An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:72–103
16:72Page 274
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ ٧٢
And Allāh has made for you from yourselves mates and has made for you from your mates sons and grandchildren and has provided for you from the good things. Then in falsehood do they believe and in the favor of Allāh they disbelieve?
﴿واللهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ أيْ: مِن جِنْسِكم ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ جَمْعُ حافِدٍ وهو الَّذِي يَحْفِدُ أيْ: يُسْرِعُ في الطاعَةِ والخِدْمَةِ ومِنهُ قَوْلُ القانِتِ: وإلَيْكَ نَسْعى ونَحْفِدُ واخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: هُمُ الأخْتانُ عَلى البَناتِ وقِيلَ: أوْلادُ الأوْلادِ والمَعْنى: وجَعَلَ لَكم حَفَدَةً (p-٢٢٤)أيْ: خَدَمًا يَحْفِدُونَ في مَصالِحِكم ويُعِينُونَكم ﴿وَرَزَقَكم مِنَ الطَيِّباتِ﴾ أيْ: بَعْضَها، لِأنَّ كُلَّ الطَيِّباتِ في الجَنَّةِ، وطَيِّباتُ الدُنْيا أنَمُوذَجٌ مِنها ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ هو ما يَعْتَقِدُونَهُ مِن مَنفَعَةِ الأصْنامِ وشَفاعَتِها ﴿وَبِنِعْمَةِ اللهِ﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيِ الإسْلامِ ﴿هم يَكْفُرُونَ﴾ أوِ الباطِلُ الشَيْطانُ، والنِعْمَةُ مُحَمَّدٌ ﷺ أوِ الباطِلُ ما يُسَوِّلُ لَهُمُ الشَيْطانُ مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسائِبَةِ وغَيْرِهِما، ونِعْمَةُ اللهِ ما أحَلَّ لَهُمْ.
16:73Page 275
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٧٣
And they worship besides Allāh that which does not possess for them [the power of] provision from the heavens and the earth at all, and [in fact], they are unable.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ أيِ الصَنَمَ وهو جَمادٌ لا يَمْلِكُ أنْ يَرْزُقَ شَيْئًا فالرِزْقُ يَكُونُ بِمَعْنى المَصْدَرِ وبِمَعْنى ما يُرْزَقُ فَإنْ أرَدْتَ المَصْدَرَ نَصَبْتَ بِهِ شَيْئًا أيْ: لا يَمْلِكُ أنْ يَرْزُقَ شَيْئًا وإنْ أرَدْتَ المَرْزُوقَ كانَ شَيْئًا بَدَلًا مِنهُ أيْ قَلِيلًا، و"مِنَ السَمَواتِ والأرْضِ" صِلَةٌ لِلرِّزْقِ إنْ كانَ مَصْدَرًا أيْ: لا يَرْزُقُ مِنَ السَمَواتِ مَطَرًا ولا مِنَ الأرْضِ نَباتًا، وصِفَةٌ إنْ كانَ اسْمًا لِما يُرْزَقُ والضَمِيرُ في ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لِما، لِأنَّهُ في مَعْنى الآلِهَةِ بَعْدَما قالَ لا يَمْلِكُ عَلى اللَفْظِ، والمَعْنى: لا يَمْلِكُونَ الرِزْقَ ولا يُمْكِنُهم أنْ يَمْلِكُوهُ ولا يَتَأتّى ذَلِكَ مِنهُمْ.
16:74Page 275
فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧٤
So do not assert similarities to Allāh.1 Indeed, Allāh knows and you do not know.
﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ مَثَلًا فَإنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ أيْ: فَلا تَجْعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ" أنَّ اللهَ يَعْلَمُ" أنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ مِنَ الخَلْقِ ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ أوْ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ كَيْفَ يَضْرِبُ الأمْثالَ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، والوَجْهُ: الأوَّلُ.
16:75Page 275
۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٧٥
Allāh presents an example: a slave [who is] owned and unable to do a thing and he to whom We have provided from Us good provision, so he spends from it secretly and publicly. Can they be equal? Praise to Allāh! But most of them do not know.
ثُمَّ ضَرَبَ المَثَلَ فَقالَ ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلا عَبْدًا﴾ هو بَدَلٌ مِن مَثَلًا ﴿مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَثَلُكم في إشْراكِكم بِاللهِ الأوْثانَ مَثَلُ مَن سَوّى بَيْنِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ عاجِزٍ عَنِ التَصَرُّفِ وبَيْنَ حُرٍّ مالِكٍ قَدْ رَزَقَهُ اللهُ مالًا فَهو يَتَصَرَّفُ فِيهِ ويُنْفِقُ مِنهُ (p-٢٢٥)ما شاءَ وقُيِّدَ بِالمَمْلُوكِ لِيُمَيِّزَهُ مِنَ الحُرِّ، لِأنَّ اسْمَ العَبْدِ يَقَعُ عَلَيْهِما جَمِيعًا إذْ هُما مِن عِبادِ اللهِ وبِ"لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ" لِيَمْتازَ مِنَ المَكاتَبِ والمَأْذُونِ فَهُما يَقْدِرانِ عَلى التَصَرُّفِ ومَن مَوْصُوفَةٌ أيْ: وحُرًّا رَزَقْناهُ لِيُطابِقَ عَبْدًا أوْ مَوْصُولَةٌ ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ جَمَعَ الضَمِيرَ لِإرادَةِ الجَمْعِ أيْ: لا يَسْتَوِي القَبِيلانِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ بِأنَّ الحَمْدَ والعِبادَةَ لِلَّهِ.
16:76Page 275
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٦
And Allāh presents an example of two men, one of them dumb and unable to do a thing, while he is a burden to his guardian. Wherever he directs him, he brings no good. Is he equal to one who commands justice, while he is on a straight path?
ثُمَّ زادَ في البَيانِ فَقالَ ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ الأبْكَمُ الَّذِي وُلِدَ أخْرَسَ فَلا يَفْهَمُ ولا يُفْهِمُ ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ أيْ: ثِقْلٌ وعِيالٌ عَلى مَن يَلِي أمْرَهُ ويَعُولُهُ ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ حَيْثُما يُرْسِلْهُ ويَصْرِفْهُ في مَطْلَبِ حاجَةٍ أوْ كِفايَةِ مُهِمٍّ لَمْ يَنْفَعْ ولَمْ يَأْتِ بِنُجْحٍ ﴿هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ أيْ: ومَن هو سَلِيمُ الحَوّاسِ نَفّاعٌ ذُو كِفاياتٍ مَعَ رُشْدٍ ودِيانَةٍ فَهو يَأْمُرُ الناسَ بِالعَدْلِ والخَيْرِ ﴿وَهُوَ﴾ في نَفْسِهِ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ عَلى سِيرَةٍ صالِحَةٍ ودِينٍ قَوِيمٍ، وهَذا مَثَلٌ ثانٍ ضَرَبَهُ لِنَفْسِهِ ولِما يُفِيضُ عَلى عِبادِهِ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ ونِعْمَتِهِ ولِلْأصْنامِ الَّتِي هي أمْواتٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
16:77Page 275
وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٧٧
And to Allāh belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allāh is over all things competent.
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: يَخْتَصُّ بِهِ عِلْمُ ما غابَ فِيهِما عَنِ العِبادِ وخَفِيَ عَلَيْهِمْ عِلْمُهُ أوْ أرادَ بِغَيْبِ السَمَواتِ والأرْضِ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أنَّ عِلْمَهُ غائِبٌ عَنْ أهْلِ السَمَواتِ والأرْضِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنهم ﴿وَما أمْرُ الساعَةِ﴾ في قُرْبِ كَوْنِها وسُرْعَةِ قِيامِها ﴿إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ كَرَجْعِ طَرْفٍ وإنَّما ضَرَبَ بِهِ المَثَلَ، لِأنَّهُ لا يُعْرَفُ زَمانٌ أقَلُّ مِنهُ ﴿أوْ هُوَ﴾ أيِ الأمْرُ ﴿أقْرَبُ﴾ ولَيْسَ هَذا لِشَكِّ المُخاطِبِ ولَكِنَّ المَعْنى: كُونُوا في كَوْنِها عَلى هَذا الِاعْتِبارِ وقِيلَ: بَلْ هو أقْرَبُ ﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو يَقْدِرُ (p-٢٢٦)عَلى أنْ يُقِيمَ الساعَةَ ويَبْعَثَ الخَلْقَ، لِأنَّهُ بَعْضُ المَقْدُوراتِ.
16:78Page 275
وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٨
And Allāh has extracted you from the wombs of your mothers not knowing a thing, and He made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect] that perhaps you would be grateful.
ثُمَّ دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ بِما بَعْدَهُ فَقالَ ﴿واللهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ وبِكَسْرِ الألِفِ وفَتْحِ المِيمِ عَلِيٌّ، إتْباعًا لِكَسْرَةِ النُونِ وبِكَسْرِهِما: حَمْزَةُ والهاءُ مَزِيدَةٌ في أُمَّهاتٍ لِلتَّوْكِيدِ كَما زِيدَتْ في أراقَ فَقِيلَ: أهْراقَ وشَذَّتْ زِيادَتُها في الواحِدَةِ ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ حالٌ أيْ: غَيْرَ عالِمِينَ شَيْئًا مِن حَقِّ المُنْعِمِ الَّذِي خَلَقَكم في البُطُونِ ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: وما رَكَّبَ فِيكم هَذِهِ الأشْياءَ إلّا آلاتٍ لِإزالَةِ الجَهْلِ الَّذِي وُلِدْتُمْ عَلَيْهِ واجْتِلابِ العِلْمِ والعَمَلِ بِهِ مِن شُكْرِ المُنْعِمِ وعِبادَتِهِ والقِيامِ بِحُقُوقِهِ، والأفْئِدَةُ في فُؤادٍ كالأغْرِبَةِ في غُرابٍ وهو مِن جُمُوعِ القِلَّةِ الَّتِي جَرَتْ مَجْرى جُمُوعِ الكَثْرَةِ لِعَدَمِ السَماعِ في غَيْرِها.
16:79Page 275
أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٧٩
Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allāh. Indeed in that are signs for a people who believe.
﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ وبِالتاءِ شامِيٌّ وحَمْزَةُ ﴿إلى الطَيْرِ مُسَخَّراتٍ﴾ مُذَلَّلاتٍ لِلطَّيَرانِ بِما خُلِقَ لَها مِنَ الأجْنِحَةِ والأسْبابِ المُواتِيَةِ لِذَلِكَ ﴿فِي جَوِّ السَماءِ﴾ هو الهَواءُ المُتَباعِدُ مِنَ الأرْضِ في سَمْتِ العُلُوِّ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ في قَبْضِهِنَّ وبَسْطِهِنَّ ووُقُوفِهِنَّ ﴿إلا اللهُ﴾ بِقُدْرَتِهِ وفِيهِ نَفْيٌ لِما يُصَوِّرُهُ الوَهْمُ عَنْ خاصِّيَّةِ القُوى الطَبِيعِيَّةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
بِأنَّ الخَلْقَ لا غِنى بِهِ عَنِ الخالِقِ.
16:80Page 276
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٨٠
And Allāh has made for you from your homes a place of rest and made for you from the hides of the animals tents which you find light on your day of travel and your day of encampment; and from their wool, fur and hair is furnishing and enjoyment [i.e., provision] for a time.
﴿واللهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ هو فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ: ما يُسْكَنُ إلَيْهِ ويَنْقَطِعُ إلَيْهِ مِن بَيْتٍ أوْ إلْفٍ ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ هي قِبابُ الأُدُمِ ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾ تَرَوْنَها خَفِيفَةَ المَحْمَلِ في الضَرْبِ والنَقْضِ والنَقْلِ ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ بِسُكُونِ العَيْنِ كُوفِيٌّ وشامِيٌّ،وَبِفَتْحِ العَيْنِ غَيْرُهم (p-٢٢٧)والظَعْنُ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِها الِارْتِحالُ ﴿وَيَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾ قَرارِكم في مَنازِلِكم والمَعْنى: أنَّها خَفِيفَةٌ عَلَيْكم في أوْقاتِ السَفَرِ والحَضَرِ عَلى أنَّ اليَوْمَ بِمَعْنى الوَقْتِ ﴿وَمِن أصْوافِها﴾ أيْ: أصْوافِ الضَأْنِ ﴿وَأوْبارِها﴾ وأوْبارِ الإبِلِ ﴿وَأشْعارِها﴾ وأشْعارِ المَعْزِ ﴿أثاثًا﴾ مَتاعُ البَيْتِ ﴿وَمَتاعًا﴾ وشَيْئًا يُنْتَفَعُ بِهِ ﴿إلى حِينٍ﴾ مُدَّةً مِنَ الزَمانِ.
16:81Page 276
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ ٨١
And Allāh has made for you, from that which He has created, shadows [i.e., shade] and has made for you from the mountains, shelters and has made for you garments which protect you from the heat and garments [i.e., coats of mail] which protect you from your [enemy in] battle. Thus does He complete His favor upon you that you might submit [to Him].
﴿واللهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا﴾ كالأشْجارِ والسُقُوفِ ﴿وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ جَمْعُ كِنٍّ وهو ما سَتَرَكَ مِن كَهْفٍ أوْ غارٍ ﴿وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ﴾ هي القُمْصانُ والثِيابُ مِنَ الصُوفِ والكَتّانِ والقُطْنِ ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ وهي تَقِي البَرْدَ أيْضًا إلّا أنَّهُ اكْتَفى بِأحَدِ الضِدَّيْنِ ولِأنَّ الوِقايَةَ مِنَ الحَرِّ أهَمُّ عِنْدَهم لِكَوْنِ البَرْدِ يَسِيرًا مُحْتَمَلًا ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ ودُرُوعًا مِنَ الحَدِيدِ تَرُدُّ عَنْكم سِلاحَ عَدُوِّكم في قِتالِكم والبَأْسُ شِدَّةُ الحَرْبِ والسِرْبالُ عامٌّ يَقَعُ عَلى ما كانَ مِن حَدِيدٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ أيْ: تَنْظُرُونَ في نِعْمَتِهِ الفائِضَةِ فَتُؤْمِنُونَ بِهِ وتَنْقادُونَ لَهُ.
16:82Page 276
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٨٢
But if they turn away, [O Muḥammad] - then only upon you is [responsibility for] clear notification.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: فَلا تَبِعَةَ عَلَيْكَ في ذَلِكَ، لِأنَّ الَّذِي عَلَيْكَ هو التَبْلِيغُ الظاهِرُ وقَدْ فَعَلْتَ.
16:83Page 276
يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٣
They recognize the favor of Allāh; then they deny it. And most of them are disbelievers.
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ﴾ الَّتِي عَدَدْناها بِأقْوالِهِمْ فَإنَّهم يَقُولُونَ إنَّها مِنَ اللهِ ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ بِأفْعالِهِمْ حَيْثُ عَبَدُوا غَيْرَ المُنْعِمِ أوْ في الشِدَّةِ ثُمَّ في الرَخاءِ ﴿وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ أيِ الجاحِدُونَ غَيْرُ المُعْتَرِفِينَ أوْ نِعْمَةُ اللهِ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ كانُوا يَعْرِفُونَها ثُمَّ يُنْكِرُونَها عِنادًا وأكْثَرُهُمُ الجاحِدُونَ المُنْكِرُونَ بِقُلُوبِهِمْ وثُمَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ إنْكارَهم أمْرٌ مُسْتَبْعَدٌ بَعْدَ حُصُولِ (p-٢٢٨)المَعْرِفَةِ، لِأنَّ حَقَّ مَن عَرَفَ النِعْمَةَ أنْ يَعْتَرِفَ لا أنْ يُنْكِرَ.
16:84Page 276
وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٨٤
And [mention] the Day when We will resurrect from every nation a witness [i.e., their prophet]. Then it will not be permitted to the disbelievers [to apologize or make excuses], nor will they be asked to appease [Allāh].
﴿وَيَوْمَ﴾ انْتِصابُهُ بِاذْكُرْ ﴿نَبْعَثُ﴾ نَحْشُرُ ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ نَبِيًّا يَشْهَدُ لَهم وعَلَيْهِمْ بِالتَصْدِيقِ والتَكْذِيبِ والإيمانِ والكُفْرِ ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الِاعْتِذارِ والمَعْنى: لا حُجَّةَ لَهم فَدَلَّ بِتَرْكِ الإذْنِ عَلى أنْ لا حُجَّةَ لَهم ولا عُذْرَ ﴿وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ولا هم يُسْتَرْضَوْنَ أيْ: لا يُقالُ لَهم أرْضُوا رَبَّكم، لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ ومَعْنى "ثُمَّ" أنَّهم يُمْنَوْنَ أيْ: يُبْتَلَوْنَ بَعْدَ شَهادَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِما هو أطَمُّ وأغْلَبُ مِنها وهو أنَّهم يُمْنَعُونَ الكَلامَ فَلا يُؤْذَنُ لَهم في إلْقاءِ مَعْذِرَةٍ ولا إدْلاءٍ بِحُجَّةٍ.
16:85Page 276
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلۡعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٥
And when those who wronged see the punishment, it will not be lightened for them, nor will they be reprieved.
﴿وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كَفَرُوا ﴿العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أيِ العَذابُ بَعْدَ الدُخُولِ ﴿وَلا هم يُنْظَرُونَ﴾ يُمْهَلُونَ قَبْلَهُ.
16:86Page 276
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ قَالُواْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ فَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلَ إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٨٦
And when those who associated others with Allāh see their "partners," they will say, "Our Lord, these are our partners [to You] whom we used to invoke [in worship] besides You." But they will throw at them the statement, "Indeed, you are liars."
﴿وَإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ أوْثانَهُمُ الَّتِي عَبَدُوها ﴿قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا﴾ أيْ: آلِهَتُنا الَّتِي جَعَلْناها شُرَكاءَ ﴿الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ﴾ أيْ: نَعْبُدُ ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: أجابُوهم بِالتَكْذِيبِ، لِأنَّها كانَتْ جَمادًا لا تَعْرِفُ مَن عَبَدَها ويُحْتَمَلُ أنَّهم كَذَّبُوهم في تَسْمِيَتِهِمْ شُرَكاءَ وآلِهَةً تَنْزِيهًا لِلَّهِ عَنِ الشِرْكِ.
16:87Page 276
وَأَلۡقَوۡاْ إِلَى ٱللَّهِ يَوۡمَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٨٧
And they will impart to Allāh that Day [their] submission, and lost from them is what they used to invent.
﴿وَألْقَوْا﴾ يَعْنِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴿إلى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَلَمَ﴾ إلْقاءُ السَلَمِ: الِاسْتِسْلامُ لِأمْرِ اللهِ وحُكْمِهِ بَعْدَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ في الدُنْيا ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ وبَطَلَ عَنْهم ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ وأنَّهم يَنْصُرُونَهم ويَشْفَعُونَ لَهم حِينَ كَذَّبُوهم وتَبَرَّءُوا مِنهم (p-٢٢٩)
16:88Page 277
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ ٨٨
Those who disbelieved and averted [others] from the way of Allāh - We will increase them in punishment over [their] punishment for what corruption they were causing.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في أنْفُسِهِمْ ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ وحَمَلُوا غَيْرَهم عَلى الكُفْرِ ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ أيْ: عَذابًا بِكُفْرِهِمْ وعَذابًا بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ بِكَوْنِهِمْ مُفْسِدِينَ الناسَ بِالصَدِّ.
16:89Page 277
وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩
And [mention] the Day when We will resurrect among every nation a witness over them from themselves [i.e., their prophet]. And We will bring you, [O Muḥammad], as a witness over these [i.e., your nation]. And We have sent down to you the Book as clarification for all things and as guidance and mercy and good tidings for the Muslims.1
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ يَعْنِي نَبِيَّهم، لِأنَّهُ كانَ يَبْعَثُ أنْبِياءَ الأُمَمِ فِيهِمْ مِنهم ﴿وَجِئْنا بِكَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ عَلى أُمَّتِكَ ﴿وَنَـزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا﴾ بَلِيغًا ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن أُمُورِ الدِينِ أمّا في الأحْكامِ المَنصُوصَةِ فَظاهِرٌ وكَذا فِيما ثَبَتَ بِالسُنَّةِ أوْ بِالإجْماعِ أوْ بِقَوْلِ الصَحابَةِ أوْ بِالقِياسِ، لِأنَّ مَرْجِعَ الكُلِّ إلى الكِتابِ حَيْثُ أمَرَنا فِيهِ بِاتِّباعِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَلامُ وطاعَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] وحَثَّنا عَلى الإجْماعِ فِيهِ بِقَوْلِهِ ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وقَدْ رَضِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ بِاتِّباعِ أصْحابِهِ بِقَوْلِهِ « "أصْحابِي كالنُجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ" » وقَدِ اجْتَهَدُوا وقاسُوا ووَطَّئُوا طُرُقَ الِاجْتِهادِ والقِياسِ مَعَ أنَّهُ أمَرَنا بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] فَكانَتِ السُنَّةُ والإجْماعُ وقَوْلُ الصَحابِيِّ والقِياسُ مُسْتَنِدَةً إلى تِبْيانِ الكِتابِ فَنَتَبَيَّنُ أنَّهُ كانَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴿وَهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ودَلالَةً إلى الحَقِّ ورَحْمَةً لَهم وبِشارَةً لَهم بِالجَنَّةِ.
16:90Page 277
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٩٠
Indeed, Allāh orders justice and good conduct and giving [help] to relatives and forbids immorality and bad conduct and oppression. He admonishes you that perhaps you will be reminded.
﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ بِالتَسْوِيَةِ في الحُقُوقِ فِيما بَيْنَكم وتَرْكِ الظُلْمِ وإيصالِ كُلِّ ذِي حَقٍّ إلى حَقِّهِ ﴿والإحْسانِ﴾ إلى مَن أساءَ إلَيْكم أوْ هُما الفَرْضُ والنَدْبُ، لِأنَّ الفَرْضَ لا بُدَّ مِن أنْ يَقَعَ فِيهِ تَفْرِيطٌ فَيَجْبُرُهُ النَدْبُ ﴿وَإيتاءِ ذِي القُرْبى﴾ وإعْطاءِ ذِي القَرابَةِ وهو صِلَةُ الرَحِمِ ﴿وَيَنْهى عَنِ (p-٢٣٠)الفَحْشاءِ﴾ عَنِ الذُنُوبِ المُفْرِطَةِ في القُبْحِ ﴿والمُنْكَرِ﴾ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ ﴿والبَغْيِ﴾ طَلَبُ التَطاوُلِ بِالظُلْمِ والكِبْرِ ﴿يَعِظُكُمْ﴾ حالٌ أوْ مُسْتَأْنَفٌ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَّعِظُونَ بِمَواعِظِ اللهِ، وهَذِهِ الآيَةُ سَبَبُ إسْلامِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَإنَّهُ قالَ ما كُنْتُ أسْلَمْتُ إلّا حَياءً مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ لِكَثْرَةِ ما كانَ يَعْرِضُ عَلَيَّ الإسْلامَ ولَمْ يَسْتَقِرَّ الإيمانُ في قَلْبِي حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وأنا عِنْدُهُ فاسْتَقَرَّ الإيمانُ في قَلْبِي فَقَرَأْتُها عَلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ فَقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وإنَّ أعْلاهُ لَمُثْمِرٌ وإنَّ أسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ وما هو بِقَوْلِ البَشَرِ، وقالَ أبُو جَهْلٍ:إنَّ إلَهَهُ لَيَأْمُرُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، وهي أجْمَعُ آيَةٍ في القُرْآنِ لِلْخَيْرِ والشَرِّ ولِهَذِهِ يَقْرَؤُها كُلُّ خَطِيبٍ عَلى المِنبَرِ في آخِرِ كُلِّ خُطْبَةٍ لِتَكُونَ عِظَةً جامِعَةً لِكُلِّ مَأْمُورٍ ومَنهِيٍّ.
16:91Page 277
وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٩١
And fulfill the covenant of Allāh when you have taken it, [O believers], and do not break oaths after their confirmation while you have made Allāh, over you, a security [i.e., witness]. Indeed, Allāh knows what you do.
﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ هي البَيْعَةُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَلى الإسْلامِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللهَ﴾ [الفتح: ١٠] ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ أيْمانَ البَيْعَةِ ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ بَعْدَ تَوْثِيقِها بِاسْمِ اللهِ وأكَّدَ ووَكَّدَ لُغَتانِ فَصِيحَتانِ والأصْلُ الواوُ، والهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنها ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكم كَفِيلا﴾ شاهِدًا ورَقِيبًا، لِأنَّ الكَفِيلَ مُراعٍ لِحالِ المَكْفُولِ بِهِ مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ ﴿إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ مِنَ البِرِّ والحِنْثِ فَيُجازِيكم بِهِ.
16:92Page 277
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٩٢
And do not be like she who untwisted her spun thread after it was strong [by] taking your oaths as [means of] deceit between you because one community is more plentiful [in number or wealth] than another community.1 Allāh only tries you thereby. And He will surely make clear to you on the Day of Resurrection that over which you used to differ.
﴿وَلا تَكُونُوا﴾ في نَقْضِ الأيْمانِ ﴿كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ كالمَرْأةِ الَّتِي أنْحَتْ عَلى غَزْلِها بَعْدَ أنْ أحْكَمَتْهُ وأبْرَمَتْهُ فَجَعَلَتْهُ ﴿أنْكاثًا﴾ جَمْعُ نَكْثٍ وهو ما يُنْكَثُ فَتْلُهُ قِيلَ: هي رِيطَةُ وكانَتْ حَمْقاءَ تَغْزِلُ هي وجَوارِيها مِنَ الغَداةِ إلى الظُهْرِ ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ فَيَنْقُضْنَ ما غَزَلْنَ ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكُمْ﴾ حالٌ كَ"أنْكاثًا" ﴿دَخَلا﴾ أحَدُ مَفْعُولَيْ تَتَّخِذُ أيْ: ولا تَنْقُضُوا (p-٢٣١)أيْمانَكم مُتَّخِذِيها دَخَلًا ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: مَفْسَدَةً وخِيانَةً ﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ بِسَبَبِ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ يَعْنِي جَماعَةَ قُرَيْشٍ ﴿هِيَ أرْبى مِن أُمَّةٍ﴾ هي أزْيَدُ عَدَدًا وأوْفَرُ مالًا مِن أُمَّةٍ مِن جَماعَةِ المُؤْمِنِينَ، هي أرْبى مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الرَفْعِ صِفَةً لِ"أُمَّةٌ"، وأُمَّةٌ فاعِلُ تَكُونُ وهي تامَّةٌ وهي لَيْسَتْ بِفَصْلٍ لِوُقُوعِها بَيْنَ نَكِرَتَيْنِ ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ﴾ الضَمِيرُ لِلْمَصْدَرِ أيْ: إنَّما يَخْتَبِرُكم بِكَوْنِهِمْ أرْبى لِيَنْظُرَ أتَتَمَسَّكُونَ بِحَبَلِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللهِ وما وكَّدْتُمْ مِن أيْمانِ البَيْعَةِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أمْ تَغْتَرُّونَ بِكَثْرَةِ قُرَيْشٍ وثَرْوَتِهِمْ وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ وفَقْرِهِمْ ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ إذا جازاكم عَلى أعْمالِكم بِالثَوابِ والعِقابِ وفِيهِ تَحْذِيرٌ عَنْ مُخالَفَةِ مِلَّةِ الإسْلامِ ِ.
16:93Page 277
وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٣
And if Allāh had willed, He could have made you [of] one religion, but He sends astray whom He wills and guides whom He wills.1 And you will surely be questioned about what you used to do.
﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ حَنِيفَةً مُسْلِمَةً ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ مَن عَلِمَ مِنهُ اخْتِيارَ الضَلالَةِ ﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ مَن عَلِمَ مِنهُ اخْتِيارَ الهِدايَةِ ﴿وَلَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ فَتُجْزَوْنَ بِهِ.
16:94Page 278
وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٩٤
And do not take your oaths as [means of] deceit between you, lest a foot slip after it was [once] firm, and you would taste evil [in this world] for what [people] you diverted from the way of Allāh,1 and you would have [in the Hereafter] a great punishment.
﴿وَلا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ كَرَّرَ النَهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا بَيْنَهم تَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ وإظْهارًا لِعِظَمِهِ ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ فَتَزِلَّ أقْدامُكم عَنْ مَحَجَّةِ الإسْلامِ بَعْدَ ثُبُوتِها عَلَيْها وإنَّما وُحِّدَتِ القَدَمُ ونُكِّرَتْ لِاسْتِعْظامِ أنْ تَزِلَّ قَدَمٌ واحِدَةٌ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ بَعْدَ أنْ تَثْبُتَ عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِأقْدامٍ كَثِيرَةٍ؟ ﴿وَتَذُوقُوا السُوءَ﴾ في الدُنْيا ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾ بِصُدُودِكم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ وخُرُوجِكم عَنِ الدِينِ أوْ بِصَدِّكم غَيْرَكم، لِأنَّهم لَوْ نَقَضُوا أيْمانَ البَيْعَةِ وارْتَدُّوا لاتَّخَذُوا نَقْضَها سُنَّةً لِغَيْرِهِمْ يَسْتَنُّونَ بِها ﴿وَلَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ.
16:95Page 278
وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩٥
And do not exchange the covenant of Allāh for a small price. Indeed, what is with Allāh is best for you, if only you could know.
﴿وَلا تَشْتَرُوا﴾ ولا تَسْتَبْدِلُوا ﴿بِعَهْدِ اللهِ﴾ وبَيْعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿ثَمَنًا (p-٢٣٢)قَلِيلا﴾ عَرَضًا مِنَ الدُنْيا يَسِيرًا كَأنَّ قَوْمًا مِمَّنْ أسْلَمَ بِمَكَّةَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ لِجَزَعِهِمْ مِمّا رَأوْا مِن غَلَبَةِ قُرَيْشٍ واسْتِضْعافِهِمُ المُسْلِمِينَ ولَمّا كانُوا يَعِدُونَهم إنْ رَجَعُوا مِنَ المَواعِيدِ أنْ يَنْقُضُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَثَبَّتَهُمُ اللهُ ﴿إنَّما عِنْدَ اللهِ﴾ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
16:96Page 278
مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٦
Whatever you have will end, but what Allāh has is lasting. And We will surely give those who were patient their reward according to the best of what they used to do.
﴿ما عِنْدَكُمْ﴾ مِن أعْراضِ الدُنْيا ﴿يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللهِ﴾ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ ﴿باقٍ﴾ لا يَنْفَدُ " ولَيَجْزِيَنَّ " وبِالنُونِ مَكِّيٌّ وعاصِمٌ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى أذى المُشْرِكِينَ ومَشاقِّ الإسْلامِ ﴿أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
16:97Page 278
مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧
Whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - We will surely cause him to live a good life, and We will surely give them their reward [in the Hereafter] according to the best of what they used to do.
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ "مَن" مُبْهَمٌ يَتَناوَلُ النَوْعَيْنِ إلّا أنَّ ظاهِرَهُ لِلذُّكُورِ فَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ "مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى" لِيَعُمَّ المَوْعِدُ النَوْعَيْنِ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ شَرَطَ الإيمانَ، لِأنَّ أعْمالَ الكُفّارِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِها وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ لَيْسَ مِنَ الإيمانِ ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ أيْ: في الدُنْيا ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وعَدَهُ اللهُ ثَوابَ الدُنْيا والآخِرَةِ كَقَوْلِهِ ﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنَ مَعَ العَمَلِ الصالِحِ مُوسِرًا كانَ أوْ مُعْسِرًا يَعِيشُ عَيْشًا طَيِّبًا إنْ كانَ مُوسِرًا فَظاهِرٌ وإنْ كانَ مُعْسِرًا فَمَعَهُ ما يَطِيبُ عَيْشُهُ وهو القَناعَةُ والرِضا بِقِسْمَةِ اللهِ تَعالى وأمّا الفاجِرُ فَأمْرُهُ بِالعَكْسِ إنْ كانَ مُعْسِرًا فَظاهِرٌ وإنْ كانَ مُوسِرًا فالحِرْصُ لا يَدَعُهُ أنْ يَتَهَنَّأ بِعَيْشِهِ وقِيلَ: الحَياةُ الطَيِّبَةُ القَناعَةُ أوْ حَلاوَةُ الطاعَةِ أوِ المَعْرِفَةُ بِاللهِ وصِدْقُ المَقامِ مَعَ اللهِ وصِدْقُ الوُقُوفِ عَلى أمْرِ اللهِ والإعْراضُ عَمّا سِوى اللهِ (p-٢٣٣)
16:98Page 278
فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٩٨
So when you recite the Qur’ān, [first] seek refuge in Allāh from Satan, the expelled [from His mercy].
﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ فَإذا أرَدْتَ قِراءَةَ القُرْآنِ ﴿فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ فَعَبَّرَ عَنْ إرادَةِ الفِعْلِ بِلَفْظِ الفِعْلِ، لِأنَّها سَبَبٌ لَهُ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ إذِ القِراءَةُ المُصَدَّرَةُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ العَمَلِ الصالِحِ المَذْكُورِ ﴿مِنَ الشَيْطانِ﴾ يَعْنِي إبْلِيسَ ﴿الرَجِيمِ﴾ المَطْرُودِ أوِ المَلْعُونِ، «قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَرَأْتُ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ أعُوذُ بِاللهِ السَمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ فَقالَ لِي قُلْ أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ هَكَذا أقْرَأنِيهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ »
16:99Page 278
إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٩٩
Indeed, there is for him no authority over those who have believed and rely upon their Lord.
﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ﴾ لِإبْلِيسَ ﴿سُلْطانٌ﴾ تَسَلُّطٌ ووِلايَةٌ ﴿عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فالمُؤْمِنُ المُتَوَكِّلُ لا يَقْبَلُ مِنهُ وساوِسَهُ.
16:100Page 278
إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ ١٠٠
His authority is only over those who take him as an ally and those who through him associate others with Allāh.
﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يَتَّخِذُونَهُ ولِيًّا ويَتَّبِعُونَ وساوِسَهُ ﴿والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ الضَمِيرُ يَعُودُ إلى رَبِّهِمْ أوْ إلى الشَيْطانِ أيْ: بِسَبَبِهِ.
16:101Page 278
وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١
And when We substitute a verse in place of a verse - and Allāh is most knowing of what He sends down - they say, "You, [O Muḥammad], are but an inventor [of lies]." But most of them do not know.
﴿وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ تَبْدِيلُ الآيَةِ مَكانَ الآيَةِ هو النَسْخُ واللهُ تَعالى يَنْسَخُ الشَرائِعَ بِالشَرائِعِ لِحِكْمَةٍ رَآها وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ﴾ وبِالتَخْفِيفِ مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ هو جَوابُ إذا، وقَوْلُهُ "واللهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ" اعْتِراضٌ، كانُوا يَقُولُونَ إنَّ مُحَمَّدًا يَسْخَرُ بِأصْحابِهِ يَأْمُرُهُمُ اليَوْمَ بِأمْرٍ ويَنْهاهم عَنْهُ غَدًا فَيَأْتِيهِمْ بِما هو أهْوَنُ ولَقَدِ افْتَرَوْا فَقَدْ كانَ يَنْسَخُ الأشَقَّ بِالأهْوَنِ والأهْوَنَ بِالأشَقِّ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ الحِكْمَةَ في ذَلِكَ (p-٢٣٤)
16:102Page 278
قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ١٠٢
Say, [O Muḥammad], "The Pure Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down from your Lord in truth to make firm those who believe and as guidance and good tidings to the Muslims."
﴿قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ أيْ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ أُضِيفَ إلى القُدُسِ وهو الطُهْرُ كَما يُقالُ حاتِمُ الجُودِ والمُرادُ:الرُوحُ المُقَدَّسُ وحاتِمٌ الجَوادُ، والمَقَدَّسُ المُطَهَّرُ مِنَ المَآثِمِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مِن عِنْدِهِ وأمْرِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ أيْ: نَزَّلَهُ مُلْتَبِسًا بِالحِكْمَةِ ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِيَبْلُوَهم بِالنَسْخِ حَتّى إذا قالُوا فِيهِ: هو الحَقُّ مِن رَبِّنا والحِكْمَةُ، لِأنَّهُ حَكِيمٌ لا يَفْعَلُ إلّا ما هو حِكْمَةٌ وصَوابٌ حُكِمَ لَهم بِثَباتِ القَدَمِ وصِحَّةِ اليَقِينِ وطُمَأْنِينَةِ القُلُوبِ ﴿وَهُدًى وبُشْرى﴾ مَفْعُولٌ لَهُما مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّ لِيُثَبِّتَ والتَقْدِيرُ:: تَثْبِيتًا لَهم وإرْشادًا وبِشارَةً ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحُصُولِ أضْدادِ هَذِهِ الخِصالِ لِغَيْرِهِمْ.
16:103Page 279
وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ ١٠٣
And We certainly know that they say, "It is only a human being who teaches him [i.e., the Prophet (ﷺ)]." The tongue of the one they refer to is foreign,1 and this [recitation, i.e., Qur’ān] is [in] a clear Arabic language.
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ أرادُوا بِهِ غُلامًا كانَ لِحُوَيْطِبٍ قَدْ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ اسْمُهُ عائِشٌ أوْ يَعِيشُ، وكانَ صاحِبَ كُتُبٍ أوْ هو جَبْرٌ غُلامٌ رُومِيٌّ لِعامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ أوْ عَبْدانِ جَبْرٌ ويَسارٍ كانا يَقْرَآنِ التَوْراةَ والإنْجِيلَ فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْمَعُ ما يَقْرَآنِ،أوْ سَلْمانُ الفارِسَيُّ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ﴾ وبِفَتْحِ الياءِ والحاءِ:حَمْزَةُ وعَلِيٌّ ﴿أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: لِسانُ الرَجُلِ الَّذِي يُمِيلُونَ قَوْلَهم عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلَيْهِ لِسانٌ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ بَيِّنٍ وهَذا القُرْآنُ لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ رَدًّا لِقَوْلِهِمْ وإبْطالًا لِطَعْنِهِمْ وهَذِهِ الجُمْلَةُ أعْنِي "لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ" لا مَحَلَّ لَها، لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ، واللِسانُ: اللُغَةُ، ويُقالُ ألْحَدَ القَبْرَ ولَحَدَهُ وهو مُلْحَدٌ ومَلْحُودٌ إذا أمالَ حَفْرَهُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَحَفَرَ في شِقٍّ مِنهُ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ إمالَةٍ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَقالُوا ألْحَدَ فُلانٌ في قَوْلِهِ وألْحَدَ في دِينِهِ ومِنهُ المُلْحِدُ، لِأنَّهُ أمالَ مَذْهَبَهُ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها (p-٢٣٥)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences