An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:60–87
17:60Page 288
وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا ٦٠
And [remember, O Muḥammad], when We told you, "Indeed, your Lord has encompassed the people."1 And We did not make the sight which We showed you2 except as a trial for the people, as was the accursed tree [mentioned] in the Qur’ān. And We threaten [i.e., warn] them, but it increases them not except in great transgression.
﴿وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالناسِ وما جَعَلْنا الرُؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ (p-٢٦٥)واذْكُرْ إذْ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِقُرَيْشٍ عِلْمًا وقُدْرَةً فَكُلُّهم في قَبْضَتِهِ فَلا تُبالِ بِهِمْ وامْضِ لِأمْرِكَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ أوْ بَشَّرْناكَ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ وبِالنُصْرَةِ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٢] فَجَعَلَهُ كَأنْ قَدْ كانَ ووُجِدَ فَقالَ أحاطَ بِالناسِ عَلى سُنَّتِهِ في إخْبارِهِ ولَعَلَّ اللهَ تَعالى أراهُ مَصارِعَهم في مَنامِهِ فَقَدْ كانَ يَقُولُ حِينَ ورَدَ ماءَ بَدْرٍ:واللهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ وهو يُومِئُ إلى الأرْضِ ويَقُولُ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ فَتَسامَعَتْ قُرَيْشٌ بِما أُوحِيَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن أمْرِ بَدْرٍ وما أُرِيَ في مَنامِهِ مِن مَصارِعِهِمْ فَكانُوا يَضْحَكُونَ ويَسْخَرُونَ ويَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً ﴿والشَجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ أيْ: وما جَعَلْنا الشَجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ فَإنَّهم حِينَ سَمِعُوا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] جَعَلُوها سُخْرِيَةً وقالُوا إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّ الجَحِيمَ تُحْرِقُ الحِجارَةَ ثُمَّ يَقُولُ تَنْبُتُ فِيها الشَجَرَةُ وما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَجْعَلَ اللهُ الشَجَرَةَ مِن جِنْسٍ لا تَأْكُلُهُ النارُ فَوَبَرُ السَمَندَلِ وهو دُوَيْبَةٌ بِبِلادِ التُرْكِ يُتَّخَذُ مِنهُ مَنادِيلُ إذا اتَّسَخَتْ طُرِحَتْ في النارِ فَذَهَبَ الوَسَخُ وبَقِيَ المَندِيلُ سالِمًا لا تَعْمَلُ فِيهِ النارُ وتَرى النَعامَةَ تَبْتَلِعُ الجَمْرَ فَلا يَضُرُّها وخَلَقَ في كُلِّ شَجَرَةٍ نارًا فَلا تَحْرِقُها فَجازَ أنْ يَخْلُقَ في النارِ شَجَرَةً لا تَحْرِقُها والمَعْنى: أنَّ الآياتِ إنَّما تُرْسَلُ تَخْوِيفًا لِلْعِبادِ وهَؤُلاءِ قَدْ خُوِّفُوا بِعَذابِ الدُنْيا وهو القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ وخُوِّفُوا بِعَذابِ الآخِرَةِ وبِشَجَرَةِ الزَقُّومِ فَما أثَّرَ فِيهِمْ ثُمَّ قالَ ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ أيْ: بِمَخاوِفِ الدُنْيا والآخِرَةِ ﴿فَما يَزِيدُهُمْ﴾ التَخْوِيفُ ﴿إلا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ فَكَيْفَ يَخافُ قَوْمٌ هَذِهِ حالُهم بِإرْسالِ ما يَقْتَرِحُونَ مِنَ الآياتِ، وقِيلَ الرُؤْيا هي الإسْراءُ والفِتْنَةُ ارْتِدادُ مَنِ اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ وبِهِ تَعَلَّقَ مَن يَقُولُ كانَ الإسْراءُ في المَنامِ ومَن قالَ كانَ في اليَقَظَةِ فَسَّرَ الرُؤْيا (p-٢٦٦)بِالرُؤْيَةِ وإنَّما سَمّاها رُؤْيا عَلى قَوْلِ المُكَذِّبِينَ حَيْثُ قالُوا لَهُ لَعَلَّها رُؤْيا رَأيْتَها اسْتِبْعادًا مِنهم كَما سَمّى أشْياءَ بِأسامِيها عِنْدَ الكَفَرَةِ كَقَوْلِهِ ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات: ٩١] " أيْنَ شركائي" أوْ هي رُؤْيا أنَّهُ سَيَدْخُلُ مَكَّةَ والفِتْنَةُ الصَدُّ بِالحُدَيْبِيَةِ فَإنْ قُلْتَ لَيْسَ في القُرْآنِ ذِكْرُ لَعْنِ شَجَرَةِ الزَقُّومِ قُلْتُ مَعْناهُ: والشَجَرَةُ المَلْعُونُ آكِلُها وهُمُ الكَفَرَةُ، لِأنَّهُ قالَ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١] ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] فَوُصِفَتْ بِلَعْنِ أهْلِها عَلى المَجازِ ولِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ ضارٌّ مَلْعُونٌ ولِأنَّ اللَعْنَ هو الإبْعادُ مِنَ الرَحْمَةِ وهي في أصْلِ الجَحِيمِ في أبْعَدِ مَكانٍ مِنَ الرَحْمَةِ.
17:61Page 288
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا ٦١
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees.1 He said, "Should I prostrate to one You created from clay?"
﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾
هُوَ تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ والعامِلُ فِيهِ أأسْجُدُ عَلى: أأسْجُدُ لَهُ وهو طِينٌ أيْ: أصْلُهُ طِينٌ.
17:62Page 288
قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٢
[Iblees] said, "Do You see this one whom You have honored above me? If You delay me [i.e., my death] until the Day of Resurrection, I will surely destroy1 his descendants, except for a few."
﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي﴾ الكافُ لا مَوْضِعَ لَها، لِأنَّها ذُكِرَتْ لِلْخِطابِ تَأْكِيدًا "هَذا" مَفْعُولٌ بِهِ، والمَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي ﴿كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ أيْ: فَضَّلْتَهُ، لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ و﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] فَحُذِفَ ذَلِكَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِ﴾ وبِلا ياءٍ:كُوفِيٌّ وشامِيٌّ، واللامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ لَأسْتَأْصِلَنَّهم بِإغْوائِهِمْ ﴿إلا قَلِيلا﴾ وهُمُ المُخْلَصُونَ، قِيلَ: مِن كُلِّ ألْفٍ واحِدٌ وإنَّما عُلِمَ المَلْعُونُ ذَلِكَ بِالإعْلامِ، أوْ لِأنَّهُ رَأى أنَّهُ خَلْقٌ شَهْوانِيٌّ (p-٢٦٧)
17:63Page 288
قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا ٦٣
[Allāh] said, "Go, for whoever of them follows you, indeed Hell will be the recompense of [all of] you - an ample recompense.
﴿قالَ اذْهَبْ﴾ لَيْسَ مِنَ الذَهابِ الَّذِي هو ضِدُّ المَجِيءِ وإنَّما مَعْناهُ: امْضِ لِشَأْنِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ خِذْلانًا وتَخْلِيَةً ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما جَرَّهُ سُوءُ اخْتِيارِهِ فَقالَ ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ والتَقْدِيرُ: فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُهم وجَزاؤُكَ ثُمَّ غُلِّبَ المُخاطَبُ عَلى الغائِبِ فَقِيلَ جَزاؤُكم وانْتَصَبَ ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ أيْ: مَوْفُورًا بِإضْمارِ تُجازَوْنَ.
17:64Page 288
وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤
And incite [to senselessness] whoever you can among them with your voice and assault them with your horses and foot soldiers and become a partner in their wealth and their children and promise them." But Satan does not promise them except delusion.
﴿واسْتَفْزِزْ﴾ اسْتَزِلَّ أوِ اسْتَخِفَّ، اسْتَفَزَّهُ أيْ: اسْتَخَفَّهُ، والفَزُّ الخَفِيفُ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ بِالوَسْوَسَةِ أوْ بِالغِناءِ أوْ بِالمِزْمارِ ﴿وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ اجْمَعْ وصِحْ بِهِمْ مِنَ الجَلَبَةِ وهو الصِياحُ ﴿بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ بِكُلِّ راكِبٍ وماشٍ مِن أهْلِ العَيْثِ، فالخَيْلُ الخَيّالَةُ والرَجْلُ اسْمُ جَمْعٍ لِلرّاجِلِ ونَظِيرُهُ الرَكْبُ والصَحْبُ، "وَرَجِلِكَ" حَفْصٌ عَلى أنْ فَعِلًا بِمَعْنى فاعِلٍ كَتَعِبٍ وتاعِبٍ ومَعْناهُ: وجَمْعُكَ الرَجِلَ وهَذا، لِأنَّ أقْصى ما يُسْتَطاعُ في طَلَبِ الأُمُورِ الخَيْلُ والرَجِلُ وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِإبْلِيسَ خَيْلٌ ورِجالٌ ﴿وَشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ قالَ الزَجّاجُ كُلُّ مَعْصِيَةٍ في مالٍ ووَلَدٍ فَإبْلِيسُ شَرِيكُهم فِيها كالرِبا والمَكاسِبِ المُحَرَّمَةِ والبَحِيرَةِ والسائِبَةِ والإنْفاقِ في الفُسُوقِ والإسْرافِ ومَنعِ الزَكاةِ والتَوَصُّلِ إلى الأوْلادِ بِالسَبَبِ الحَرامِ والتَسْمِيَةِ بِعَبْدِ العُزّى وعَبْدِ شَمْسٍ ﴿وَعِدْهُمْ﴾ المَواعِيدَ الكاذِبَةَ مِن شَفاعَةِ الآلِهَةِ والكَرامَةِ عَلى اللهِ بِالأنْسابِ الشَرِيفَةِ وإيثارِ العاجِلِ عَلى الآجِلِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ هو تَزْيِينُ الخَطَأِ بِما يُوهِمُ أنَّهُ صَوابٌ.
17:65Page 288
إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا ٦٥
Indeed, over My [believing] servants there is for you no authority. And sufficient is your Lord as Disposer of affairs.1
﴿إنَّ عِبادِي﴾ الصالِحِينَ ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ يَدٌ بِتَبْدِيلِ الإيمانِ (p-٢٦٨)وَلَكِنْ بِتَسْوِيلِ العِصْيانِ ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾ لَهم يَتَوَكَّلُونَ بِهِ في الِاسْتِعاذَةِ مِنكَ أوْ حافِظًا لَهم عَنْكَ والكُلُّ أمْرُ تَهْدِيدٍ فَيُعاقَبُ بِهِ أوْ إهانَةٌ أيْ: لا يُخِلُّ ذَلِكَ بِمُلْكِي.
17:66Page 288
رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦
It is your Lord who drives the ship for you through the sea that you may seek of His bounty. Indeed, He is ever, to you, Merciful.
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ يُجْرِي ويُسَيِّرُ ﴿لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي: الرِبْحَ في التِجارَةِ ﴿إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾
17:67Page 289
وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧
And when adversity touches you at sea, lost are [all] those you invoke except for Him. But when He delivers you to the land, you turn away [from Him]. And ever is man ungrateful.
﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُرُّ في البَحْرِ﴾ أيْ: خَوْفَ الغَرَقِ ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ﴾ ذَهَبَ عَنْ أوْهامِكم كُلُّ مَن تَدْعُونَهُ في حَوادِثِكم إلّا إيّاهُ وحْدَهُ فَإنَّكم لا تَذْكُرُونَ سِواهُ أوْ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ مِنَ الآلِهَةِ عَنْ إغاثَتِكم ولَكِنَّ اللهَ وحْدَهُ الَّذِي تَرْجُونَهُ، عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ عَنِ الإخْلاصِ بَعْدَ الخَلاصِ ﴿وَكانَ الإنْسانُ﴾ أيِ الكافِرُ ﴿كَفُورًا﴾ لِلنِّعَمِ.
17:68Page 289
أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨
Then do you feel secure that [instead] He will not cause a part of the land to swallow you or send against you a storm of stones? Then you would not find for yourselves an advocate.
﴿أفَأمِنتُمْ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أنَجَوْتُمْ فَأمِنتُمْ فَحَمَلَكم ذَلِكَ عَلى الإعْراضِ ﴿أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ انْتَصَبَ "جانِبَ" بِ"يَخْسِفَ" مَفْعُولًا بِهِ كالأرْضِ في قَوْلِهِ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١] وبِكم حالٌ والمَعْنى: أنْ يَخْسِفَ جانِبَ البَرِّ أيْ: يَقْلِبُهُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ، والحاصِلُ أنَّ الجَوانِبَ كُلَّها في قُدْرَتِهِ سَواءٌ ولَهُ في كُلِّ جانِبٍ بَرًّا كانَ أوْ بَحْرًا سَبَبٌ مِن أسْبابِ الهَلاكِ لَيْسَ جانِبُ البَحْرِ وحْدَهُ مُخْتَصًّا بِهِ بَلْ إنْ كانَ الغَرَقُ في جانِبِ البَحْرِ فَفي جانِبِ البَرِّ الخَسْفُ وهو تَغْيِيبٌ تَحْتَ التُرابِ والغَرَقُ تَغْيِيبٌ تَحْتَ الماءِ فَعَلى العاقِلِ أنْ يَسْتَوِيَ خَوْفُهُ مِنَ اللهِ في جَمِيعِ الجَوانِبِ وحَيْثُ كانَ ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ هي الرِيحُ الَّتِي تَحْصِبُ أيْ: تَرْمِي بِالحَصْباءِ يَعْنِي: أوْ إنْ لَمْ يُصِبْكم بِالهَلاكِ مِن تَحْتِكم بِالخَسْفِ أصابَكم بِهِ مِن فَوْقِكم بِرِيحٍ يُرْسِلُها عَلَيْكم فِيها الحَصْباءُ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا﴾ يَصْرِفُ ذَلِكَ عَنْكم (p-٢٦٩)
17:69Page 289
أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩
Or do you feel secure that He will not send you back into it [i.e., the sea] another time and send upon you a hurricane of wind and drown you for what you denied?1 Then you would not find for yourselves against Us an avenger.2
﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: أمْ أمِنتُمْ أنْ يُقَوِّيَ دَواعِيَكم ويُوَفِّرَ حَوائِجَكم إلى أنْ تَرْجِعُوا فَتَرْكَبُوا البَحْرَ الَّذِي نَجّاكم مِنهُ فَأعْرَضْتُمْ فَيَنْتَقِمَ مِنكم بِأنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم ﴿قاصِفًا مِنَ الرِيحِ﴾ وهي الرِيحُ الَّتِي لَها قَصِيفٌ وهو الصَوْتُ الشَدِيدُ أوْ هو الكاسِرُ لِلْفُلْكِ ﴿فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ﴾ بِكُفْرانِكُمُ النِعْمَةَ وهو إعْراضُكم حِينَ نَجّاكم ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ مُطالِبًا مِن قَوْلِهِ ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] أيْ: مُطالَبَةٌ والمَعْنى: إنّا نَفْعَلُ ما نَفْعَلُ بِهِمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا أحَدًا يُطالِبُنا بِما فَعَلْنا انْتِصارًا مِنّا ودَرْكًا لِلثَّأْرِ مِن جِهَتِنا وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٥] "أنْ نَخْسِفَ" "أوْ نُرْسِلَ" "أنْ نُعِيدَكُمْ" "فَنُرْسِلُ" "فَنُغْرِقُكُمْ" بِالنُونِ: مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو.
17:70Page 289
۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠
And We have certainly honored the children of Adam and carried them on the land and sea and provided for them of the good things and preferred them over much of what We have created, with [definite] preference.
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ بِالعَقْلِ والنُطْقِ والخَطِّ والصُورَةِ الحَسَنَةِ والقامَةِ المُعْتَدِلَةِ وتَدْبِيرِ أمْرِ المَعاشِ والمَعادِ والِاسْتِيلاءِ وتَسْخِيرِ الأشْياءِ وتَناوُلِ الطَعامِ بِالأيْدِي، وعَنِ الرَشِيدِ أنَّهُ أُحْضِرَ طَعامًا فَدَعا بِالمَلاعِقِ وعِنْدَهُ أبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى فَقالَ لَهُ جاءَ في تَفْسِيرِ جَدِّكَ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ جَعَلْنا لَهم أصابِعَ يَأْكُلُونَ بِها فَأُحْضِرَتِ المَلاعِقُ فَرَدَّها وأكَلَ بِأصابِعِهِ ﴿وَحَمَلْناهم في البَرِّ﴾ عَلى الدَوابِّ ﴿والبَحْرِ﴾ عَلى السُفُنِ ﴿وَرَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ﴾ بِاللَذِيذاتِ أوْ بِما كَسَبَتْ أيْدِيهِمْ ﴿وَفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا﴾ أيْ: عَلى الكُلِّ كَقَوْلِهِ ﴿وَأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] قالَ الحَسَنُ أيْ: كُلُّهم وقَوْلُهُ ﴿وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا﴾ [يونس: ٣٦] ذُكِرَ في الكَشّافِ أنَّ المُرادَ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ، وعَنْهُ ﷺ «المُؤْمِنُ أكْرَمُ عَلى اللهِ مِنَ المَلائِكَةِ » وهَذا، لِأنَّهم مَجْبُولُونَ (p-٢٧٠)عَلى الطاعَةِ فَفِيهِمْ عَقْلٌ بِلا شَهْوَةٍ، وفي البَهائِمِ شَهْوَةٌ بِلا عَقْلٍ وفي الآدَمِيِّ كِلاهُما فَمَن غَلَبَ عَقْلُهُ شَهْوَتَهُ فَهو أكْرَمُ مِنَ المَلائِكَةِ ومَن غَلَبَتْ شَهْوَتُهُ عَقَلَهُ فَهو شَرٌّ مِنَ البَهائِمِ ولِأنَّهُ خَلَقَ الكُلَّ لَهم وخَلَقَهم لِنَفْسِهِ.
17:71Page 289
يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١
[Mention, O Muḥammad], the Day We will call forth every people with their record [of deeds].1 Then whoever is given his record in his right hand - those will read their records, and injustice will not be done to them, [even] as much as a thread [inside the date seed].
﴿يَوْمَ نَدْعُوا﴾ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ ﴿كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ الباءُ لِلْحالِ والتَقْدِيرُ:مُخْتَلِطِينَ بِإمامِهِمْ أيْ: بِمَنِ ائْتَمُّوا بِهِ مِن نَبِيٍّ أوْ مُقَدَّمٍ في الدِينِ أوْ كِتابٍ أوْ دِينٍ فَيُقالُ يا أتْباعَ فُلانٍ يا أهْلَ دِينِ كَذا أوْ كِتابِ كَذا وقِيلَ بِكِتابِ أعْمالِهِمْ فَيُقالُ يا أصْحابَ كِتابِ الخَيْرِ ويا أصْحابَ كِتابِ الشَرِّ ﴿فَمَن أُوتِيَ﴾ مِن هَؤُلاءِ المَدْعُوِّينَ ﴿كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ وإنَّما قِيلَ أُولَئِكَ، لِأنَّ مَن في مَعْنى الجَمْعِ ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ ولا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِهِمْ أدْنى شَيْءٍ ولَمْ يَذْكُرِ الكُفّارَ وإيتاءَ كُتُبِهِمْ بِشِمالِهِمُ اكْتِفاءً بِقَوْلِهِ.
17:72Page 289
وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٧٢
And whoever is blind1 in this [life] will be blind in the Hereafter and more astray in way.
﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ﴾ الدُنْيا ﴿أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ كَذَلِكَ ﴿وَأضَلُّ سَبِيلا﴾ مِنَ الأعْمى أيْ: أضَلُّ طَرِيقًا والأعْمى مُسْتَعارٌ مِمَّنْ لا يُدْرِكُ المُبْصَراتِ لِفَسادِ حاسَّتِهِ لِمَن لا يَهْتَدِي إلى طَرِيقِ النَجاةِ أمّا في الدُنْيا فَلِفَقْدِ النَظَرِ وأمّا في الآخِرَةِ فَلِأنَّهُ لا يَنْفَعُهُ الِاهْتِداءُ إلَيْهِ وقَدْ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الثانِي بِمَعْنى التَفْضِيلِ بِدَلِيلِ عَطْفِ وأضَلُّ، ومِن ثَمَّ قَرَأ أبُو عَمْرٍو الأوَّلَ مُمالًا والثانِيَ مُفَخَّمًا، لِأنَّ أفْعَلَ التَفْضِيلِ تَمامُهُ بِمِن فَكانَتْ ألِفُهُ في حُكْمِ الواقِعَةِ في وسَطِ الكَلِمَةِ فَلا يَقْبَلُ الإمالَةَ وأمّا الأوَّلُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ فَكانَتْ ألِفُهُ واقِعَةً في الطَرَفِ فَقَبِلَتِ الإمالَةَ وأمالَهُما حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وفَخَّمَهُما الباقُونَ.
17:73Page 289
وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا ٧٣
And indeed, they were about to tempt you away from that which We revealed to you in order to [make] you invent about Us something else; and then they would have taken you as a friend.
وَلَمّا قالَتْ قُرَيْشٌ اجْعَلْ آيَةَ رَحْمَةٍ آيَةَ عَذابٍ، وآيَةَ عَذابٍ آيَةَ رَحْمَةٍ حَتّى نُؤْمِنَ بِكَ نَزَلَ ﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ واللامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النافِيَةِ والمَعْنى: إنَّ الشَأْنَ قارَبُوا أنْ يَفْتِنُوكَ أيْ: يَخْدَعُوكَ فاتِنِينَ ﴿عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مِن أوامِرِنا ونَواهِينا ووَعْدِنا، ووَعِيدِنا (p-٢٧١)﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ لِتَتَقَوَّلَ عَلَيْنا ما لَمْ نَقُلْ يَعْنِي: ما اقْتَرَحُوهُ مِن تَبْدِيلِ الوَعْدِ وعِيدًا والوَعِيدِ وعْدًا ﴿وَإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ أيْ: ولَوِ اتَّبَعْتَ مُرادَهم لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ولَكُنْتَ لَهم ولِيًّا وخَرَجْتَ مِن وِلايَتِي.
17:74Page 289
وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ٧٤
And if We had not strengthened you, you would have almost inclined to them a little.
﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ ولَوْلا تَثْبِيتُنا وعِصْمَتُنا ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلى مَكْرِهِمْ ﴿شَيْئًا قَلِيلا﴾ رُكُونًا قَلِيلًا وهَذا تَهْيِيجٌ مِنَ اللهِ لَهُ وفَضْلُ تَثْبِيتٍ.
17:75Page 289
إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ٧٥
Then [if you had], We would have made you taste double [punishment in] life and double [after] death. Then you would not find for yourself against Us a helper.
﴿إذًا﴾ لَوْ قارَبْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ أدْنى رَكْنَةٍ ﴿لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ لَأذَقْناكَ عَذابَ الآخِرَةِ وعَذابَ القَبْرِ مُضاعَفَيْنِ لِعَظِيمِ ذَنْبِكَ بِشَرَفِ مَنزِلَتَكِ ونَبُّوتِكَ كَما قالَ ﴿يا نِساءَ النَبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] الآيَةَ، وأصْلُ الكَلامِ:لَأذَقْناكَ عَذابَ الحَياةِ وعَذابَ المَماتِ، لِأنَّ العَذابَ عَذابانِ عَذابٌ في المَماتِ وهو عَذابُ القَبْرِ وعَذابٌ في حَياةِ الآخِرَةِ وهو عَذابُ النارِ والعَذابُ يُوصَفُ بِالضِعْفِ كَقَوْلِهِ ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] أيْ: مُضاعَفًا فَكَأنَّ أصْلَ الكَلامِ لَأذَقْناكَ عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِفَةُ مَقامَهُ وهو الضِعْفُ ثُمَّ أُضِيفَتِ الصِفَةُ إضافَةَ المَوْصُوفِ فَقِيلَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِضِعْفِ الحَياةِ عَذابُ الحَياةِ الدُنْيا وبِضِعْفِ المَماتِ ما يَعْقُبُ المَوْتَ مِن عَذابِ القَبْرِ وعَذابِ النارِ وفي ذِكْرِ الكَيْدُودَةِ وتَقْلِيلِها مَعَ إتْباعِها الوَعِيدَ الشَدِيدَ بِالعَذابِ المُضاعَفِ في الدارَيْنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَبِيحَ يَعْظُمُ قُبْحُهُ بِمِقْدارِ عِظَمِ شَأْنِ فاعِلِهِ ولَمّا نَزَلَتْ كانَ ﷺ يَقُولُ « " اللهُمَّ لا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ »﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ مُعِينًا لَكَ يَمْنَعُ عَذابَنا عَنْكَ (p-٢٧٢)
17:76Page 290
وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا ٧٦
And indeed, they were about to provoke [i.e., drive] you from the land [i.e., Makkah] to evict you therefrom. And then [when they do], they will not remain [there] after you, except for a little.1
﴿وَإنْ كادُوا﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ لَيُزْعِجُونَكَ بِعَداوَتِهِمْ ومَكْرِهِمْ ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ مِن أرْضِ مَكَّةَ ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ﴾ لا يَبْقَوْنَ ﴿خِلافَكَ﴾ بَعْدَكَ أيْ: بَعْدَ إخْراجِكَ خِلافَكَ كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ وشامِيٌّ بِمَعْناهُ: ﴿إلا قَلِيلا﴾ زَمانًا قَلِيلًا فَإنَّ اللهَ مُهْلِكُهم وكانَ كَما قالَ فَقَدْ أُهْلِكُوا بِبَدْرٍ بَعْدَ إخْراجِهِ بِقَلِيلٍ أوْ مَعْناهُ: ولَوْ أخْرَجُوكَ لاسْتُؤْصِلُوا عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ ولَمْ يُخْرِجُوهُ بَلْ هاجَرَ بِأمْرِ رَبِّهِ وقِيلَ مِن أرْضِ العَرَبِ أوْ مِن أرْضِ المَدِينَةِ.
17:77Page 290
سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧
[That is Our] established way for those We had sent before you of Our messengers; and you will not find in Our way any alteration.
﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ يَعْنِي: أنَّ كُلَّ قَوْمٍ أخْرَجُوا رَسُولَهم مِن بَيْنِ ظَهْرانَيْهِمْ فَسُنَّةُ اللهِ أنْ يُهْلِكَهم ونُصِبَتْ نَصْبَ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ أيْ: سَنَّ اللهُ ذَلِكَ سُنَّةً ﴿وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا﴾ تَبْدِيلًا.
17:78Page 290
أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا ٧٨
Establish prayer at the decline of the sun [from its meridian] until the darkness of the night1 and [also] the Qur’ān [i.e., recitation] of dawn.2 Indeed, the recitation of dawn is ever witnessed.
﴿أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ﴾
لِزَوالِها، وعَلى هَذا: الآيَةُ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ أوْ لِغُرُوبِها، وعَلى هَذا: يَخْرُجُ الظُهْرُ والعَصْرُ ﴿إلى غَسَقِ اللَيْلِ﴾ هو الظُلْمَةُ وهو وقْتُ صَلاةِ العِشاءِ ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ صَلاةَ الفَجْرِ سُمِّيَتْ قُرْآنًا وهو القِراءَةُ لِكَوْنِها رُكْنًا كَما سُمِّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا وهو حُجَّةٌ عَلى الأصَمِّ حَيْثُ زَعَمَ أنَّ القِراءَةَ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ أوْ سُمِّيَتْ قُرْآنًا لِطُولِ قِراءَتِها وهو عَطْفٌ عَلى الصَلاةِ ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ يَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَيْلِ والنَهارِ يَنْزِلُ هَؤُلاءِ ويَصْعَدُ هَؤُلاءِ فَهو في آخِرِ دِيوانِ اللَيْلِ وأوَّلِ دِيوانِ النَهارِ أوْ يَشْهَدُهُ الكَثِيرُ مِنَ المُصَلِّينَ في العادَةِ (p-٢٧٣)
17:79Page 290
وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا ٧٩
And from [part of] the night, pray1 with it [i.e., recitation of the Qur’ān] as additional [worship] for you; it is expected that2 your Lord will resurrect you to a praised station.3
﴿وَمِنَ اللَيْلِ﴾ وعَلَيْكَ بَعْضَ اللَيْلِ ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ والتَهَجُّدُ تَرْكُ الهُجُودِ لِلصَّلاةِ ويُقالُ في النَوْمِ أيْضًا تَهَجُّدٌ ﴿بِهِ﴾ بِالقُرْآنِ ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ عِبادَةً زائِدَةً لَكَ عَلى الصَلَواتِ الخَمْسِ وُضِعَ نافِلَةً مَوْضِعَ تَهَجُّدًا، لِأنَّ التَهَجُّدَ عِبادَةٌ زائِدَةٌ فَكانَ التَهَجُّدُ والنافِلَةُ يَجْمَعُهُما مَعْنًى واحِدٌ والمَعْنى: أنَّ التَهَجُّدَ زِيدَ لَكَ عَلى الصَلَواتِ المَفْرُوضَةِ غَنِيمَةً لَكَ أوْ فَرِيضَةً عَلَيْكَ خاصَّةً دُونَ غَيْرِكَ، لِأنَّهُ تَطَوُّعٌ لَهم ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ أيْ: عَسى أنْ يَبْعَثَكَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقِيمَكَ مَقامًا مَحْمُودًا أوْ ضُمِّنَ يَبْعَثُكَ مَعْنى يُقِيمُكَ وهو مَقامُ الشَفاعَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ أوْ هو مَقامٌ يُعْطى فِيهِ لِواءُ الحَمْدِ.
17:80Page 290
وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا ٨٠
And say, "My Lord, cause me to enter a sound entrance1 and to exit a sound exit2 and grant me from Yourself a supporting authority."
﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ وهو مَصْدَرٌ أيْ: أدْخِلْنِي القَبْرَ إدْخالًا مَرْضِيًّا عَلى طَهارَةٍ مِنَ الزَلّاتِ ﴿وَأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ أيْ: أخْرِجْنِي مِنهُ عِنْدَ البَعْثِ إخْراجًا مَرْضِيًّا مُلَقًّى بِالكَرامَةِ آمِنًا مِنَ المَلامَةِ دَلِيلُهُ ذِكْرُهُ عَلى أثَرِ ذَلِكَ البَعْثِ وقِيلَ نَزَلَتْ حِينَ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ يُرِيدُ إدْخالَ المَدِينَةِ والإخْراجَ مِن مَكَّةَ أوْ هو عامٌّ في كُلِّ ما يَدْخُلُ فِيهِ ويُلابِسُهُ مِن أمْرٍ ومَكانٍ ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ حُجَّةً تَنْصُرُنِي عَلى مَن خالَفَنِي أوْ مُلْكًا وعِزًّا قَوِيًّا ناصِرًا لِلْإسْلامِ عَلى الكُفْرِ مُظْهِرًا لَهُ عَلَيْهِ.
17:81Page 290
وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا ٨١
And say, "Truth has come, and falsehood has departed. Indeed is falsehood, [by nature], ever bound to depart."
﴿وَقُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ الإسْلامُ ﴿وَزَهَقَ﴾ وذَهَبَ وهَلَكَ ﴿الباطِلُ﴾ الشِرْكُ أوْ جاءَ القُرْآنُ وهَلَكَ الشَيْطانُ ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ كانَ مُضْمَحِلًّا في كُلِّ أوانٍ.
17:82Page 290
وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا ٨٢
And We send down of the Qur’ān that which is healing and mercy for the believers, but it does not increase the wrongdoers except in loss.
﴿وَنُنَـزِّلُ﴾ وبِالتَخْفِيفِ أبُو عَمْرٍو ﴿مِنَ القُرْآنِ﴾ مِن لِلتَّبْيِينِ ﴿ما هو شِفاءٌ﴾ مِن أمْراضِ القُلُوبِ ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ وتَفْرِيجٌ لِلْكُرُوبِ وتَطْهِيرٌ لِلْعُيُوبِ وتَكْفِيرٌ لِلذُّنُوبِ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي الحَدِيثِ «مَن لَمْ يَسْتَشِفْ بِالقُرْآنِ فَلا شَفاهُ (p-٢٧٤)اللهُ »﴿وَلا يَزِيدُ الظالِمِينَ﴾ الكافِرِينَ ﴿إلا خَسارًا﴾ ضَلالًا لِتَكْذِيبِهِمْ بِهِ وكُفْرِهِمْ.
17:83Page 290
وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا ٨٣
And when We bestow favor upon man [i.e., the disbeliever], he turns away and distances himself; and when evil touches him, he is ever despairing.
﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ﴾ بِالصِحَّةِ والسَعَةِ ﴿أعْرَضَ﴾ عَنْ ذِكْرِ اللهِ أوْ أنْعَمْنا بِالقُرْآنِ أعْرَضَ ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْإعْراضِ، لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ الشَيْءِ أنْ يُوَلِّيَهُ عُرْضَ وجْهِهِ والنَأْيُ بِالجانِبِ أنْ يَلْوِيَ عَنْهُ عِطْفَهُ ويُوَلِّيَهُ ظَهْرَهُ أوْ أرادَ الِاسْتِكْبارَ، لِأنَّ ذَلِكَ مِن عادَةِ المُسْتَكْبِرِينَ "نَأى" بِالإمالَةِ حَمْزَةُ وبِكَسْرِها عَلِيٌّ ﴿وَإذا مَسَّهُ الشَرُّ﴾ الفَقْرُ والمَرَضُ أوْ نازِلَةٌ مِنَ النَوازِلِ ﴿كانَ يَئُوسًا﴾ شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رَوْحِ اللهِ.
17:84Page 290
قُلۡ كُلّٞ يَعۡمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَنۡ هُوَ أَهۡدَىٰ سَبِيلٗا ٨٤
Say, "Each works according to his manner, but your Lord is most knowing of who is best guided in way."
﴿قُلْ كُلٌّ﴾ أيْ: كُلُّ أحَدٍ ﴿يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ عَلى مَذْهَبِهِ وطَرِيقَتِهِ الَّتِي تُشاكِلُ حالَهُ في الهُدى والضَلالِ ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا﴾ أسَدُّ مَذْهَبًا وطَرِيقَةً.
17:85Page 290
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٥
And they ask you, [O Muḥammad], about the soul. Say, "The soul is of the affair [i.e., concern] of my Lord. And you [i.e., mankind] have not been given of knowledge except a little."
﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُوحِ قُلِ الرُوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ أيْ: مِن أمْرٍ يَعْلَمُهُ رَبِّي الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الرُوحُ الَّذِي في الحَيَوانِ سَألُوهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ فَأخْبَرَ أنَّهُ مِن أمْرِ اللهِ أيْ: مِمّا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ لَقَدْ مَضى النَبِيُّ ﷺ وما يَعْلَمُ الرُوحَ وقَدْ عَجَزَتِ الأوائِلُ عَنْ إدْراكِ ماهِيَّتِهِ بَعْدَ إنْفاقِ الأعْمارِ الطَوِيلَةِ عَلى الخَوْضِ فِيهِ، والحِكْمَةُ في ذَلِكَ تَعْجِيزُ العَقْلِ عَنْ إدْراكِ مَعْرِفَةِ مَخْلُوقٍ مُجاوِرٍ لَهُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ عَنْ إدْراكِ خالِقِهِ أعْجَزُ ولِذا رَدَّ ما قِيلَ في حَدِّهِ: إنَّهُ جِسْمٌ دَقِيقٌ هَوائِيٌّ في كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الحَيَوانِ وقِيلَ هو خَلْقٌ عَظِيمٌ رُوحانِيٌّ أعْظَمُ مِنَ المَلَكِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿نَزَلَ بِهِ (p-٢٧٥)الرُوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] وعَنِ الحَسَنِ القُرْآنُ دَلِيلُهُ ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] ولِأنَّ بِهِ حَياةَ القُلُوبِ و"مِن أمْرِ رَبِّي" أيْ: مِن وحْيِهِ وكَلامُهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ، ورُوِيَ: أنَّ اليَهُودَ بَعَثَتْ إلىقُرَيْشٍ أنْ سَلُوهُ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنِ الرُوحِ فَإنْ أجابَ عَنِ الكُلِّ أوْ سَكَتَ عَنِ الكُلِّ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ وإنْ أجابَ عَنْ بَعْضٍ وسَكَتَ عَنْ بَعْضٍ فَهو نَبِيٌّ فَبَيَّنَ لَهُمُ القِصَّتَيْنِ وأبْهَمَ أمْرَ الرُوحِ وهو مُبْهَمٌ في التَوْراةِ فَنَدِمُوا عَلى سُؤالِهِمْ وقِيلَ كانَ السُؤالُ عَنْ خَلْقِ الرُوحِ يَعْنِي: أهُوَ مَخْلُوقٌ أمْ لا وقَوْلُهُ ﴿مِن أمْرِ رَبِّي﴾ دَلِيلُ خَلْقِ الرُوحِ فَكانَ هَذا جَوابًا ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ الخِطابُ عامٌّ، فَقَدَ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ قالُوا نَحْنُ مُخْتَصُّونَ بِهَذا الخِطابِ أمْ أنْتَ مَعَنا فِيهِ فَقالَ:بَلْ نَحْنُ وأنْتُمْ لَمْ نُؤْتَ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا، وقِيلَ هو خِطابٌ لِلْيَهُودِ خاصَّةً، لِأنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدْ أُوتِينا التَوْراةَ وفِيها الحِكْمَةُ وقَدْ تَلَوْتَ ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فَقِيلَ لَهُمُ إنَّ عِلْمَ التَوْراةِ قَلِيلٌ في جَنْبِ عِلْمِ اللهِ فالقِلَّةُ والكَثْرَةُ مِنَ الأُمُورِ الإضافِيَّةِ فالحِكْمَةُ الَّتِي أُوتِيَها العَبْدُ خَيْرٌ كَثِيرٌ في نَفْسِها إلّا أنَّها إذا أُضِيفَتْ إلى عِلْمِ اللهِ تَعالى فَهي قَلِيلَةٌ.
17:86Page 290
وَلَئِن شِئۡنَا لَنَذۡهَبَنَّ بِٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيۡنَا وَكِيلًا ٨٦
And if We willed, We could surely do away with that which We revealed to you. Then you would not find for yourself concerning it an advocate against Us.
ثُمَّ نَبَّهَ عَلى نِعْمَةِ الوَحْيِ وعَزّاهُ بِالصَبْرِ عَلى أذى الجِدالِ في السُؤالِ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ لَنَذْهَبَنَّ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ مَعَ نِيابَتِهِ عَنْ جَزاءِ الشَرْطِ واللامُ الداخِلَةُ عَلى إنْ تَوْطِئَةٌ لِلْقَسَمِ والمَعْنى: إنْ شِئْنا ذَهَبْنا بِالقُرْآنِ ومَحَوْناهُ مِنَ الصُدُورِ والمَصاحِفِ فَلَمْ نَتْرُكْ لَهُ أثَرًا ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا﴾ أيْ: ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بَعْدَ الذَهابِ بِهِ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْنا بِاسْتِرْدادِهِ وإعادَتِهِ مَحْفُوظًا مَسْطُورًا (p-٢٧٦)
17:87Page 291
إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّ فَضۡلَهُۥ كَانَ عَلَيۡكَ كَبِيرٗا ٨٧
Except [We have left it with you] as a mercy from your Lord. Indeed, His favor upon you has ever been great.
﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ أيْ: إلّا أنْ يَرْحَمَكَ رَبُّكَ فَيَرُدَّهُ عَلَيْكَ كَأنَّ رَحْمَتَهُ تَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ بِالرَدِّ أوْ يَكُونُ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ أيْ: ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ تَرَكْتُهُ غَيْرَ مَذْهُوبٍ بِهِ وهَذا امْتِنانٌ مِنَ اللهِ تَعالى بِبَقاءِ القُرْآنِ مَحْفُوظًا بَعْدَ المِنَّةِ العَظِيمَةِ في تَنْزِيلِهِ وتَحْفِيظِهِ ونَزَلَ جَوابًا لِقَوْلِ النَضْرِ ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٣١]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences