An-NasafiIbrahim · 14:1–26

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

ابراهيم

Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

14:1Page 255

الٓرۚ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ١

Alif, Lām, Rā.1 [This is] a Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that you might bring mankind out of darknesses into the light by permission of their Lord - to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy -

(p-١٦١)سُورَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ مَكِّيَّةٌ اثْنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

﴿الر﴾ ﴿كِتابٌ﴾ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هَذا كِتابٌ يَعْنِي السُورَةَ والجُمْلَةَ الَّتِي هي ﴿أنْـزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ في مَوْضِعِ الرَفْعِ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ ﴿لِتُخْرِجَ الناسَ﴾ بِدُعائِكَ إيّاهم ﴿مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ﴾ مِنَ الضَلالَةِ إلى الهُدى ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بِتَيْسِيرِهِ وتَسْهِيلِهِ، مُسْتَعارٌ مِنَ الإذْنِ الَّذِي هو تَسْهِيلُ الحِجابِ وذَلِكَ ما يَمْنَحُهم مِنَ التَوْفِيقِ ﴿إلى صِراطِ﴾ بَدَلٌ مِنَ النُورِ بِتَكْرِيرِ العامِلِ ﴿العَزِيزِ﴾ الغالِبِ بِالِانْتِقامِ ﴿الحَمِيدِ﴾ المَحْمُودِ عَلى الإنْعامِ.

14:2Page 255

ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ ٢

Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And woe [i.e., destruction] to the disbelievers from a severe punishment -

﴿اللهِ﴾ بِالرَفْعِ مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ عَلى: هو "اللهُ"، بِالجَرِّ غَيْرُهُما عَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِلْعَزِيزِ الحَمِيدِ ﴿الَّذِي لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا ولَمّا ذَكَرَ الخارِجِينَ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ تَوَعَّدَ الكافِرِينَ بِالوَيْلِ وهو نَقِيضُ الوَأْلِ وهو النَجاةُ وهو اسْمُ مَعْنًى كالهَلاكِ فَقالَ ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وصِفَةٌ.

14:3Page 255

ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٣

The ones who prefer the worldly life over the Hereafter and avert [people] from the way of Allāh, seeking to make it [seem] deviant. Those are in extreme error.

﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ﴾ يَخْتارُونَ ويُؤْثِرُونَ ﴿الحَياةَ الدُنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ عَنْ دِينِهِ ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ يَطْلُبُونَ لِسَبِيلِ اللهِ زَيْغًا واعْوِجاجًا والأصْلُ ويَبْغُونَ لَها فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ ووَصْفُ الضَلالِ بِالبُعْدِ مِنَ (p-١٦٢)الإسْنادِ المَجازِيِّ، والبُعْدُ في الحَقِيقَةِ لِلضّالِّ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَتَباعَدُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ فَوَصَفَ بِهِ فِعْلَهُ كَما تَقُولُ: جَدَّ جِدُّهُ، أوْ مَجْرُورٌ صِفَةٌ لِلْكافِرِينَ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَمِّ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أعَنى الَّذِينَ أوْ هُمُ الَّذِينَ.

14:4Page 255

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤

And We did not send any messenger except [speaking] in the language of his people to state clearly for them, and Allāh sends astray [thereby] whom He wills1 and guides whom He wills. And He is the Exalted in Might, the Wise.

﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ إلّا مُتَكَلِّمًا بِلُغَتِهِمْ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ما هو مَبْعُوثٌ بِهِ ولَهُ فَلا يَكُونُ لَهم حُجَّةٌ عَلى اللهِ ولا يَقُولُونَ لَهُ لَمْ نَفْهَمْ ما خُوطِبْنا بِهِ فَإنْ قُلْتَ إنَّ رَسُولَنا ﷺ بُعِثَ إلى الناسِ جَمِيعًا بِقَوْلِهِ "قُلْ يا أيُّها الناسُ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكم جَمِيعًا" بَلْ إلى الثَقَلَيْنِ وهم عَلى ألْسِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ فَإنْ لَمْ تَكُنْ لِلْعَرَبِ حُجَّةٌ فَلِغَيْرِهِمُ الحُجَّةُ، قُلْتُ: لا يَخْلُو إمّا أنْ يَنْزِلَ بِجَمِيعِ الألْسِنَةِ أوْ بِواحِدٍ مِنها فَلا حاجَةَ إلى نُزُولِهِ بِجَمِيعِ الألْسِنَةِ، لِأنَّ التَرْجَمَةَ تَنُوبُ عَنْ ذَلِكَ وتَكْفِي التَطْوِيلَ فَتَعَيَّنَ أنْ يَنْزِلَ بِلِسانٍ واحِدٍ وكانَ لِسانُ قَوْمِهِ أوْلى بِالتَعْيِينِ، لِأنَّهم أقْرَبُ إلَيْهِ ولِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ التَحْرِيفِ والتَبْدِيلِ ﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ﴾ مَن آثَرَ سَبَبَ الضَلالَةِ ﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ مَن آثَرَ سَبَبَ الِاهْتِداءِ ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ فَلا يُغالَبُ عَلى مَشِيئَتِهِ ﴿الحَكِيمُ﴾ فَلا يَخْذُلُ إلّا أهْلَ الخِذْلانِ.

14:5Page 255

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٥

And We certainly sent Moses with Our signs, [saying], "Bring out your people from darknesses into the light and remind them of the days1 of Allāh." Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ التِسْعِ ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ بِأنْ أخْرِجْ أوْ أيْ: أخْرِجْ، لِأنَّ الإرْسالَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ أرْسَلْناهُ وقُلْنا لَهُ أخْرِجْ قَوْمَكَ ﴿مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللهِ﴾ وأنْذِرْهم بِوَقائِعِهِ الَّتِي وقَعَتْ عَلى الأُمَمِ قَبْلَهم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ومِنهُ أيّامُ العَرَبِ لِحُرُوبِها ومَلاحِمِها أوْ بِأيّامِ الإنْعامِ حَيْثُ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَلْوى وفَلَقَ لَهُمُ البَحْرَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى البَلايا ﴿شَكُورٍ﴾ عَلى العَطايا كَأنَّهُ قالَ:لِكُلِّ مُؤْمِنٍ إذِ الإيمانُ نِصْفانِ نِصْفٌ صَبْرٌ ونِصْفٌ شُكْرٌ (p-١٦٣)

14:6Page 256

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ أَنجَىٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٦

And [recall, O Children of Israel], when Moses said to his people, "Remember the favor of Allāh upon you when He saved you from the people of Pharaoh, who were afflicting you with the worst torment and were slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ إذْ ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ بِمَعْنى الإنْعامِ أيْ إنْعامَهُ عَلَيْكم ذَلِكَ الوَقْتَ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "نِعْمَةَ اللهِ" أيِ اذْكُرُوا وقْتَ إنْجائِكم ﴿وَيُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ ذَكَرَ في البَقَرَةِ يُذَبِّحُونَ، وفي الأعْرافِ "يُقَتِّلُونَ" بِلا واوٍ، وهُنا مَعَ الواوِ، والحاصِلُ أنَّ التَذْبِيحَ حَيْثُ طَرَحَ الواوَ جُعِلَ تَفْسِيرًا لِلْعَذابِ وبَيانًا لَهُ، وحَيْثُ أثْبَتَ الواوَ جُعِلَ التَذْبِيحُ مِن حَيْثُ إنَّهُ زادَ عَلى جِنْسِ العَذابِ كَأنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ الإشارَةُ إلى العَذابِ والبَلاءُ المِحْنَةُ أوْ إلى الإنْجاءِ، والبَلاءُ النِعْمَةُ ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] "

14:7Page 256

وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ ٧

And [remember] when your Lord proclaimed, 'If you are grateful, I will surely increase you [in favor]; but if you deny, indeed, My punishment is severe.'"

﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أيْ: آذَنَ، ونَظِيرُ "تَأذَّنَ" وآذَنَ: تَوَعَّدَ وأوْعَدَ، ولا بُدَّ في تَفَعَّلَ مِن زِيادَةِ مَعْنًى لَيْسَ في أفْعَلَ كَأنَّهُ قِيلَ:وَإذْ آذَنَ رَبُّكم إيذانًا بَلِيغًا تَنْتَفِي عِنْدَهُ الشُكُوكُ والشُبَهُ وهو مِن جُمْلَةِ ما قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ، وانْتِصابُهُ لِلْعَطْفِ عَلى "نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم " كَأنَّهُ قِيلَ:وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم واذْكُرُوا حِينَ تَأذَّنَ رَبُّكم، والمَعْنى وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم فَقالَ ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ يا بَنِي إسْرائِيلَ ما خَوَّلْتُكم مِن نِعْمَةِ الإنْجاءِ وغَيْرِها ﴿لأزِيدَنَّكُمْ﴾ نِعْمَةً إلى نِعْمَةٍ فالشُكْرُ قَيْدُ المَوْجُودِ وصَيْدُ المَفْقُودِ، وقِيلَ: إذا سَمِعَتِ النِعْمَةُ نَغْمَةَ الشُكْرِ تَأهَّبَتْ لِلْمَزِيدِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - لَئِنْ شَكَرْتُمْ بِالجِدِّ في الطاعَةِ لَأزِيدَنَّكم بِالجِدِّ في المَثُوبَةِ ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ ما أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكم ﴿إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ لِمَن كَفَرَ نِعْمَتِي أمّا في الدُنْيا فَسَلْبُ النِعْمَةِ وأمّا في العُقْبى فَتَوالِي النِقَمِ (p-١٦٤)

14:8Page 256

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكۡفُرُوٓاْ أَنتُمۡ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ٨

And Moses said, "If you should disbelieve, you and whoever is on the earth entirely - indeed, Allāh is Free of need and Praiseworthy."

﴿وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ﴾ يا بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وَمَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ والناسُ كُلُّهم ﴿فَإنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِكم ﴿حَمِيدٌ﴾ وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ الحامِدُونَ وأنْتُمْ ضَرَرْتُمْ أنْفُسَكم حَيْثُ حَرَمْتُمُوها الخَيْرَ الَّذِي لا بُدَّ لَكم مِنهُ.

14:9Page 256

أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٩

Has there not reached you the news of those before you - the people of Noah and ʿAad and Thamūd and those after them? No one knows them [i.e., their number] but Allāh. Their messengers brought them clear proofs, but they returned their hands to their mouths1 and said, "Indeed, we disbelieve in that with which you have been sent, and indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ مِن كَلامِ مُوسى لِقَوْمِهِ أوِ ابْتِداءُ خِطابٍ لِأهْلِ عَصْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلا اللهُ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ وقَعَتِ اعْتِراضًا أوْ عُطِفَ "الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ" عَلى "قَوْمِ نُوحٍ" و"لا يَعْلَمُهم إلّا اللهُ" اعْتِراضٌ والمَعْنى أنَّهم مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - بَيْنَ عَدْنانَ وإسْماعِيلَ ثَلاثُونَ أبًا لا يُعْرَفُونَ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَذِبَ النَسّابُونَ ﴿جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ الضَمِيرانِ يَعُودانِ إلى الكَفَرَةِ أيْ: أخَذُوا أنامِلَهم بِأسْنانِهِمْ تَعَجُّبًا أوْ عَضُّوا عَلَيْها تَغَيُّظًا أوِ الثانِي يَعُودُ إلى الأنْبِياءِ أيْ: رَدَّ القَوْمُ أيْدِيَهم في أفْواهِ الرُسُلِ كَيْلا يَتَكَلَّمُوا بِما أُرْسِلُوا بِهِ ﴿وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ﴾ مِنَ الإيمانِ بِاللهِ والتَوْحِيدِ ﴿مُرِيبٍ﴾ مَوْقِعٍ في الرِيبَةِ.

14:10Page 256

۞ قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٠

Their messengers said, "Can there be doubt about Allāh, Creator of the heavens and earth? He invites you that He may forgive you of your sins, and He delays you [i.e., your death] for a specified term." They said, "You are not but men like us who wish to avert us from what our fathers were worshipping. So bring us a clear authority [i.e., evidence]."

﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللهِ شَكٌّ﴾ أُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الظَرْفِ، لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ في الشَكِّ إنَّما هو في المَشْكُوكِ فِيهِ وأنَّهُ لا يَحْتَمِلُ الشَكَّ لِظُهُورِ الأدِلَّةِ وهو جَوابُ قَوْلِهِمْ وإنّا لَفي شَكٍّ ﴿فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ (p-١٦٥)يَدْعُوكُمْ﴾ إلى الإيمانِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ إذا آمَنتُمْ ولَمْ تَجِئْ مَعَ "مِن" إلّا في خِطابِ الكافِرِينَ كَقَوْلِهِ ﴿واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ [نوح: ٣] ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] وقالَ في خِطابِ المُؤْمِنِينَ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] إلى أنْ قالَ ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢] وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُعْرَفُ بِالِاسْتِقْراءِ وكانَ ذَلِكَ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الخِطابَيْنِ ولِئَلّا يُسَوِّيَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في المِيعادِ ﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى وقْتٍ قَدْ سَمّاهُ وبَيَّنَ مِقْدارَهُ ﴿قالُوا﴾ أيِ القَوْمُ ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ ما أنْتُمْ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ لا فَضْلَ بَيْنَنا وبَيْنَكم ولا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا فَلِمَ تُخَصُّونَ بِالنُبُوَّةِ دُونَنا؟ ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وإنَّما أرادُوا بِالسُلْطانِ المُبِينِ آيَةً قَدِ اقْتَرَحُوها تَعَنُّتًا ولَجاجًا.

14:11Page 257

قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١

Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allāh confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تَسْلِيمٌ لِقَوْلِهِمْ إنَّهم بَشَرٌ مِثْلُهم ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ بِالإيمانِ والنُبُوَّةِ كَما مَنَّ عَلَيْنا ﴿وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللهِ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ "فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ "، والمَعْنى أنَّ الإتْيانَ بِالآيَةِ الَّتِي قَدْ قَدِ اقْتَرَحْتُمُوها لَيْسَ إلَيْنا ولا في اسْتِطاعَتِنا وإنَّما هو أمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعالى ﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ كافَّةً بِالتَوَكُّلِ وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَلِيًّا كَأنَّهم قالُوا ومِن حَقِّنا أنْ نَتَوَكَّلَ عَلى اللهِ في الصَبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم وإيذائِكم ألا تَرى إلى قَوْلِهِ.

14:12Page 257

وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ١٢

And why should we not rely upon Allāh while He has guided us to our [good] ways. And we will surely be patient against whatever harm you should cause us. And upon Allāh let those who would rely [indeed] rely."

﴿وَما لَنا ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللهِ﴾ مَعْناهُ وأيُّ عُذْرٍ لَنا في ألّا نَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ (p-١٦٦)وَقَدْ فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ تَوَكُّلَنا عَلَيْهِ ﴿وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ وهو التَوْفِيقُ لِهِدايَةِ كُلٍّ مِنّا سَبِيلَهُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ سُلُوكُهُ في الدِينِ، قالَ أبُو تُرابٍ: التَوَكُّلُ طَرْحُ البَدَنِ في العُبُودِيَّةِ وتَعَلُّقُ القَلْبِ بِالرُبُوبِيَّةِ والشُكْرُ عِنْدَ العَطاءِ والصَبْرُ عِنْدَ البَلاءِ ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ جَوابٌ قَسَمٍ مُضْمَرٍ أيْ: حَلَفُوا عَلى الصَبْرِ عَلى أذاهم وأنْ لا يُمْسِكُوا عَنْ دُعائِهِمْ ﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أيْ: فَلْيَثْبُتِ المُتَوَكِّلُونَ عَلى تَوَكُّلِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ تَكْرارًا.

14:13Page 257

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٣

And those who disbelieved said to their messengers, "We will surely drive you out of our land, or you must return to our religion." So their Lord inspired to them, "We will surely destroy the wrongdoers.

﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ﴾ "سُبْلَنا"، "لِرُسْلِهِمْ": أبُو عَمْرٍو ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا﴾ مِن دِيارِنا ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ أيْ: لِيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ إخْراجُكم أوْ عَوْدُكم وحَلَفُوا عَلى ذَلِكَ، والعَوْدُ بِمَعْنى الصَيْرُورَةِ وهو كَثِيرٌ في كَلامِالعَرَبِ أوْ خاطَبُوا بِهِ كُلَّ رَسُولٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ فَغَلَّبُوا في الخِطابِ الجَماعَةَ عَلى الواحِدِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظالِمِينَ﴾ القَوْلُ مُضْمَرٌ أوْ أُجْرِيَ الإيحاءُ مَجْرى القَوْلِ، لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنهُ.

14:14Page 257

وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤

And We will surely cause you to dwell in the land after them. That is for he who fears My position1 and fears My threat."

﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: أرْضَ الظالِمِينَ ودِيارَهم، في الحَدِيثِ « "مَن آذى جارَهُ ورَّثَهُ اللهُ دارَهُ" »﴿ذَلِكَ﴾ الإهْلاكُ والإسْكانُ أيْ: ذَلِكَ الأمْرُ حَقَّ ﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ مَوْقِفِي وهو مَوْقِفُ الحِسابِ أوِ المَقامُ مُقْحَمٌ أوْ خافَ قِيامِي عَلَيْهِ بِالعِلْمِ كَقَوْلِهِ "أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ" والمَعْنى:أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُتَّقِينَ ﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ عَذابِي، وبِالياءِ يَعْقُوبُ (p-١٦٧)

14:15Page 257

وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ١٥

And they requested decision [i.e., victory from Allāh], and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.

﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ واسْتَنْصَرُوا اللهَ عَلى أعْدائِهِمْ وهو مَعْطُوفٌ عَلى أوْحى إلَيْهِمْ ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ﴾ وخَسِرَ كُلُّ مُتَكَبِّرٍ بَطِرٍ ﴿عَنِيدٍ﴾ مُجانِبٍ لِلْحَقِّ مَعْناهُ فَنُصِرُوا وظَفِرُوا وأفْلَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ وهم قَوْمُهم وقِيلَ الضَمِيرُ لِلْكُفّارٍ ومَعْناهُ واسْتَفْتَحَ الكُفّارُ عَلى الرُسُلِ ظَنًّا مِنهم بِأنَّهم عَلى الحَقِّ، والرُسُلَ عَلى الباطِلِ وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ مِنهم ولَمْ يُفْلِحْ بِاسْتِفْتاحِه.

14:16Page 257

مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ ١٦

Before him1 is Hell, and he will be given a drink of purulent water.2

﴿مِن ورائِهِ﴾ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴿جَهَنَّمُ﴾ وهَذا وصْفُ حالِهِ وهو في الدُنْيا، لِأنَّهُ مُرْصَدٌ لِجَهَنَّمَ فَكَأنَّها بَيْنَ يَدَيْهِ وهو عَلى شَفِيرِها أوْ وصْفُ حالِهِ في الآخِرَةِ حَيْثُ يُبْعَثُ ويُوقَفُ ﴿وَيُسْقى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ يَلْقى فِيها ما يَلْقى ويُسْقى ﴿مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ما يَسِيلُ مِن جُلُودِ أهْلِ النارِ و"صَدِيدٍ" عَطْفُ بَيانٍ لِماءٍ، لِأنَّهُ مُبْهَمٌ فَبُيِّنَ بِقَوْلِهِ "صَدِيدٍ"

14:17Page 257

يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ ١٧

He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.

﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يَشْرَبُهُ جُرْعَةً جُرْعَةً ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾

وَلا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ فَكَيْفَ تَكُونُ الإساغَةُ؟ كَقَوْلِهِ "لَمْ يَكَدْ يَراها" أيْ: لَمْ يَقْرُبْ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها؟ ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ: أسْبابُ المَوْتِ مِن كُلِّ جِهَةٍ أوْ مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ وهَذا تَفْظِيعٌ لِما يُصِيبُهُ مِنَ الآلامِ أيْ: لَوْ كانَ ثَمَّةَ مَوْتٌ لَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُهْلِكًا ﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾، لِأنَّهُ لَوْ ماتَ لاسْتَراحَ ﴿وَمِن ورائِهِ﴾ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أيْ: في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذابًا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ وأغْلَظَ، وعَنِ الفُضَيْلِ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ.

14:18Page 257

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٨

The example of those who disbelieve in their Lord is [that] their deeds are like ashes which the wind blows forcefully on a stormy day; they are unable [to keep] from what they earned a [single] thing. That is what is extreme error.

﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الَّذِينَ ﴿كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ والمَثَلُ مُسْتَعارٌ لِلصِّفَةِ الَّتِي فِيها غَرابَةٌ وقَوْلُهُ ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ جُمْلَةٌ (p-١٦٨)مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ كَيْفَ مَثَلُهُمْ؟ فَقِيلَ أعْمالُهم كَرَمادٍ ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِيحُ﴾ الرِياحُ: مَدَنِيٌّ ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ جُعِلَ العَصْفُ لِلْيَوْمِ وهو لِما فِيهِ وهو الرِيحُ كَقَوْلِكَ يَوْمٌ ماطِرٌ، وأعْمالُ الكَفَرَةِ: المَكارِمُ الَّتِي كانَتْ لَهم مِن صِلَةِ الأرْحامِ وعِتْقِ الرِقابِ وفِداءِ الأسْرى وعَقْرِ الإبِلِ لِلْأضْيافِ وغَيْرِ ذَلِكَ شَبَّهَها في حُبُوطِها لِبِنائِها عَلى غَيْرِ أساسٍ وهو الإيمانُ بِاللهِ تَعالى بِرَمادٍ طَيَّرَتْهُ الرِيحُ العاصِفُ ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ مِن أعْمالِهِمْ ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ: لا يَرَوْنَ لَهُ أثَرًا مِن ثَوابٍ كَما لا يَقْدِرُ مِنَ الرَمادِ المُطَيَّرِ في الرِيحِ عَلى شَيْءٍ ﴿ذَلِكَ هو الضَلالُ البَعِيدُ﴾ إشارَةٌ إلى بُعْدِ ضَلالِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ أوْ عَنِ الثَوابِ.

14:19Page 258

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٩

Have you not seen [i.e., considered] that Allāh created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.

﴿ألَمْ تَرَ﴾ ألَمْ تَعْلَمْ، الخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ ﴿أنَّ اللهَ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ﴾ "خالِقُ" مُضافًا: حَمْزَةُ وعَلِيٌّ ﴿بِالحَقِّ﴾ بِالحِكْمَةِ والأمْرِ العَظِيمِ ولَمْ يَخْلُقْها عَبَثًا ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُعْدِمَ الناسَ ويَخْلُقَ مَكانَهم خَلْقًا آخَرَ عَلى شَكْلِهِمْ أوْ عَلى خِلافِ شَكْلِهِمْ إعْلامًا بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى إعْدامِ المَوْجُودِ وإيجادِ المَعْدُومِ.

14:20Page 258

وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ ٢٠

And that is not difficult for Allāh.

﴿وَما ذَلِكَ عَلى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ بِمُتَعَذِّرٍ.

14:21Page 258

وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ ٢١

And they will come out [for judgement] before Allāh all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allāh?" They will say, "If Allāh had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."

﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ويَبْرُزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وإنَّما جِيءَ بِهِ بِلَفْظِ الماضِي، لِأنَّ ما أخْبَرَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ لِصِدْقِهِ كَأنَّهُ قَدْ كانَ ووُجِدَ ونَحْوُهُ "وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ" "وَنادى أصْحابُ النارِ" وغَيْرُ ذَلِكَ ومَعْنى بُرُوزِهِمْ لِلَّهِ واللهُ تَعالى لا يَتَوارى عَنْهُ شَيْءٌ حَتّى يَبْرُزَ لَهُ أنَّهم كانُوا يَسْتَتِرُونَ مِنَ العُيُونِ عِنْدَ ارْتِكابِ الفَواحِشِ ويَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ خافٍ عَلى اللهِ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ انْكَشَفُوا لِلَّهِ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وعَلِمُوا أنَّ اللهَ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ أوْ خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ فَبَرَزُوا لِحِسابِ اللهِ وحُكْمِهِ ﴿فَقالَ (p-١٦٩)الضُعَفاءُ﴾ في الرَأْيِ وهُمُ السَفِلَةُ والَأتْباعُ، وكُتِبَ "الضُعَفاءُ" بِواوٍ قَبْلَ الهَمْزَةِ عَلى لَفْظِ مَن يُفَخِّمُ الألِفَ قَبْلَ الهَمْزَةِ فَيُمِيلُها إلى الواوِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهُمُ السادَةُ والرُؤَساءُ الَّذِينَ اسْتَغْوَوْهم وصَدُّوهم عَنِ الِاسْتِماعِ إلى الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمْ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ تابِعِينَ، جُمِعَ تابِعٌ عَلى تَبَعٍ كَخادِمٍ وخَدَمٍ وغائِبٍ وغَيَبٍ، أوْ ذَوِي تَبَعٍ، والتَبَعُ: الِاتِّباعُ يُقالُ تَبِعَهُ تَبَعًا ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾ فَهَلْ تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ شَيْءٍ مِمّا نَحْنُ فِيهِ؟ و"مِن" الأُولى لِلتَّبْيِينِ، والثانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا بَعْضَ الشَيْءِ الَّذِي هو عَذابُ اللهِ أوْ هُما لِلتَّبْعِيضِ أيْ: فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا بَعْضَ شَيْءٍ هو بَعْضُ عَذابِ اللهِ ولَمّا كانَ قَوْلُ الضُعَفاءِ تَوْبِيخًا لَهم وعِتابًا عَلى اسْتِغْوائِهِمْ، لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الإغْناءِ عَنْهم ﴿قالُوا﴾ [إبراهيم: ١٠] لَهم مُجِيبِينَ مُعْتَذِرِينَ ﴿لَوْ هَدانا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ أيْ: لَوْ هَدانا اللهُ إلى الإيمانِ في الدُنْيا لَهَدَيْناكم إلَيْهِ أيْ: لَوْ هَدانا اللهُ طَرِيقَ النَجاةِ مِنَ العَذابِ لَهَدَيْناكم أيْ: لَأغْنَيْنا عَنْكم وسَلَكْنا بِكم طَرِيقَ النَجاةِ كَما سَلَكْنا بِكم طَرِيقَ الهَلَكَةِ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ مُسْتَوِيانِ عَلَيْنا الجَزَعُ والصَبْرُ والهَمْزَةُ وأمْ لِلتَّسْوِيَةِ، رُوِيَ: أنَّهم يَقُولُونَ في النارِ تَعالَوْا نَجْزَعْ فَيَجْزَعُونَ خَمْسَمِائَةِ عامٍ فَلا يَنْفَعُهُمُ الجَزَعُ، فَيَقُولُونَ تَعالَوْا نَصْبِرْ فَيَصْبِرُونَ خَمْسَمِائَةِ عامٍ فَلا يَنْفَعُهُمُ الصَبْرُ ثُمَّ يَقُولُونَ "سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا "واتِّصالُهُ بِما قَبْلَهُ مِن حَيْثُ إنَّ عِتابَهم لَهم كانَ جَزَعًا مِمّا هم فِيهِ فَقالُوا لَهم "سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا" يُرِيدُونَ أنْفُسَهم وإيّاهم لِاجْتِماعِهِمْ في عِقابِ الضَلالَةِ الَّتِي كانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيها يَقُولُونَ ما هَذا الجَزَعُ والتَوْبِيخُ، ولا فائِدَةَ في الجَزَعِ كَما لا فائِدَةَ في الصَبْرِ ﴿ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ مَنجًى ومَهْرَبٍ جَزَعْنا أمْ صَبَرْنا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ الضُعَفاءِ والمُسْتَكْبِرِينَ جَمِيعًا.

14:22Page 258

وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٢

And Satan will say when the matter has been concluded, "Indeed, Allāh had promised you the promise of truth. And I promised you, but I betrayed you. But I had no authority over you except that I invited you, and you responded to me. So do not blame me; but blame yourselves. I cannot be called to your aid, nor can you be called to my aid. Indeed, I deny your association of me [with Allāh] before.1 Indeed, for the wrongdoers is a painful punishment."

﴿وَقالَ الشَيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ حُكِمَ بِالجَنَّةِ والنارِ لِأهْلِيهِما وفُرِغَ (p-١٧٠)مِنَ الحِسابِ ودَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النارِ النارَ، ورُوِيَ أنَّ الشَيْطانَ يَقُومُ عِنْدَ ذَلِكَ خَطِيبًا عَلى مِنبَرٍ مِن نارٍ فَيَقُولُ لِأهْلِ النارِ ﴿إنَّ اللهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ وهو البَعْثُ والجَزاءُ عَلى الأعْمالِ فَوَفى لَكم بِما وعَدَكم ﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ بِأنْ لا بَعْثَ ولا حِسابَ ولا جَزاءَ ﴿فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ كَذَبْتُكم ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ مِن تَسَلُّطٍ واقْتِدارٍ ﴿إلا أنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ لَكِنِّي دَعَوْتُكم إلى الضَلالَةِ بِوَسْوَسَتِي وتَزْيِينِي، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّ الدُعاءَ لَيْسَ مِن جِنْسِ السُلْطانِ ﴿فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ فَأسْرَعْتُمْ إجابَتِي ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾، لِأنَّ مَن تَجَرَّدَ لِلْعَداوَةِ لا يُلامُ إذا دَعا إلى أمْرٍ قَبِيحٍ مَعَ أنَّ الرَحْمَنَ قَدْ قالَ لَكم ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] ﴿وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ حَيْثُ اتَّبَعْتُمُونِي بِلا حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، وقَوْلُ المُعْتَزِلَةِ: هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ هو الَّذِي يَخْتارُ الشَقاوَةَ أوِ السَعادَةَ ويُحَصِّلُها لِنَفْسِهِ ولَيْسَ مِنَ اللهِ إلّا التَمْكِينُ ولا مِنَ الشَيْطانِ إلّا التَزْيِينُ باطِلٌ لِقَوْلِهِ "لَوْ هَدانا اللهُ" أيْ إلى الإيمانِ "لَهَدَيْناكُمْ" كَما مَرَّ ﴿ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ لا يُنْجِي بَعْضُنا بَعْضًا مِن عَذابِ اللهِ ولا يُغِيثُهُ، والإصْراخُ: الإغاثَةُ، "بِمُصْرِخِيِّ" حَمْزَةُ إتْباعًا لِلْخاءِ. غَيْرُهُ بِفَتْحِ الياءِ لِئَلّا تَجْتَمِعَ الكَسْرَةُ والياءانِ بَعْدَ كَسْرَتَيْنِ وهو جَمْعُ مُصْرِخٍ فالياءُ الأوْلى ياءُ الجَمْعِ والثانِيَةُ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ﴾ وبِالياءِ بَصْرِيٌّ وما مَصْدَرِيَّةٌ ﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأشْرَكْتُمُونِي أيْ: كَفَرْتُ اليَوْمَ بِإشْراكِكم إيّايَ مَعَ اللهِ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ أيْ: في الدُنْيا كَقَوْلِهِ "وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ" ومَعْنى كُفْرِهِ بِإشْراكِهِمْ إيّاهُ تَبَرُّؤُهُ مِنهُ واسْتِنْكارُهُ لَهُ كَقَوْلِهِ ﴿إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٤] أوْ "مِن قَبْلُ" مُتَعَلِّقٌ بِكَفَرْتُ وما مَوْصُولَةٌ أيْ: كَفَرْتُ مِن قَبْلُ حِينَ أبَيْتُ السُجُودَ لِآدَمَ بِالَّذِي أشْرَكْتُمُونِيهِ وهو اللهُ عَزَّ وجَلَّ تَقُولُ أشْرَكَنِي فُلانٌ أيْ: جَعَلَنِي لَهُ شَرِيكًا ومَعْنى إشْراكِهِمُ الشَيْطانَ بِاللهِ طاعَتُهم لَهُ فِيما كانَ يُزَيِّنُهُ لَهم مِن عِبادَةِ الأوْثانِ وهَذا (p-١٧١)آخِرُ قَوْلِ الشَيْطانِ، وقَوْلُهُ ﴿إنَّ الظالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ هو مِن تَمامِ كَلامِ إبْلِيسَ وإنَّما حَكى اللهُ عَزَّ وجَلَّ ما سَيَقُولُهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِيَكُونَ لُطْفًا لِلسّامِعِينَ.

14:23Page 258

وَأُدۡخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡۖ تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٌ ٢٣

And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"

﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ عَطْفٌ عَلى بَرَزُوا ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُدْخِلَ أيْ: أدْخَلَتْهُمُ المَلائِكَةُ الجَنَّةَ بِإذْنِ اللهِ وأمْرِهِ ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ هو تَسْلِيمُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في الجَنَّةِ أوْ تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ.

14:24Page 258

أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٢٤

Have you not considered how Allāh presents an example, [making] a good word like a good tree, whose root is firmly fixed and its branches [high] in the sky?

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا﴾ أيْ: وصَفَهُ وبَيَّنَهُ ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ أيْ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ "ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا" نَحْوُ شَرَّفَ الأمِيرُ زَيْدًا: كَساهُ حُلَّةً وحَمَلَهُ عَلى فَرَسٍ، أوِ انْتَصَبَ مَثَلًا وكَلِمَةً بِضَرَبَ أيْ: ضَرَبَ كَلِمَةً طَيِّبَةً مَثَلًا يَعْنِي جَعَلَها مَثَلًا ثُمَّ قالَ "كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ" عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ أيْ: في الأرْضِ ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ فِيها ﴿وَفَرْعُها﴾ وأعْلاها ورَأْسُها ﴿فِي السَماءِ﴾ والكَلِمَةُ الطَيِّبَةُ:كَلِمَةُ التَوْحِيدِ أصْلُها تَصْدِيقٌ بِالجَنانِ وفَرْعُها إقْرارٌ بِاللِسانِ وأُكُلُها عَمَلُ الأرْكانِ وكَما أنَّ الشَجَرَةَ شَجَرَةٌ وإنْ لَمْ تَكُنْ حامِلًا فالمُؤْمِنُ مُؤْمِنٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ عامِلًا ولَكِنَّ الأشْجارَ لا تُرادُ إلّا لِلثِّمارِ فَما أقْواتُ النارِ إلّا مِنَ الأشْجارِ إذا اعْتادَتِ الإخْفارَ في عَهْدِ الإثْمارِ، والشَجَرَةُ: كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةُ الثِمارِ كالنَخْلَةِ وشَجَرَةِ التِينِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها النَخْلَةُ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ ذاتَ يَوْمٍ إنَّ اللهَ تَعالى ضَرَبَ مَثَلَ المُؤْمِنِ شَجَرَةً فَأخْبِرُونِي ما هي فَوَقَعَ الناسُ في شَجَرِ البَوادِي وكُنْتُ صَبِيًّا فَوَقَعَ في قَلْبِي أنَّها النَخْلَةُ فَهِبْتُ (p-١٧٢)رَسُولَ اللهِ ﷺ أنْ أقُولَها وأنا أصْغَرُ القَوْمِ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:ألا إنَّها النُخْلَةُ فَقالَ عُمَرُ يا بُنَيَّ لَوْ كُنْتَ قُلْتَها لَكانَتْ أحَبَّ إلَيَّ مِن حُمْرِ النِعَمِ »

14:25Page 259

تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥

It produces its fruit all the time, by permission of its Lord. And Allāh presents examples for the people that perhaps they will be reminded.

﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ تُعْطِي ثَمَرَها كُلَّ وقْتٍ وقَّتَهُ اللهُ لِإثْمارِها ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ بِتَيْسِيرِ خالِقِها وتَكْوِينِهِ ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾، لِأنَّ في ضَرْبِ الأمْثالِ زِيادَةَ إفْهامٍ وتَذْكِيرٍ وتَصْوِيرٍ لِلْمَعانِي.

14:26Page 259

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ ٢٦

And the example of a bad word is like a bad tree, uprooted from the surface of the earth, not having any stability.

﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كَلِمَةُ الكُفْرِ ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كُلُّ شَجَرَةٍ لا يَطِيبُ ثَمَرُها وفي الحَدِيثِ «أنَّها شَجَرَةُ الحَنْظَلِ »﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ اسْتُؤْصِلَتْ جُثَّتُها وحَقِيقَةُ الِاجْتِثاثِ:أخْذُ الجُثَّةِ كُلِّها وهو في مُقابَلَةِ أصْلُها ثابِتٌ ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾ أيِ اسْتِقْرارٍ يُقالُ قَرَّ الشَيْءُ قَرارًا كَقَوْلِكَ ثَبَتَ ثَباتًا شَبَّهَ بِها القَوْلَ الَّذِي لَمْ يُعَضَّدْ بِحُجَّةٍ فَهو داحِضٌ غَيْرُ ثابِتٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском