An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
الكهف
Al-Kahf
The Cave · Meccan · 110 ayahs
18:1Page 293
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ١
[All] praise is [due] to Allāh, who has sent down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] the Book and has not made therein any deviance.1
(p-٢٨٥)سُورَةُ الكَهْفِ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً بَصْرِيٌّ وعَشْرُ آياتٍ كُوفِيٌّ
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْـزَلَ عَلى عَبْدِهِ﴾ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿الكِتابَ﴾ القُرْآنَ لَقَّنَ اللهُ عِبادَهُ وفَقَّهَهم كَيْفَ يُثْنُونَ عَلَيْهِ ويَحْمَدُونَهُ عَلى أجْزَلِ نَعْمائِهِ عَلَيْهِمْ وهي نِعْمَةُ الإسْلامِ وما أنْزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الكِتابِ الَّذِي هو سَبَبُ نَجاتِهِمْ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ العِوَجِ، والعِوَجُ في المَعانِي كالعَوَجِ في الأعْيانِ، يُقالُ: في رَأْيِهِ عِوَجٌ وفي عَصاهُ عَوَجٌ والمُرادُ نَفْيُ الِاخْتِلافِ والتَناقُضِ عَنْ مَعانِيهِ وخُرُوجِ شَيْءٍ مِنهُ مِنَ الحِكْمَةِ.
18:2Page 293
قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا ٢
[He has made it] straight, to warn of severe punishment from Him and to give good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a good reward [i.e., Paradise]
﴿قَيِّمًا﴾ مُسْتَقِيمًا وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ وتَقْدِيرُهُ: جَعَلَهُ قَيِّمًا، لِأنَّهُ إذا نَفى عَنْهُ العِوَجَ فَقَدْ أثْبَتَ لَهُ الِاسْتِقامَةَ، وفائِدَةُ الجَمْعِ بَيْنَ نَفْيِ العِوَجِ وإثْباتِ الِاسْتِقامَةِ وفي أحَدِهِما غِنًى عَنِ الآخَرِ التَأْكِيدُ فَرُبَّ مُسْتَقِيمٍ مَشْهُودٍ لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ ولا يَخْلُو مِن أدْنى عِوَجٍ عِنْدَ التَصَفُّحِ أوْ قَيِّمًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ مُصَدِّقًا لَها شاهِدًا بِصِحَّتِها ﴿لِيُنْذِرَ﴾ أنْذَرَ مُتَّعَدٍ إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ [النبإ: ٤٠] فاقْتَصَرَ عَلى أحَدِهِما وأصْلُهُ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿بَأْسًا﴾ عَذابًا ﴿شَدِيدًا﴾ وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى أحَدِ مَفْعُولَيْ أنْذَرَ، لِأنَّ المُنْذَرَ بِهِ هو المَسُوقُ إلَيْهِ فاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ صادِرًا مِن عِنْدِهِ ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّ لَهم ﴿أجْرًا حَسَنًا﴾ أيِ الجَنَّةَ "وَيَبْشُرُ" حَمْزَةُ وعَلِيٌّ (p-٢٨٦)
﴿ماكِثِينَ﴾ حالٌ مِن هم في "لَهُمْ" ﴿فِيهِ﴾ في الأجْرِ وهو الجَنَّةُ ﴿أبَدًا﴾
18:4Page 293
وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا ٤
And to warn those who say, "Allāh has taken a son."
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا﴾ ذَكَرَ المُنْذَرِينَ دُونَ المُنْذَرِ بِهِ بِعَكْسِ الأوَّلِ اسْتِغْناءً بِتَقْدِيمِ ذِكْرِهِ.
18:5Page 294
مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥
They have no knowledge of it,1 nor had their fathers. Grave is the word that comes out of their mouths; they speak not except a lie.
﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: بِالوَلَدِ أوْ بِاتِّخاذِهِ يَعْنِي: أنَّ قَوْلَهم هَذا لَمْ يَصْدُرْ عَنْ عِلْمٍ ولَكِنْ عَنْ جَهْلٍ مُفْرِطٍ فَإنْ قُلْتَ: اتِّخاذُ اللهِ ولَدًا في نَفْسِهِ مُحالٌ فَكَيْفَ قِيلَ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ قُلْتُ مَعْناهُ: ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُعْلَمُ لِاسْتِحالَتِهِ، وانْتِفاءُ العِلْمِ بِالشَيْءِ إمّا لِلْجَهْلِ بِالطَرِيقِ المُوصِلِ إلَيْهِ، أوْ لِأنَّهُ في نَفْسِهِ مُحالٌ ﴿وَلا لآبائِهِمْ﴾ المُقَلَّدِينَ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ وفِيهِ مَعْنى التَعَجُّبِ كَأنَّهُ قِيلَ ما أكْبَرَها كَلِمَةً والضَمِيرُ في كَبُرَتْ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِمُ "اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا وسُمِّيَتْ كَلِمَةً كَما يُسَمُّونَ القَصِيدَةَ بِها ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِكَلِمَةٍ تُفِيدُ اسْتِعْظامًا لِاجْتِرائِهِمْ عَلى النُطْقِ بِها وإخْراجِها مِن أفْواهِهِمْ فَإنَّ كَثِيرًا مِمّا يُوَسْوِسُهُ الشَيْطانُ في قُلُوبِ الناسِ مِنَ المُنْكَراتِ لا يَتَمالَكُونَ أنْ يَتَفَوَّهُوا بِهِ بَلْ يَكْظِمُونَ عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِمِثْلِ هَذا المُنْكَرِ ﴿إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾ ما يَقُولُونَ ذَلِكَ إلّا كَذِبًا هو صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: قَوْلًا كَذِبًا.
18:6Page 294
فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦
Then perhaps you would kill yourself through grief over them, [O Muḥammad], if they do not believe in this message, [and] out of sorrow.
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قاتِلٌ نَفْسَكَ ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ أيْ: آثارِ الكُفّارِ شَبَّهَهُ وإيّاهم حِينَ تَوَلَّوْا عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وما تَداخَلَهُ مِنَ الأسَفِ عَلى تَوَلِّيهِمْ بِرَجُلٍ فارَقَهُ أحِبَّتُهُ فَهو يَتَساقَطُ حَسَراتٍ عَلى آثارِهِمْ ويَبْخَعُ نَفْسَهُ وجْدًا عَلَيْهِمْ وتَلَهُّفًا عَلى فِراقِهِمْ ﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ﴾ بِالقُرْآنِ ﴿أسَفًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: لِفَرْطِ الحُزْنِ والأسَفِ المُبالَغَةِ في الحُزْنِ والغَضَبِ.
18:7Page 294
إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧
Indeed, We have made that which is on the earth adornment for it that We may test them [as to] which of them is best in deed.
﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها﴾ أيْ: ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زِينَةً لَها (p-٢٨٧)وَلِأهْلِها مِن زَخارِفِ الدُنْيا وما يُسْتَحْسَنُ مِنها ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ وحُسْنُ العَمَلِ: الزُهْدُ فِيها وتَرْكُ الِاغْتِرارِ بِها.
18:8Page 294
وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا ٨
And indeed, We will make that which is upon it [into] a barren ground.
ثُمَّ زَهَّدَ في المَيْلِ إلَيْها بِقَوْلِهِ ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها﴾ مِن هَذِهِ الزِينَةِ ﴿صَعِيدًا﴾ أرْضًا مَلْساءَ ﴿جُرُزًا﴾ يابِسًا لا نَباتَ فِيها بَعْدَ أنْ كانَتْ خَضْراءَ مُعْشِبَةً والمَعْنى: نُعِيدُها بَعْدَ عِمارَتِها خَرابًا بِإماتَةِ الحَيَوانِ وتَجْفِيفِ النَباتِ والأشْجارِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
18:9Page 294
أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا ٩
Or have you thought that the companions of the cave and the inscription were, among Our signs, a wonder?1
وَلَمّا ذَكَرَ مِنَ الآياتِ الكُلِّيَّةِ تَزْيِينَ الأرْضِ بِما خَلَقَ فَوْقَها مِنَ الأجْناسِ الَّتِي لا حَصْرَ لَها وإزالَةَ ذَلِكَ كُلِّهِ كَأنْ لَمْ يَكُنْ قالَ ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَقِيمِ﴾ يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وإبْقاءِ حَياتِهِمْ مُدَّةً طَوِيلَةً، والكَهْفُ الغارُ الواسِعُ في الجَبَلِ والرَقِيمُ: اسْمُ كَلْبِهِمْ أوْ قَرْيَتِهِمْ أوِ اسْمُ كِتابٍ كُتِبَ في شَأْنِهِمْ أوِ اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الكَهْفُ ﴿كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ أيْ: كانُوا آيَةً عَجَبًا مِن آياتِنا وصْفًا بِالمَصْدَرِ أوْ عَلى ذاتِ عَجَبٍ.
18:10Page 294
إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠
[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."
﴿إذْ﴾ أيِ اذْكُرْ إذْ ﴿أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أيْ: رَحْمَةً مِن خَزائِنِ رَحْمَتِكَ وهي المَغْفِرَةُ والرِزْقُ والأمْنُ مِنَ الأعْداءِ ﴿وَهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا﴾ أيِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِن مُفارَقَةِ الكُفّارِ ﴿رَشَدًا﴾ حَتّى نَكُونَ بِسَبَبِهِ راشِدِينَ مُهْتَدِينَ أوِ اجْعَلْ أمْرَنا رَشَدًا كُلَّهُ كَقَوْلِكَ رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا أوْ يَسِّرْ لَنا طَرِيقَ رِضاكَ.
18:11Page 294
فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا ١١
So We cast [a cover of sleep] over their ears within the cave for a number of years.
﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ﴾ أيْ: ضَرَبْنا عَلَيْها حِجابًا مِنَ النَوْمِ يَعْنِي: أنَمْناهم إنامَةً ثَقِيلَةً لا تُنَبِّهُهم فِيها الأصْواتُ فَحُذِفَ المَفْعُولُ الَّذِي هو الحِجابُ ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾ ذَواتَ عَدَدٍ فَهو صِفَةٌ لِسِنِينَ قالَ الزَجّاجُ أيْ: تُعَدُّ عَدَدًا لِكَثْرَتِها، لِأنَّ القَلِيلَ يُعْلَمُ مِقْدارُهُ مِن غَيْرِ عَدَدٍ فَإذا كَثُرَ عُدَّ فَأمّا (p-٢٨٨)"دَراهِمَ مَعْدُودَةً" فَهي عَلى القِلَّةِ، لِأنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ القَلِيلَ ويَزِنُونَ الكَثِيرَ.
18:12Page 294
ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢
Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.
﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أيْ:أيْقَظْناهم مِنَ النَوْمِ ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ المُخْتَلِفَيْنِ مِنهم في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، لِأنَّهم لَمّا انْتَبَهُوا اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] وكانَ الَّذِينَ قالُوا ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] هُمُ الَّذِينَ عَلِمُوا أنَّ لُبْثَهم قَدْ تَطاوَلَ أوْ "أيُّ الحِزْبَيْنِ" المُخْتَلِفَيْنِ مِن غَيْرِهِمْ ﴿أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ غايَةً و"أحْصى" فِعْلٌ ماضٍ و"أمَدًا" ظَرْفٌ لِ"أحْصى" أوْ مَفْعُولٌ بِهِ والفِعْلُ الماضِي خَبَرُ المُبْتَدَأِ وهو "أيُّ"، والمُبْتَدَأُ مَعَ خَبَرِهِ سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "نَعْلَمُ"، والمَعْنى: أيُّهم ضَبَطَ "أمَدًا" لِأوْقاتِ لُبْثِهِمْ وأحاطَ عِلْمًا بِأمَدِ لُبْثِهِمْ، ومَن قالَ "أحْصى": أفْعَلُ، مِنَ الإحْصاءِ، وهو العَدُّ فَقَدْ زَلَّ، لِأنَّ بِناءَهُ مِن غَيْرِ الثُلاثِيِّ المُجَرَّدِ لَيْسَ بِقِياسٍ، وإنَّما قالَ لِنَعْلَمَ مَعَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ عالِمًا بِذَلِكَ، لِأنَّ المُرادَ ما تَعَلَّقَ بِهِ العِلْمُ مِن ظُهُورِ الأمْرِ لَهم لِيَزْدادُوا إيمانًا واعْتِبارًا ولِيَكُونَ لُطْفًا لِمُؤْمِنِي زَمانِهِمْ وآيَةً بَيِّنَةً لِكُفّارِهِ أوِ المُرادُ لِنَعْلَمَ اخْتِلافَهُما مَوْجُودًا كَما عِلْمْناهُ قَبْلَ وُجُودِهِ.
18:13Page 294
نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣
It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ بِالصِدْقِ ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ﴾ جَمْعُ فَتًى والفُتُوَّةُ بَذْلُ النَدى وكَفُّ الأذى وتَرْكُ الشَكْوى واجْتِنابُ المَحارِمِ واسْتِعْمالُ المَكارِمِ، وقِيلَ الفَتى مَن لا يَدَّعِي قَبْلَ الفِعْلِ ولا يُزَكِّي نَفْسَهُ بَعْدَ الفِعْلِ ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ يَقِينًا وكانُوا مِن خَواصِّ دِقْيانُوسَ قَدْ قَذَفَ اللهُ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وخافَ بَعْضُهم بَعْضًا وقالُوا: لِيَخْلُ اثْنانِ اثْنانِ مِنّا فَيُظْهِرُ كِلاهُما ما يُضْمِرُ لِصاحِبِهِ فَفَعَلُوا فَحَصَلَ اتِّفاقُهم عَلى الإيمانِ.
18:14Page 294
وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤
And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.
﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقَوَّيْناها بِالصَبْرِ عَلى هِجْرانِ الأوْطانِ والفِرارِ بِالدِينِ إلى بَعْضِ الغِيرانِ وجَسَّرْناهم عَلى القِيامِ بِكَلِمَةِ الحَقِّ والتَظاهُرِ بِالإسْلامِ ﴿إذْ قامُوا﴾ بَيْنَ يَدَيِ الجَبّارِ وهو دِقْيانُوسُ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِهِ حِينَ (p-٢٨٩)عاتَبَهم عَلى تَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ﴾ مُفْتَخِرِينَ ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ ولَئِنْ سَمَّيْناهم آلِهَةً ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ قَوْلًا ذا شَطَطٍ وهو الإفْراطُ في الظُلْمِ والإبْعادُ فِيهِ مِن شَطَّ يَشِطُّ ويَشُطُّ:إذا بَعُدَ.
18:15Page 294
هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥
These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"
﴿هَؤُلاءِ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿قَوْمُنا﴾ عَطْفُ بَيانٍ ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ خَبَرٌ وهو إخْبارٌ في مَعْنى الإنْكارِ ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ﴾ هَلّا يَأْتُونَ عَلى عِبادَتِهِمْ فَحُذِفَ المُضافُ ﴿بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ بِحُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وهو تَبْكِيتٌ، لِأنَّ الإتْيانَ بِالسُلْطانِ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ مُحالٌ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ بِنِسْبَةِ الشَرِيكِ إلَيْهِ.
18:16Page 295
وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦
[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."
﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خِطابٌ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ حَيْثُ صَمَّمَتْ عَزِيمَتُهم عَلى الفِرارِ بِدِينِهِمْ ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾ نَصْبٌ عَطْفٌ عَلى الضَمِيرِ أيْ: وإذا اعْتَزَلْتُمُوهم واعْتَزَلْتُمْ مَعْبُودِيهِمْ ﴿إلا اللهَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِالخالِقِ ويُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ كَأهْلِ مَكَّةَ، أوْ مُنْقَطِعٌ أيْ: وإذِ اعْتَزَلْتُمُ الكُفّارَ والأصْنامَ الَّتِي يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللهِ أوْ هو كَلامٌ مُعْتَرِضٌ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَنِ الفِتْيَةِ أنَّهم لَمْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللهِ ﴿فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ صِيرُوا إلَيْهِ واجْعَلُوا الكَهْفَ مَأْواكم ﴿يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ مِن رِزْقِهِ ﴿وَيُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا﴾ مَرْفِقًا:مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وهو ما يُرْتَفَقُ بِهِ أيْ: يُنْتَفَعُ وإنَّما قالُوا ذَلِكَ ثِقَةً بِفَضْلِ اللهِ وقُوَّةً في رَجائِهِمْ لِتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ ونُصُوعِ يَقِينِهِمْ أوْ أخْبَرَهم بِهِ نَبِيٌّ في عَصْرِهِمْ.
18:17Page 295
۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧
And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.
﴿وَتَرى الشَمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ﴾ بِتَخْفِيفِ الزايِ: كُوفِيٌّ "تَزْوَرُّ" شامِيٌّ، "تَزّاوَرُ" غَيْرُهم، وأصْلُهُ تَتَزاوَرُ فَخُفِّفَ بِإدْغامِ التاءِ في الزايِ أوْ حَذْفِها والكُلُّ مِنَ الزَوَرِ وهو المَيْلُ ومِنهُ زارَهُ إذا مالَ إلَيْهِ (p-٢٩٠)والزُورُ المَيْلُ عَنِ الصِدْقِ ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ أيْ: تَمِيلُ عَنْهُ ولا يَقَعُ شُعاعُها عَلَيْهِمْ ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ جِهَةَ اليَمِينِ وحَقِيقَتُها الجِهَةُ المُسَمّاةُ بِاليَمِينِ ﴿وَإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ تَقْطَعُهم أيْ: تَتْرُكُهم وتَعْدِلُ عَنْهم ﴿ذاتَ الشِمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ والمَعْنى: أنَّهم في ظِلِّ نَهارِهِمْ كُلِّهِ لا تُصِيبُهُمُ الشَمْسُ في طُلُوعِها ولا غُرُوبِها مَعَ أنَّهم في مَكانٍ واسِعٍ مُنْفَتِحٍ مُعَرَّضٍ لِإصابَةِ الشَمْسِ لَوْلا أنَّ اللهَ يَحْجُبُها عَنْهم وقِيلَ مُنْفَسَحٍ مِن غارِهِمْ يَنالُهم فِيهِ رَوْحُ الهَواءِ وبَرْدُ النَسِيمِ ولا يُحِسُّونَ كَرْبَ الغارِ ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ﴾ أيْ: ما صَنَعَهُ اللهُ بِهِمْ مِنِ ازْوِرارِ الشَمْسِ وقَرْضِها طالِعَةً وغارِبَةً آيَةٌ مِن آياتِ اللهِ يَعْنِي: أنَّ ما كانَ في ذَلِكَ السَمْتِ تُصِيبُهُ الشَمْسُ ولا تُصِيبُهُمُ اخْتِصاصًا لَهم بِالكَرامَةِ وقِيلَ بابُ الكَهْفِ شَمالِيٌّ مُسْتَقْبِلٌ لِبَناتِ نَعْشٍ فَهم في مَقْنَأةٍ أبَدًا ومَعْنى " ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ" أنَّ شَأْنَهم وحَدِيثَهم مِن آياتِ اللهِ ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِ﴾ مِثْلُ ما مَرَّ في "سُبْحانَ" وهو ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم جاهَدُوا في اللهِ وأسْلَمُوا لَهُ وُجُوهَهم فَأرْشَدَهم إلى نَيْلِ تِلْكَ الكَرامَةِ السَنِيَّةِ ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ أيْ: مَن أضَلَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ.
18:18Page 295
وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا ١٨
And you would think them awake, while they were asleep. And We turned them to the right and to the left, while their dog stretched his forelegs at the entrance. If you had looked at them, you would have turned from them in flight and been filled by them with terror.
﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ بِفَتْحِ السِينِ شامِيٌّ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ غَيْرَ الأعْمَشِ وهو خِطابٌ لِكُلِّ أحَدٍ ﴿أيْقاظًا﴾ جَمْعُ يَقِظٍ ﴿وَهم رُقُودٌ﴾ نِيامٌ قِيلَ عُيُونُهم مُفَتَّحَةٌ وهم نِيامٌ فَيَحْسَبُهُمُ الناظِرُ لِذَلِكَ أيْقاظًا ﴿وَنُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِمالِ﴾ قِيلَ لَهم تَقَلُّبَتانِ في السَنَةِ وقِيلَ تَقَلُّبَةٌ واحِدَةٌ في يَوْمِ عاشُوراءَ (p-٢٩١)﴿وَكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ لا يَعْمَلُ إذا كانَ في مَعْنى المُضِيِّ ﴿بِالوَصِيدِ﴾ بِالفِناءِ أوْ بِالعَتَبَةِ ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لَوْ أشْرَفْتَ عَلَيْهِمْ فَنَظَرْتَ إلَيْهِمْ ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهُمْ﴾ لَأعْرَضْتَ عَنْهم وهَرَبْتَ مِنهم ﴿فِرارًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى ولَّيْتَ مِنهم: فَرَرْتَ مِنهم ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنهُمْ﴾ وبِتَشْدِيدِ اللامِ حِجازِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ ﴿رُعْبًا﴾ تَمْيِيزٌ، وبِضَمِّ العَيْنِ: شامِيٌّ وعَلِيٌّ وهو الخَوْفُ الَّذِي يُرْعِبُ الصَدْرَ أيْ: يَمْلَأهُ وذَلِكَ لِما ألْبَسَهُمُ اللهُ مِنَ الهَيْبَةِ أوْ لِطُولِ أظْفارِهِمْ وشُعُورِهِمْ وعِظَمِ أجْرامِهِمْ، وعَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ غَزا الرُومَ فَمَرَّ بِالكَهْفِ فَقالَ أُرِيدُ أنْ أدْخُلَ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - لَقَدْ قِيلَ لِمَن هو خَيْرٌ مِنكَ ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ فَدَخَلَتْ جَماعَةٌ بِأمْرِهِ فَأحْرَقَتْهم رِيحٌ.
18:19Page 295
وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ١٩
And similarly,1 We awakened them that they might question one another. Said a speaker from among them, "How long have you remained [here]?" They said, "We have remained a day or part of a day." They said, "Your Lord is most knowing of how long you remained. So send one of you with this silver coin of yours to the city and let him look to which is the best of food and bring you provision from it and let him be cautious. And let no one be aware of you.
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾ وكَما أنَمْناهم تِلْكَ النَوْمَةَ كَذَلِكَ أيْقَظْناهم إظْهارًا لِلْقُدْرَةِ عَلى الإنامَةِ والبَعْثِ جَمِيعًا ﴿لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ لِيَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَعَرَّفُوا حالَهم وما صَنَعَ اللهُ بِهِمْ فَيَعْتَبِرُوا ويَسْتَدِلُّوا عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ اللهِ ويَزْدادُوا يَقِينًا ويَشْكُرُوا ما أنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِمْ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ رَئِيسُهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ كَمْ مُدَّةُ لُبْثِكم ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ جَوابٌ مَبْنِيٌّ عَلى غالِبِ الظَنِّ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ والقَوْلِ بِالظَنِّ الغالِبِ ﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ بِمُدَّةِ لُبْثِكم، إنْكارٌ عَلَيْهِمْ مِن بَعْضِهِمْ كَأنَّهم قَدْ عَلِمُوا بِالأدِلَّةِ أوْ بِإلْهامٍ أنَّ المُدَّةَ مُتَطاوِلَةٌ وأنَّ مِقْدارَها لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ، ورُوِيَ: أنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ غَدْوَةً وكانَ انْتِباهُهم بَعْدَ الزَوالِ فَظَنُّوا أنَّهم في يَوْمِهِمْ فَلَمّا نَظَرُوا إلى طُولِ أظْفارِهِمْ وأشْعارِهِمْ قالُوا ذَلِكَ وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - عَلى أنَّ الصَحِيحَ أنَّ عَدَدَهم سَبْعَةٌ، لِأنَّهُ قَدْ قالَ في الآيَةِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ وهَذا واحِدٌ وقالُوا في جَوابِهِ "لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ وهو جَمْعٌ وأقْلُّهُ ثَلاثَةٌ ثُمَّ قالَ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ وهَذا (p-٢٩٢)قَوْلُ جَمْعٍ آخَرِينَ فَصارُوا سَبْعَةً ﴿فابْعَثُوا أحَدَكُمْ﴾ كَأنَّهم قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِذَلِكَ لا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ فَخُذُوا في شَيْءٍ آخَرَ مِمّا يُهِمُّكم فابْعَثُوا أحَدَكم أيْ: تَمْلِيخا ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ هي الفِضَّةُ مَضْرُوبَةً كانَتْ أوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ وبِسُكُونِ الراءِ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ ﴿هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ هي طَرْسُوسُ، وحَمْلُهُمُ الوَرِقَ عِنْدَ فِرارِهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَمْلَ النَفَقَةِ وما يَصْلُحُ لِلْمُسافِرِ هو رَأْيُ المُتَوَكِّلِينَ عَلى اللهِ دُونَ المُتَّكِلِينَ عَلى الِاتِّفاقاتِ وعَلى ما في أوْعِيَةِ القَوْمِ مِنَ النَفَقاتِ، وعَنْ بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ كانَ شَدِيدَ الحَنِينِ إلى بَيْتِ اللهِ ويَقُولُ ما لِهَذا السَفَرِ إلّا شَيْئانِ شَدُّ المَحْمِيّانِ والتَوَكُّلُ عَلى الرَحْمَنِ ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها﴾ أيُّ أهْلِها، فَحُذِفَ كَما في ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وأيُّ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿أزْكى﴾ أحَلُّ وأطْيَبُ وأكْثَرُ وأرْخَصُ ﴿طَعامًا﴾ تَمْيِيزٌ ﴿فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ﴾ ولْيَتَكَلَّفِ اللُطْفَ فِيما يُباشِرُهُ مِن أمْرِ المُبايَعَةِ حَتّى لا يُغْبَنَ أوْ في أمْرِ التَخَفِّي حَتّى لا يُعْرَفَ ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ ولا يَفْعَلَنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشُعُورِ بِنا مِن غَيْرِ قَصْدٍ مِنهُ فَسَمّى ذَلِكَ إشْعارًا مِنهُ بِهِمْ، لِأنَّهُ سَبَبٌ فِيهِ.
18:20Page 295
إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٢٠
Indeed, if they come to know of you, they will stone you or return you to their religion. And never would you succeed, then - ever."
والضَمِيرُ في ﴿إنَّهُمْ﴾ راجِعٌ إلى الأهْلِ المُقَدَّرِ في أيُّها ﴿إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يَطَّلِعُوا عَلَيْكم ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ يَقْتُلُوكم أخْبَثَ القِتْلَةِ ﴿أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ بِالإكْراهِ، والعَوْدُ بِمَعْنى الصَيْرُورَةِ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ إذًا يَدُلُّ عَلى الشَرْطِ أيْ: ولَنْ تُفْلِحُوا إنْ دَخَلْتُمْ في دِينِهِمْ أبَدًا.
18:21Page 296
وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١
And similarly, We caused them to be found that they [who found them] would know that the promise of Allāh is truth and that of the Hour there is no doubt. [That was] when they1 disputed among themselves about their affair and [then] said, "Construct over them a structure. Their Lord is most knowing about them." Said those who prevailed in the matter, "We will surely take [for ourselves] over them a masjid."2
﴿وَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ وكَما أنَمْناهم وبَعَثْناهم لِما في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ أطْلَعْنا عَلَيْهِمْ ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ أيِ الَّذِينَ أطْلَعْناهم عَلى حالِهِمْ ﴿أنَّ وعْدَ اللهِ﴾ وهو البَعْثُ ﴿حَقٌّ﴾ كائِنٌ، لِأنَّ حالَهم في نَوْمِهِمْ وانْتِباهِهِمْ بَعْدَها (p-٢٩٣)كَحالِ مَن يَمُوتُ ثُمَّ يُبْعَثُ ﴿وَأنَّ الساعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ فَإنَّهم يَسْتَدِلُّونَ بِأمْرِهِمْ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأعْثَرْنا أيْ: أعْثَرْناهم عَلَيْهِمْ حِينَ يَتَنازَعُ أهْلُ ذَلِكَ الزَمانِ ﴿بَيْنَهم أمْرَهُمْ﴾ أمْرَ دِينِهِمْ ويَخْتَلِفُونَ في حَقِيقَةِ البَعْثِ فَكانَ بَعْضُهم يَقُولُ تُبْعَثُ الأرْواحُ دُونَ الأجْسادِ وبِعَضُهم يَقُولُ تُبْعَثُ الأجْسادُ مَعَ الأرْواحِ لِيَرْتَفِعَ الخِلافُ ولِيَتَبَيَّنَ أنَّ الأجْسادَ تُبْعَثُ حَيَّةً حَسّاسَةً فِيها أرْواحُها كَما كانَتْ قَبْلَ المَوْتِ ﴿فَقالُوا﴾ حِينَ تَوَفّى اللهُ أصْحابَ الكَهْفِ ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا﴾ أيْ: عَلى بابِ كَهْفِهِمْ لِئَلّا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِمُ الناسُ ضَنًّا بِتُرْبَتِهِمْ ومُحافَظَةً عَلَيْها كَما حُفِظَتْ تُرْبَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالحَظِيرَةِ ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ المُتَنازِعِينَ كَأنَّهم تَذاكَرُوا أمْرَهم وتَناقَلُوا الكَلامَ في أنْسابِهِمْ وأحْوالِهِمْ ومُدَّةِ لُبْثِهِمْ فَلَمّا لَمْ يَهْتَدُوا إلى حَقِيقَةِ ذَلِكَ قالُوا ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ أوْ مِن كَلامِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ رَدًّا لِقَوْلِ الخائِضِينَ في ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ﴾ مِنَ المُسْلِمِينَ ومَلِكِهِمْ وكانُوا أوْلى بِهِمْ وبِالبِناءِ عَلَيْهِمْ ﴿لَنَتَّخِذَنَّ﴾ بابَ الكَهْفِ ﴿مَسْجِدًا﴾ يُصَلِّي فِيهِ المُسْلِمُونَ ويَتَبَرَّكُونَ بِمَكانِهِمْ
رُوِيَ: أنَّ أهَّلَ الإنْجِيلِ عَظُمَتْ فِيهِمُ الخَطايا وطَغَتْ مُلُوكُهم حَتّى عَبَدُوا الأصْنامَ وأُكْرِهُوا عَلى عِبادَتِها ومِمَّنْ شَدَّدَ في ذَلِكَ دِقْيانُوسُ فَأرادَ فَتِيَةً مِن أشْرافِ قَوْمِهِ عَلى الشِرْكِ وتَوَعَّدَهم بِالقَتْلِ فَأبَوْا إلّا الثَباتَ عَلى الإيمانِ والتَصَلُّبَ فِيهِ ثُمَّ هَرَبُوا إلى الكَهْفِ ومَرُّوا بِكَلْبٍ فَتَبِعَهم فَطَرَدُوهُ فَأنْطَقَهُ اللهُ تَعالى فَقالَ ما تُرِيدُونَ مِنِّي إنِّي أُحِبُّ أحِبّاءَ اللهِ فَنامُوا وأنا أحْرُسُكم وقِيلَ مَرُّوا بِراعٍ مَعَهُ كَلْبٌ فَتَبِعَهم عَلى دِينِهِمْ ودَخَلُوا الكَهْفَ فَضَرَبَ اللهُ عَلى آذانِهِمْ وقَبْلَ أنْ يَبْعَثَهُمُ اللهُ مَلَكَ مَدِينَتَهم رَجُلٌ صالِحٌ مُؤْمِنٌ وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ في البَعْثِ مُعْتَرِفِينَ وجاحِدِينَ فَدَخَلَ المَلِكُ بَيْتَهُ وأغْلَقَ بابَهُ ولَبِسَ مِسْحًا وجَلَسَ عَلى رَمادٍ وسَألَ رَبَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ فَألْقى اللهُ في نَفْسِ رَجُلٍ مِن رِعْيانِهِمْ فَهَدَمَ ما سُدَّ بِهِ فَمُ الكَهْفِ لِيَتَّخِذَهُ حَظِيرَةً لِغَنَمِهِ ولَمّا دَخَلَ المَدِينَةَ مَن بَعَثُوهُ لِابْتِياعِ الطَعامِ وأخْرَجَ الوَرِقَ وكانَ مِن ضَرْبِ (p-٢٩٤)دِقْيانُوسَ اتَّهَمُوهُ بِأنَّهُ وجَدَ كَنْزًا فَذَهَبُوا بِهِ إلى المَلِكِ فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ فانْطَلَقَ المَلِكُ وأهْلُ المَدِينَةِ مَعَهُ وأبْصَرُوهم وحَمِدُوا اللهَ عَلى الآيَةِ الدالَّةِ عَلى البَعْثِ ثُمَّ قالَتِ الفِتْيَةُ لِلْمَلِكِ نَسْتَوْدِعُكَ اللهَ ونُعِيذُكَ بِهِ مِن شَرِّ الجِنِّ والإنْسِ ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَضاجِعِهِمْ وتَوَفّى اللهُ أنْفُسَهم فَألْقى المَلِكُ عَلَيْهِمْ ثِيابَهُ وأمَرَ فَجُعِلَ لِكُلِّ واحِدٍ تابُوتٌ مِن ذَهَبٍ فَرَآهم في المَنامِ كارِهِينَ لِلذَّهَبِ فَجَعَلَها مِنَ الساجِ وبَنى عَلى بابِ الكَهْفِ مَسْجِدًا.
18:22Page 296
سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢
They [i.e., people] will say there were three, the fourth of them being their dog; and they will say there were five, the sixth of them being their dog - guessing at the unseen; and they will say there were seven, and the eighth of them was their dog. Say, [O Muḥammad], "My Lord is most knowing of their number. None knows them except a few. So do not argue about them except with an obvious argument1 and do not inquire about them among [the speculators] from anyone."
﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ الضَمِيرُ في "سَيَقُولُونَ" لِمَن خاضَ في قِصَّتِهِمْ في زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الكِتابِ سَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْهم فَأخَّرَ الجَوابَ إلى أنْ يُوحى إلَيْهِ فِيهِمْ فَنَزَلَتْ إخْبارًا بِما سَيَجْرِي بَيْنَهم مِنِ اخْتِلافِهِمْ في عَدَدِهِمْ وأنَّ المُصِيبَ مِنهم مَن يَقُولُ ﴿سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ ويُرْوى أنَّ السَيِّدَ والعاقِبَ وأصْحابَهُما مِن أهْلِ نَجْرانَ كانُوا عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَجَرى ذِكْرُ أصْحابِ الكَهْفِ فَقالَ السَيِّدُ وكانَ يَعْقُوبِيًّا كانُوا ثَلاثَةً رابِعُهم كَلْبُهم وقالَ العاقِبُ وكانَ نَسْطُورِيًّا كانُوا خَمْسَةً سادِسُهم كَلْبُهم وقالَ المُسْلِمُونَ كانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهم فَحَقَّقَ اللهُ قَوْلَ المُسْلِمِينَ وإنَّما عَرَفُوا ذَلِكَ بِإخْبارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وبِما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ، وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - هم سَبْعَةُ نَفَرٍ أسْماؤُهم:يَمْلِيخا ومَكْشَلِينا ومَشْلِيِينا هَؤُلاءِ أصْحابُ يَمِينِ المَلِكِ وكانَ عَنْ يَسارِهِ مَرْنُوشُ ودَبَرْنُوشُ وشاذَنُوشُ وكانَ يَسْتَشِيرُ هَؤُلاءِ السِتَّةَ في أمْرِهِ، والسابِعُ الراعِي الَّذِي وافَقَهم حِينَ هَرَبُوا مِن مَلِكِهِمْ دِقْيانُوسَ واسْمُ مَدِينَتِهِمْ أفْسُوسُ واسْمُ كَلْبِهِمْ قِطْمِيرُ وسِينُ الِاسْتِقْبالِ وإنْ دَخَلَ في الأوَّلِ دُونَ الآخَرَيْنِ فَهُما داخِلانِ في حُكْمِ السِينِ كَقَوْلِكَ: قَدْ أُكْرَمُ وأُنَعَّمُ، تُرِيدُ مَعْنى التَوَقُّعِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا أوْ أُرِيدَ بِيَفْعَلُ (p-٢٩٥)مَعْنى الِاسْتِقْبالِ الَّذِي هو صالِحٌ لَهُ، "ثَلاثَةٌ" خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هم ثَلاثَةٌ وكَذَلِكَ "خَمْسَةٌ" و"سَبْعَةٌ" و"رابِعُهم كَلْبُهُمْ" جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ وخَبَرٍ واقِعَةٌ صِفَةً لِ"ثَلاثَةٌ" وكَذَلِكَ "سادِسُهم كَلْبُهُمْ" "وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ"، "رَجْمًا بِالغَيْبِ" رَمْيًا بِالخَبَرِ الخَفِيِّ وإتْيانًا بِهِ كَقَوْلِهِ "وَيَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ" أيْ: يَأْتُونَ بِهِ أوَ وُضِعَ الرَجْمُ مَوْضِعَ الظَنِّ فَكَأنَّهُ قِيلَ ظَنًّا بِالغَيْبِ، لِأنَّهم أكْثَرُوا أنْ يَقُولُوا رَجْمٌ بِالظَنِّ مَكانَ قَوْلِهِمْ ظَنٌّ حَتّى لَمْ يَبْقَ عِنْدَهم فَرْقٌ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ، والواوُ الداخِلَةُ عَلى الجُمْلَةِ الثالِثَةِ هي الواوُ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ كَما تَدْخُلُ عَلى الواقِعَةِ حالًا عَنِ المَعْرِفَةِ في قَوْلِكَ جاءَنِي رَجُلٌ ومَعَهُ آخَرُ، ومَرَرْتُ بِزَيْدٍ وفي يَدِهِ سَيْفٌ، وفائِدَتُها تَوْكِيدُ لُصُوقِ الصِفَةِ بِالمَوْصُوفِ والدَلالَةُ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِها أمْرٌ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، وهَذِهِ الواوُ الَّتِي آذَنَتْ بِأنَّ الَّذِينَ قالُوا ﴿سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ قالُوهُ عَنْ ثَباتِ عِلْمٍ ولَمْ يَرْجُمُوا بِالظَنِّ كَما رَجَمَ غَيْرُهم، دَلِيلُهُ أنَّ اللهَ تَعالى أتْبَعَ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ قَوْلَهُ ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ وأتْبَعَ القَوْلَ الثالِثَ قَوْلَهُ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ أيْ: قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ وقَدْ أخْبَرَكم بِها بِقَوْلِهِ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم ﴿ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنا مِن ذَلِكَ القَلِيلِ، وقِيلَ" إلّا قَلِيلٌ" مِن أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً أيْ: سَيَقُولُونَ أهْلُ الكِتابِ فِيهِمْ كَذا وكَذا ولا عِلْمَ بِذَلِكَ إلّا في قَلِيلٍ مِنهم وأكْثَرُهم عَلى ظَنٍّ وتَخْمِينٍ ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ﴾ فَلا تُجادِلْ أهْلَ الكِتابِ في شَأْنِ أصْحابِ الكَهْفِ ﴿إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ إلّا جِدالًا ظاهِرًا غَيْرَ مُتَعَمِّقٍ فِيهِ وهو أنْ تَقُصَّ عَلَيْهِمْ ما أوْحى اللهُ إلَيْكَ فَحَسْبُ ولا تَزِيدَ مِن غَيْرِ تَجْهِيلٍ لَهم أوْ بِمَشْهَدٍ مِنَ الناسِ لِيَظْهَرَ صِدْقُكَ ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾ ولا تَسْألْ أحَدًا مِنهم عَنْ قِصَّتِهِمْ سُؤالَ مُتَعَنِّتٍ لَهُ حَتّى يَقُولَ شَيْئًا فَتَرُدَّهُ عَلَيْهِ وتُزَيِّفَ ما عِنْدَهُ ولا سُؤالَ مُسْتَرْشِدٍ، لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أرْشَدَكَ بِأنْ أوْحى إلَيْكَ قِصَّتَهُمْ.
18:23Page 296
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣
And never say of anything, "Indeed, I will do that tomorrow,"
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ لِأجْلِ شَيْءٍ تَعْزِمُ عَلَيْهِ ﴿إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ﴾ الشَيْءَ (p-٢٩٦)﴿غَدًا﴾ أيْ: فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَمانِ ولَمْ يُرِدِ الغَدَ خاصَّةً.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences