِينَ وفَدَ عَلَيْهِ مَعَ عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ قاصِدَيْنِ قَتْلَهُ فَرَمى اللهُ عامِرًا بِغُدَّةٍ كَغُدَّةِ البَعِيرِ ومَوْتٍ في بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ، وأرْسَلَ عَلى أرْبَدَ صاعِقَةً فَقَتَلَهُ- أخْبِرْنِي عَنْ رَبِّنا أمِن نُحاسٍ هو (p-١٤٧)أمْ مِن حَدِيدٍ؟ ﴿وَهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ أيِ المُماحَلَةِ وهي شِدَّةُ المُماكَرَةِ والمُكايَدَةِ ومِنهُ تَمَحَّلَ لِكَذا إذا تَكَلَّفَ لِاسْتِعْمالِ الحِيلَةِ واجْتَهَدَ فِيهِ ومَحَلَ بِفُلانٍ: إذا كادَهُ وسَعى بِهِ إلى السُلْطانِ، والمَعْنى أنَّهُ شَدِيدُ المَكْرِ والكَيْدِ لِأعْدائِهِ يَأْتِيهِمْ بِالهَلَكَةِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ.
13:14Page 251
لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ١٤
To Him [alone] is the supplication of truth. And those they call upon besides Him do not respond to them with a thing, except as one who stretches his hands toward water [from afar, calling it] to reach his mouth, but it will not reach it [thus].1 And the supplication of the disbelievers is not but in error [i.e., futility].
﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ أُضِيفَتْ إلى الحَقِّ الَّذِي هو ضِدُّ الباطِلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الدَعْوَةَ مُلابِسَةٌ لِلْحَقِّ وأنَّها بِمَعْزِلٍ مِنَ الباطِلِ والمَعْنى أنَّ اللهَ سُبْحانَهُ يُدْعى فَيَسْتَجِيبُ الدَعْوَةَ ويُعْطِي الداعِي سُؤْلَهُ فَكانَتْ دَعْوَةً مُلابِسَةً لِلْحَقِّ لِكَوْنِهِ حَقِيقًا بِأنَّهُ يُوَجَّهُ إلَيْهِ الدُعاءُ لِما في دَعْوَتِهِ مِنَ الجَدْوى والنَفْعِ بِخِلافِ ما لا يَنْفَعُ ولا يُجْدِي دُعاؤُهُ، واتِّصالُ "شَدِيدُ المِحالِ" و "لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ" بِما قَبْلَهُ عَلى قِصَّةِ أرْبَدَ ظاهِرٌ، لِأنَّ إصابَتَهُ بِالصاعِقَةِ مِحالٌ مِنَ اللهِ ومَكْرٌ بِهِ مِن حَيْثُ لَمْ يَشْعُرْ وقَدْ دَعا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ وعَلى صاحِبِهِ بِقَوْلِهِ: اللهُمَّ اخْسِفْهُما بِما شِئْتَ، فَأُجِيبَ فِيهِما فَكانَتِ الدَعْوَةُ دَعْوَةَ حَقٍّ وعَلى الأوَّلِ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ عَلى مُجادَلَتِهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِحُلُولِ مِحالِهِ بِهِمْ وإجابَةِ دَعْوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهِمْ إنْ دَعا عَلَيْهِمْ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ مِن دُونِ اللهِ ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ﴾ مِن طَلَباتِهِمْ ﴿إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَصْدَرِ أيْ: مِنَ الِاسْتِجابَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها لا يَسْتَجِيبُونَ، لِأنَّ الفِعْلَ بِحُرُوفِهِ يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ وبِصِيغَتِهِ عَلى الزَمانِ وبِالضَرُورَةِ عَلى المَكانِ والحالِ فَجازَ اسْتِثْناءُ كُلٍّ مِنها مِنَ الفِعْلِ فَصارَ التَقْدِيرُ لا يَسْتَجِيبُونَ اسْتِجابَةً إلّا اسْتِجابَةً كاسْتِجابَةِ باسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ أيْ: كاسْتِجابَةِ الماءِ لِمَن بَسَطَ كَفَّيْهِ إلَيْهِ يَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَبْلُغَ فاهُ، والماءُ جَمادٌ لا يَشْعُرُ بِبَسْطِ كَفَّيْهِ ولا بِعَطَشِهِ وحاجَتِهِ إلَيْهِ ولا يَقْدِرُ أنْ (p-١٤٨)يُجِيبَ دُعاءَهُ ويَبْلُغَ فاهُ وكَذَلِكَ ما يَدْعُونَهُ جَمادٌ لا يُحِسُّ بِدُعائِهِمْ ولا يَسْتَطِيعُ إجابَتَهم ولا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِهِمْ واللامُ في لِيَبْلُغَ مُتَعَلِّقٌ بِ"باسِطِ كَفَّيْهِ" ﴿وَما هو بِبالِغِهِ﴾ وما الماءُ بِبالِغٍ فاهٍ ﴿وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ في ضَياعٍ لا مَنفَعَةَ فِيهِ، لِأنَّهم إنْ دَعَوُا اللهَ لَمْ يُجِبْهم وإنْ دَعَوُا الأصْنامَ لَمْ تَسْتَطِعْ إجابَتَهُمْ.
13:15Page 251
وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ۩ ١٥
And to Allāh prostrates whoever is within the heavens and the earth, willingly or by compulsion, and their shadows [as well] in the mornings and the afternoons.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ سُجُودَ تَعَبُّدٍ وانْقِيادٍ ﴿طَوْعًا﴾ حالٌ يَعْنِي المَلائِكَةَ والمُؤْمِنِينَ ﴿وَكَرْهًا﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في حالِ الشِدَّةِ والضِيقِ ﴿وَظِلالُهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى "مَن" جَمْعُ ظِلٍّ ﴿بِالغُدُوِّ﴾ جَمْعُ غَداةٍ كَقُنِيٍّ وقَناةٍ ﴿والآصالِ﴾ جَمْعُ أُصُلٍ جَمْعُ أصِيلٍ، قِيلَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ بِالغُدُوِّ والآصالِ وظِلُّ الكافِرِ يَسْجُدُ كَرْهًا وهو كارِهٌ وظِلُّ المُؤْمِنِ يَسْجُدُ طَوْعًا وهو طائِعٌ.
13:16Page 251
قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ ١٦
Say, "Who is Lord of the heavens and earth?" Say, "Allāh." Say, "Have you then taken besides Him allies not possessing [even] for themselves any benefit or any harm?" Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Or is darkness equivalent to light? Or have they attributed to Allāh partners who created like His creation so that the creation [of each] seemed similar to them?"1 Say, "Allāh is the Creator of all things, and He is the One, the Prevailing."2
﴿قُلْ مَن رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ قُلِ اللهُ﴾ حِكايَةٌ لِاعْتِرافِهِمْ، لِأنَّهُ إذا قالَ لَهم مَن رَبُّ السَمَواتِ والأرْضِ لَمْ يَكُنْ لَهم بُدٌّ مِن أنْ يَقُولُوا اللهُ دَلِيلُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ: " قالُوا اللهُ" أوْ هو تَلْقِينٌ أيْ: فَإنْ لَمْ يُجِيبُوا فَلَقِّنْهم فَإنَّهُ لا جَوابَ إلّا هَذا ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ أبَعْدَ أنْ عَلِمْتُمُوهُ رَبَّ السَمَواتِ والأرْضِ اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ آلِهَةً؟ ﴿لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ لا يَسْتَطِيعُونَ لِأنْفُسِهِمْ أنْ يَنْفَعُوها أوْ يَدْفَعُوا ضَرَرًا عَنْها فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَهُ لِغَيْرِهِمْ وقَدْ آثَرْتُمُوهم عَلى الخالِقِ الرازِقِ المُثِيبِ المُعاقِبِ فَما أبْيَنَ ضَلالَتَكُمْ! ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ أيِ الكافِرُ والمُؤْمِنُ أوْ مَن يُبْصِرُ شَيْئًا ومَن لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُلُماتُ والنُورُ﴾ مِلَلُ الكُفْرِ والإيمانِ "يَسْتَوِي" كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ بَلْ أجَعَلُوا ومَعْنى الهَمْزَةِ الإنْكارُ ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ خَلَقُوا مِثْلَ خَلْقِهِ وهو صِفَةٌ لِشُرَكاءَ أيْ: أنَّهم لَمْ يَتَّخِذُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خالِقِينَ قَدْ خَلَقُوا مِثْلَ خَلْقِ اللهِ ﴿فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ فاشْتَبَهَ (p-١٤٩)عَلَيْهِمْ مَخْلُوقُ اللهِ بِمَخْلُوقِ الشُرَكاءِ حَتّى يَقُولُوا قَدَرَ هَؤُلاءِ عَلى الخَلْقِ كَما قَدَرَ اللهُ عَلَيْهِ فاسْتَحَقُّوا العِبادَةَ فَنَتَّخِذُهم لَهُ شُرَكاءَ ونَعْبُدُهم كَما يُعْبَدُ ولَكِنَّهُمُ اتَّخَذُوا لَهُ شُرَكاءَ عاجِزِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الخَلْقُ فَضْلًا أنْ يَقْدِرُوا عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الخالِقُ ﴿قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: خالِقُ الأجْسامِ والأعْراضِ لا خالِقَ غَيْرُ اللهِ ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في الخَلْقِ فَلا يَكُونُ لَهُ شَرِيكٌ في العِبادَةِ ومَن قالَ إنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ أفْعالَ الخَلْقِ وهم خَلَقُوها فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿وَهُوَ الواحِدُ﴾ المُتَوَحِّدُ بِالرُبُوبِيَّةِ ﴿القَهّارُ﴾ لا يُغالَبُ وما عَداهُ مَرْبُوبٌ ومَقْهُورٌ.
13:17Page 251
أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ ١٧
He sends down from the sky, rain, and valleys flow according to their capacity, and the torrent carries a rising foam. And from that [ore] which they heat in the fire, desiring adornments and utensils, is a foam like it. Thus Allāh presents [the example of] truth and falsehood. As for the foam, it vanishes, [being] cast off; but as for that which benefits the people, it remains on the earth. Thus does Allāh present examples.
﴿أُنْـزِلَ﴾ [الرعد: ٧] أيِ الواحِدُ القَهّارُ وهو اللهُ سُبْحانَهُ ﴿مِنَ السَماءِ﴾ مِنَ السَحابِ ﴿ماءً﴾ مَطَرًا ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ جَمْعُ وادٍ وهو المَوْضِعُ الَّذِي يَسِيلُ فِيهِ الماءُ بِكَثْرَةٍ وإنَّما نُكِّرَ، لِأنَّ المَطَرَ لا يَأْتِي إلّا عَلى طَرِيقِ المُناوَبَةِ بَيْنَ البِقاعِ فَيَسِيلُ بَعْضٌ ﴿بِقَدَرِها﴾ بِمِقْدارِها الَّذِي عَلِمَ اللهُ أنَّهُ نافِعٌ لِلْمَمْطُورِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ ضارٍّ ﴿فاحْتَمَلَ السَيْلُ﴾ أيْ: رَفَعَ ﴿زَبَدًا﴾ هو ما عَلا وجْهَ الماءِ مِنَ الرِغْوَةِ، والمَعْنى عَلاهُ زَبَدٌ ﴿رابِيًا﴾ مُنْتَفِخًا مُرْتَفِعًا عَلى وجْهِ السَيْلِ ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ﴾ وبِالياءِ كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: ومِنهُ يَنْشَأُ زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ أيْ: وبَعْضُهُ زَبَدٌ ﴿فِي النارِ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "عَلَيْهِ" أيْ: ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ ثابِتًا في النارِ ﴿ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ مُبْتَغِينَ حِلْيَةً فَهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن "تُوقِدُونَ" ﴿أوْ مَتاعٍ﴾ مِنَ الحَدِيدِ والنُحاسِ والرَصاصِ يُتَّخَذُ مِنها الأوانِي وما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الحَضَرِ والسَفَرِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى حِلْيَةٍ أيْ: زِينَةٌ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ ﴿زَبَدٌ﴾ خَبَثٌ وهو مُبْتَدَأٌ ﴿مِثْلُهُ﴾ نَعْتٌ لَهُ "وَمِمّا تُوقِدُونَ" (p-١٥٠)خَبَرٌ لَهُ أيْ: لِهَذِهِ الفِلِزّاتِ إذا أُغْلِيَتْ زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ أيْ: مِثْلَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿فَأمّا الزَبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ حالٌ أيْ: مُتَلاشِيًا وهو ما تَقْذِفُهُ القِدْرُ عِنْدَ الغَلَيانِ والبَحْرُ عِنْدَ الطُغْيانِ، والجَفْءُ: الرَمْيُ، وجَفَأْتُ الرَجُلَ: صَرَعْتَهُ ﴿وَأمّا ما يَنْفَعُ الناسَ﴾ مِنَ الماءِ والحُلِيِّ والأوانِي ﴿فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ فَيَثْبُتُ الماءُ في العُيُونِ والآبارِ والحُبُوبِ والثِمارِ وكَذَلِكَ الجَواهِرُ تَبْقى في الأرْضِ مُدَّةً طَوِيلَةً ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ﴾ لِيَظْهَرَ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ
وَقِيلَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلْحَقِّ وأهْلِهِ والباطِلِ وحِزْبِهِ فَمَثَّلَ الحَقَّ وأهْلَهُ بِالماءِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ فَتَسِيلُ بِهِ أوْدِيَةُ الناسِ فَيَحْيَوْنَ بِهِ ويَنْفَعُهم بِأنْواعِ المَنافِعِ وبِالفِلِزِّ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ في صَوْغِ الحُلِيِّ مِنهُ واتِّخاذِ الأوانِي والآلاتِ المُخْتَلِفاتِ وذَلِكَ ماكِثٌ في الأرْضِ باقٍ بَقاءً ظاهِرًا يَثْبُتُ الماءُ في مَنافِعِهِ وكَذَلِكَ الجَواهِرُ تَبْقى أزْمِنَةً مُتَطاوِلَةً،وَشَبَّهَ الباطِلَ في سُرْعَةِ اضْمِحْلالِهِ ووَشْكِ زَوالِهِ بِزَبَدِ السَيْلِ الَّذِي يَرْمِي بِهِ وبِزَبَدِ الفِلِزِّ الَّذِي يَطْفُو فَوْقَهُ إذا أُذِيبَ. قالَ الجُمْهُورُ: وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ تَعالى لِلْقُرْآنِ والقُلُوبِ والحَقِّ والباطِلِ فالماءُ القُرْآنُ نَزَلَ لِحَياةِ الجِنانِ كالماءِ لَلْأبْدانِ والأوْدِيَةِ لِلْقُلُوبِ ومَعْنى بِقَدَرِها بِقَدْرِ سَعَةِ القَلْبِ وضِيقِهِ والزَبَدُ هَواجِسُ النَفْسِ ووَساوِسُ الشَيْطانِ والماءُ الصافِي المُنْتَفَعِ بِهِ مِثْلُ الحَقِّ فَكَما يَذْهَبُ الزَبَدُ باطِلًا ويَبْقى صَفْوُ الماءِ كَذَلِكَ تَذْهَبُ هَواجِسُ النَفْسِ ووَساوِسُ الشَيْطانِ ويَبْقى الحَقُّ كَما هو وأمّا حِلْيَةُ الذَهَبِ والفِضَّةِ فَمَثَلٌ لِلْأحْوالِ السَنِيَّةِ والأخْلاقِ الزَكِيَّةِ وأمّا مَتاعُ الحَدِيدِ والنُحاسِ والرَصاصِ فَمَثَلٌ لِلْأعْمالِ المُمَدَّةِ بِالإخْلاصِ المُعَدَّةِ لِلْخَلاصِ فَإنَّ الأعْمالَ جالِبَةٌ لِلثَّوابِ دافِعَةٌ لِلْعِقابِ كَما أنَّ تِلْكَ الجَواهِرَ بَعْضُها أداةُ النَفْعِ لِلْكَسْبِ وبَعْضُها آلَةُ الدَفْعِ في الحَرْبِ وأمّا الزَبَدُ فالرِياءُ والخَلَلُ والمَلَلُ والكَسَلُ.
13:18Page 251
لِلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُۥ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡحِسَابِ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٨
For those who have responded to their Lord is the best [reward], but those who did not respond to Him - if they had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby. Those will have the worst account, and their refuge is Hell, and wretched is the resting place.
واللامُ في ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ أيْ: أجابُوا مُتَعَلِّقَةٌ بِيَضْرِبُ،أيْ (p-١٥١)"كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ" لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴿لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ هي صِفَةٌ لِمَصْدَرِ اسْتَجابُوا أيِ اسْتَجابُوا الِاسْتِجابَةَ الحُسْنى ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ أيْ ولِلْكافِرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا أيْ: هُما مَثَلا الفَرِيقَيْنِ وقَوْلُهُ ﴿لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ في ذِكْرِ ما أعَدَّ لِغَيْرِ المُسْتَجِيبِينَ أيْ: لَوْ مَلَكُوا أمْوالَ الدُنْيا ومَلَكُوا مَعَها مِثْلَها لَبَذَلُوهُ لِيَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ عَذابَ اللهِ والوَجْهُ:أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عَلى "الأمْثالَ" وما بَعْدَهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، و"الحُسْنى" مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ" لِلَّذِينِ اسْتَجابُوا" والمَعْنى لَهُمُ المَثُوبَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ "والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا" مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ "لَوْ" مَعَ ما في حَيِّزِهِ ﴿أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾
المُناقَشَةُ فِيهِ، في الحَدِيثِ «:" مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ" »﴿وَمَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ ومَرْجِعُهم بَعْدَ المُحاسَبَةِ النارُ ﴿وَبِئْسَ المِهادُ﴾ المَكانُ المُمَهَّدُ، والمَذْمُومُ مَحْذُوفٌ أيْ: جَهَنَّمُ.
13:19Page 252
۞ أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩
Then is he who knows that what has been revealed to you from your Lord is the truth like one who is blind? They will only be reminded who are people of understanding -
دَخَلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الفاءِ في ﴿أفَمَن يَعْلَمُ﴾ لِإنْكارِ أنْ تَقَعَ شُبْهَةٌ ما بَعْدَ ما ضَرَبَ مِنَ المَثَلِ في أنَّ حالَ مَن عَلِمَ ﴿أنَّما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ فاسْتَجابَ بِمَعْزِلٍ مِن حالِ الجاهِلِ الَّذِي لَمْ يَسْتَبْصِرْ فَيَسْتَجِيبَ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ كَبُعْدِ ما بَيْنَ الزَبَدِ والماءِ والخَبَثِ والإبْرِيزِ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ أيِ الَّذِينَ عَمِلُوا عَلى قَضايا عُقُولِهِمْ فَنَظَرُوا واسْتَبْصَرُوا.
13:20Page 252
ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ ٢٠
Those who fulfill the covenant of Allāh and do not break the contract,
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ﴾ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ "أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدارِ" كَقَوْلِهِ "والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَعْنَةُ" وقِيلَ هو صِفَةٌ "لِأُولِي الألْبابِ " والأوَّلُ أوْجَهُ وعَهْدُ اللهِ ما عَقَدُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الشَهادَةِ بِرُبُوبِيَّتِهِ "وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُواْ بَلى" (p-١٥٢)﴿وَلا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ما أوْثَقُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ وقَبِلُوهُ مِنَ الإيمانِ بِاللهِ وغَيْرِهِ مِنَ المَواثِيقِ بَيْنَهم وبَيْنَ اللهِ وبَيْنَ العِبادِ، تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ.
13:21Page 252
وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ ٢١
And those who join that which Allāh has ordered to be joined1 and fear their Lord and are afraid of the evil of [their] account,
﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ مِنَ الأرْحامِ والقَراباتِ ويَدْخُلُ فِيهِ وصْلُ قَرابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وقَرابَةِ المُؤْمِنِينَ الثابِتَةِ بِسَبَبِ الإيمانِ "إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ" بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ عَلى حَسَبِ الطاقَةِ ونُصْرَتِهِمْ والذَبِّ عَنْهم والشَفَقَةِ عَلَيْهِمْ وإفْشاءِ السَلامِ عَلَيْهِمْ وعِيادَةِ مَرْضاهم ومِنهُ مُراعاةُ حَقِّ الأصْحابِ والخَدَمِ والجِيرانِ والرُفَقاءِ في السَفَرِ ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أيْ: وعِيدَهُ كُلَّهُ ﴿وَيَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ خُصُوصًا فَيُحاسِبُونَ أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا.
13:22Page 252
وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٢
And those who are patient, seeking the face [i.e., acceptance] of their Lord, and establish prayer and spend from what We have provided for them secretly and publicly and prevent evil with good - those will have the good consequence of [this] home1 -
﴿والَّذِينَ صَبَرُوا﴾ مُطْلَقٌ فِيما يَصْبِرُ عَلَيْهِ مِنَ المَصائِبِ في النُفُوسِ والأمْوالِ ومَشاقِّ التَكالِيفِ ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] لا لِيُقالَ ما أصْبَرَهُ وأحْمَلَهُ لِلنَّوازِلِ وأوْقَرَهُ عِنْدَ الزَلازِلِ! ولا لِئَلّا يُعابَ في الجَزَعِ ﴿وَأقامُوا الصَلاةَ﴾ داوَمُوا عَلى إقامَتِها ﴿وَأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الحَلالِ وإنْ كانَ الحَرامُ رِزْقًا عِنْدَنا ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ يَتَناوَلُ النَوافِلَ، لِأنَّها في السِرِّ أفْضَلُ والفَرائِضَ لِأنَّ المُجاهَرَةَ بِها أفْضَلُ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَيِّئَةَ﴾ ويَدْفَعُونَ بِالحَسَنِ مِنَ الكَلامِ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن سَيِّئِ غَيْرِهِمْ وإذا حُرِمُوا أعْطَوْا وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا وإذا قُطِعُوا وصَلُوا وإذا أذْنَبُوا تابُوا وإذا هَرَبُوا أنابُوا وإذا رَأوْا مُنْكَرًا أمَرُوا بِتَغْيِيرِهِ فَهَذِهِ ثَمانِيَةُ أعْمالٍ تُشِيرُ إلى ثَمانِيَةِ أبْوابِ الجَنَّةِ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدارِ﴾ عاقِبَةُ الدُنْيا وهي الجَنَّةُ لِأنَّها الَّتِي أرادَها اللهُ أنْ تَكُونَ عاقِبَةَ الدُنْيا ومَرْجِعَ أهْلِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences