An-NasafiAl‑Baqarah · 2:7–16

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:7–16

2:7Page 3

خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٧

Allāh has set a seal upon their hearts and upon their hearing, and over their vision is a veil.1 And for them is a great punishment.

﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ الزَجّاجُ: الخَتْمُ: التَغْطِيَةُ، لِأنَّ في الِاسْتِيثاقِ مِنَ الشَيْءِ بِضَرْبِ الخاتَمِ عَلَيْهِ تَغْطِيَةً لَهُ لِئَلّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَعْقِلُونَ الخَيْرَ. يَعْنِي: إنَّ اللهَ طَبَعَ عَلَيْها، فَجَعَلَها بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ مِنها ما فِيها مِنَ الكُفْرِ، ولا يَدْخُلُها ما لَيْسَ فِيها مِنَ الإيمانِ. وحاصِلُ الخَتْمِ والطَبْعِ: خَلْقُ الظُلْمَةِ والضِيقِ في صَدْرِ العَبْدِ عِنْدَنا، فَلا يُؤْمِنُ مادامَتْ تِلْكَ الظُلْمَةُ في قَلْبِهِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ إعْلامٌ مَحْضٌ عَلى القُلُوبِ بِما يُظْهِرُ لِلْمَلائِكَةِ أنَّهم كُفّارٌ، فَيَلْعَنُونَهُمْ، ولا يَدْعُونَ لَهم بِخَيْرٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ إسْنادَ الخَتْمِ إلى اللهِ تَعالى مَجازٌ، والخاتَمُ في الحَقِيقَةِ الكافِرُ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ هو الَّذِي أقْدَرَهُ ومَكَّنَهُ أسْنَدَ إلَيْهِ الخَتْمَ، كَما يُسْنِدُ الفِعْلَ إلى السَبَبِ، فَيُقالُ: بَنى الأمِيرُ المَدِينَةَ، لِأنَّ لِلْفِعْلِ مُلابَساتٍ شَتّى، يُلابِسُ الفاعِلَ، والمَفْعُولَ بِهِ، والمَصْدَرَ، والزَمانَ، والمَكانَ، والمُسَبِّبَ لَهُ، فَإسْنادُهُ إلى الفاعِلِ حَقِيقَةً، وقَدْ يُسْنِدُ إلى هَذِهِ الأشْياءِ مَجازًا، لَمُضاهاتِها الفاعِلَ في مُلابَسَةِ الفِعْلِ، كَما يُضاهِي الرَجُلُ الأسَدَ في جُرْأتِهِ، فَيُسْتَعارُ لَهُ اسْمُهُ. وهَذا فَرْعُ مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ وحَّدَ السَمْعَ كَما وحَّدَ البَطْنَ في قَوْلِهِ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعَفُّوا، لِأمْنِ اللَبْسِ، ولِأنَّ السَمْعَ مَصْدَرٌ في أصْلِهِ، يُقالُ: سَمِعْتُ الشَيْءَ سَمْعًا وسَماعًا، والمَصْدَرُ (p-٤٦)لا يُجْمَعُ، لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، فَلا يُحْتاجُ فِيهِ إلى التَثْنِيَةِ والجَمْعِ، فَلَمَحَ الأصْلَ. وقِيلَ: المُضافُ مَحْذُوفٌ، أيْ: وعَلى مَواضِعِ سَمِعَهم. وقُرِئَ عَلى أسْماعِهِمْ ﴿وَعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ بِالرَفْعِ خَبَرٌ ومُبْتَدَأٌ. والبَصَرُ: نُورُ العَيْنِ، وهو ما يُبْصِرُ بِهِ الرائِي، كَما أنَّ البَصِيرَةَ: نُورُ القَلْبِ، وهِيَ: ما بِهِ يَسْتَبْصِرُ ويَتَأمَّلُ، وكَأنَّهُما جَوْهَرانِ لَطِيفانِ خَلَقَهُما اللهُ تَعالى، فِيهِما آلَتَيْنِ لِلْإبْصارِ والِاسْتِبْصارِ. والغِشاوَةُ: الغِطاءُ، فَعّالَةٌ، مِن غَشّاهُ: إذا غَطّاهُ. وهَذا البِناءُ لِما يَشْتَمِلُ عَلى الشَيْءِ، كالعِصابَةِ، والعِمامَةِ، والقِلادَةِ. والأسْماعُ داخِلَةٌ في حُكْمِ الخَتْمِ لا في حُكْمِ التَغْشِيَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثِيَةُ: ٢٣] ولِوَقْفِهِمْ عَلى سَمْعِهِمْ دُونَ قُلُوبِهِمْ. ونَصَبَ المُفَضَّلُ وحْدَهُ غِشاوَةً بِإضْمارِ جَعَلَ. وتَكْرِيرُ الجارِّ في قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ َدَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ الخَتْمِ في المَوْضِعَيْنِ. قالَ الشَيْخُ الإمامُ أبُو مَنصُورٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: الكافِرُ لِما لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ الحَقِّ، ولَمْ يَنْظُرْ في نَفْسِهِ وغَيْرِهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ لِيَرى آثارَ الحُدُوثِ، فَيَعْلَمَ أنْ لا بُدَّ لَهُ مِن صانِعٍ، جَعَلَ كَأنَّ عَلى بَصَرِهِ وسَمِعَهُ غِشاوَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَقِيقَةً. وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأسْماعَ عِنْدَهُ داخِلَةٌ في حُكْمِ التَغْشِيَةِ. والآيَةُ حُجَّةٌ لَنا عَلى المُعْتَزِلَةِ في الأصْلَحِ، فَإنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ خَتَمَ عَلى قُلُوبِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَ الخَتْمِ أصْلَحُ لَهم ﴿وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ العَذابُ مِثْلَ النَكالِ بِناءً ومَعْنًى، لِأنَّكَ تَقُولُ: أعْذَبَ عَنِ الشَيْءِ: إذا أمْسَكَ عَنْهُ، كَما تَقُولُ: نَكِلَ عَنْهُ. والفَرْقُ بَيْنَ العَظِيمِ والكَبِيرِ، أنَّ العَظِيمَ يُقابِلُ الحَقِيرَ، والكَبِيرَ يُقابِلُ الصَغِيرَ، فَكَأنَّ العَظِيمَ فَوْقَ الكَبِيرِ، كَما أنَّ الحَقِيرَ دُونَ الصَغِيرِ، ويُسْتَعْمَلانِ في الجُثَثِ والأحْداثِ جَمِيعًا، تَقُولُ: رَجُلٌ عَظِيمٌ وكَبِيرٌ، تُرِيدُ: جُثَّتَهُ، أوْ خَطَرَهُ. ومَعْنى التَنْكِيرِ أنَّ عَلى أبْصارِهِمْ نَوْعًا مِنَ التَغْطِيَةِ غَيْرَ ما يَتَعارَفُهُ الناسُ، وهو غِطاءُ التَعامِي عَنْ آياتِ اللهِ، ولَهم مِن بَيْنِ الآلامِ العِظامِ نَوْعٌ عَظِيمٌ مِنَ العَذابِ، لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللهُ تَعالى.

2:8Page 3

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ ٨

And of the people are some who say, "We believe in Allāh and the Last Day," but they are not believers.

﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ افْتَتَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذِكْرِ (p-٤٧)الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ، وواطَأتْ فِيهِ قُلُوبُهم ألْسِنَتَهُمْ، ثُمَّ ثَنّى بِالكافِرِينَ قُلُوبًا وألْسِنَةً، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأفْواهِهِمْ، ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ، وهم أخْبَثُ الكَفَرَةِ، لِأنَّهم خَلَطُوا بِالكُفْرِ اسْتِهْزاءً وعِنادًا، ولِذا أنْزَلَ فِيهِمْ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ﴾ [النِساءُ: ١٤٥] وقالَ مُجاهِدٌ: أرْبَعُ آياتٍ مِن أوَّلِ السُورَةِ في نَعْتِ المُؤْمِنِينَ، وآيَتانِ في ذِكْرِ الكافِرِينَ، وثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً في المُنافِقِينَ، نَعى عَلَيْهِمْ فِيها مَكْرَهُمْ، وخُبْثَهُمْ، وسَفَهَهُمْ، واسْتَجْهَلَهُمْ، واسْتَهْزَأ بِهِمْ، وتَهَكَّمَ بِفِعْلِهِمْ، وسَجَّلَ بِطُغْيانِهِمْ، وعَمَهِهِمْ، ودَعاهم صُمًّا بُكْمًا عُمِيًّا، وضَرَبَ لَهُمُ الأمْثالُ الشَنِيعَةُ.

وَقِصَّةُ المُنافِقِينَ عَنْ آخِرِها مَعْطُوفَةٌ عَلى قِصَّةِ الَّذِينَ كَفَرُوا، كَما تُعْطَفُ الجُمْلَةُ عَلى الجُمْلَةِ. وأصْلُ ناسٍ: أُناسٌ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ تَخْفِيفًا، وحَذْفُها مَعَ لامِ التَعْرِيفِ كاللازِمِ، لا يَكادُ يُقالُ: الأُناسُ. ويَشْهَدُ لِأصْلِهِ: إنْسانٌ، وأناسِيُّ، وإنْسٌ. وسَمَّوْا بِهِ لِظُهُورِهِمْ، وأنَّهم يُؤْنِسُونَ، أيْ: يُبْصِرُونَ، كَما سُمِّيَ الجِنُّ لِاجْتِنانِهِمْ. ووَزْنُ ناسٍ فَعالٍ، لِأنَّ الزِنَةَ عَلى الأُصُولِ، فَإنَّكَ تَقُولُ: وزْنُ قِ افْعَلْ، ولَيْسَ مَعَكَ إلّا العَيْنُ. وهو مِن أسْماءِ الجَمْعِ، ولامُ التَعْرِيفِ فِيهِ لِلْجِنْسِ. ومَن مَوْصُوفَةٌ، ويَقُولُ: صِفَةٌ لَها، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ الناسِ ناسٌ يَقُولُونَ كَذا، وإنَّما خَصُّوا الإيمانَ بِاللهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ، وهو الوَقْتُ الَّذِي لا حَدَّ لَهُ، وهو الأبَدُ الدائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. وإنَّما سُمِّيَ بِالآخِرِ لِتَأخُّرِهِ عَنِ الأوْقاتِ المُنْقَضِيَةِ، أوِ الوَقْتِ المُحَدَّدِ مِنَ النُشُورِ إلى أنْ يَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النارِ النارَ، لِأنَّهم أوْهَمُوا في هَذا المَقالِ أنَّهم أحاطُوا بِجانِبَيِ الإيمانِ أوَّلِهِ وآخِرِهِ، وهَذا لِأنَّ حاصِلَ المَسائِلِ الِاعْتِقادِيَّةِ يَرْجِعُ إلى مَسائِلِ المَبْدَأِ، وهِيَ: العِلْمُ بِالصانِعِ وصِفاتِهِ وأسْمائِهِ، ومَسائِلِ المَعادِ، وهِيَ: العِلْمُ بِالنُشُورِ، والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، والصِراطِ، والمِيزانِ، وسائِرِ أحْوالِ الآخِرَةِ. وفي تَكْرِيرِ الباءِ إشارَةٌ إلى أنَّهُمُ ادَّعَوْا كُلَّ واحِدٍ مِنَ الإيمانَيْنِ عَلى صِفَةِ الصِحَّةِ والِاسْتِحْكامِ. إنَّما طابَقَ قَوْلَهُ: ﴿وَما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ -وَهُوَ في ذِكْرِ شَأْنِ الفاعِلِ لا الفِعْلِ- قَوْلَهُمْ: ﴿آمَنّا بِاللهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ وهو في ذِكْرِ شَأْنِ الفِعْلِ لا الفاعِلِ، لِأنَّ المُرادَ إنْكارُ ما ادَّعَوْهُ (p-٤٨)وَنَفْيُهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وهُوَ: إخْراجُ ذَواتِهِمْ مِن أنْ تَكُونَ طائِفَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ [المائِدَةُ: ٣٧] فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: وما يَخْرُجُونَ مِنها. وأطْلَقَ الإيمانَ في الثانِي بَعْدَ تَقْيِيدِهِ في الأوَّلِ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ التَقْيِيدُ، ويُتْرَكَ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ نَفْيُ أصْلِ الإيمانِ وفي ضِمْنِهِ نَفْيُ المَذْكُورِ أوَّلًا، والآيَةُ تَنْفِي قَوْلُ الكَرّامِيَّةِ: إنَّ الإيمانَ هو الإقْرارُ بِاللِسانِ لا غَيْرُ، لِأنَّهُ نَفى عَنْهُمُ اسْمَ الإيمانِ مَعَ وُجُودِ الإقْرارِ مِنهُمْ، وتُؤَيِّدُ قَوْلَ أهْلِ السُنَّةِ: إنَّهُ إقْرارٌ بِاللِسانِ وتَصْدِيقٌ بِالجَنانِ. ودَخَلَتِ الباءُ في خَبَرِ ما مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ، لِأنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِهِ السامِعُ عَلى الجَحْدِ إذا غَفَلَ عَنْ أوَّلِ الكَلامِ. ومِن مُوَحَّدِ اللَفْظِ، فَلِذا قِيلَ: يَقُولُ وجَمَعَ ﴿وَما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ نَظَرًا إلى مَعْناهُ.

2:9Page 3

يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٩

They [think to] deceive Allāh and those who believe, but they deceive not except themselves and perceive [it] not.

﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾ أيْ: رَسُولُ اللهِ، فَحَذَفَ المُضافُ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفُ: ٨٢] كَذا قالَهُ أبُو عَلِيٍّ -رَحِمَهُ اللهُ- وغَيْرُهُ، أيْ: يُظْهِرُونَ غَيْرَ ما في أنْفُسِهِمْ، فالخِداعُ: إظْهارُ غَيْرِ ما في النَفْسِ. وقَدْ رَفَعَ اللهُ مَنزِلَةَ النَبِيِّ ﷺ حَيْثُ جَعَلَ خِداعَهُ هو خِداعُهُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفَتْحُ: ١٠] وقِيلَ: مَعْناهُ: يُخادِعُونَ اللهَ في زَعْمِهِمْ، لِأنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ مِمَّنْ يَصِحُّ خِداعُهُ. وهَذا المِثالُ يَقَعُ كَثِيرًا لِغَيْرِ اثْنَيْنِ، نَحْوُ قَوْلِكَ: عاقَبْتُ اللِصَّ. وقَدْ قُرِئَ: (يَخْدَعُونَ اللهَ). وهو بَيانٌ لِيَقُولَ، أوْ مُسْتَأْنَفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولِمَ يَدَّعُونَ الإيمانَ كاذِبِينَ؟ وما مَنفَعَتُهم في ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾ ومَنفَعَتُهم في ذَلِكَ: مُتارَكَتُهم عَنِ المُحارَبَةِ الَّتِي كانَتْ مَعَ مَن سِواهم مِنَ الكُفّارِ، وإجْراءُ أحْكامِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، ونَيْلُهم مِنَ الغَنائِمِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. قالَ صاحِبُ "الوُقُوفِ": الوَقْفُ لازِمٌ عَلى ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّهُ لَوْ وصَلَ لَصارَ التَقْدِيرُ: وما هم بِمُؤْمِنِينَ مُخادِعِينَ، فَيْنَتَفِي الوَصْفُ، كَقَوْلِكَ: ما هو بِرَجُلٍ كاذِبٍ، والمُرادُ: نَفْيُ الإيمانِ عَنْهُمْ، وإثْباتُ الخِداعِ لَهم. ومَن جَعَلَ يُخادِعُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ فِي: يَقُولُ، والعامِلُ فِيها: يَقُولُ، والتَقْدِيرُ: يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ مُخادِعِينَ، أوْ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في بِمُؤْمِنِينَ، والعامِلُ فِيها اسْمُ الفاعِلِ، (p-٤٩)والتَقْدِيرُ: وما هم بِمُؤْمِنِينَ في حالِ خِداعِهِمْ، لا يَقِفُ. والوَجْهُ الأوَّلُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: يُخادِعُونَ رَسُولَ اللهِ والمُؤْمِنِينَ بِإظْهارِ الإيمانِ، وإضْمارِ الكُفْرِ ﴿وَما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: وما يُعامِلُونَ تِلْكَ المُعامَلَةَ المُشْبِهَةَ بِمُعامَلَةِ المُخادِعِينَ إلّا أنْفُسَهُمْ، لِأنَّ ضَرَرَها يَلْحَقُهُمْ، وحاصِلُ خِداعِهِمْ -وَهُوَ العَذابُ في الآخِرَةِ- يَرْجِعُ إلَيْهِمْ، فَكَأنَّهم خَدَعُوا أنْفُسَهم " وما يُخادِعُونَ " أبُو عَمْرٌو ونافِعٌ ومَكِّيٌّ لِلْمُطابَقَةِ. وعُذْرُ الأوَّلِينَ أنَّ خَدَعَ وخادَعَ هُنا- بِمَعْنًى واحِدٍ. والنَفْسُ: ذاتُ الشَيْءِ وحَقِيقَتُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِلْقَلْبِ والرُوحِ: النَفْسُ، لِأنَّ النَفْسَ بِهِما، ولِلدَّمِ نَفْسٌ، لِأنَّ قِوامَها بِالدَمِ، ولِلْماءِ نَفْسٌ لِفَرْطِ حاجَتِها إلَيْهِ. والمُرادُ بِالأنْفُسِ هاهُنا-: ذَواتُهم. والمَعْنى بِمُخادَعَتِهِمْ ذَواتِهُمْ، أنَّ الخِداعَ لاصِقٌ بِهِمْ، لا يَعْدُوهم إلى غَيْرِهِمْ ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أنَّ حاصِلَ خِداعِهِمْ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ. والشُعُورُ: عِلْمُ الشَيْءِ عِلْمُ حِسٍّ، مِنَ الشِعارِ، وهُوَ: ثَوْبٌ يَلِي الجَسَدَ. ومَشاعِرُ الإنْسانِ: حَواسُّهُ، لِأنَّها آلاتُ الشُعُورِ. والمَعْنى: أنَّ لُحُوقَ ضَرَرِ ذَلِكَ بِهِمْ كالمَحْسُوسِ، وهم لِتَمادِي غَفْلَتِهِمْ كالَّذِي لا حِسَّ لَهُ.

2:10Page 3

فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ١٠

In their hearts is disease, so Allāh has increased their disease;1 and for them is a painful punishment because they [habitually] used to lie.

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: شَكٌّ ونِفاقٌ، لِأنَّ الشَكَّ تَرَدُّدٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، والمُنافِقُ مُتَرَدِّدٌ. في الحَدِيثِ: « "مَثَلَ المُنافِقِ كَمَثَلِ الشاةِ العاثِرَةِ بَيْنَ الغَنْمَيْنِ". » والمَرِيضُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ، ولِأنَّ المَرَضَ ضِدُّ الصِحَّةِ، والفَسادُ يُقابِلُ الصِحَّةَ، فَصارَ المَرَضُ اسْمًا لِكُلِّ فَسادٍ، والشَكُّ والنِفاقُ فَسادٌ في القَلْبِ ﴿فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ أيْ: ضَعْفًا عَنِ الِانْتِصارِ، وعَجْزًا عَنِ الِاقْتِدارِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ خُلُقِ النِفاقِ في حالَةِ البَقاءِ بِخُلُقِ أمْثالِهِ، كَما عُرِفَ في زِيادَةِ الإيمانِ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَعَيْلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، أيْ: مُؤْلِمٍ ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ كُوفِيٌّ. أيْ: بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا بِاللهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَما مَعَ الفِعْلِ بِمَعْنى (p-٥٠)المَصْدَرِ. والكَذِبُ: الإخْبارُ عَنِ الشَيْءِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ " يَكْذِبُونَ " غَيْرَهُمْ، أيْ: بِتَكْذِيبِهِمُ النَبِيَّ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ. وقِيلَ: هو مُبالَغَةٌ في كَذَبَ، كَما بُولِغَ في صَدَقَ فَقِيلَ: صَدَّقَ، ونَظِيرُهُما: بانَ الشَيْءُ وبَيَّنَ.

2:11Page 3

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ١١

And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى: يَقُولُ آمَنّا، لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ومِنَ الناسِ مَن إذا قِيلَ لَهُمْ: ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ لَكانَ صَحِيحًا. والفَسادُ: خُرُوجُ الشَيْءِ عَنْ حالِ اسْتِقامَتِهِ وكَوْنِهِ مُنْتَفِعًا بِهِ، وضِدُّهُ: الصَلاحُ، وهُوَ: الحُصُولُ عَلى الحالِ المُسْتَقِيمَةِ النافِعَةِ، والفَسادُ في الأرْضِ: هِيَجُ الحُرُوبِ والفِتَنِ، لِأنَّ في ذَلِكَ فَسادَ ما في الأرْضِ، وانْتِفاءَ الِاسْتِقامَةِ عَنْ أحْوالِ الناسِ، والزُرُوعِ، والمَنافِعِ الدِينِيَّةِ والدُنْيَوِيَّةِ، وكانَ فَسادُ المُنافِقِينَ في الأرْضِ أنَّهم كانُوا يُمايِلُونَ الكُفّارَ، ويُمالِئُونَهم عَلى المُسْلِمِينَ بِإفْشاءِ أسْرارِهِمْ إلَيْهِمْ، وإغْرائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ مِمّا يُؤَدِّي إلى هِيَجِ الفِتَنِ بَيْنَهم ﴿قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ بَيَّنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ بِالمُداراةِ، يَعْنِي: أنَّ صِفَةَ المُصْلِحِينَ خَلَصَتْ لَنا، وتَمَحَّضَتْ مِن غَيْرِ شائِبَةِ قادِحٍ فِيها مَن وجْهٍ مِن وُجُوهِ الفَسادِ، لِأنَّ إنَّما لِقَصْرِ الحُكْمِ عَلى شَيْءٍ، أوْ لِقَصْرِ الشَيْءِ عَلى حُكْمٍ، كَقَوْلِكَ: إنَّما يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، وإنَّما زَيْدٌ كاتِبٌ. وما: كافَّةٌ، لِأنَّها تَكُفُّها عَنِ العَمَلِ.

2:12Page 3

أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ ١٢

Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.

﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم مُفْسِدُونَ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِلْعِلْمِ بِهِ. ألا: مُرَكَّبَةٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَرْفِ النَفْيِ، لِإعْطاءِ مَعْنى التَنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ ما بَعْدَها، والِاسْتِفْهامُ إذا دَخَلَ عَلى النَفْيِ أفادَ تَحْقَيِقًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ﴾ [القِيامَةُ: ٤٠]. ولِكَوْنِها في هَذا المَنصِبِ مِنَ التَحْقِيقِ لا تَقَعُ الجُمْلَةُ بَعْدَها إلّا مُصَّدَّرَةً بِنَحْوِ ما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ. وقَدْ رَدَّ اللهُ ما ادَّعَوْهُ مِنَ الِانْتِظامِ في جُمْلَةِ المُصْلِحِينَ أبْلَغَ رَدٍّ، وأدَلَّهُ عَلى سُخْطٍ عَظِيمٍ، والمُبالَغَةِ فِيهِ (p-٥١)مِن جِهَةِ الِاسْتِئْنافِ، وما في ألا وإنَّ مِنَ التَأْكِيدِ، وتَعْرِيفِ الخَبَرِ، وتَوْسِيطِ الفَصْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾

2:13Page 3

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣

And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.

﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ الناسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُفَهاءُ﴾ نَصَحُوهم مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَقْبِيحُ ما كانُوا عَلَيْهِ لِبُعْدِهِ عَنِ الصَوابِ وجَرِّهِ إلى الفَسادِ، وثانِيهِما: تَبْصِيرُهُمُ الطَرِيقَ الأسَدَّ مِنِ اتِّباعِ ذَوِي الأحْلامِ. فَكانَ مِن جَوابِهِمْ أنْ سَفَّهُوهم لِتَمادِي جَهْلِهِمْ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلْعالِمِ مِمّا يَلْقى مِنَ الجَهَلَةِ. وإنَّما صَحَّ إسْنادُ "قِيلَ" إلى "تُفْسِدُوا" و"آمِنُوا"، مَعَ أنَّ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفِعْلِ لا يَصِحُّ، لِأنَّهُ إسْنادٌ إلى لَفْظِ الفِعْلِ، والمُمْتَنِعُ إسْنادُ الفِعْلِ إلى مَعْنى الفِعْلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإذا قِيلَ لَهم هَذا القَوْلُ، ومِنهُ: زَعَمُوا مَطِيَّةُ الكَذِبِ، وما في "كَما": كافَّةٌ كَما في رُبَّما، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ كَما في ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ [التَوْبَةُ: ٢٥]. واللامُ في الناسِ لِلْعَهْدِ، أيْ: كَما آمَنَ الرَسُولُ ﷺ ومَن مَعَهُ، وهم ناسٌ مَعْهُودُونَ، أوْعَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ وأشْياعُهُ، أيْ: كَما آمَنَ أصْحابُكم وإخْوانُكُمْ، أوْ لِلْجِنْسِ، أيْ: كَما آمَنَ الكامِلُونَ في الإنْسانِيَّةِ، أوْ جُعِلَ المُؤْمِنُونَ كَأنَّهُمُ الناسُ عَلى الحَقِيقَةِ ومَن عَداهم كالبَهائِمِ. والكافُ في ﴿كَما آمَنَ﴾ في مَوْضِعِ النَصْبِ، لِأنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إيمانًا مِثْلَ إيمانِ الناسِ، ومِثْلُهُ ﴿كَما آمَنَ السُفَهاءُ﴾ والِاسْتِفْهامُ في ﴿أنُؤْمِنُ﴾ لِلْإنْكارِ. واللامُ في السُفَهاءِ مُشارٌ بِها إلى الناسِ. وإنَّما سَفَّهُوهم -وَهُمُ العُقَلاءُ المَراجِيحُ-، لِأنَّهم لِجَهْلِهِمُ اعْتَقَدُوا أنَّ ما هم فِيهِ هو الحَقُّ، وأنَّ ما عَداهُ باطِلٌ، ومَن رَكِبَ مَتْنَ الباطِلِ كانَ سَفِيهًا. والسَفَهُ: سَخافَةُ العَقْلِ، وخِفَّةُ الحِلْمِ ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم هُمُ السُفَهاءُ، وإنَّما ذَكَرَ هُنا- ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ وفِيما تَقَدَّمَ: ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ السَفَهَ، وهو جَهْلٌ، فَكانَ ذِكْرُ العِلْمِ مَعَهُ أحْسَنُ طِباقًا لَهُ، ولِأنَّ الإيمانَ يَحْتاجُ فِيهِ إلى نَظَرٍ واسْتِدْلالٍ حَتّى يَكْتَسِبَ الناظِرُ المَعْرِفَةَ. أمّا الفَسادُ في الأرْضِ فَأمْرٌ مَبْنِيٌّ (p-٥٢)عَلى العاداتِ، فَهو كالمَحْسُوسِ. و"السُفَهاءُ": خَبَرُ إنَّ. و"هُمْ": فَصْلٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ، و"السُفَهاءُ" خَبَرُ "هُمْ" والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ.

2:14Page 3

وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤

And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."

﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: (وَإذا لاقَوْا) يُقالُ: لَقِيتُهُ ولاقَيْتُهُ: إذا اسْتَقْبَلْتَهُ قَرِيبًا مِنهُ. الآيَةُ الأُولى في بَيانِ مَذْهَبِ المُنافِقِينَ والتَرْجَمَةِ عَنْ نِفاقِهِمْ، وهَذِهِ في بَيانِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، ولِقائِهِمْ بِوُجُوهِ المُصادَقِينَ، وإيهامِهِمْ أنَّهم مَعَهم ﴿وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ خَلَوْتُ بِفُلانٍ وإلَيْهِ: إذا انْفَرَدْتَ مَعَهُ، وبِإلى أبْلَغُ، لِأنَّ فِيهِ دَلالَةَ الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ، أيْ: إذا خَلَوْا مِنَ المُؤْمِنِينَ إلى شَياطِينِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن خَلا بِمَعْنى مَضى، و"شَياطِينُهُمْ": الَّذِينَ ماثَلُوا الشَياطِينَ في تَمَرُّدِهِمْ، وهُمُ اليَهُودُ. وعَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ نُونَ الشَياطِينِ أصْلِيَّةٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: تَشَيْطَنَ. وعَنْهُ: أنَّها زائِدَةٌ. واشْتِقاقُهُ مَن شَطَنَ: إذا بَعُدَ، لِبُعْدِهِ مِنَ الصَلاحِ والخَيْرِ، أوْ مِن شاطَ: إذا بَطَلَ، ومِن أسْمائِهِ: الباطِلُ ﴿قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ إنّا مُصاحِبُوكم ومُوافَقُوكم عَلى دِينِكم. وإنَّما خاطَبُوا المُؤْمِنِينَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وشَياطِينَهم بِالِاسْمِيَّةِ مُحَقَّقَةً بِإنَّ، لِأنَّهم في خِطابِهِمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ في ادِّعاءِ حُدُوثِ الإيمانِ مِنهُمْ، لا في ادِّعاءِ أنَّهم أوْحَدِيُّونَ في الإيمانِ، إمّا لِأنَّ أنْفُسَهم لا تُساعِدُهم عَلَيْهِ، إذْ لَيْسَ لَهم مِن عَقائِدِهِمْ باعِثٌ ومُحَرِّكٌ، وإمّا لِأنَّهُ لا يَرُوجُ عَنْهم لَوْ قالُوهُ عَلى لَفْظِ التَأْكِيدِ والمُبالَغَةِ. وكَيْفَ يَطْمَعُونَ في رَواجِهِ وهم بَيْنَ ظَهَرانَيِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وأمّا خِطابُهم مَعَ إخْوانِهِمْ فَقَدْ كانَ عَنْ رَغْبَةٍ، وقَدْ كانَ مُتَقَبَّلًا مِنهُمْ، رائِجًا عَنْهُمْ، فَكانَ مَظِنَّةً لِلتَّحْقِيقِ، ومَئِنَّةً لِلتَّأْكِيدِ.

﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ لِأنَّ مَعْناهُ: الثَباتُ عَلى اليَهُودِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ رَدٌّ لِلسَّلامِ، ودَفْعٌ لَهُ مِنهُمْ، لِأنَّ المُسْتَهْزِئَ بِالشَيْءِ، (p-٥٣)المُسْتَخِفَّ بِهِ، مُنْكِرٌ لَهُ، ودافِعٌ لِكَوْنِهِ مُعْتَدًّا بِهِ، ودَفْعُ نَقِيضِ الشَيْءِ تَأْكِيدٌ لِثَباتِهِ، أوِ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُمُ اعْتَرَضُوا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ، حِينَ قالُوا لَهُمْ: إنّا مَعَكم إنْ كُنْتُمْ مَعَنا فَلِمَ تُوافِقُونَ المُؤْمِنِينَ؟ فَقالُوا: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ والِاسْتِهْزاءُ: السُخْرِيَةُ والِاسْتِخْفافُ، وأصْلُ البابِ: الخِفَّةُ مِنَ الهُزْءِ، وهو القَتْلُ السَرِيعُ، وهَزَأ يَهْزَأُ: ماتَ عَلى المَكانِ.

2:15Page 3

ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥

[But] Allāh mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.

﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أيْ: يُجازِيهِمْ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ، فَسَمّى جَزاءَ الِاسْتِهْزاءِ بِاسْمِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُورى: ٤٠] ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَةُ: ١٩٤] فَسَمّى جَزاءَ السَيِّئَةِ سَيِّئَةً، وجَزاءَ الِاعْتِداءِ اعْتِداءً، وإنْ لَمْ يَكُنِ الجَزاءُ سَيِّئَةً واعْتِداءً، وهَذا لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ لا يَجُوزُ عَلى اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ الحَقِيقَةُ، لِأنَّهُ مِن بابِ العَبَثِ، وتَعالى عَنْهُ. قالَ الزَجّاجُ: هو الوَجْهُ المُخْتارُ. واسْتِئْنافُ قَوْلِهِ: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ مِن غَيْرِ عَطْفٍ، في غايَةِ الجَزالَةِ والفَخامَةِ، وفِيهِ أنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي يَسْتَهْزِئُ بِهِمُ الِاسْتِهْزاءَ الأبْلَغَ، الَّذِي لَيْسَ اسْتِهْزاؤُهم إلَيْهِ بِاسْتِهْزاءٍ، لِما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ النَكالِ والذُلِّ والهَوانِ، ولَمّا كانَتْ نِكاياتُ اللهِ وبَلاياهُ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ساعَةً فَساعَةً قِيلَ: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلِ: اللهُ مُسْتَهْزِئٌ بِهِمْ، لِيَكُونَ طِبْقًا لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ أيْ: يُمْهِلُهم. عَنِ الزَجّاجِ: ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ في غُلُوِّهِمْ في كُفْرِهِمْ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ حالٌ، أيْ: يَتَحَيَّرُونَ ويَتَرَدَّدُونَ. وهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في مَسْألَةِ الأصْلَحِ.

2:16Page 3

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٦

Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.

﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى﴾ أيِ: اسْتَبْدَلُوها بِهِ، واخْتارُوها عَلَيْهِ. وإنَّما قالَ: ﴿اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى﴾ ولَمْ يَكُونُوا عَلى هُدًى، لِأنَّها في قَوْمٍ آمِنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، أوْ في اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا جاءَهم كَفَرُوا بِهِ، أوْ جُعِلُوا لِتَمَكُّنِهِمْ مِنهُ كَأنَّ الهُدى قائِمٌ فِيهِمْ، فَتَرَكُوهُ بِالضَلالَةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ البَيْعِ تَعاطِيًا، لِأنَّهم لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِلَفْظِ الشِراءِ، ولَكِنْ تَرَكُوا الهُدى بِالضَلالَةِ عَنِ اخْتِيارٍ، وسُمِّيَ ذَلِكَ (p-٥٤)شِراءً، فَصارَ دَلِيلًا لَنا عَلى أنَّ مَن أخَذَ شَيْئًا مِن غَيْرِهِ، وتَرَكَ عَلَيْهِ عِوَضَهُ بِرِضاهُ، فَقَدِ اشْتَراهُ وإنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، والضَلالَةُ: الجَوْرُ عَنِ القَصْدِ، وفَقْدُ الِاهْتِداءِ. يُقالُ: ضَلَّ مُنْزِلَهُ، فاسْتُعِيرَ لِلذَّهابِ عَنِ الصَوابِ في الدِينِ ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ الرِبْحُ: الفَضْلُ عَلى رَأْسِ المالِ، والتِجارَةُ: صِناعَةُ التاجِرِ، وهو الَّذِي يَبِيعُ ويَشْتَرِي لِلرِّبْحِ. وإسْنادُ الرِبْحِ إلى التِجارَةِ مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، ومَعْناهُ: فَما رَبِحُوا في تِجارَتِهِمْ، إذِ التِجارَةُ لا تُرْبَحُ. ولَمّا وقَعَ شِراءُ الضَلالَةِ بِالهُدى مَجازًا أتْبَعَهُ ذِكْرَ الرِبْحِ والتِجارَةِ تَرْشِيحًا لَهُ، كَقَوْلِهِ:

؎ ولَمّا رَأيْتُ النَسْرَ عَزَّ ابْنَ دَأْيَةٍ ∗∗∗ وعَشَّشَ في وكْرَيْهِ جاشَ لَهُ صَدْرِي

لِما شَبَّهَ الشَيْبَ بِالنَسْرِ والشَعْرَ الفاحِمَ بِالغُرابِ، أتْبَعَهُ ذِكْرَ التَعْشِيشِ والوَكْرِ ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ لِطَرِيقِ التِجارَةِ، كَما يَكُونُ التُجّارُ المُتَصَرِّفُونَ العالِمُونَ بِما يَرْبَحُ فِيهِ ويَخْسَرُ. والمَعْنى: إنَّ مَطْلُوبَ التُجّارِ سَلامَةُ رَأْسِ المالِ والرِبْحُ، وهَؤُلاءِ قَدْ أضاعُوهُما، فَرَأْسُ مالِهِمُ الهُدى، ولَمْ يَبْقَ لَهم مَعَ الضَلالَةِ، وإذا لَمْ يَبْقَ لَهم إلّا الضَلالَةُ لَمْ يُوصَفُوا بِإصابَةِ الرِبْحِ، وإنْ ظَفِرُوا بِالأغْراضِ الدُنْيَوِيَّةِ، لِأنَّ الضالَّ خاسِرٌ، ولِأنَّهُ لا يُقالُ لِمَن لَمْ يَسْلَمْ لَهُ رَأْسُ مالِهِ: قَدْ رَبِحَ. وقِيلَ: الَّذِينَ: صِفَةُ أُولَئِكَ، و﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ في مَحَلِّ الرَفْعِ خَبَرُ "أُولَئِكَ".

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском