An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:104–128
16:104Page 279
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤
Indeed, those who do not believe in the verses of Allāh - Allāh will not guide them, and for them is a painful punishment.
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ أيِ القُرْآنِ ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللهُ﴾ ما دامُوا مُخْتارِينَ الكُفْرَ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ عَلى كُفْرِهِمْ.
16:105Page 279
إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥
They only invent falsehood who do not believe in the verses of Allāh, and it is those who are the liars.
﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ﴾ عَلى اللهِ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ أيْ: إنَّما يَلِيقُ افْتِراءُ الكَذِبِ بِمَن لا يُؤْمِنُ لِأنَّهُ لا يَتَرَقَّبُ عِقابًا عَلَيْهِ وهو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ "إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ"﴿وَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ أيْ: وأُولَئِكَ ﴿هُمُ الكاذِبُونَ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ الكامِلُونَ في الكَذِبِ، لِأنَّ تَكْذِيبَ آياتِ اللهِ أعْظَمُ الكَذِبِ أوْ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ.
16:106Page 279
مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦
Whoever disbelieves in [i.e., denies] Allāh after his belief...1 except for one who is forced [to renounce his religion] while his heart is secure in faith. But those who [willingly] open their breasts to disbelief, upon them is wrath from Allāh, and for them is a great punishment;
جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ شَرْطًا مُبْتَدَأً وحُذِفَ جَوابُهُ، لِأنَّ جَوابَ "مَن شَرَحَ" دالٌّ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ مَن كَفَرَ بِاللهِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴿إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ ساكِنٌ بِهِ ﴿وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ أيْ: طابَ بِهِ نَفْسًا واعْتَقَدَهُ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ [النحل: ١٠٥] عَلى أنْ يُجْعَلَ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] اعْتِراضًا بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ والمَعْنى: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ ثُمَّ قالَ ﴿وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ﴾ وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو أُولَئِكَ أيْ: ومَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ هُمُ الكاذِبُونَ، أوْ مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو الكاذِبُونَ أيْ: وأُولَئِكَ هم مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ وأنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَمِّ،
رُوِيَ أنَّ ناسًا مِن أهْلِ مَكَّةَ فُتِنُوا فارْتَدُّوا وكانَ فِيهِمْ مَن أُكْرِهَ فَأجْرى كَلِمَةَ الكُفْرِ عَلى لِسانِهِ وهو مُعْتَقِدٌ لِلْإيمانِ مِنهم عَمّارٌ وأمّا أبَواهُ ياسِرٌ (p-٢٣٦)وَسُمَيَّةُ فَقَدَ قُتِلا وهُما أوَّلُ قَتِيلَيْنِ في الإسْلامِ «فَقِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إنَّ عَمّارًا كَفَرَ فَقالَ: "كَلّا إنَّ عَمّارًا مُلِئَ إيمانًا مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ" "واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ" فَأتى عَمّارٌ رَسُولَ اللهِ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو يَبْكِي فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وقالَ ما لَكَ إنْ عادُوا لَكَ فَعُدْ لَهم بِما قُلْتَ »، وما فَعَلَ أبُو عَمّارٍ أفْضَلُ، لِأنَّ في الصَبْرِ عَلى القَتْلِ إعْزازًا لِلْإسْلامِ.
16:107Page 279
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠٧
That is because they preferred the worldly life over the Hereafter and that Allāh does not guide the disbelieving people.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الوَعِيدِ وهو لُحُوقُ الغَضَبِ والعَذابِ العَظِيمِ ﴿بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا﴾ آثَرُوا ﴿الحَياةَ الدُنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إيثارِهِمُ الدُنْيا عَلى الآخِرَةِ ﴿وَأنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ما دامُوا مُخْتارِينَ لِلْكُفْرِ.
16:108Page 279
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٠٨
Those are the ones over whose hearts and hearing and vision Allāh has sealed, and it is those who are the heedless.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ فَلا يَتَدَبَّرُونَ ولا يُصْغُونَ إلى المَواعِظِ ولا يُبْصِرُونَ طَرِيقَ الرَشادِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ، لِأنَّ الغَفْلَةَ عَنْ تَدَبُّرِ العَواقِبِ هي غايَةُ الغَفْلَةِ ومُنْتَهاها.
16:109–110Page 279
لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٠٩
Assuredly, it is they, in the Hereafter, who will be the losers.
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٠
Then, indeed your Lord, to those who emigrated after they had been compelled [to say words of disbelief] and thereafter fought [for the cause of Allāh] and were patient - indeed, your Lord, after that, is Forgiving and Merciful
﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ﴾ "ثُمَّ" يَدُلُّ عَلى تَباعُدِ حالِ هَؤُلاءِ مِن حالِ أُولَئِكَ ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ مِن مَكَّةَ أيْ: أنَّهُ لَهم لا عَلَيْهِمْ يَعْنِي أنَّهُ ولِيُّهم وناصِرُهم لا عَدُوُّهم وخاذِلُهم كَما يَكُونُ المُلْكُ لِلرَّجُلِ لا عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَحْمِيًّا مَنفُوعًا غَيْرَ مَضْرُورٍ (p-٢٣٧)﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ بِالعَذابِ والإكْراهِ عَلى الكُفْرِ "فَتَنُوا" شامِيٌّ أيْ: بَعْدَ ما عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ ثُمَّ أسْلَمُوا ﴿ثُمَّ جاهَدُوا﴾ المُشْرِكِينَ بَعْدَ الهِجْرَةِ ﴿وَصَبَرُوا﴾ عَلى الجِهادِ ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ مِن بَعْدِ هَذِهِ الأفْعالِ وهي الهِجْرَةُ والجِهادُ والصَبْرُ ﴿لَغَفُورٌ﴾ لَهم لِما كانَ مِنهم مِنَ التَكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ تَقِيَّةً ﴿رَحِيمٌ﴾ لا يُعَذِّبُهم عَلى ما قالُوا في حالَةِ الإكْراهِ.
16:111Page 280
۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١١١
On the Day when every soul will come disputing [i.e., pleading] for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].
﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ مَنصُوبٌ بِرَحِيمٍ أوْ بِاذْكُرْ ﴿كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ وإنَّما أُضِيفَتِ النَفْسُ إلى النَفْسِ، لِأنَّهُ يُقالُ لَعِينِ الشَيْءِ وذاتِهِ:نَفْسُهُ وفي نَقِيضِهِ غَيْرُهُ، والنَفْسُ: الجُمْلَةُ كَما هي فالنَفْسُ الأُولى هي الجُمْلَةُ والثانِيَةُ عَيْنُها وذاتُها فَكَأنَّهُ قِيلَ يَوْمَ يَأْتِي كُلُّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ ذاتِهِ لا يُهِمُّهُ شَأْنُ غَيْرِهِ كُلٌّ يَقُولُ نَفْسِي نَفْسِي ومَعْنى المُجادَلَةِ عَنْها الِاعْتِذارُ كَقَوْلِهِمْ ﴿هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ [الأحزاب: ٦٧] الآيَةُ ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ تُعْطى جَزاءَ عَمَلِها وافِيًا ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ في ذَلِكَ.
16:112Page 280
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢
And Allāh presents an example: a city [i.e., Makkah] which was safe and secure, its provision coming to it in abundance from every location, but it denied the favors of Allāh. So Allāh made it taste the envelopment of hunger and fear for what they had been doing.
﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا قَرْيَةً﴾ أيْ: جَعَلَ القَرْيَةَ الَّتِي هَذِهِ حالُها مَثَلًا لِكُلِّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِعْمَةُ فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا فَأنْزَلَ اللهُ بِهِمْ نِقْمَتَهُ فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ قَرْيَةً مُقَدَّرَةً عَلى هَذِهِ الصِفَةِ وأنْ تَكُونَ في قُرى الأوَّلِينَ قَرْيَةٌ كانَتْ هَذِهِ حالَها فَضَرَبَها اللهُ مَثَلًا لِمَكَّةَ إنْذارًا مِن مِثْلِ عاقِبَتِها ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ مِنَ القَتْلِ والسَبْيِ ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾ لا يُزْعِجُها خَوْفٌ، لِأنَّ الطُمَأْنِينَةَ مَعَ الأمْنِ والِانْزِعاجِ والقَلَقِ مَعَ الخَوْفِ ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا﴾ واسِعًا ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ مِن كُلِّ بَلَدٍ ﴿فَكَفَرَتْ﴾ أهْلُها ﴿بِأنْعُمِ اللهِ﴾ جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتاءِ كَدِرْعٍ وأدْرُعٍ أوْ جَمْعُ نُعْمٍ كَبُؤْسٍ وأبْؤُسٍ ﴿فَأذاقَها اللهُ (p-٢٣٨)لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ الإذاقَةُ واللِباسُ اسْتِعارَتانِ والإذاقَةُ المُسْتَعارَةُ مُوقَعَةٌ عَلى اللِباسِ المُسْتَعارِ ووَجْهُ صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّ الإذاقَةَ جارِيَةٌ عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ لِشُيُوعِها في البَلايا والشَدائِدِ وما يَمَسُّ الناسَ مِنها فَيَقُولُونَ ذاقَ فُلانٌ البُؤْسَ والضُرَّ وأذاقَهُ العَذابَ شُبِّهَ ما يُدْرَكُ مِن أثَرِ الضَرَرِ والألَمِ بِما يُدْرَكُ مِن طَعْمِ المُرِّ والبَشَعِ، وأمّا اللِباسُ فَقَدْ شُبِّهَ بِهِ - لِاشْتِمالِهِ عَلى اللابِسِ - ما غَشى الإنْسانَ والتَبَسَ بِهِ مِن بَعْضِ الحَوادِثِ وأمّا إيقاعُ الإذاقَةِ عَلى لِباسِ الجُوعِ والخَوْفِ فَلِأنَّهُ لَمّا وقَعَ عِبارَةً عَمّا يُغْشى مِنهُما ويُلابَسُ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَأذاقَهم ما غَشِيَهم مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ.
16:113Page 280
وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١١٣
And there had certainly come to them a Messenger from among themselves, but they denied him; so punishment overtook them while they were wrongdoers.
﴿وَلَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ أيْ: في حالِ التِباسِهِمْ بِالظُلْمِ قالُوا إنَّهُ القَتْلُ بِالسَيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وجَّهَ إلى أهْلِ مَكَّةَ في سِنِي القَحْطِ بِطَعامٍ فَفَرَّقَ فِيهِمْ فَقالَ اللهُ لَهم بَعْدَ أنْ أذاقَهُمُ الجُوعَ »
16:114Page 280
فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١١٤
Then eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And be grateful for the favor of Allāh, if it is [indeed] Him that you worship.
﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ عَلى يَدَيْ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿حَلالا طَيِّبًا﴾ بَدَلًا عَمّا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَهُ حَرامًا خَبِيثًا مِنَ الأمْوالِ المَأْخُوذَةِ بِالغاراتِ والغُصُوبِ وخَبائِثِ الكُسُوبِ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تُطِيعُونَ أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم أنَّكم تَعْبُدُونَ اللهَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ، لِأنَّها شُفَعاؤُكم عِنْدَهُ.
16:115Page 280
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٥
He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مُحَرَّماتِ اللهِ ونَهاهم عَنْ تَحْرِيمِهِمْ وتَحْلِيلِهِمْ بِأهْوائِهِمْ فَقالَ ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَمَ ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إنَّما لِلْحَصْرِ أيِ المُحَرَّمُ هَذا دُونَ البَحِيرَةِ وأخَواتِها وباقِي الآيَةِ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ (p-٢٣٩)
16:116Page 280
وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦
And do not say about what your tongues assert of untruth, "This is lawful and this is unlawful," to invent falsehood about Allāh. Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed.
﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ هو مَنصُوبٌ بِلا تَقُولُوا أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم مِنَ البَهائِمِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ في قَوْلِكم ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] مِن غَيْرِ اسْتِنادِ ذَلِكَ الوَصْفِ إلى الوَحْيِ أوْ إلى القِياسِ المُسْتَنْبَطِ مِنهُ واللامُ مِثْلُها في قَوْلِكَ:لا تَقُولُوا لِما أحَلَّ اللهُ هو حَرامٌ وقَوْلُهُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلٌ مِنَ الكَذِبِ ولَكَ أنْ تَنْصِبَ الكَذِبَ بِتَصِفُ وتَجْعَلَ ما مَصْدَرِيَّةً وتُعَلِّقَ "هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ" بِلا تَقُولُوا أيْ: ولا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ وهَذا لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ أيْ: ولا تَحُومُوا ولا تُحَلِّلُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم ويَجُولُ في أفْواهِكم لا لِأجْلِ حُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ ولَكِنْ قَوْلٌ ساذَجٌ ودَعْوى بِلا بُرْهانِ وقَوْلُهُ "تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ" مِن فَصِيحِ الكَلامِ جَعَلَ قَوْلَهم كَأنَّهُ عَيْنُ الكَذِبِ فَإذا نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَتُهم فَقَدْ حَلَّتِ الكَذِبَ بِحِلِّيَتِهِ وصَوَّرَتْهُ بِصُورَتِهِ كَقَوْلِكَ وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ وعَيْنُها تَصِفُ السِحْرَ، واللامُ في ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللهِ الكَذِبَ﴾ مِنَ التَعْلِيلِ الَّذِي لا يَتَضَمَّنُ مَعْنى الغَرَضِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾
16:117Page 280
مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١٧
[It is but] a brief enjoyment, and they will have a painful punishment.
﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ: مَنفَعَتُهم فِيما هم عَلَيْهِ مِن أفْعالِ الجاهِلِيَّةِ مَنفَعَةٌ قَلِيلَةٌ وعَذابُها عَظِيمٌ.
16:118Page 280
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا مَا قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُۖ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٨
And to those who are Jews We have prohibited that which We related to you before.1 And We did not wrong them [thereby], but they were wronging themselves.
﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ في سُورَةِ الأنْعامِ يَعْنِي "وَعَلى الَّذِينَ هادَوْا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ" الآيَةَ ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِالتَحْرِيمِ ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ فَحَرَّمْنا عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً عَلى مَعاصِيهِمْ.
16:119Page 281
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ ١١٩
Then, indeed your Lord, to those who have done wrong out of ignorance and then repent after that and correct themselves - indeed, your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.
﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُوءَ بِجَهالَةٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: (p-٢٤٠)عَمِلُوا السُوءَ جاهِلِينَ غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ لِلْعاقِبَةِ لِغَلَبَةِ الشَهْوَةِ عَلَيْهِمْ ومُرادُهم لَذَّةُ الهَوى لا عِصْيانُ المَوْلى ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ مِن بَعْدِ التَوْبَةِ ﴿لَغَفُورٌ﴾ بِتَكْفِيرِ ما كَثَّرُوا قَبْلُ مِنَ الجَرائِمِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِتَوْثِيقِ ما وثَّقُوا بَعْدُ مِنَ العَزائِمِ.
16:120Page 281
إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٠
Indeed, Abraham was a [comprehensive] leader,1 devoutly obedient to Allāh, inclining toward truth, and he was not of those who associate others with Allāh.
﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ إنَّهُ كانَ وحْدَهُ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ لِكَمالِهِ في جَمِيعِ صِفاتِ الخَيْرِ كَقَوْلِهِ
لَيْسَ عَلى اللهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ
وَعَنْ مُجاهِدٍ: كانَ مُؤْمِنًا وحْدَهُ، والناسُ كُلُّهم كُفّارٌ أوْ كانَ أُمَّةً بِمَعْنى مَأْمُومٍ يَؤُمُّهُ الناسُ لِيَأْخُذُوا مِنهُ الخَيْرَ ﴿قانِتًا لِلَّهِ﴾ هو القائِمُ بِما أمَرَهُ اللهُ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - إنَّ مُعاذًا كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ فَقِيلَ لَهُ إنَّما هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالَ الأُمَّةُ الَّذِي يَعْلَمُ الخَيْرَ والقانِتُ المُطِيعُ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وكانَ مُعاذٌ كَذَلِكَ، «وَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لَوْ كانَ مُعاذٌ حَيًّا لاسْتَخْلَفْتُهُ فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ أبُو عُبَيْدَةَ أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ ومُعاذٌ أمَّةُ لِلَّهِ قانِتٌ لِلَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا المُرْسَلُونَ »﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنِ الأدْيانِ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ نَفى عَنْهُ الشِرْكَ تَكْذِيبًا لِكُفّارِ قُرَيْشٍ لِزَعْمِهِمْ أنَّهم عَلى مِلَّةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ وحَذْفُ النُونِ لِلتَّشْبِيهِ بِحُرُوفِ اللِينِ.
16:121Page 281
شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٢١
[He was] grateful for His favors. He [i.e., Allāh] chose him and guided him to a straight path.
﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ كانَ لا يَتَغَدّى إلّا مَعَ ضَيْفٍ فَلَمْ يَجِدْ ذاتَ يَوْمٍ ضَيْفًا فَأخَّرَ غَداءَهُ فَإذا هو بِفَوْجٍ مِنَ المَلائِكَةِ في صُورَةِ البَشَرِ فَدَعاهم إلى الطَعامِ فَخَيَّلُوا لَهُ أنَّ بِهِمْ جُذامًا فَقالَ الآنَ وجَبَتْ مُؤاكَلَتُكم (p-٢٤١)شُكْرًا لِلَّهِ عَلى أنَّهُ عافانِي وابْتَلاكم ﴿اجْتَباهُ﴾ اخْتَصَّهُ واصْطَفاهُ لِلنُّبُوَّةِ ﴿وَهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ.
16:122Page 281
وَءَاتَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٢٢
And We gave him good in this world, and indeed, in the Hereafter he will be among the righteous.
﴿وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً﴾ نُبُوَّةً وأمْوالًا وأوْلادًا أوْ تَنْوِيهَ اللهِ بِذِكْرِهِ فَكُلُّ أهْلِ دِينٍ يَتَوَلَّوْنَهُ أوْ قَوْلَ المُصَلِّي مِنّا كَما صَلَّيْتَ عَلىإبْراهِيمَ ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ لَمِن أهْلِ الجَنَّةِ.
16:123Page 281
ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٣
Then We revealed to you, [O Muḥammad], to follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of those who associate with Allāh.
﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ في ثُمَّ تَعْظِيمُ مَنزِلَةِ نَبِيِّنا ﷺ وإجْلالُ مَحَلِّهِ والإيذانُ بِأنَّ أشْرَفَ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللهِ مِنَ الكَرامَةِ اتِّباعُ رَسُولِنا مِلَّتَهُ.
16:124Page 281
إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبۡتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٢٤
The sabbath was only appointed for those who differed over it. And indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
﴿إنَّما جُعِلَ السَبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: فُرِضَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمُهُ وتَرْكُ الِاصْطِيادِ فِيهِ ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَهم أنْ يَجْعَلُوا في الأُسْبُوعِ يَوْمًا لِلْعِبادَةِ وأنْ يَكُونَ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَأبَوْا عَلَيْهِ وقالُوا نُرِيدُ اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ اللهُ فِيهِ مِن خَلْقِ السَمَواتِ والأرْضِ وهو السَبْتُ إلّا شِرْذِمَةً مِنهم قَدْ رَضُوا بِالجُمْعَةِ فَهَذا اخْتِلافُهم في السَبْتِ، لِأنَّ بَعْضَهُمُ اخْتارُوهُ وبَعْضَهُمُ اخْتارُوا عَلَيْهِ الجُمْعَةَ فَأذِنَ اللهُ لَهم في السَبْتِ وابْتَلاهم بِتَحْرِيمِ الصَيْدِ فَأطاعَ أمْرَ اللهِ الراضُونَ بِالجُمْعَةِ فَكانُوا لا يَصِيدُونَ وأعْقابُهم لَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الصَيْدِ فَمَسَخَهُمُ اللهُ دُونَ أُولَئِكَ وهو يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجازِي كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِما هو أهْلُهُ.
16:125Page 281
ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٢٥
Invite to the way of your Lord with wisdom and good instruction, and argue with them in a way that is best. Indeed, your Lord is most knowing of who has strayed from His way, and He is most knowing of who is [rightly] guided.
﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ إلى الإسْلامِ ﴿بِالحِكْمَةِ﴾ بِالمَقالَةِ الصَحِيحَةِ المُحْكَمَةِ وهو الدَلِيلُ المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ المُزِيلِ لِلشُّبْهَةِ ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ وهي الَّتِي لا يَخْفى عَلَيْهِمْ أنَّكَ تُناصِحُهم بِها وتَقْصِدُ ما يَنْفَعُهم فِيها أوْ (p-٢٤٢)بِالقُرْآنِ أيِ ادْعُهم بِالكِتابِ الَّذِي هو حِكْمَةٌ ومَوْعِظَةٌ حَسَنَةٌ والحِكْمَةُ المَعْرِفَةُ بِمَراتِبِ الأفْعالِ والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ: أنْ يَخْلِطَ الرَغْبَةَ بِالرَهْبَةِ والإنْذارَ بِالبِشارَةِ ﴿وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ بِالطَرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ مِنَ الرِفْقِ واللِينِ مِن غَيْرِ فَظاظَةٍ أوْ بِما يُوقِظُ القُلُوبَ ويَعِظُ النُفُوسَ ويَجْلُو العُقُولَ وهو رَدٌّ عَلى مَن يَأْبى المُناظَرَةَ في الدِينِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ: هو أعْلَمُ بِهِمْ فَمَن كانَ فِيهِ خَيْرٌ كَفاهُ الوَعْظُ القَلِيلُ ومَن لا خَيْرَ فِيهِ عَجَزَتْ عَنْهُ الحِيَلُ.
16:126Page 281
وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ ١٢٦
And if you punish [an enemy, O believers], punish with an equivalent of that with which you were harmed.1 But if you are patient - it is better for those who are patient.
﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ سَمّى الفِعْلَ الأوَّلَ عُقُوبَةً والعُقُوبَةُ هي الثانِيَةُ لِازْدِواجِ الكَلامِ كَقَوْلِهِ "جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها" فالثانِيَةُ لَيْسَتْ بِسَيِّئَةٍ والمَعْنى: إنْ صُنِعَ بِكم صَنِيعُ سُوءٍ مِن قَتْلٍ أوْ نَحْوِهِ فَقابِلُوهُ بِمِثْلِهِ ولا تَزِيدُوا عَلَيْهِ، رُوِيَ «أنَّ المُشْرِكِينَ مَثَّلُوا بِالمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ بَقَرُوا بُطُونَهم وقَطَعُوا مَذاكِيرَهم فَرَأى النَبِيُّ ﷺ حَمْزَةَ مَبْقُورَ البَطْنِ فَقالَ:" أما والَّذِي أحْلِفُ بِهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مَكانَكَ" فَنَزَلَتْ فَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ وكَفَّ عَمّا أرادَهُ » ولا خِلافَ في تَحْرِيمِ المُثْلَةِ لِوُرُودِ الأخْبارِ بِالنَهْيِ عَنْها حَتّى بِالكَلْبِ العَقُورِ ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ الضَمِيرُ في "لَهُوَ" يَرْجِعُ إلى مَصْدَرِ "صَبَرْتُمْ" والمُرادُ بِالصابِرِينَ المُخاطِبُونَ أيْ: ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَصَبْرُكم خَيْرٌ لَكم، فَوَضْعُ الصابِرِينَ مَوْضِعَ الضَمِيرِ ثَناءٌ مِنَ اللهِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم صابِرُونَ عَلى الشَدائِدِ.
16:127Page 281
وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ١٢٧
And be patient, [O Muḥammad], and your patience is not but through Allāh. And do not grieve over them and do not be in distress over what they conspire.
ثُمَّ قالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿واصْبِرْ﴾ أنْتَ فَعَزَمَ عَلَيْهِ بِالصَبْرِ ﴿وَما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ﴾ أيْ: بِتَوْفِيقِهِ وتَثْبِيتِهِ ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى الكُفّارِ أنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وعَلى المُؤْمِنِينَ (p-٢٤٣)وَما فَعَلَ بِهِمُ الكُفّارُ فَإنَّهم وصَلُوا إلى مَطْلُوبِهِمْ ﴿وَلا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ "ضِيقٍ" مَكِّيٌّ، والضَيْقُ تَخْفِيفُ الضَيِّقِ أيْ: في أمْرٍ ضَيِّقٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ كالقِيلِ والقَوْلِ والمَعْنى: ولا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ مِن مَكْرِهِمْ فَإنَّهُ لا يُنَفَّذُ عَلَيْكَ.
16:128Page 281
إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ ١٢٨
Indeed, Allāh is with those who fear Him and those who are doers of good.
﴿إنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ أيْ: هو ولِيُّ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا السَيِّئاتِ ووَلِيُّ العامِلِينَ بِالطاعاتِ قِيلَ مَنِ اتَّقى في أفْعالِهِ وأحْسَنَ في أعْمالِهِ كانَ اللهُ مَعَهُ في أحْوالِهِ، ومَعِيَّتُهُ: نُصْرَتُهُ في المَأْمُورِ وعِصْمَتُهُ في المَحْظُورِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences