An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:87–105
2:87Page 13
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ ٨٧
And We did certainly give Moses the Scripture [i.e., the Torah] and followed up after him with messengers. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs and supported him with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel]. But is it [not] that every time a messenger came to you, [O Children of Israel], with what your souls did not desire, you were arrogant? And a party [of messengers] you denied and another party you killed.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ التَوْراةَ، آتاهُ جُمْلَةً،
﴿وَقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُسُلِ﴾ يُقالُ: قَفّاهُ: إذا اتَّبَعَهُ مِنَ القَفا، نَحْوُ: ذَنَبُهُ مِنَ الذَنَبِ، وقَفّاهُ بِهِ: إذا أتْبَعَهُ إيّاهُ يَعْنِي: وأرْسَلْنا عَلى أثَرِهِ الكَثِيرَ مِنَ الرُسُلِ. وهم يُوشَعُ، وشَمْوِيلُ، وشَمْعُونَ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وشِعْياءُ، وأرْمِياءُ، وعُزَيْرٌ، وحِزْقِيلُ، وإلْياسُ، واليَسَعَ، ويُونُسُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وغَيْرُهم.
﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ هي بِمَعْنى: الخادِمِ، ووَزْنُ مَرْيَمَ عِنْدَ النَحْوِيِّينَ مَفْعَلٌ، لِأنَّ فَعِيلًا لَمْ يَثْبُتْ في الأبْنِيَةِ. البَيِّناتُ: المُعْجِزاتُ الواضِحاتُ كَإحْياءِ المَوْتى، وإبْراءِ الأكَمَهِ والأبْرَصِ، والإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ،
﴿وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ أيِ: الطَهارَةِ، وبِالسُكُونِ حَيْثُ كانَ: مَكِّيٌّ، أيْ: بِالرُوحِ المُقَدَّسَةِ، كَما (p-١٠٨)يُقالُ: حاتِمُ الجُودِ. ووَصَفَها بِالقُدُسِ لِلِاخْتِصاصِ والتَقْرِيبِ، أوْ بِجِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَلامُ-، لِأنَّهُ يَأْتِي بِما فِيهِ حَياةُ القُلُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ رَفَعَهُ إلى السَماءِ حِينَ قَصَدَ اليَهُودُ قَتْلَهُ، أوْ بِالإنْجِيلِ كَما قالَ في القُرْآنِ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشُورى: ٥٢]، أوْ بِاسْمِ اللهِ الأعْظَمِ الَّذِي كانَ يُحْيِي المَوْتى بِذِكْرِهِ ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى﴾ تُحِبُّ ﴿أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ تَعَظَّمْتُمْ عَنْ قَبُولِهِ ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ كَعِيسى، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ كَزَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَلامُ. ولَمْ يَقُلْ: قَتَلْتُمْ لِوِفاقِ الفَواصِلِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ: وفَرِيقًا تَقْتُلُونَهُ بَعْدُ، لِأنَّكم تَحُومُونَ حَوْلَ قَتْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَوْلا أنِّي أعْصِمُهُ مِنكُمْ، ولِذَلِكَ سَحَرْتُمُوهُ، وسَمَمْتُمْ لَهُ الشاةَ، والمَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا يا بَنِي إسْرائِيلَ أنْبِياءَكم ما آتَيْناهُمْ، فَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ مِنهم بِالحَقِّ اسْتَكْبَرْتُمْ عَنِ الإيمانِ بِهِ، فَوَسَّطَ بَيْنَ الفاءِ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ هَمْزَةُ التَوْبِيخِ، والتَعَجُّبُ مِن شَأْنِهِمْ.
2:88Page 13
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨
And they said, "Our hearts are wrapped."1 But, [in fact], Allāh has cursed them for their disbelief, so little is it that they believe.
﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ جَمْعُ أغْلَفَ، أيْ: هي خِلْقَةٌ مُغَشّاةٌ بِأغْطِيَةٍ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْها ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ولا تَفْقَهُهُ، مُسْتَعارٌ مِنَ الأغْلَفِ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ.
﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ فَرَدَّ اللهُ أنْ تَكُونَ قُلُوبُهم مَخْلُوقَةً كَذَلِكَ، لِأنَّها خُلِقَتْ عَلى الفِطْرَةِ والتَمَكُّنِ مِن قَبُولِ الحَقِّ، وإنَّما طَرَدَهم بِكُفْرِهِمْ وزَيْغِهِمْ.
﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ "فَقَلِيلًا" صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَإيمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ و"ما" مَزِيدَةٌ، وهو إيمانُهم بِبَعْضِ الكِتابِ، وقِيلَ: القِلَّةُ بِمَعْنى العَدَمِ، وقِيلَ: "غُلْفٌ" تَخْفِيفُ غُلُفٍ، وقُرِئَ بِهِ، جَمْعُ: غِلافٍ، أيْ: قُلُوبُنا أوْعِيَةٌ لِلْعُلُومِ، فَنَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما عِنْدَنا مِن غَيْرِهِ، أوْ أوْعِيَةٌ لِلْعُلُومِ، فَلَوْ كانَ ما جِئْتَ بِهِ حَقًّا لِقَبْلِنا.
2:89Page 14
وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٩
And when there came to them a Book [i.e., the Qur’ān] from Allāh confirming that which was with them - although before they used to pray for victory against those who disbelieved - but [then] when there came to them that which they recognized, they disbelieved in it; so the curse of Allāh will be upon the disbelievers.
(p-١٠٩)﴿وَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أيِ: اليَهُودَ.
﴿كِتابٌ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ أيِ: القُرْآنُ.
﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ مِن كِتابِهِمْ لا يُخالِفُهُ.
﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي: القُرْآنِ.
﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَسْتَنْصِرُونَ عَلى المُشْرِكِينَ إذا قاتَلُوهُمْ، قالُوا: اللهُمَّ انْصُرْنا بِالنَبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَمانِ، الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ في التَوْراةِ، ويَقُولُونَ لِأعْدائِهِمُ المُشْرِكِينَ: قَدْ أظَلَّ زَمانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ بِتَصْدِيقِ ما قُلْنا، فَنَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ.
﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ "ما" مَوْصُولَةٌ، أيْ: ما عَرَفُوهُ، وهو فاعِلُ جاءَ،
﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ بَغْيًا، وحَسَدًا، وحِرْصًا عَلى الرِئاسَةِ ﴿فَلَعْنَةُ اللهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ: عَلَيْهِمْ، وضْعًا لِلظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ:، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اللَعْنَةَ لَحِقَتْهم لِكُفْرِهِمْ. واللامُ لِلْعَهْدِ، أوْ لِلْجِنْسِ، ودَخَلُوا فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًا، وجَوابُ "لَمّا" الأوْلى مُضْمَرٌ، وهو نَحْوُ: كَذَّبُوا بِهِ، أوْ أنْكَرُوهُ، أوْ "كَفَرُوا" جَوابُ الأُولى والثانِيَةِ، لِأنَّ مُقْتَضاهُما واحِدٌ.
2:90Page 14
بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩٠
How wretched is that for which they sold themselves - that they would disbelieve in what Allāh has revealed through [their] outrage that Allāh would send down His favor upon whom He wills from among His servants. So they returned having [earned] wrath upon wrath. And for the disbelievers is a humiliating punishment.
﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْـزَلَ اللهُ بَغْيًا أنْ يُنَـزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾
٩٠ و"ما" في ﴿بِئْسَما﴾ ما نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ، أيْ: بِئْسَ شَيْئًا،
﴿اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: باعُوهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَمِّ ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْـزَلَ اللهُ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿بَغْيًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: حَسَدًا وطَلَبًا لِما لَيْسَ لَهُمْ، وهو عِلَّةُ ﴿اشْتَرَوْا﴾ ﴿أنْ يُنَـزِّلَ اللهُ﴾ لِأنْ يُنَزِّلَ، أوْ عَلى أنْ يُنَزِّلَ، أيْ: حَسَدُوهُ عَلى أنْ يُنَزِّلَ اللهُ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ الَّذِي هو الوَحْيُ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ فَصارُوا أحِقّاءَ بِغَضَبٍ مُتَرادِفٍ، لِأنَّهم كَفَرُوا بِنَبِيِّ الحَقِّ، وبَغَوْا عَلَيْهِ، أوْ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ، أوْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ [التَوْبَةُ: ٣٠] وقَوْلِهِمْ: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائِدَةُ: ٦٤] وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ مُذِلٌّ (p-١١٠)(بِيسَما) وبابُهُ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، أبُو عَمْرٍو. و(يُنْزِلُ) بِالتَخْفِيفِ مَكِّيٌّ، وبَصَرِيٌّ.
2:91Page 14
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩١
And when it is said to them, "Believe in what Allāh has revealed," they say, "We believe [only] in what was revealed to us." And they disbelieve in what came after it, while it is the truth confirming that which is with them. Say, "Then why did you kill the prophets of Allāh before, if you are [indeed] believers?"
﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ لِهَؤُلاءِ اليَهُودِ ﴿آمِنُوا بِما أنْـزَلَ اللهُ﴾ يُعْنى: القُرْآنَ، أوْ هو مُطْلَقٌ يَتَناوُلُ كُلَّ كِتابٍ.
﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْـزِلَ عَلَيْنا﴾ أيِ: التَوْراةِ.
﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ أيْ: قالُوا ذَلِكَ، والحالُ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِما وراءَ التَوْراةِ.
﴿وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ غَيْرُ مُخالِفٍ لَهُ، وفِيهِ رَدٌّ لِمَقالَتِهِمْ، لِأنَّهم إذا كَفَرُوا بِما يُوافِقُ التَوْراةَ فَقَدْ كَفَرُوا بِها. و"مُصَدِّقًا": حالٌ مُؤَكِّدَةٌ.
﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللهِ﴾ أيْ: فَلِمَ قَتَلْتُمْ، فَوَضَعَ المُسْتَقْبَلَ مَوْضِعَ الماضِي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ اعْتِراضٌ عَلَيْهِمْ بِقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ مَعَ ادِّعائِهِمُ الإيمانَ بِالتَوْراةِ. والتَوْراةُ لا تُسَوِّغُ قَتْلَ الأنْبِياءِ. قِيلَ: قَتَلُوا في يَوْمٍ واحِدٍ ثَلاثَمِائَةِ نَبِيٍّ في بَيْتِ المَقْدِسِ.
2:92Page 14
۞ وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٩٢
And Moses had certainly brought you clear proofs. Then you took the calf [in worship] after that, while you were wrongdoers.
﴿وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ بِالآياتِ التِسْعِ، وأدْغَمَ الدالَ في الجِيمِ حَيْثُ كانَ، أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ.
﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ إلَهًا ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ خُرُوجِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى الطُورِ.
﴿وَأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ هو حالٌ، أيْ: عَبَدْتُمُ العِجْلَ وأنْتُمْ واضِعُونَ العِبادَةَ غَيْرَ مَوْضِعِها، أوِ اعْتِراضٌ، أيْ: وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الظُلْمُ.
2:93Page 14
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٩٣
And [recall] when We took your covenant and raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and listen." They said [instead], "We hear and disobey." And their hearts absorbed [the worship of] the calf because of their disbelief. Say, "How wretched is that which your faith enjoins upon you, if you should be believers."
﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ كَرَّرَ ذِكْرَ رَفْعِ الطُورِ، لِما نِيطَ بِهِ مِن زِيادَةٍ لَيْسَتْ مَعَ الأُولى ﴿واسْمَعُوا﴾ ما أُمِرْتُمْ بِهِ في التَوْراةِ ﴿قالُوا سَمِعْنا﴾ قَوْلَكَ ﴿وَعَصَيْنا﴾ أمْرَكَ. وطابَقَ قَوْلُهُ جَوابَهم مِن حَيْثُ إنَّهُ قالَ لَهُمِ: اسْمَعُوا، ولْيَكُنْ سَماعُكم سَماعَ تَقَبُّلٍ وطاعَةٍ، (p-١١١)فَقالُوا: سَمِعْنا، ولَكِنْ لا سَماعَ طاعَةٍ ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ أيْ: تَداخَلَهم حُبُّهُ، والحِرْصُ عَلى عِبادَتِهِ، كَما يَتَداخَلُ الثَوْبَ الصَبْغُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ بَيانٌ لِمَكانِ الإشْرابِ، والمُضافُ -وَهُوَ الحُبُّ- مَحْذُوفٌ.
﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، واعْتِقادِهِمُ التَشْبِيهَ.
﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾ بِالتَوْراةِ، لِأنَّهُ لَيْسَ في التَوْراةِ عِبادَةُ العِجْلِ، وإضافَةُ الأمْرِ إلى إيمانِهِمْ تَهَكُّمٌ، وكَذا إضافَةُ الإيمانِ إلَيْهِمْ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَشْكِيكٌ في إيمانِهِمْ، وقَدْحٌ في صِحَّةِ دَعْواهم لَهُ.
2:94Page 15
قُلۡ إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةٗ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٩٤
Say, [O Muḥammad], "If the home of the Hereafter with Allāh is for you alone and not the [other] people, then wish for death, if you should be truthful."
﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ﴾ أيِ: الجَنَّةُ.
﴿عِنْدَ اللهِ﴾ ظَرْفٌ، و"لَكُمْ": خَبَرُ كانَ.
﴿خالِصَةً﴾ حالٌ مِنَ الدارِ الآخِرَةِ، أيْ: سالِمَةً لَكُمْ، لَيْسَ لِأحَدٍ سِواكم فِيها حَقٌّ، يَعْنِي: إنْ صَحَّ قَوْلُكُمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا﴾ [البَقَرَةُ: ١١١] ﴿مِن دُونِ الناسِ﴾ هو لِلْجِنْسِ ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُونَ، لِأنَّ مَن أيْقَنَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ اشْتاقَ إلَيْها، تَخَلُّصًا مِنَ الدارِ ذاتِ الشَوائِبِ، كَما نُقِلَ عَنِ العَشْرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ يُحِبُّ المَوْتَ، ويَحِنُّ إلَيْهِ.
2:95Page 15
وَلَن يَتَمَنَّوۡهُ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٩٥
But never will they wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ هو نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أيْ: لَنْ يَتَمَنَّوْهُ ما عاشُوا ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بِما أسْلَفُوا مِنَ الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وتَحْرِيفِ كِتابِ اللهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وهو مِنَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، وكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البَقَرَةُ: ٢٤]. ولَوْ تَمَنَّوْهُ لَنُقِلَ ذَلِكَ كَما نُقِلَ سائِرُ الحَوادِثِ.
﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ تَهْدِيدٌ لَهم.
(p-١١٢)
2:96Page 15
وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٩٦
And you will surely find them the most greedy of people for life - [even] more than those who associate others with Allāh. One of them wishes that he could be granted life a thousand years, but it would not remove him in the least from the [coming] punishment that he should be granted life. And Allāh is Seeing of what they do.
﴿وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ الناسِ﴾ مَفْعُولا وجَدَ: "هُمْ" و"أحْرَصَ"،
﴿عَلى حَياةٍ﴾ التَنْكِيرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ حَياةٌ مَخْصُوصَةٌ، وهي الحَياةُ المُتَطاوِلَةُ، ولِذا كانَتِ القِراءَةُ بِها أوْقَعَ مِن قِراءَةِأُبَيٍّ: (عَلى الحَياةِ) ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى أحْرَصَ الناسِ: أحْرَصَ مِنَ الناسِ. نَعْمْ قَدْ دَخَلَ الَّذِينَ أشْرَكُوا تَحْتَ الناسِ، ولَكِنَّهم أُفْرِدُوا بِالذِكْرِ، لِأنَّ حِرْصَهم شَدِيدٌ، كَما أنَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ خُصّا بِالذِكْرِ وإنْ دَخَلا تَحْتَ المَلائِكَةِ، أوْ أُرِيدَ: وأحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿أحْرَصَ الناسِ﴾ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ، لِأنَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا لا يُؤْمِنُونَ بِعاقِبَةٍ، ولا يَعْرِفُونَ إلّا الحَياةَ الدُنْيا، فَحِرْصُهم عَلَيْها لا يُسْتَبْعَدُ لِأنَّها جَنَّتُهُمْ، فَإذا زادَ في الحِرْصِ مَن لَهُ كِتابٌ، وهو مُقِرٌّ بِالجَزاءِ، كانَ حَقِيقًا بِأعْظَمِ التَوْبِيخِ. وإنَّما زادَ حِرْصُهم عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهم صائِرُونَ إلى النارِ، لِعِلْمِهِمْ بِحالِهِمْ، والمُشْرِكُونَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ بَيانٌ لِزِيادَةِ حِرْصِهِمْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، وقِيلَ: أرادَ بِالَّذِينِ أشْرَكُوا: المَجُوسَ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِمُلُوكِهِمْ: عِشْ ألْفَ نَيْرُوزَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- هو قَوْلُ الأعاجِمِ: زِي هَزارَ سالَ. وقِيلَ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، أيْ: ومِنهم ناسٌ يَوَدُّ أحَدُهُمْ، عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ. و﴿الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ عَلى هَذا مُشارٌ بِهِ إلى اليَهُودِ، لِأنَّهم قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ.
﴿وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ﴾ الضَمِيرُ لِأحَدِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾ فاعِلٌ بِمُزَحْزِحِهِ، أيْ: وما أحَدُهم بِمَن يُزَحْزِحُهُ مِنَ النارِ تَعْمِيرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿هُوَ﴾ مُبْهَمًا، و﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾ مُوَضِّحَهُ. والزَحْزَحَةُ: التَبْعِيدُ، والإنْحاءُ. قالَ في "جامِعِ العُلُومِ" وغَيْرِهِ: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ بِمَعْنى: أنْ يُعَمَّرَ. فَلَوْ هُنا نائِبَةٌ عَنْ أنْ، وأنْ مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وهو مَفْعُولُ يَوَدُّ، أيْ: يَوَدُّ أحَدُهم تَعْمِيرَ ألْفِ سَنَةِ ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِعَمَلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، وبِالتاءِ، يَعْقُوبُ.
(p-١١٣)
2:97Page 15
قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٩٧
Say, "Whoever is an enemy to Gabriel - it is [none but] he who has brought it [i.e., the Qur’ān] down upon your heart, [O Muḥammad], by permission of Allāh, confirming that which was before it and as guidance and good tidings for the believers."
﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الراءِ بِلا هَمْزٍ، مَكِّيٌّ. وبِفَتْحِ الراءِ والجِيمِ والهَمْزِ مُشْبَعًا، كُوفِيٌّ غَيْرُ حَفْصٍ. وبِكَسْرِ الراءِ والجِيمِ بِلا هَمْزٍ، غَيْرُهم. ومَنعُ الصَرْفِ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ. ومَعْناهُ: عَبْدُ اللهِ، لِأنَّ جَبْرَ هو العَبْدُ بِالسُرْيانِيَّةِ، وإيلَ اسْمُ اللهِ. رُوِيَ أنَّ ابْنَ صُورِيّا -مِن أحْبارِ اليَهُودِ- حاجَّ النَبِيَّ ﷺ، وسَألَهُ عَمَّنْ يَهْبِطُ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ، فَقالَ: "جِبْرِيلُ"، فَقالَ: ذاكَ عَدُوُّنا، ولَوْ كانَ غَيْرُهُ لَآمَنّا لَكَ، وقَدْ عادانا مِرارًا، وأشَدُّها أنَّهُ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّنا أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ سَيُخَرِّبُهُ بُخْتُنَصَّرَ، فَبَعَثْنا مَن يَقْتُلُهُ فَلَقِيَهُ بِبابِلَ غُلامًا مِسْكِينًا، فَدَفَعَ عَنْهُ جِبْرِيلُ، وقالَ: إنْ كانَ رَبُّكم أمَرَهُ بِهَلاكِكُمْ، فَإنَّهُ لا يُسَلِّطُكم عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ إيّاهُ فَعَلى أيِّ ذَنْبٍ تَقْتُلُونَهُ؟! ﴿فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ﴾ فَإنَّ جِبْرِيلَ نَزَّلَ القُرْآنَ. ونَحْوُ هَذا الإضْمارِ، أعْنِي: إضْمارَ ما لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهُ، فِيهِ فَخامَةٌ حَيْثُ يَجْعَلُ لِفَرْطِ شُهْرَتِهِ، كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفْسِهِ، ويَكْتَفِي عَنِ اسْمِهِ الصَرِيحِ بِذِكْرِ شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ.
﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ أيْ: حَفْظُهُ إيّاكَ، وخُصَّ القَلْبُ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الحِفْظِ، كَقَوْلِهِ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُعَراءُ: ١٩٣-١٩٤]. وكانَ حَقُّ الكَلامِ أنْ يُقالَ: عَلى قَلْبِي، ولَكِنْ جاءَ عَلى حِكايَةِ كَلامِ اللهِ كَما تَكَلَّمَ بِهِ، وإنَّما اسْتَقامَ أنْ يَقَعَ (فَإنَّهُ نَزَّلَهُ) جَزاءً لِلشَّرْطِ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: إنْ عادى جِبْرِيلَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ فَلا وجْهَ لِمُعاداتِهِ، حَيْثُ نَزَّلَ كِتابًا مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَوْ أنْصَفُوا لَأحَبُّوهُ، وشَكَرُوا لَهُ صَنِيعَهُ في إنْزالِهِ ما يَنْفَعُهُمْ، ويُصَحِّحُ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: جَوابُ الشَرْطِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَن كانَ عَدُوًّالِجِبْرِيلَ فَلْيَمُتْ غَيْظًا، فَإنَّهُ نَزَّلَ الوَحْيَ عَلى قَلْبِكَ ﴿بِإذْنِ اللهِ﴾ بِأمْرِهِ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ حِينَ قالُوا: إنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ بِالحَرْبِ والشِدَّةِ، فَقِيلَ: فَإنَّهُ يَنْزِلُ (p-١١٤)بِالهُدى والبُشْرى أيْضًا.
﴿بِإذْنِ اللهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في نَزَلَ، أيْ: مَأْذُونًا لَهُ، ومُصَدِّقًا: حالٌ مِنَ الهاءِ في نَزَّلَهُ، وكَذا هُدًى وبُشْرى، أيْ: هادِيًا ومُبَشِّرًا. وقالَتِ الباطِنِيَّةُ: القُرْآنُ لَمْ يَنْزِلْ عَلى رَسُولِ اللهِ بِالأحْرُفِ الَّتِي نَقْرَأُها، ولَكِنَّهُ إلْهامٌ أُنْزِلَ عَلى قَلْبِهِ، إلّا أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ عَبَرَهُ بِالعَرَبِيَّةِ، وبِهَذِهِ الحُرُوفِ الَّتِي نَقْرَأُها، فالقُرْآنُ ذَلِكَ الباطِنُ لا هَذِهِ الألْفاظُ، لِقَوْلِهِ: ﴿نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ ولَكِنّا نَقُولُ: هَذا فاسِدٌ، لِأنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَهُ مُعْجِزًا بِنَظْمِهِ العَجِيبِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البَقَرَةُ: ٢٣] وقالَ: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يُوسُفُ: ٢] وهَذا يَتَعَلَّقُ بِالنَظَرِ.
2:98Page 15
مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ ٩٨
Whoever is an enemy to Allāh and His angels and His messengers and Gabriel and Michael - then indeed, Allāh is an enemy to the disbelievers.
﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ بَصْرِيٌّ وحَفْصٌ، و(مِيكائِلُ) بِاخْتِلاسِ الهَمْزَةِ كَمِيكاعِلَ، مَدَنِيٌّ. و(مِيكائِيلُ) بِالمَدِّ وكَسْرِ الهَمْزَةِ مُشْبَعَةً، غَيْرُهم. وخُصَّ المَلَكانِ بِالذِكْرِ لِفَضْلِهِما، كَأنَّهُما مِن جِنْسٍ آخَرَ، إذِ التَغايُرُ في الوَصْفِ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَغايُرِ في الذاتِ ﴿فَإنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: لَهُمْ، فَجاءَ بِالظاهِرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ اللهَ إنَّما عاداهم لِكُفْرِهِمْ، وأنَّ عَداوَةَ المَلائِكَةِ كُفْرٌ كَعَداوَةِ الأنْبِياءِ، ومَن عاداهم عاداهُ اللهُ.
2:99Page 15
وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ وَمَا يَكۡفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقُونَ ٩٩
And We have certainly revealed to you verses [which are] clear proofs, and no one would deny them except the defiantly disobedient.
﴿وَلَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكَفَرَةِ. واللامُ لِلْجِنْسِ، والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى أهْلِ الكِتابِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- قالَ ابْنُ صُورِيّا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: ما جِئْتَنا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِن آيَةٍ فَنَتْبَعَكَ بِها، فَنَزَلَتْ.
2:100Page 15
أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٠
Is it not [true] that every time they took a covenant a party of them threw it away? But, [in fact], most of them do not believe.
الواوُ في ﴿أوَكُلَّما﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أكَفَرُوا بِالآياتِ البَيِّناتِ،
﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ﴾ نَقَضَهُ، ورَفَضَهُ. قالَ: ﴿فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَنْقَضْ،
﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالتَوْراةِ، ولَيْسُوا مِنَ الدِينِ في (p-١١٥)شَيْءٍ فَلا يُعِدُّونَ نَقْضَ المَواثِيقِ ذَنْبًا، ولا يُبالُونَ بِهِ.
2:101Page 15
وَلَمَّا جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِيقٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١
And when a messenger from Allāh came to them confirming that which was with them, a party of those who had been given the Scripture threw the Scripture of Allāh [i.e., the Torah] behind their backs as if they did not know [what it contained].
﴿وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيِ: التَوْراةَ، و﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ اليَهُودُ.
﴿كِتابَ اللهِ﴾ يَعْنِي: التَوْراةَ، لِأنَّهم بِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ المُصَدِّقِ لِما مَعَهم كافِرُونَ بِها، نابِذُونَ لَها، أوْ كِتابُ اللهِ: القُرْآنُ، نَبَذُوهُ بَعْدَ ما لَزِمَهم تَلَقِّيهِ بِالقَبُولِ.
﴿وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ مَثَلٌ لِتَرْكِهِمْ، وإعْراضِهِمْ عَنْهُ، مُثِّلَ بِما يُرْمى بِهِ وراءَ الظُهُورِ اسْتِغْناءً عَنْهُ، وقِلَّةَ التِفاتٍ إلَيْهِ.
﴿كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ كِتابُ اللهِ.
2:102Page 16
وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٢
And they followed [instead] what the devils had recited during the reign of Solomon. It was not Solomon who disbelieved, but the devils disbelieved, teaching people magic and that which was revealed to the two angels at Babylon, Hārūt and Mārūt. But they [i.e., the two angels] do not teach anyone unless they say, "We are a trial, so do not disbelieve [by practicing magic]."1 And [yet] they learn from them that by which they cause separation between a man and his wife. But they do not harm anyone through it except by permission of Allāh. And they [i.e., people] learn what harms them and does not benefit them. But they [i.e., the Children of Israel] certainly knew that whoever purchased it [i.e., magic] would not have in the Hereafter any share. And wretched is that for which they sold themselves, if they only knew.
﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَياطِينُ﴾ أيْ: نَبَذَ اليَهُودُ كِتابَ اللهِ، واتَّبَعُوا كُتُبَ السِحْرِ والشَعْوَذَةِ، الَّتِي كانَتْ تَقْرَأُها ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ أيْ: عَلى عَهْدِ مُلْكِهِ، وفي زَمانِهِ. وذَلِكَ أنَّ الشَياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَمْعَ، ثُمَّ يَضُمُّونَ إلى ما سَمِعُوا أكاذِيبَ يُلَفِّقُونَها، ويُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، وقَدْ دَوَّنُوها في كُتُبٍ يَقْرَءُونَها ويُعَلِّمُونَها الناسَ، وفَشا ذَلِكَ في زَمَنِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى قالُوا: إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ، وكانُوا يَقُولُونَ: هَذا عِلْمُ سُلَيْمانَ، وما تَمَّ لِسُلَيْمانَ مُلْكُهُ إلّا بِهَذا العِلْمِ، وبِهِ سَخَّرَ الجِنَّ، والإنْسَ، والرِيحَ.
﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ تَكْذِيبٌ لِلشَّياطِينِ، ودَفْعٌ لِما بَهَتَتْ بِهِ سُلَيْمانَ مِنِ اعْتِقادِ السِحْرِ، والعَمَلِ بِهِ.
﴿وَلَكِنَّ الشَياطِينَ﴾ هُمُ الَّذِينَ ﴿كَفَرُوا﴾ بِاسْتِعْمالِ السِحْرِ، وتَدْوِينِهِ. (وَلَكِنْ) بِالتَخْفِيفِ، (الشَياطِينُ) بِالرَفْعِ: شامِيٌّ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ.
﴿يُعَلِّمُونَ الناسَ السِحْرَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كَفَرُوا مُعَلِّمِينَ الناسَ السِحْرَ، قاصِدِينَ بِهِ إغْواءَهُمْ، وإضْلالَهم.
﴿وَما أُنْـزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ "ما" بِمَعْنى: الَّذِي، وهو نَصْبٌ عَطْفٌ عَلى السِحْرِ، أيْ: ويُعَلِّمُونَهم ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، أوْ عَلى ﴿ما تَتْلُو﴾ أيْ: واتَّبَعُوا ما أُنْزِلَ عَلى المَلِكَيْنِ ﴿بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ﴾ (p-١١٦)عَلَمانِ لَهُما، وهَما عَطْفُ بَيانٍ لِلْمَلَكَيْنِ، والَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِما هو عِلْمُ السِحْرِ ابْتِلاءً مِنَ اللهِ لِلنّاسِ، مَن تَعَلَّمَهُ مِنهم وعَمِلَ بِهِ كانَ كافِرًا، إنْ كانَ فِيهِ رَدُّ ما لَزِمَ في شَرْطِ الإيمانِ، ومَن تَجَنَّبَهُ، أوْ تَعَلَّمَهُ لا لِيَعْمَلَ بِهِ، ولَكِنْ لِيَتَوَقّاهُ، ولِئَلّا يَغْتَرَّ بِهِ كانَ مُؤْمِنًا. قالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ الماتْرِيَدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: القَوْلُ بِأنَّ السِحْرَ كُفْرٌ عَلى الإطْلاقِ خَطَأٌ: بَلْ يَجِبُ البَحْثُ عَنْ حَقِيقَتِهِ، فَإنْ كانَ في ذَلِكَ رَدُّ ما لَزِمَ في شَرْطِ الإيمانِ فَهو كُفْرٌ، وإلّا فَلا، ثُمَّ السِحْرُ الَّذِي هو كُفْرٌ يُقْتَلُ عَلَيْهِ الذُكُورُ لا الإناثُ، وما لَيْسَ بِكُفْرٍ، وفِيهِ إهْلاكُ النَفْسِ، فَفِيهِ حُكْمُ قُطّاعِ الطَرِيقِ، ويَسْتَوِي فِيهِ الذُكُورُ والإناثُ، وتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إذا تابَ. ومَن قالَ: لا تُقْبَلُ فَقَدْ غَلِطَ، فَإنَّ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُمْ، وقِيلَ: ﴿أُنْـزِلَ﴾ أيْ: قَذَفَ في قُلُوبِهِما مَعَ النَهْيِ عَنِ العَمَلِ. قِيلَ: إنَّهُما مَلَكانِ اخْتارَتْهُما المَلائِكَةُ لِتُرَكَّبَ فِيهِما الشَهْوَةُ حِينَ عَيَّرَتْ بَنِي آدَمَ، فَكانا يَحْكُمانِ في الأرْضِ، ويَصْعَدانِ بِاللَيْلِ فَهَوَيا زُهْرَةَ فَحَمَلَتْهُما عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، فَزَنَيا، فَرَآهُما إنْسانٌ فَقَتَلاهُ فاخْتارا عَذابَ الدُنْيا عَلى عَذابِ الآخِرَةِ، فَهُما يُعَذَّبانِ مَنكُوسَيْنِ في جُبٍّ بِبابِلَ، وسُمِّيَتْ بِبابِلَ، لِتَبَلْبُلِ الألْسُنِ بِها.
﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ﴾ وما يُعَلِّمُ المَلَكانِ أحَدًا ﴿حَتّى يَقُولا﴾ حَتّى يُنَبِّهاهُ، ويَنْصَحاهُ، ويَقُولا لَهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ ابْتِلاءٌ، واخْتِبارٌ مِنَ اللهِ.
﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ بِتَعَلُّمِهِ، والعِلْمِ بِهِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ كُفْرًا.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما﴾ الفاءُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يُعَلِّمُونَ الناسَ السِحْرَ﴾ أيْ: يُعَلِّمُونَهم فَيَتَعَلَّمُونَ مِنَ السِحْرِ والكُفْرِ اللَذَيْنِ دَلَّ عَلَيْهِما قَوْلُهُ: ﴿كَفَرُوا﴾ و﴿يُعَلِّمُونَ الناسَ السِحْرَ﴾ أوْ عَلى مُضْمَرٍ، والتَقْدِيرُ: فَيَأْتُونَ فَيَتَعَلَّمُونَ، والضَمِيرُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (مِن أحْدٍ) أيْ: فَيَتَعَلَّمُ الناسُ مِنَ المَلَكَيْنِ.
﴿ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ أيْ: عِلْمَ السِحْرِ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا في (p-١١٧)التَفْرِيقِ بَيْنَ الزَوْجَيْنِ، بِأنْ يُحْدِثَ اللهُ عِنْدَهُ النُشُوزَ والخِلافَ ابْتِلاءً مِنهُ، ولِلسِّحْرِ حَقِيقَةٌ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ -كَثَّرَهُمُ اللهُ- وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ هو تَخْيِيلٌ، وتَمْوِيهٌ.
﴿وَما هم بِضارِّينَ بِهِ﴾ بِالسِحْرِ ﴿مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللهِ﴾ بِعِلْمِهِ، ومَشِيئَتِهِ،
﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ في الآخِرَةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ واجِبُ الِاجْتِنابِ، كَتَعَلُّمِ الفَلْسَفَةِ الَّتِي تَجُرُّ إلى الغَوايَةِ،
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ أيِ: اليَهُودُ.
﴿لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ أيِ: اسْتَبْدَلَ ما تَتْلُو الشَياطِينُ مِن كِتابِ اللهِ ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ مِن نَصِيبٍ،
﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ باعُوها، إنَّما نَفى العِلْمَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ مَعَ إثْباتِهِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ عَلى سَبِيلِ التَوْكِيدِ القَسَمِيِّ، لِأنَّ مَعْناهُ: لَوْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِمْ، جَعَلَهم حِينَ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ.
2:103Page 16
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٣
And if they had believed and feared Allāh, then the reward from Allāh would have been [far] better, if they only knew.
﴿وَلَوْ أنَّهم آمَنُوا﴾ بِرَسُولِ اللهِ والقُرْآنِ ﴿واتَّقَوْا﴾ اللهَ، فَتَرَكُوا ما هم عَلَيْهِ مِن نَبْذِ كِتابِ اللهِ. واتِّباعِ كُتُبِ الشَياطِينِ ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ثَوابَ اللهِ خَيْرٌ مِمّا هم فِيهِ -وَقَدْ عَلِمُوا- لَكِنَّهُ جَهَّلَهم لَمّا تَرَكُوا العَمَلَ بِالعِلْمِ، والمَعْنى: لَأُثِيبُوا مِن عِنْدِ اللهِ ما هو خَيْرٌ، وأُوثِرَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ عَلى الفِعْلِيَّةِ في جَوابِ لَوْ، لِما فِيها مِنَ الدَلالَةِ عَلى ثَباتِ المَثُوبَةِ، واسْتِقْرارِها. ولَمْ يَقُلْ لَمَثُوبَةُ اللهِ خَيْرٌ، لِأنَّ المَعْنى: لَشَيْءٌ مِنَ الثَوابِ خَيْرٌ لَهُمْ، وقِيلَ: "لَوْ" بِمَعْنى التَمَنِّي، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَيْتَهم آمَنُوا، ثُمَّ ابْتَدَأ ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ﴾
2:104Page 16
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا وَٱسۡمَعُواْۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٠٤
O you who have believed, say not [to Allāh's Messenger], "Rāʿinā" but say, "Unẓurnā"1 and listen. And for the disbelievers is a painful punishment.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا﴾ كانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إذا ألْقى عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ: راعِنا يا رَسُولَ اللهِ! أيْ: راقِبْنا وانْتَظِرْنا حَتّى نَفْهَمَهُ ونَحْفَظَهُ، وكانَتْ لِلْيَهُودِ كَلِمَةٌ يَتَسابُّونَ بِها (p-١١٨)عِبْرانِيَّةٌ أوْ سُرْيانِيَّةٌ، وهِيَ: راعِينا، فَلَمّا سَمِعُوا بِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ: "راعِنا" افْتَرَصُوهُ، وخاطَبُوا بِهِ الرَسُولَ، وهم يَعْنُونَ بِهِ تِلْكَ المَسَبَّةَ، فَنُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنْها، وأُمِرُوا بِما هو في مَعْناها، وهو ﴿انْظُرْنا﴾ مِن نَظِرَهُ: إذا انْتَظَرَهُ.
﴿واسْمَعُوا﴾ وأحْسِنُوا سَماعَ ما يُكَلِّمُكم بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ويُلْقِي عَلَيْكم مِنَ المَسائِلِ، بِآذانٍ واعِيَةٍ، وأذْهانٍ حاضِرَةٍ، حَتّى لا تَحْتاجُوا إلى الِاسْتِعادَةِ، وطَلَبِ المُراعاةِ، أوْ واسْمَعُوا سَماعَ قَبُولٍ وطاعَةٍ، ولا يَكُنْ سَماعُكم كَسَماعِ اليَهُودِ حَيْثُ قالُوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا.
﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ ولِلْيَهُودِ الَّذِينَ سَبُّوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ.
2:105Page 16
مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ١٠٥
Neither those who disbelieve from the People of the Scripture [i.e., the Jews and Christians] nor the polytheists wish that any good should be sent down to you from your Lord. But Allāh selects for His mercy whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.
﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ وبِالتَخْفِيفِ مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو.
﴿مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ "مِن" الأُولى: لِلْبَيانِ، لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جِنْسٌ تَحْتَهُ نَوْعانِ: أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ. والثانِيَةُ: مَزِيدَةٌ، لِاسْتِغْراقِ الخَيْرِ. والثالِثَةُ: لِابْتِداءِ الغايَةِ. والخَيْرُ: الوَحْيُ، وكَذَلِكَ الرَحْمَةُ.
﴿واللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي: أنَّهم يَرَوْنَ أنْفُسَهم أحَقَّ بِأنْ يُوحى إلَيْهِمْ، فَيَحْسُدُونَكُمْ، وما يُحِبُّونَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ، واللهُ يَخْتَصُّ بِالنُبُوَّةِ مَن يَشاءُ.
﴿واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ إيتاءَ النُبُوَّةِ مِنَ الفَضْلِ العَظِيمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences