An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:23–43
13:23Page 252
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ ٢٣
Gardens of perpetual residence; they will enter them with whoever were righteous among their forefathers, their spouses and their descendants. And the angels will enter upon them from every gate, [saying],
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِن "عُقْبى الدارِ" ﴿يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ﴾ أيْ: آمَنَ ﴿مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ وقُرِئَ "صَلُحَ" والفَتْحُ أفْصَحُ، و"مَن" في مَحَلِّ (p-١٥٣)الرَفْعِ بِالعَطْفِ عَلى الضَمِيرِ في يَدْخُلُونَها وساغَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُؤَكَّدْ، لِأنَّ الضَمِيرَ المَفْعُولَ صارَ فاصِلًا وأجازَ الزَجّاجُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ ووَصَفَهم بِالصَلاحِ لِيُعْلَمَ أنَّ الأنْسابَ لا تَنْفَعُ بِنَفْسِها والمُرادُ أبُو كُلِّ واحِدٍ مِنهم فَكَأنَّهُ قِيلِ: مِن آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ في قَدْرِ كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِالهَدايا وبِشاراتِ الرِضا.
13:24Page 252
سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٤
"Peace [i.e., security] be upon you for what you patiently endured." And excellent is the final home.
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ إذِ المَعْنى قائِلِينَ سَلامٌ عَلَيْكم أوْ مُسَلِّمِينَ ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ:هَذا بِما صَبَرْتُمْ أيْ: هَذا الثَوابُ بِسَبَبِ صَبْرِكم عَنِ الشَهَواتِ أوْ عَلى أمْرِ اللهِ أوْ بِسَلامٍ أيْ: نُسَلِّمُ عَلَيْكم ونُكْرِمُكم بِصَبْرِكم،والأوَّلُ أوْجَهُ ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدارِ﴾ الجَنّاتُ.
13:25Page 252
وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٢٥
But those who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and spread corruption on earth - for them is the curse, and they will have the worst home.1
﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ مِن بَعْدِ ما أوْثَقُوهُ بِهِ مِنَ الِاعْتِرافِ والقَبُولِ ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ بِالكُفْرِ والظُلْمِ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَعْنَةُ﴾ الإبْعادُ مِنَ الرَحْمَةِ ﴿وَلَهم سُوءُ الدارِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ سُوءُ عاقِبَةِ الدُنْيا، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ عُقْبى الدارِ وأنْ يُرادَ بِالدارِ جَهَنَّمُ وبِسُوئِها عَذابُها.
13:26Page 252
ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ ٢٦
Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]. And they rejoice in the worldly life, while the worldly life is not, compared to the Hereafter, except [brief] enjoyment.
﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ أيْ: ويُضَيِّقُ لِمَن يَشاءُ والمَعْنى اللهُ وحْدَهُ هو يَبْسُطُ الرِزْقَ ويَقْدِرُ دُونَ غَيْرِهِ ﴿وَفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُنْيا﴾ بِما بَسَطَ لَهم مِنَ الدُنْيا فَرَحَ بَطَرٍ وأشَرٍ لا فَرَحَ سُرُورٍ بِفَضْلِ اللهِ وإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُقابِلُوهُ بِالشُكْرِ حَتّى يُؤْجَرُوا بِنَعِيمِ الآخِرَةِ ﴿وَما الحَياةُ الدُنْيا في الآخِرَةِ إلا مَتاعٌ﴾ وخَفِيَ عَلَيْهِمْ أنَّ نَعِيمَ الدُنْيا في جَنْبِ نَعِيمِ الآخِرَةِ لَيْسَ إلّا شَيْئًا نَزْرًا يُتَمَتَّعُ بِهِ كَعُجْلَةِ الراكِبِ وهو ما يَتَعَجَّلُهُ مِن تُمَيْراتٍ أوْ شَرْبَةِ سَوِيقٍ (p-١٥٤)
13:27Page 252
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ ٢٧
And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, [O Muḥammad], "Indeed, Allāh leaves astray whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him] -
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيِ الآيَةُ المُقْتَرَحَةُ ﴿قُلْ إنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ بِاقْتِراحِ الآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ ﴿وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ ويُرْشِدُ إلى دِينِهِ مَن رَجَعَ إلَيْهِ بِقَلْبِهِ.
13:28Page 252
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ٢٨
Those who have believed and whose hearts are assured by the remembrance of Allāh. Unquestionably, by the remembrance of Allāh hearts are assured."
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هُمُ الَّذِينَ أوْ مَحَلُّهُ النَصْبُ بَدَلٌ مِن "مَن" ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ تَسْكُنُ ﴿بِذِكْرِ اللهِ﴾ عَلى الدَوامِ أوْ بِالقُرْآنِ أوْ بِوَعْدِهِ ﴿ألا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ بِسَبَبِ ذِكْرِهِ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ.
13:29Page 253
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ وَحُسۡنُ مَـَٔابٖ ٢٩
Those who have believed and done righteous deeds - a good state is theirs and a good return.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ خَبَرُهُ وهو مَصْدَرٌ مِن طابَ كَبُشْرى، ومَعْنى طُوبى لَكَ: أصَبْتَ خَيْرًا وطَيِّبًا ومَحَلُّها النَصْبُ أوِ الرَفْعُ كَقَوْلِكَ: طَيِّبًا لَكَ، وطَيِّبٌ لَكَ، وسَلامًا لَكَ،وَسَلامٌ لَكَ، واللامُ في "لَهُمْ" لِلْبَيانِ مِثْلُها في سَقْيًا لَكَ، والواوُ في طُوبى مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ لِضَمَّةِ ما قَبْلَها كَمُوقِنٍ، والقِراءَةُ في ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ مَرْجِعٍ: بِالرَفْعِ والنَصْبِ تَدُلُّ عَلى مَحَلَّيْها.
13:30Page 253
كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ ٣٠
Thus have We sent you to a community before which [other] communities have passed on so you might recite to them that which We revealed to you, while they disbelieve in the Most Merciful. Say, "He is my Lord; there is no deity except Him. Upon Him I rely, and to Him is my return."
﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ الإرْسالِ أرْسَلْناكَ إرْسالًا لَهُ شَأْنٌ وفَضْلٌ عَلى سائِرِ الإرْسالاتِ ثُمَّ فَسَّرَ كَيْفَ أرْسَلَهُ فَقالَ ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ أيْ: أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ تَقَدَّمَتْها أُمَمٌ كَثِيرَةٌ فَهي آخِرُ الأُمَمِ وأنْتَ خاتَمُ الأنْبِياءِ ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ لِتَقْرَأ عَلَيْهِمُ الكِتابَ العَظِيمَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴿وَهم يَكْفُرُونَ﴾ وحالُ هَؤُلاءِ أنَّهم يَكْفُرُونَ ﴿بِالرَحْمَنِ﴾ بِالبَلِيغِ الرَحْمَةِ الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿قُلْ هو رَبِّي﴾ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: هو رَبِّي الواحِدُ المُتَعالِي عَنِ الشُرَكاءِ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في نُصْرَتِي (p-١٥٥)عَلَيْكم ﴿وَإلَيْهِ مَتابِ﴾ مَرْجِعِي فَيُثِيبُنِي عَلى مُصابَرَتِكم، مَتابِي وعِقابِي ومَآبِي: في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.
13:31Page 253
وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانٗا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ أَفَلَمۡ يَاْيۡـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٣١
And if there was any Qur’ān [i.e., recitation] by which the mountains would be removed or the earth would be broken apart or the dead would be made to speak,1 [it would be this Qur’ān], but to Allāh belongs the affair entirely. Then have those who believed not accepted that had Allāh willed, He would have guided the people, all of them? And those who disbelieve do not cease to be struck, for what they have done, by calamity - or it will descend near their home - until there comes the promise of Allāh. Indeed, Allāh does not fail in [His] promise.
﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ عَنْ مَقارِّها ﴿أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ حَتّى تَتَصَدَّعَ وتَتَزايَلَ قِطَعًا ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ فَتَسْمَعُ وتُجِيبُ، لَكانَ هَذا القُرْآنُ، لِكَوْنِهِ غايَةً في التَذْكِيرِ ونِهايَةً في الإنْذارِ والتَخْوِيفِ فَجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أوْ مَعْناهُ: ولَوْ أنَّ قُرْآنًا وقَعَ بِهِ تَسْيِيرُ الجِبالِ وتَقْطِيعُ الأرْضِ وتَكْلِيمُ المَوْتى وتَنْبِيئُهم لَما آمَنُوا بِهِ ولَما تَنَبَّهُوا عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ "وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ" الآيَةُ ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ بَلْ لِلَّهِ القُدْرَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وهو قادِرٌ عَلى الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أفَلَمْ يَعْلَمْ، وهي لُغَةُ قَوْمٍ مِنَ النَخَعِ، وقِيلَ إنَّما اسْتُعْمِلَ اليَأْسُ بِمَعْنى العِلْمِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْناهُ، لِأنَّ اليائِسَ عَنِ الشَيْءِ عالِمٌ بِأنَّهُ لا يَكُونُ كَما اسْتُعْمِلَ النِسْيانُ في مَعْنى التَرْكِ لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ، دَلِيلُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – "أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ" وقِيلَ إنَّما كَتَبَهُ الكاتِبُ وهو ناعِسٌ مُسْتَوِي السِناتِ، وهَذِهِ – واللهِ - فِرْيَةٌ ما فِيها مِرْيَةٌ! ﴿أنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدى الناسَ جَمِيعًا ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا﴾
مِن كُفْرِهِمْ وسُوءِ أعْمالِهِمْ ﴿قارِعَةٌ﴾ داهِيَةٌ تَقْرَعُهم بِما يُحِلُّ اللهُ بِهِمْ في كُلِّ وقْتٍ مِن صُنُوفِ البَلايا والمَصائِبِ في نُفُوسِهِمْ وأوْلادِهِمْ وأمْوالِهِمْ ﴿أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ أوْ تَحُلُّ القارِعَةُ قَرِيبًا مِنهم فَيَفْزَعُونَ ويَتَطايَرُ عَلَيْهِمْ شَرَرُها ويَتَعَدّى إلَيْهِمْ شُرُورُها ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللهِ﴾ أيْ: مَوْتُهم أوِ القِيامَةُ أوْ ولا يَزالُ كُفّارُ مَكَّةَ تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا بِرَسُولِ اللهِ مِنَ العَداوَةِ والتَكْذِيبِ قارِعَةٌ، لِأنَّ جَيْشَ رَسُولِ اللهِ يُغِيرُ حَوْلَ مَكَّةَ ويَخْتَطِفُ مِنهم (p-١٥٦)أوْ تَحُلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ بِجَيْشِكَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللهِ أيْ: فَتْحُ مَكَّةَ ﴿إنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ أيْ: لا خُلْفَ في مَوْعِدِهِ.
13:32Page 253
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢
And already were [other] messengers ridiculed before you, and I extended the time of those who disbelieved; then I seized them, and how [terrible] was My penalty.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الإمْلاءُ الإمْهالُ وأنْ يُتْرَكَ مِلاوَةً مِنَ الزَمانِ في خَفْضٍ وأمْنٍ ﴿ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ وهَذا وعِيدٌ لَهم وجَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمُ الآياتِ عَلى رَسُولِ اللهِ اسْتِهْزاءً بِهِ وتَسْلِيَةً لَهُ.
13:33Page 253
أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣
Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allāh they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that1 which He knows not upon the earth or of what is apparent [i.e., alleged] of speech?"2 Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allāh sends astray - there will be for him no guide.
﴿أفَمَن هو قائِمٌ﴾ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في إشْراكِهِمْ بِاللهِ يَعْنِي أفاللهُ الَّذِي هو رَقِيبٌ ﴿عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ صالِحَةٍ أوْ طالِحَةٍ ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ يَعْلَمُ خَيْرَهُ وشَرَّهُ ويُعِدُّ لِكُلٍّ جَزاءَهُ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ أيِ الأصْنامَ ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أيْ: سَمُّوهم لَهُ مَن هم ونَبِّئُوهُ بِأسْمائِهِمْ ثُمَّ قالَ ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ عَلى أمِ المُنْقَطِعَةِ أيْ: بَلْ أتُنَبِّؤُنَهُ بِشُرَكاءَ لا يَعْلَمُهم في الأرْضِ وهو العالِمُ بِما في السَمَواتِ والأرْضِ فَإذا لَمْ يَعْلَمْهم عُلِمَ أنَّهم لَيْسُوا بِشَيْءٍ والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهُ شُرَكاءُ ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ كَقَوْلِهِ "ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ" " ما تَعْبُدُونَ مَن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها" ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ كَيَدُهم لِلْإسْلامِ بِشِرْكِهِمْ ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَبِيلِ﴾ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِضَمِّ الصادِ كُوفِيٌّ وبِفَتْحِها غَيْرُهم ومَعْناهُ وصَدُّوا المُسْلِمِينَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ مِن أحَدٍ يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِ.
13:34Page 253
لَّهُمۡ عَذَابٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَقُّۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٣٤
For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allāh any protector.
﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُنْيا﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ وأنْواعِ المِحَنِ ﴿وَلَعَذابُ (p-١٥٧)الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ أشَدُّ لِدَوامِهِ ﴿وَما لَهم مِنَ اللهِ مِن واقٍ﴾ مِن حافِظٍ مِن عَذابِهِ.
13:35Page 254
۞ مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ٣٥
The example [i.e., description] of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.
﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ صِفَتُها الَّتِي هي في غَرابَةِ المَثَلِ وارْتِفاعُهُ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، أوِ الخَبَرُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ كَما تَقُولُ: صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ثَمَرُها دائِمُ الوُجُودِ لا يَنْقَطِعُ ﴿وَظِلُّها﴾ دائِمٌ لا يُنْسَخُ في الدُنْيا بِالشَمْسِ ﴿تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ الجَنَّةُ المَوْصُوفَةُ عُقْبى تَقْواهم يَعْنِي مُنْتَهى أمْرِهِمْ ﴿وَعُقْبى الكافِرِينَ النارُ﴾
13:36Page 254
وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ وَمِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ مَن يُنكِرُ بَعۡضَهُۥۚ قُلۡ إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشۡرِكَ بِهِۦٓۚ إِلَيۡهِ أَدۡعُواْ وَإِلَيۡهِ مَـَٔابِ ٣٦
And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muḥammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it [i.e., the Qur’ān]. Say, "I have only been commanded to worship Allāh and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."
﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يُرِيدُ مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ كابْنِ سَلامٍ ونَحْوِهِ ومِنَ النَصارى بِأرْضِ الحَبَشَةِ ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ﴾ أيْ: ومِن أحْزابِهِمْ وهم كَفَرَتُهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالعَداوَةِ كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ والسَيِّدِ والعاقِبِ وأشْياعِهِما ﴿مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾، لِأنَّهم كانُوا لا يُنْكِرُونَ الأقاصِيصَ، وبَعْضَ الأحْكامِ والمَعانِي، مِمّا هو ثابِتٌ في كُتُبِهِمْ وكانُوا يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ مِنَ الشَرائِعِ ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ هو جَوابٌ لِلْمُنْكِرِينَ أيْ: قُلْ إنَّما أُمِرْتُ فِيما أُنْزِلَ إلَيَّ بِأنْ أعْبُدَ اللهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ فَإنْكارُهم لَهُ إنْكارٌ لِعِبادَةِ اللهِ وتَوْحِيدِهِ فانْظُرُوا ماذا تُنْكِرُونَ مَعَ ادِّعائِكم وُجُوبَ عِبادَةِ اللهِ وأنْ لا يُشْرَكَ بِهِ؟! ﴿إلَيْهِ أدْعُو﴾ خُصُوصًا لا أدْعُو إلى غَيْرِهِ ﴿وَإلَيْهِ﴾ لا إلى غَيْرِهِ ﴿مَآبِ﴾ مَرْجِعِي وأنْتُمْ تَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فَلا مَعْنى لِإنْكارِكُمْ.
13:37Page 254
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا وَاقٖ ٣٧
And thus We have revealed it as an Arabic legislation.1 And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allāh any ally or any protector.
﴿وَكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ أنْزَلْناهُ مَأْمُورًا فِيهِ بِعِبادَةِ اللهِ وتَوْحِيدِهِ والدَعْوَةِ إلَيْهِ إلى دِينِهِ والإنْذارِ بِدارِ الجَزاءِ ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ حِكْمَةً (p-١٥٨)عَرَبِيَّةً مُتَرْجَمَةً بِلِسانِ العَرَبِ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ كانُوا يَدْعُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ إلى أُمُورٍ يُشارِكُهم فِيها فَقِيلَ ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥] أيْ: بَعْدِ ثُبُوتِ العِلْمِ بِالحُجَجِ القاطِعَةِ والبَراهِينِ الساطِعَةِ ﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ أيْ: لا يَنْصُرُكَ ناصِرٌ ولا يَقِيكَ مِنهُ واقٍ وهَذا مِن بابِ التَهْيِيجِ والبَعْثِ لِلسّامِعِينَ عَلى الثَباتِ في الدِينِ وألّا يَزِلَّ زالٌّ عِنْدَ الشُبْهَةِ بَعْدَ اسْتِمْساكِهِ بِالحُجَّةِ، وإلّا فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن شِدَّةِ الثَباتِ بِمَكانٍ.
13:38Page 254
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ ٣٨
And We have already sent messengers before you and assigned to them wives and descendants. And it was not for a messenger to come with a sign except by permission of Allāh. For every term is a decree.
وَكانُوا يَعِيبُونَهُ بِالزَواجِ والوِلادَةِ ويَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ويُنْكِرُونَ النَسْخَ فَنَزَلَ ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ نِساءً وأوْلادًا ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ﴾ أيْ: لَيْسَ في وُسْعِهِ إتْيانُ الآياتِ عَلى ما يَقْتَرِحُهُ قَوْمُهُ وإنَّما ذَلِكَ إلى اللهِ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ لِكُلِّ وقْتٍ حُكْمٌ يُكْتَبُ عَلى العِبادِ أيْ: يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.
13:39Page 254
يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ ٣٩
Allāh eliminates what He wills or confirms, and with Him is the Mother of the Book.1
﴿يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ﴾ يَنْسَخُ ما يَشاءُ نَسْخَهُ ﴿وَيُثْبِتُ﴾ بَدَلَهُ ما يَشاءُ أوْ يَتْرُكُهُ غَيْرَ مَنسُوخٍ أوْ يَمْحُو مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ غَيْرَهُ أوْ يَمْحُو كُفْرَ التائِبِينَ ويُثْبِتُ إيمانَهم أوْ يُمِيتُ مَن حانَ أجْلُهُ وعَكْسَهُ، "وَيُثَبِّتُ" مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ أيْ: أصْلُ كُلِّ كِتابٍ وهو اللَوْحُ المَحْفُوظُ، لِأنَّ كُلَّ كائِنٍ مَكْتُوبٌ فِيهِ.
13:40Page 254
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ ٤٠
And whether We show you part of what We promise them or take you in death, upon you is only the [duty of] notification, and upon Us is the account.
﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ [يونس: ٤٦] وكَيْفَما دارَتِ الحالُ أرَيْناكَ مَصارِعَهم وما وعَدْناهم مِن إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ أوْ تَوَفَّيْناكَ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ فَمًا يَجِبُ عَلَيْكَ إلّا تَبْلِيغُ الرِسالَةِ فَحَسْبُ ﴿وَعَلَيْنا (p-١٥٩)الحِسابُ﴾ وعَلَيْنا حِسابُهم وجَزاؤُهم عَلى أعْمالِهِمْ لا عَلَيْكَ فَلا يُهِمَّنَّكَ إعْراضُهم ولا تَسْتَعْجِلْ بِعَذابِهِمْ.
13:41Page 254
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٤١
Have they not seen that We set upon the land, reducing it from its borders?1 And Allāh decides; there is no adjuster of His decision. And He is swift in account.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ﴾ أرْضَ الكَفَرَةِ ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ بِما نَفْتَحُ عَلى المُسْلِمِينَ مِن بِلادِهِمْ فَنَنْقُصُ دارَ الحَرْبِ ونَزِيدُ في دارِ الإسْلامِ وذَلِكَ مِن آياتِ النُصْرَةِ والغَلَبَةِ، والمَعْنى عَلَيْكَ البَلاغُ الَّذِي حُمِّلْتَهُ ولا تَهْتَمَّ بِما وراءَ ذَلِكَ فَنَحْنُ نَكْفِيكَهُ ونُتِمُّ ما وعَدْناكَ مِنَ النُصْرَةِ والظَفَرِ ﴿واللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لا رادَّ لِحُكْمِهِ، والمُعَقِّبُ الَّذِي يَكِرُّ عَلى الشَيْءِ فَيُبْطِلُهُ، وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُعَقِّبُهُ أيْ: يُقَفِّيهِ بِالرَدِّ والإبْطالِ ومِنهُ قِيلٌ لِصاحِبِ الحَقِّ: مُعَقِّبٌ، لِأنَّهُ يُقَفِّي غَرِيمَهُ بِالِاقْتِضاءِ والطَلَبِ والمَعْنى أنَّهُ حُكْمٌ لِلْإسْلامِ بِالغَلَبَةِ والإقْبالِ وعَلى الكُفْرِ بِالإدْبارِ والِانْتِكاسِ، ومَحَلُّ "لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ" النَصْبُ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ:واللهُ يَحْكُمُ نافِذًا حُكْمُهُ، كَما تَقُولُ جاءَنِي زَيْدٌ لا عِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ ولا قَلَنْسُوَةَ لَهُ تُرِيدُ حاسِرًا ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَعَمّا قَلِيلٍ يُحاسِبُهم في الآخِرَةِ بَعْدَ عَذابِ الدُنْيا.
13:42Page 254
وَقَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَلِلَّهِ ٱلۡمَكۡرُ جَمِيعٗاۖ يَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٖۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلۡكُفَّٰرُ لِمَنۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٤٢
And those before them had plotted, but to Allāh belongs the plan entirely. He knows what every soul earns, and the disbelievers will know for whom is the final home.
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: كُفّارُ الأُمَمِ الخالِيَةِ بِأنْبِيائِهِمْ والمَكْرُ إرادَةُ المَكْرُوهِ في خُفْيَةٍ ثُمَّ جُعِلَ مَكْرُهم كَلا مَكْرٍ بِالإضافَةِ إلى مَكْرِهِ فَقالَ ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدارِ﴾ يَعْنِي العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ، لِأنَّ مَن عَلِمَ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وأعَدَّ لَها جَزاءَها فَهو المَكْرُ كُلُّهُ، لِأنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وهم في غَفْلَةٍ عَمّا يُرادُ بِهِمُ، "الكافِرُ" عَلى إرادَةِ الجِنْسِ: حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو.
13:43Page 255
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسۡتَ مُرۡسَلٗاۚ قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ وَمَنۡ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡكِتَٰبِ ٤٣
And those who have disbelieved say, "You are not a messenger." Say, [O Muḥammad], "Sufficient is Allāh as Witness between me and you, and [the witness of] whoever has knowledge of the Scripture."1
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا﴾ المُرادُ بِهِمْ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ورُؤَساءُ اليَهُودِ قالُوا لَسْتَ مُرْسَلًا لِهَذا، قالَ عَطاءٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا هَذِهِ الآيَةَ ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ بِما أظْهَرَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى رِسالَتِي (p-١٦٠)والباءُ دَخَلَتْ عَلى الفاعِلِ، وشَهِيدًا تَمْيِيزٌ ﴿وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ قِيلَ هو اللهُ عَزَّ وجَلَّ والكِتابُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ دَلِيلُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ " ومِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتابِ" أيْ: ومِن لَدُنْهُ عِلْمُ الكِتابِ، لِأنَّ عِلْمَ مَن عَلِمَهُ مِن فَضْلِهِ ولُطْفِهِ، وقِيلَ: ومَن هو مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ أسْلَمُوا، لِأنَّهم يَشْهَدُونَ بِنَعْتِهِ في كُتُبِهِمْ، وقالَ ابْنُ سَلامٍ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، و"مَن" في مَوْضِعِ الجَرِّ بِالعَطْفِ عَلى لَفْظِ "اللهِ" أوْ في مَوْضِعِ الرَفْعِ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ،إذِ التَقْدِيرُ: كَفى اللهُ، و" عِلْمُ الكِتابِ" يَرْتَفِعُ بِالمُقَدَّرِ في الظَرْفِ فَيَكُونُ فاعِلًا، لِأنَّ الظَرْفَ صِلَةٌ لِ"مَن"، و"مَن" هُنا بِمَعْنى الَّذِي والتَقْدِيرُ: مَن ثَبَتَ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ، وهَذا، لِأنَّ الظَرْفَ إذا وقَعَ صِلَةً يَعْمَلُ عَمَلَ الفِعْلِ نَحْوُ: مَرَرْتُ بِالَّذِي في الدارِ أخُوهُ، فَأخُوهُ: فاعِلٌ، كَما تَقُولُ: بِالَّذِي اسْتَقَرَّ في الدارِ أخُوهُ، وفي القِراءَةِ بِكَسْرِ مِيمِ "مِن" يَرْتَفِعُ "العِلْمُ" بِالِابْتِداءِ بِالِابْتِداءِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences