An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:106–127
2:106Page 17
۞ مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٠٦
We do not abrogate a verse or cause it to be forgotten except that We bring forth [one] better than it or similar to it. Do you not know that Allāh is over all things competent?
وَلَمّا طَعَنُوا في النَسْخِ فَقالُوا: ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ، ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ، ويَأْمُرُهم بِخِلافِهِ، ويَقُولُ اليَوْمَ قَوْلًا، ويَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا، نَزَلَ ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ تَفْسِيرُ النَسْخِ لُغَةً: التَبْدِيلُ، وشَرِيعَةً: بَيانُ انْتِهاءِ الحُكْمِ الشَرْعِيِّ المُطْلَقِ، الَّذِي تَقَرَّرَ في أوْهامِنا اسْتِمْرارُهُ، بِطَرِيقِ التَراخِي. فَكانَ (p-١١٩)تَبْدِيلًا في حَقِّنا، بَيانًا مَحْضًا في حَقِّ صاحِبِ الشَرْعِ، وفِيهِ جَوابٌ عَنِ البَداءِ الَّذِي يَدَّعِيهِ مُنْكِرُوهُ، أعْنِي: اليَهُودَ، ومَحَلُّهُ: حُكْمٌ يَحْتَمِلُ الوُجُودَ والعَدَمَ في نَفْسِهِ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ ما يُنافِي النَسْخَ مِن تَوْقِيتٍ أوْ تَأْيِيدٍ ثَبَتَ نَصًّا أوْ دَلالَةً، وشَرْطُهُ: التَمَكُّنُ مِن عَقْدِ القَلْبِ عِنْدَنا دُونَ التَمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وإنَّما يَجُوزُ النَسْخُ بِالكِتابِ والسُنَّةِ مُتَّفِقًا ومُخْتَلِفًا، ويَجُوزُ نَسْخُ التِلاوَةِ والحُكْمِ، والحُكْمِ دُونَ التِلاوَةِ، والتِلاوَةِ دُونَ الحُكْمِ، ونَسْخُ وصْفٍ بِالحُكْمِ، مِثْلُ الزِيادَةِ عَلى النَصِّ، فَإنَّهُ نَسْخٌ عِنْدَنا خِلافًا لِلشّافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- والإنْساءُ: أنْ يَذْهَبَ بِحِفْظِها عَنِ القُلُوبِ، أوْ (نَنْسَأْها) مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو. أيْ: نُؤَخِّرْها، مِن نَسَأْتُ، أيْ: أخَّرْتُ.
﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾ أيْ: نَأْتِ بِآيَةٍ خَيْرٍ مِنها لِلْعِبادِ، أيْ: بِآيَةٍ العَمَلُ بِها أكْثَرُ لِلثَّوابِ.
﴿أوْ مِثْلِها﴾ في ذَلِكَ، إذْ لا فَضِيلَةَ لِبَعْضِ الآياتِ عَلى البَعْضِ ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: قادِرٌ، فَهو يَقْدِرُ عَلى الخَيْرِ، وعَلى مِثْلِهِ.
2:107Page 17
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٠٧
Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and [that] you have not besides Allāh any protector or any helper?
﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو يَمْلِكُ أُمُورَكم ويُدَبِّرُها، وهو أعْلَمُ بِما يَتَعَبَّدُكم بِهِ مِن ناسِخٍ أوْ مَنسُوخٍ.
﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن ولِيٍّ﴾ يَلِي أمْرَكم.
﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ ناصِرٌ يَمْنَعُكم مِنَ العَذابِ.
2:108Page 17
أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٠٨
Or do you intend to ask1 your Messenger as Moses was asked before? And whoever exchanges faith for disbelief has certainly strayed from the soundness of the way.
﴿أمْ تُرِيدُونَ﴾ "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ، وتَقْدِيرُهُ: أتُرِيدُونَ.
﴿أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: يا مُحَمَّدُ، اجْعَلْ لَنا الصَفا ذَهَبًا، ووَسِّعْ لَنا أرْضَ مَكَّةَ، فَنُهُوا أنْ يَقْتَرِحُوا عَلَيْهِ الآياتِ، كَما اقْتَرَحَ قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ حِينَ قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ [الأعْرافُ: ١٣٨].
﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ ومَن تَرَكَ الثِقَةَ بِالآياتِ المُنَزَّلَةِ، وشَكَّ فِيها، واقْتَرَحَ غَيْرَها.
﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ﴾ قَصْدَهُ، ووَسَطَهُ.
(p-١٢٠)
2:109Page 17
وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٠٩
Many of the People of the Scripture wish they could turn you back to disbelief after you have believed, out of envy from themselves [even] after the truth has become clear to them. So pardon and overlook until Allāh delivers His command. Indeed, Allāh is over all things competent.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ أنْ يَرُدُّوكم ﴿مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا﴾ حالٌ مِن "كُمْ" أيْ: يَرُدُّونَكم عَنْ دِينِكم كافِرِينَ. نَزَلَتْ حِينَ قالَتِ اليَهُودُ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ: ألَمْ تَرَوْا إلى ما أصابَكُمْ؟ ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ لَما هُزِمْتُمْ، فارْجِعُوا إلى دِينِنا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ،
﴿حَسَدًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِأجْلِ الحَسَدِ، وهو الأسَفُ عَلى الخَيْرِ عِنْدَ الغَيْرِ،
﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ يَتَعَلَّقُ بِوَدَّ، أيْ: ودُّوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ومِن قِبَلِ شَهْوَتِهِمْ، لا مِن قِبَلِ التَدَيُّنِ والمَيْلِ مَعَ الحَقِّ، لِأنَّهم ودُّوا ذَلِكَ.
﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ عِلْمِهِمْ بِأنَّكم عَلى الحَقِّ، أوْ بِحَسَدًا، أيْ: حَسَدًا مُتَبالِغًا مُنْبَعِثًا مِن أصْلِ نُفُوسِهِمْ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ فاسْلُكُوا مَعَهم سَبِيلَ العَفْوِ والصَفْحِ عَمّا يَكُونُ مِنهم مَنِ الجَهْلِ والعَداوَةِ،
﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأمْرِهِ﴾ بِالقِتالِ.
﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو يَقْدِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم.
2:110Page 17
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٠
And establish prayer and give zakāh, and whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allāh. Indeed Allāh, of what you do, is Seeing.
﴿وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ مِن حَسَنَةٍ صَلاةٍ، أوْ صَدَقَةٍ، أوْ غَيْرِهِما ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾ تَجِدُوا ثَوابَهُ عِنْدَهُ ﴿إنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَلا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ عامِلٍ.
2:111Page 17
وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١١١
And they say, "None will enter Paradise except one who is a Jew or a Christian." That is [merely] their wishful thinking. Say, "Produce your proof, if you should be truthful."
والضَمِيرُ في ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ لِأهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى، أيْ: وقالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا. وقالَتِ النَصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى. فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ ثِقَةً بِأنَّ السامِعَ يَرُدُّ إلى كُلِّ فَرِيقٍ قَوْلَهُ وأمْنًا مِنَ الإلْباسِ لِما عُلِمَ مِنَ التَعادِي بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وتَضْلِيلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ [البَقَرَةُ: ١١٣]. (p-١٢١)وَهُودٌ: جَمْعُ هائِدٍ، كَعائِذٍ وعُوذٍ. ووَحَّدَ اسْمَ كانَ لِلَفْظِ مَن، وجَمَعَ الخَبَرَ لِمَعْناهُ ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ أُشِيرَ بِها إلى الأمانِيِّ المَذْكُورَةِ، وهي أُمْنِيَتُهم ألّا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ، وأمْنِيَّتُهم أنْ يَرُدُّوهم كُفّارًا، وأمْنِيَّتُهم ألّا يَدْخُلَ الجَنَّةَ غَيْرُهُمْ، أيْ: تِلْكَ الأمانِيُّ الباطِلَةُ أمانِيُّهُمْ، والأُمْنِيَةُ: أُفْعُولَةٌ مِنَ التَمَنِّي، مِثْلُ: الأُضْحُوكَةُ.
﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ هَلُمُّوا حُجَّتَكم عَلى اخْتِصاصِكم بِدُخُولِ الجَنَّةِ، وهاتِ بِمَنزِلَةِ هاءِ، بِمَعْنى: أحْضِرْ. وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ و﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ اعْتِراضٌ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم.
2:112Page 17
بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١١٢
Yes, [on the contrary], whoever submits his face [i.e., self] in Islām to Allāh while being a doer of good will have his reward with his Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.
﴿بَلى﴾ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ.
﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ مَن أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ، لا يُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ،
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مُصَدِّقٌ بِالقُرْآنِ ﴿فَلَهُ أجْرُهُ﴾ جَوابُ ﴿مَن أسْلَمَ﴾ وهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الشَرْطِ، و﴿بَلى﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
2:113Page 18
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١١٣
The Jews say, "The Christians have nothing [true] to stand on," and the Christians say, "The Jews have nothing to stand on," although they [both] recite the Scripture. Thus do those who know not [i.e., the polytheists] speak the same as their words. But Allāh will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
﴿وَقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ: عَلى شَيْءٍ يَصِحُّ، ويُعْتَدُّ بِهِ، والواوُ في ﴿وَهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ لِلْحالِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ، أيْ: قالُوا ذَلِكَ وحالُهم أنَّهم مِن أهْلِ العِلْمِ والتِلاوَةِ لِلْكُتُبِ، وحَقُّ مَن حَمَلَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، وآمَنَ بِهِ، ألّا يَكْفُرَ بِالباقِي، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الكِتابَيْنِ مُصَدِّقٌ لِلْآخَرِ،
﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي سَمِعْتَ بِهِ ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أيِ: الجَهَلَةُ الَّذِينَ لا عِلْمَ عِنْدَهم ولا كِتابَ، كَعَبَدَةِ الأصْنامِ، والمُعَطِّلَةِ، قالُوا لِأهْلِ كُلِّ دِينٍ: لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ. وهَذا تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ لَهُمْ، حَيْثُ نَظَمُوا أنْفُسَهم مَعَ عِلْمِهِمْ في سِلْكِ مَن لا يَعْلَمُ (p-١٢٢)﴿فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: بَيْنَ اليَهُودِ والنَصارى بِما يُقْسَمُ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنهم مَنِ العِقابِ اللائِقِ بِهِ.
2:114Page 18
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤
And who are more unjust than those who prevent the name of Allāh from being mentioned [i.e., praised] in His mosques and strive toward their destruction. It is not for them to enter them except in fear. For them in this world is disgrace, and they will have in the Hereafter a great punishment.
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ مَوْضِعُ "مَن" رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وهو اسْتِفْهامٌ، و" أظْلَم " خَبَرُهُ. والمَعْنى: أيُّ أحَدٍ أظْلَمُ. و" أنْ يَذْكُرَ " ثانِي مَفْعُولَيْ مَنَعَ، لِأنَّكَ تَقُولُ: مَنَعْتُهُ كَذا، ومِثْلُهُ ﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ [الإسْراءُ: ٥٩] ﴿وَما مَنَعَ الناسَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [الإسْراءُ: ٩٤]. ويَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ حَرْفُ الجَرِّ مَعَ أنْ، أيْ: مِن أنْ يُذْكَرَ، وأنْ تَنْصِبَهُ مَفْعُولًا لَهُ، بِمَعْنى: مَنَعَها كَراهَةَ أنْ يُذْكَرَ، وهو حُكْمٌ عامٌّ لِجِنْسِ مَساجِدِ اللهِ، وأنَّ مانِعَها مِن ذِكْرِ اللهِ مُفْرِطٌ في الظُلْمِ، والسَبَبُ فِيهِ طَرْحُ النَصارى في بَيْتِ المَقْدِسِ الأذى، ومَنعُهُمُ الناسَ أنْ يُصَلُّوا فِيهِ، أوْ مَنعُ المُشْرِكِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرامَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿مَساجِدَ اللهِ﴾ وكانَ المَنعُ عَلى مَسْجِدٍ واحِدٍ، وهو بَيْتُ المَقْدِسِ، أوِ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِأنَّ الحُكْمَ ورَدَ عامًّا، وإنْ كانَ السَبَبُ خاصًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهُمَزَةُ: ١] والمَنزُولُ فِيهِ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ ﴿وَسَعى في خَرابِها﴾ بِانْقِطاعِ الذِكْرِ. والمُرادُ بِـ "مَن": العُمُومُ، كَما أُرِيدُ العُمُومُ بِمَساجِدِ اللهِ ﴿أُولَئِكَ﴾ المانِعُونَ ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها﴾ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَدْخُلُوا مَساجِدَ اللهِ ﴿إلا خائِفِينَ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في يَدْخُلُوها، أيْ: عَلى حالِ التَهَيُّبِ، وارْتِعادِ الفَرائِصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ، فَضْلًا أنْ يَسْتَوْلُوا عَلَيْها، ويَلُوها، ويَمْنَعُوا المُؤْمِنِينَ مِنها، والمَعْنى: ما كانَ الحَقُّ إلّا ذَلِكَ لَوْلا ظُلْمُ الكَفَرَةِ وعُتُوُّهُمْ، وقِيلَ: ﴿ما كانَ لَهُمْ﴾ في حُكْمِ اللهِ يَعْنِي: أنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ وكَتَبَ في اللَوْحِ أنَّهُ يَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ ويُقَوِّيهِمْ حَتّى لا يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ.رُوِيَ أنَّهُ لا يَدْخُلُ بَيْتَ المَقْدِسِ أحَدٌ مِنَ النَصارى إلّا مُتَنَكِّرًا خِيفَةً أنْ يُقْتَلَ، وقالَ قَتادَةُ: لا يُوجَدُ نَصْرانِيٌّ في بَيْتِ المَقْدِسِ إلّا بُولِغَ ضَرْبًا، «وَنادى رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ألا لا يَحُجَّنَّ بَعْدَ هَذا العامِ (p-١٢٣)مُشْرِكٌ". » وقِيلَ: مَعْناهُ: النَهْيُ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِنَ الدُخُولِ والتَخْلِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ [الأحْزابُ: ٥٣] ﴿لَهم في الدُنْيا خِزْيٌ﴾ قَتْلٌ وسَبْيٌ لِلْحَرْبِيِّ، وذِلَّةٌ بِضَرْبِ الجِزْيَةِ لِلذِّمِّيِّ ﴿وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيِ: النارُ.
2:115Page 18
وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ١١٥
And to Allāh belongs the east and the west. So wherever you [might] turn, there is the Face1 of Allāh. Indeed, Allāh is all-Encompassing and Knowing.
﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ أيْ: بِلادُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ كُلُّها لَهُ، وهو مالِكُها، ومُتَوَلِّيها ﴿فَأيْنَما﴾ شَرْطٌ.
﴿تُوَلُّوا﴾ مَجْزُومٌ بِهِ، أيْ: فَفي أيِّ مَكانٍ فَعَلْتُمُ التَوْلِيَةَ، يَعْنِي: تَوْلِيَةَ وُجُوهِكم شَطْرَ القِبْلَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البَقَرَةُ: ١٤٤] والجَوابُ: ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللهِ﴾ أيْ: جِهَتُهُ الَّتِي أمَرَ بِها ورَضِيَها، والمَعْنى: أنَّكم إذا مُنِعْتُمْ أنْ تُصَلُّوا في المَسْجِدِ الحَرامِ، أوْ في بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَدْ جُعِلَتْ لَكُمُ الأرْضُ مَسْجِدًا، فَصَلُّوا في أيَّةِ بُقْعَةٍ شِئْتُمْ مِن بِقاعِها، وافْعَلُوا التَوْلِيَةَ فِيها، فَإنَّ التَوْلِيَةَ مُمْكِنَةٌ في كُلِّ مَكانٍ ﴿إنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: وهو واسِعُ الرَحْمَةِ، يُرِيدُ التَوْسِعَةَ عَلى عِبادِهِ، وهو عَلِيمٌ بِمَصالِحِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- نَزَلَتْ في صَلاةِ المُسافِرِ عَلى الراحِلَةِ أيْنَما تَوَجَّهَتْ، وقِيلَ: عَمِيَتِ القِبْلَةُ عَلى قَوْمٍ فَصَلَّوْا إلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَلَمّا أصْبَحُوا تَبَيَّنُوا خَطَأهم فَعُذِرُوا، وهو حُجَّةٌ عَلىالشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِيما إذا اسْتَدْبَرَ، وقِيلَ: فَأيْنَما تُوَلُّوا لِلذِّكْرِ والدُعاءِ.
2:116Page 18
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ بَل لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ١١٦
They say, "Allāh has taken a son." Exalted is He!1 Rather, to Him belongs whatever is in the heavens and the earth. All are devoutly obedient to Him,
﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا﴾ يُرِيدُ الَّذِينَ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وعُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، (قالُوا) شامِيٌّ. فَإثْباتُ الواوِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ قِصَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وحَذْفُهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ اسْتِئْنافُ قِصَّةٍ أُخْرى،
﴿سُبْحانَهُ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وتَبْعِيدٌ ﴿بَلْ لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: هو خالِقُهُ ومالِكُهُ، ومِن جُمْلَتِهِ المَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والوِلادَةُ تُنافِي المُلْكَ،
﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ مُنْقادُونَ، لا يَمْتَنِعُ شَيْءٌ مِنهم عَلى تَكْوِينِهِ وتَقْدِيرِهِ، والتَنْوِينُ في "كُلٍّ" عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: كُلُّ ما في (p-١٢٤)السَمَواتِ والأرْضِ، أوْ كُلِّ مَن جَعَلُوهُ لِلَّهِ ولَدًا ﴿لَهُ قانِتُونَ﴾ مُطِيعُونَ، عابِدُونَ، مُقِرُّونَ بِالرُبُوبِيَّةِ، مُنْكِرُونَ لِما أضافُوا إلَيْهِمْ. وجاءَ بِـ"ما" الَّذِي لِغَيْرِ أُولِي العِلْمِ، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿قانِتُونَ﴾ كَقَوْلِهِ: سُبْحانَ ما سَخَّرَ لَنا.
2:117Page 18
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ١١٧
Originator of the heavens and the earth. When He decrees a matter, He only says to it, "Be," and it is.
﴿بَدِيعُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مُخْتَرِعُهُما ومُبْدِعُهُما لا عَلى مِثالٍ سَبَقَ، وكُلُّ مَن فَعَلَ ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ يُقالُ لَهُ: أبْدَعْتَ، ولِهَذا قِيلَ لِمَن خالَفَ السُنَّةَ والجَماعَةَ: مُبْتَدِعٌ، لِأنَّهُ يَأْتِي في دِينِ الإسْلامِ ما لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ الصَحابَةُ والتابِعُونَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ﴿وَإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ: حَكَمَ، أوْ قَدَّرَ،
﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هو مِن كانَ التامَّةِ، أيْ: احْدُثْ فَيَحْدُثُ، وهَذا مَجازٌ عَنْ سُرْعَةِ التَكْوِينِ، وتَمْثِيلٌ، ولا قَوْلَ ثَمَّ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ ما قَضاهُ مِنَ الأُمُورِ، وأرادَ كَوْنَهُ، فَإنَّما يَتَكَوَّنُ ويَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ ولا تَوَقُّفٍ، كَما [أنَّ] المَأْمُورَ المُطِيعَ الَّذِي يُؤْمَرُ فَيَمْتَثِلُ [لا يَتَوَقَّفُ، ولا يَمْتَنِعُ] ولا يَكُونُ مِنهُ إباءٌ، وأكَّدَ بِهَذا اسْتِبْعادَ الوِلادَةِ، لِأنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِفَةِ مِنَ القَدْرِ كانَتْ صِفاتُهُ مُبايِنَةً لِصِفاتِ الأجْسامِ، فَأنّى يُتَصَوَّرُ التَوالُدُ ثَمَّ؟! والوَجْهُ الرَفْعُ في " فَيَكُونُ " وهو قِراءَةُ العامَّةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ: فَهو يَكُونُ، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى يَقُولُ، ونَصَبَهُ ابْنُ عامِرٍ عَلى لَفْظِ " كُنْ "، لِأنَّهُ أمْرٌ، وجَوابُ الأمْرِ بِالفاءِ نَصْبٌ. وقُلْنا: إنَّ " كُنْ " لَيْسَ بِأمْرٍ حَقِيقَةً، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يُقالَ: وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَكُونُهُ فَيَكُونُ، وبَيْنَ أنْ يُقالَ: فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا مَعْنى لِلنَّصْبِ، وهَذا لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا فَإمّا أنْ يُخاطَبَ بِهِ المَوْجُودُ، والمَوْجُودُ لا يُخاطَبُ بِكُنْ، أوِ المَعْدُومُ والمَعْدُومُ لا يُخاطَبُ.
2:118Page 18
وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ١١٨
Those who do not know say, "Why does Allāh not speak to us or there come to us a sign?" Thus spoke those before them like their words. Their hearts resemble each other. We have shown clearly the signs to a people who are certain [in faith].
﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ، ونَفى عَنْهُمُ العِلْمَ، لِأنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللهُ﴾ هَلّا يُكَلِّمُنا كَما يُكَلِّمُ (p-١٢٥)المَلائِكَةَ، وكَلَّمَ مُوسى، اسْتِكْبارًا مِنهم وعُتُوًّا.
﴿أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ جُحُودًا لِأنْ يَكُونَ ما أتاهم مِن آياتِ اللهِ، واسْتِهانَةً بِها،
﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: قُلُوبُ هَؤُلاءِ ومِن قَبْلِهِمْ في العَمى.
﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لِقَوْمٍ يُنْصِفُونَ فَيُوقِنُونَ أنَّها آياتٌ يَجِبُ الِاعْتِرافُ بِها، والإذْعانُ لَها، والِاكْتِفاءُ بِها عَنْ غَيْرِها.
2:119Page 18
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ ١١٩
Indeed, We have sent you, [O Muḥammad], with the truth as a bringer of good tidings and a warner, and you will not be asked about the companions of Hellfire.
﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالثَوابِ ﴿وَنَذِيرًا﴾ لِلْكافِرِينَ بِالعِقابِ ﴿وَلا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ ولا نَسْألُكَ عَنْهُمْ: ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ أنْ بَلَّغْتَ، وبَلَغْتَ جَهْدَكَ في دَعْوَتِهِمْ؟ وهو حالٌ كَنَذِيرٍ، وبَشِيرٍ، وبِالحَقِّ، أيْ: وغَيْرُ مَسْؤُولٍ، أوْ مُسْتَأْنَفٍ، قِراءَةُ نافِعٍ: (وَلا تَسْألْ) عَلى النَهْيِ. ومَعْناهُ: تَعْظِيمُ ما وقَعَ فِيهِ الكُفّارُ مِنَ العَذابِ، كَما تَقُولُ: كَيْفَ فُلانٌ؟ سائِلًا عَنِ الواقِعِ في بَلِيَّةٍ، فَيُقالُ لَكَ: لا تَسْألْ عَنْهُ. وقِيلَ: نَهى اللهُ نَبِيَّهُ عَنِ السُؤالِ عَنْ أحْوالِ الكَفَرَةِ حِينَ قالَ: « "لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ؟". »
2:120Page 19
وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٢٠
And never will the Jews and the Christians approve of you until you follow their religion. Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance." If you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, you would have against Allāh no protector or helper.
﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ كَأنَّهم قالُوا: لَنْ تَرْضى عَنْكَ -وَإنْ أبْلَغْتَ في طَلَبِ رِضانا- حَتّى تَتَبِّعَ مِلَّتَنا، إقْناطًا مِنهم لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ، فَذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ كَلامَهم ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللهِ﴾ الَّذِي رَضِيَ لِعِبادِهِ ﴿هُوَ الهُدى﴾ أيِ: الإسْلامُ. وهو الهُدى كُلُّهُ، لَيْسَ وراءَهُ هُدًى، والَّذِي تَدْعُونَ إلى اتِّباعِهِ ما هو هُدًى، إنَّما هو هَوًى، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ أيْ: أقْوالَهُمُ الَّتِي هي أهْواءٌ وبِدَعٌ،
﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ: مِنَ العِلْمِ بِأنَّ دِينَ اللهِ هو الإسْلامُ، أوْ مِنَ الدِينِ المَعْلُومِ (p-١٢٦)صِحَّتُهُ بِالبَراهِينِ الواضِحَةِ، والحُجَجِ اللائِحَةِ ﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ﴾ مِن عَذابِ اللهِ ﴿مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ناصِرٌ.
2:121Page 19
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٢١
Those to whom We have given the Book recite it with its true recital.1 They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.
﴿الَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ صِلَتُهُ، وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وهُوَ: التَوْراةُ والإنْجِيلُ، أوْ أصْحابُ النَبِيِّ ﷺ، والكِتابُ: القُرْآنُ.
﴿يَتْلُونَهُ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن هُمْ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا تالِينَ لَهُ وقْتَ إيتائِهِ، ونُصِبَ عَلى المَصْدَرِ ﴿حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ أيْ: يَقْرَءُونَهُ حَقَّ قِراءَتِهِ في التَرْتِيلِ، وأداءِ الحُرُوفِ، والتَدَبُّرِ، والتَفَكُّرِ، أوْ يَعْمَلُونَ بِهِ ويُؤْمِنُونَ بِما في مَضْمُونِهِ، ولا يُغَيِّرُونَ ما فِيهِ مِن نَعْتِ النَبِيِّ ﷺ ﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ: " الَّذِينَ " ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَتْلُونَهُ خَبْرًا، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ حَيْثُ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى.
2:122Page 19
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٢
O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: أنْعَمْتُها عَلَيْكم ﴿وَأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ وتَفْضِيلِي إيّاكم عَلى عالَمِي زَمانِكم.
2:123Page 19
وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ١٢٣
And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.
﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ "هُمْ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: "يُنْصَرُونَ"، والجُمَلُ الأرْبَعُ وصْفٌ لِـ "يَوْمًا"، أيْ: واتَّقُوا يَوْمًا لا تُجْزى فِيهِ، ولا يُقْبَلُ فِيهِ، ولا يَنْفَعُها فِيهِ، ولا هم يُنْصَرُونَ فِيهِ، وتَكْرِيرُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ لِتَكْرارِ المَعاصِي مِنهُمْ، وخَتَمَ قِصَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ بِما بَدَأ بِهِ.
2:124Page 19
۞ وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ ١٢٤
And [mention, O Muḥammad], when Abraham was tried by his Lord with words [i.e., commands] and he fulfilled them. [Allāh] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allāh] said, "My covenant does not include the wrongdoers."
﴿وَإذِ﴾ أيْ: واذْكُرْ إذْ ﴿ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ اخْتَبَرَهُ بِأوامِرَ ونَواهٍ، والِاخْتِبارُ مِنّا: لِظُهُورِ ما لَمْ نَعْلَمْ، ومِنَ اللهِ: لِإظْهارِ ما قَدْ عُلِمَ، وعاقِبَةُ الِابْتِلاءِ: ظُهُورُ الأمْرِ الخَفِيِّ في الشاهِدِ والغائِبِ جَمِيعًا، فَلِذا تَجُوزُ إضافَتُهُ إلى اللهِ (p-١٢٧)تَعالى. وقِيلَ: اخْتِبارُ اللهِ عَبْدَهُ مَجازٌ عَنْ تَمْكِينِهِ مِنَ اخْتِبارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ، كَأنَّهُ يَمْتَحِنُهُ ما يَكُونُ مِنهُ حَتّى يُجازِيَهُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: (إبْراهِيمُ رَبَّهُ) بِرَفْعِ إبْراهِيمَ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-، أيْ: دَعاهُ بِكَلِماتٍ مِنَ الدُعاءِ فِعْلَ المُخْتَبِرِ، هَلْ يُجِيبُهُ إلَيْهِنَّ أمْ لا؟ ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ أيْ: قامَ بِهِنَّ حَقَّ القِيامِ، وأدّاهُنَّ أحْسَنَ التَأْدِيَةِ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ وتَوانٍ، ونَحْوُهُ: ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النَجْمُ: ٣٧]. ومَعْناهُ في قِراءَةِ أبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: فَأعْطاهُ ما طَلَبَهُ، لَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْئًا، والكَلِماتُ عَلى هَذا ما سَألَ إبْراهِيمُ رَبَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البَقَرَةُ: ١٢٦]،
﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البَقَرَةُ: ١٢٨] ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ [البَقَرَةُ: ١٢٩]،
﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البَقَرَةُ: ١٢٧]. والكَلِماتُ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ خَمْسُ في الرَأْسِ: الفَرْقُ، وقَصُّ الشارِبِ، والسِواكُ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ. وخَمْسُ في الجَسَدِ: الخِتانُ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وحَلْقُ العانَةِ، والِاسْتِنْجاءُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- هي ثَلاثُونَ سَهْمًا مِنَ الشَرائِعِ، عَشْرٌ في بَراءَةٍ ﴿التائِبُونَ﴾ الآيَةُ [التَوْبَةُ: ١١٢]، وعَشْرٌ في الأحْزابِ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ الآيَةُ [الأحْزابُ: ٣٥]، وعَشْرٌ في المُؤْمِنِينَ والمَعارِجِ إلى قَوْلِهِ: " يُحافِظُونَ " [المُؤْمِنُونَ: ٩ والمَعارِجُ: ٣٤]. وقِيلَ: هي مَناسِكُ الحَجِّ،
﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ هو اسْمُ (p-١٢٨)مَن يُؤْتَمُ بِهِ، أيْ: يَأْتَمُّونَ بِكَ في دِينِهِمْ ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي إمامًا يُقْتَدى بِهِ، ذُرِّيَّةَ الرَجُلِ: أوْلادُهُ ذُكُورُهم وإناثُهم فِيهِ سَواءٌ، فِعِّيلَةٌ مِنَ الذَرْءِ، أيِ: الخَلْقِ، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ ياءً ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ﴾ بِسُكُونِ الياءِ، حَمْزَةُ وحَفْصٌ. أيْ: لا تُصِيبُ الإمامَةُ أهْلَ الظُلْمِ مِن ولَدِكَ، أيْ: أهْلُ الكُفْرِ، أخْبَرَ أنَّ إمامَةَ المُسْلِمِينَ لا تَثْبُتُ لِأهْلِ الكُفْرِ، وأنَّ مِن أوْلادِهِ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافّاتُ: ١١٣]. والمُحْسِنُ: المُؤْمِنُ، والظالِمُ: الكافِرُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الفاسِقَ لَيْسَ بِأهْلٍ لِلْإمامَةِ، قالُوا: وكَيْفَ يَجُوزُ نَصْبُ الظالِمِ لِلْإمامَةِ، والإمامُ إنَّما هو لِكَفِّ الظَلَمَةِ، فَإذا نُصِّبَ مَن كانَ ظالِمًا في نَفْسِهِ، فَقَدْ جاءَ المَثَلُ السائِرُ: "مَنِ اسْتَرْعى الذِئْبَ ظَلَمَ". ولَكُنّا نَقُولُ: المُرادُ بِالظالِمِ: الكافِرُ هُنا، إذْ هو الظالِمُ المُطْلَقُ. وقِيلَ: إنَّهُ سَألَ أنْ يَكُونَ ولَدُهُ نَبِيًّا كَما كانَ هُوَ، فَأُخْبِرَ أنَّ الظالِمَ لا يَكُونُ نَبِيًّا.
2:125Page 19
وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥
And [mention] when We made the House [i.e., the Kaʿbah] a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."
﴿وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ أيِ: الكَعْبَةَ، وهو اسْمٌ غالِبٌ لَها، كالنَجْمِ لِلثُّرَيّا ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ مَباءَةً ومَرْجِعًا لِلْحُجّاجِ والعُمّارِ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ، ثُمَّ يَثُوبُونَ إلَيْهِ ﴿وَأمْنًا﴾ ومَوْضِعَ أمْنٍ، فَإنَّ الجانِيَ يَأْوِي إلَيْهِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُ حَتّى يَخْرُجَ، وهو دَلِيلٌ لَنا في المُلْتَجِئِ إلى الحَرَمِ ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقُلْنا: اتَّخِذُوا مِنهُ مَوْضِعَ صَلاةٍ تُصَلُّونَ فِيهِ، «وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ فَقالَ: "هَذا مَقامُ إبْراهِيمَ"، فَقالَ عُمَرُ: أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَقالَ ﷺ: "لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ" فَلَمْ تَغِبِ الشَمْسُ حَتّى نَزَلَتْ. » وقِيلَ: مُصَلًّى: مَدْعًى، ومَقامُ إبْراهِيمَ: الحَجَرُ الَّذِي فِيهِ (p-١٢٩)أثَرُ قَدَمَيْهِ. وقِيلَ: الحَرَمُ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ. (واتَّخَذُوا) شامِيٌّ ونافِعٌ بِلَفْظِ الماضِي، عَطْفًا عَلى جَعَلْنا، أيْ: واتَّخَذَ الناسُ مِن مَكانِ إبْراهِيمَ الَّذِي وُسِمَ بِهِ، لِاهْتِمامِهِ بِهِ، وإسْكانِ ذُرِّيَّتِهِ عِنْدَهُ، قِبْلَةً يُصَلُّونَ إلَيْها.
﴿وَعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ أمَرْناهُما ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ بِفَتْحِ الياءِ، مَدَّنِيٌّ وحَفْصٌ. أيْ: بِأنْ طَهِّرا، أوْ أيْ: طَهِّرا. والمَعْنى: طَهِّراهُ مِنَ الأوْثانِ، والأنْجاسِ، والخَبائِثِ كُلِّها.
﴿لِلطّائِفِينَ﴾ لِلدّائِرِينَ حَوْلَهُ ﴿والعاكِفِينَ﴾ المُجاوِرِينَ الَّذِينَ عَكَفُوا عِنْدَهُ، أيْ: أقامُوا لا يَبْرَحُونَ، أوِ المُعْتَكِفِينَ. وقِيلَ: ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ لِلنُّزّاعِ إلَيْهِ مِنَ البِلادِ ﴿والعاكِفِينَ﴾ والمُقِيمِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ﴿والرُكَّعِ السُجُودِ﴾ والمُصَلِّينَ، جَمْعا راكِعٍ وساجِدٍ.
2:126Page 19
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٢٦
And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allāh and the Last Day." [Allāh] said, "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."
﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا﴾ أيِ: اجْعَلْ هَذا البَلَدَ، أوْ هَذا المَكانَ ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ ذا أمْنٍ، كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ، أوْ آمِنًا مَن فِيهِ، كَقَوْلِكَ: لَيْلٌ نائِمٌ، فَهَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ، وبَلَدًا مَفْعُولٌ ثانٍ، وآمِنًا صِفَةٌ لَهُ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَمَراتِ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم ثَمَرَةٌ، ثُمَّ أُبْدِلَ ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ مِن أهْلِهِ، بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، أيْ: وارْزُقِ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِهِ خاصَّةً، قاسَ الرِزْقَ عَلى الإمامَةِ فَخَصَّ المُؤْمِنِينَ بِهِ ﴿قالَ﴾ اللهُ تَعالى جَوابًا لَهُ: ﴿قالَ ومَن كَفَرَ﴾ أيْ: وأرْزُقُ مَن كَفَرَ ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ تَمْتِيعًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا إلى حِينِ أجَلِهِ. فَأُمَتِّعُهُ، شامِيٌّ.
﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ أُلْجِئُهُ ﴿إلى عَذابِ النارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ المَرْجِعُ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ، النارُ. فالمَخْصُوصُ بِالذَمِّ مَحْذُوفٌ.
2:127Page 20
وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٢٧
And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed, You are the Hearing,1 the Knowing.2
﴿وَإذْ يَرْفَعُ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ﴿القَواعِدَ﴾ هي جَمْعُ قاعِدَةٍ، وهي الأساسُ والأصْلُ لِما فَوْقَهُ، وهي صِفَةٌ غالِبَةٌ، ومَعْناها: الثابِتَةُ، ورَفْعُ الأساسِ: البِناءُ عَلَيْها، لِأنَّها إذا بُنِيَ عَلَيْها نُقِلَتْ عَنْ هَيْئَةِ الِانْخِفاضِ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ، وتَطاوَلَتْ بَعْدَ التَقاصُرِ،
﴿مِنَ البَيْتِ﴾ بَيْتِ اللهِ، وهُوَ: الكَعْبَةُ. (p-١٣٠)﴿وَإسْماعِيلُ﴾ هو عَطْفٌ عَلى إبْراهِيمَ، وكانَ إبْراهِيمُ يَبْنِي، وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: يَقُولانِ رَبَّنا. وهَذا الفِعْلُ في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ، وقَدْ أظْهَرَهُ عَبْدُ اللهِ في قِراءَتِهِ، ومَعْناهُ: يَرْفَعانِها قائِلَيْنِ رَبَّنا ﴿تَقَبَّلْ مِنّا﴾ تَقَرَّبْنا إلَيْكَ بِبِناءِ هَذا البَيْتِ ﴿إنَّكَ أنْتَ السَمِيعُ﴾ لِدُعائِنا ﴿العَلِيمُ﴾ بِضَمائِرِنا، ونِيّاتِنا، وفي إبْهامِ القَواعِدِ وتَبْيِينِها بَعْدَ الإبْهامِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ المُبَيَّنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences