An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:128–145
2:128Page 20
رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨
Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites [of worship] and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of Repentance, the Merciful.
﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ مُخْلِصَيْنِ لَكَ أوْجُهَنا، مِن قَوْلِهِ: ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البَقَرَةُ: ١١٢]. أوْ مُسْتَسْلِمَيْنِ، يُقالُ: أسْلَمَ لَهُ، واسْتَسْلَمَ: إذا خَضَعَ، وأذْعَنَ. والمَعْنى: زِدْنا إخْلاصًا، وإذْعانًا لَكَ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنا﴾ واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِنا ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ومَن لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلنَّبِيِّينَ. وقِيلَ: أرادَ بِالأُمَّةِ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ. وإنَّما خَصّا بِالدُعاءِ ذَرِّيَّتَهُما، لِأنَّهم أوْلى بِالشَفَقَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التَحْرِيمُ: ٦] ﴿وَأرِنا مَناسِكَنا﴾ مَنقُولٌ مِن رَأى، بِمَعْنى: أبْصَرَ، أوْ عَرَفَ، ولِذا لَمْ يَتَجاوَزْ مَفْعُولَيْنِ، أيْ: وبَصِّرْنا مُتَعَبَّداتِنا في الحَجِّ، أوْ عَرِّفْناها، وواحِدُ المَناسِكِ: مَنسَكٌ، بِفَتْحِ السِينِ وكَسْرِها، وهو المُتَعَبَّدُ، ولِهَذا قِيلَ لِلْعابِدِ: ناسِكٌ. (وَأرْنا) مَكِّيٌّ، قاسَهُ عَلى فَخْذٍ في فَخِذٍ. وأبُو عَمْرٍو يُشِمُّ الكَسْرَةَ.
﴿وَتُبْ عَلَيْنا﴾ ما فَرَطَ مِنّا مِنَ التَقْصِيرِ، أوِ اسْتِتابًا لِذَرِّيَّتِهِما ﴿إنَّكَ أنْتَ التَوّابُ الرَحِيمُ﴾
2:129Page 20
رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٢٩
Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might,1 the Wise."
﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ في الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ ﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ مِن أنْفُسِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ فِيهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ. قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى، ورُؤْيا أُمِّي". » أيْ: إنَّ آمِنَةَ رَأتْ أنَّهُ خَرَجَ مِنها نُورٌ مَلَأ مَكَّةَ.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ، ويُبَلِّغُهم ما تُوحِي إلَيْهِ مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِكَ، (p-١٣١)وَصِدْقِ أنْبِيائِكَ ورُسُلِكَ.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ القُرْآنَ،
﴿والحِكْمَةَ﴾ السُنَّةَ، وفَهْمَ القُرْآنِ،
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ويُطَهِّرُهم مِنَ الشِرْكِ وسائِرِ الأرْجاسِ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا يُغْلَبُ ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما أوْلَيْتَ.
2:130Page 20
وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٣٠
And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.
﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى: الجَحْدِ، وإنْكارِ أنْ يَكُونَ في العُقَلاءِ مَن يَرْغَبُ عَنِ الحَقِّ الواضِحِ، الَّذِي هو مِلَّةُ إبْراهِيمَ، والمِلَّةُ: السُنَّةُ والطَرِيقَةُ، كَذا عَنِ الزَجّاجِ: ﴿إلا مَن﴾ في مَحَلِّ الرَفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في يَرْغَبُ، وصَحَّ البَدَلُ، لِأنَّ مَن يَرْغَبُ غَيْرُ مُوجَبٍ، كَقَوْلِكَ: هَلْ جاءَكَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ؟! والمَعْنى: وما يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أيْ: جَهِلَ نَفْسَهُ، أيْ: لَمْ يُفَكِّرْ في نَفْسِهِ، فَوَضَعَ "سَفِهَ" مَوْضِعَ "جَهِلَ"، وعُدِّيَ كَما عُدِّيَ، أوْ مَعْناهُ: سَفِهَ في نَفْسِهِ، فَحُذِفَ فِي، كَما حُذِفَ "مِن" في قَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعْرافُ: ١٥٥] أيْ: مِن قَوْمِهِ، و"عَلى" في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِكاحِ﴾ [البَقَرَةُ: ٢٣٥] أيْ: عَلى عُقْدَةِ النِكاحِ. والوَجْهانِ عَنِ الزَجّاجِ، وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَمْيِيزِ، وهو ضَعِيفٌ لِكَوْنِهِ مَعْرِفَةً ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ بَيانٌ لِخَطَأِ رَأْيِ مَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ، لِأنَّ مَن جَمَعَ كَرامَةَ الدارَيْنِ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أوْلى بِالرَغْبَةِ في طَرِيقَتِهِ مِنهُ.
2:131Page 20
إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٣١
When his Lord said to him, "Submit," he said, "I have submitted [in Islām]1 to the Lord of the worlds."
﴿إذْ قالَ﴾ ظَرْفٌ لِاصْطَفَيْناهُ، أوِ انْتَصَبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ، كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ، لِتَعْلَمَ أنَّهُ المُصْطَفى الصالِحُ، الَّذِي لا يُرْغَبُ مِن مِلَّةِ مِثْلِهِ.
﴿لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾ أذْعِنْ، أوْ أطِعْ، أوْ أخْلِصْ دِينَكَ لِلَّهِ ﴿قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: أخْلَصْتُ، أوِ انْقَدْتُ.
2:132Page 20
وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٣٢
And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allāh has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."
﴿وَوَصّى﴾ (وَأوْصى) مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ.
﴿بِها﴾ بِالمِلَّةِ، أوْ بِالكَلِمَةِ، وهي ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، داخِلٌ في حُكْمِهِ، والمَعْنى: ووَصّى بِها يَعْقُوبُ بَنِيهِ أيْضًا ﴿يا بَنِيَّ﴾ (p-١٣٢)عَلى إضْمارِ القَوْلِ ﴿إنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِينَ﴾ أيْ: أعْطاكُمُ الدِينَ الَّذِي هو صَفْوَةُ الأدْيانِ، وهو دِينُ الإسْلامِ، ووَفَّقَكم لِلْأخْذِ بِهِ.
﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فَلا يَكُنْ مَوْتُكم إلّا عَلى حالِ كَوْنِكم ثابِتِينَ عَلى الإسْلامِ، فالنَهْيُ في الحَقِيقَةِ عَنْ كَوْنِهِمْ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ إذا ماتُوا، كَقَوْلِكَ: لا تُصَلِّ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، فَلا تَنْهاهُ عَنِ الصَلاةِ، ولَكِنْ عَنْ تَرْكِ الخُشُوعِ في صَلاتِهِ.
2:133Page 20
أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٣
Or were you witnesses when death approached Jacob, when he said to his sons, "What will you worship after me?" They said, "We will worship your God and the God of your fathers, Abraham and Ishmael and Isaac - one God.1 And we are Muslims [in submission] to Him."
﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ "أوْ" مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها الإنْكارُ. والشُهَداءُ: جَمْعُ شَهِيدٍ، بِمَعْنى: الحاضِرِ، أيْ: ما كُنْتُمْ حاضِرِينَ يَعْقُوبَ -عَلَيْهِ السَلامُ- إذْ حَضَرَهُ المَوْتُ، أيْ: حِينَ احْتُضِرَ. والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، بِمَعْنى: ما شَهِدْتُمْ ذَلِكَ، وإنَّما حَصَلَ لَكُمُ العِلْمُ بِهِ مِن طَرِيقِ الوَحْيِ، أوْ مُتَّصِلَةٌ، ويُقَدَّرُ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، والخِطابُ لِلْيَهُودِ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ما ماتَ نَبِيٌّ إلّا عَلى اليَهُودِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أتَدَّعُونَ عَلى الأنْبِياءِ اليَهُودِيَّةَ؟ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ؟! ﴿إذْ قالَ﴾ بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى، والعامِلُ فِيهِما شُهَداءُ، أوْ ظَرْفٌ لِحَضَرَ.
﴿لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ "ما" اسْتِفْهامٌ في مَحَلِّ النَصْبِ بِـ "تَعْبُدُونَ"، أيْ: أيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ، و"ما" عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ، أوْ هو سُؤالٌ عَنْ صِفَةِ المَعْبُودِ، كَما تَقُولُ: ما زَيْدٌ تُرِيدُ أفَقِيهٌ أمْ طَبِيبٌ ؟ ﴿مِن بَعْدِي﴾ مِن بَعْدِ مَوْتِي ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ﴾ أُعِيدَ ذِكْرُ الإلَهِ، لِئَلّا يُعْطَفَ عَلى الضَمِيرِ المَجْرُورِ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ ﴿إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِآبائِكَ، وجُعِلَ إسْماعِيلُ مِن جُمْلَةِ آبائِهِ، وهو عَمُّهُ، لِأنَّ العَمَّ أبٌ. قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في العَبّاسِ: « "هَذا بَقِيَّةُ آبائِي". »﴿إلَهًا واحِدًا﴾ بَدَلٌ مِن إلَهِ آبائِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿بِالناصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾ [العَلَقُ: ١٥- ١٦] أوْ نَصْبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، أيْ: نُرِيدُ بِإلَهِ آبائِكَ إلَهًا واحِدًا.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (p-١٣٣)حالٌ مِن فاعِلِ نَعْبُدُ، أوْ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى نَعْبُدُ، أوْ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ.
2:134Page 20
تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٤
That was a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.
﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأُمَّةِ المَذْكُورَةِ، الَّتِي هي إبْراهِيمُ ويَعْقُوبُ وبَنُوهُما المُوَحِّدُونَ ﴿أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ مَضَتْ ﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ أيْ: إنَّ أحَدًا لا يَنْفَعُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ، مُتَقَدِّمًا كانَ أوْ مُتَأخِّرًا، فَكَما أنَّ أُولَئِكَ لا يَنْفَعُهم إلّا ما اكْتَسَبُوا، فَكَذَلِكَ أنْتُمْ لا يَنْفَعُكم إلّا ما اكْتَسَبْتُمْ، وذَلِكَ لِافْتِخارِهِمْ بِآبائِهِمْ ﴿وَلا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ولا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّآتِهِمْ.
2:135Page 21
وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٣٥
They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."1
﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ أيْ: قالَتِ اليَهُودُ: كُونُوا هُودًا، وقالَتِ النَصارى: كُونُوا نَصارى ﴿تَهْتَدُوا﴾ جَزْمٌ، لِأنَّهُ جَوابُ الأمْرِ.
﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، نَحْوُ: رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً. والحَنِيفُ: المائِلُ عَنْ كُلِّ دِينٍ باطِلٍ إلى دِينِ الحَقِّ،
﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ، لِأنَّ كُلًّا مِنهم يَدَّعِي اتِّباعَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وهو عَلى الشِرْكِ.
2:136Page 21
قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٦
Say, [O believers], "We have believed in Allāh and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants [al-Asbāṭ]1 and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."
﴿قُولُوا﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ لِلْكافِرِينَ، أيْ: قُولُوا لِتَكُونُوا عَلى الحَقِّ، وإلّا فَأنْتُمْ عَلى الباطِلِ.
﴿آمَنّا بِاللهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا﴾ أيِ: القُرْآنِ.
﴿وَما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ السِبْطُ: الحافِدُ. وكانَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ سِبْطَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. والأسْباطُ: حَفَدَةُ يَعْقُوبَ ذَرارِيُّ أبْنائِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، ويُعَدّى أنْزَلَ ِبِإلى وعَلى، فَلِذا ورَدَ هُنا بِإلى، وفى آلِ عِمْرانَ بِعَلى ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: لا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَصارى، و"أحَدٍ" في مَعْنى الجَماعَةِ، ولِذا صَحَّ دُخُولُ بَيْنَ عَلَيْهِ ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ لِلَّهِ مُخْلِصُونَ.
(p-١٣٤)
2:137Page 21
فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧
So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allāh will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.
﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ظاهِرُ الآيَةِ مُشْكِلٌ، لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى مِثْلٌ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، ومِثْلُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: فَإنْ آمَنُوا إيمانًا مِثْلَ إيمانِكُمْ، والهاءُ يَعُودُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وزِيادَةُ الباءِ غَيْرُ عَزِيزٍ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ [يُونُسُ: ٢٧] والتَقْدِيرُ: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها، كَقَوْلِهِ: في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُورى: ٤٠]. وقِيلَ: المِثْلُ: زِيادَةٌ، أيْ: فَإنْ آمَنُوا بِما آمَنتُمْ بِهِ، يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: (بِما آمَنتُمْ بِهِ) و"ما" بِمَعْنى الَّذِي، بِدَلِيلِ قِراءَةِ أُبَيٍّ: (بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ). وقِيلَ: الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ، كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، أيْ: فَإنْ دَخَلُوا في الإيمانِ بِشَهادَةٍ مِثْلِ شَهادَتِكُمُ الَّتِي آمَنتُمْ بِها ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَمّا تَقُولُونَ لَهُمْ، ولَمْ يُنْصِفُوا، أوْ إنْ تَوَلَّوْا عَنِ الشَهادَةِ والدُخُولِ في الإيمانِ بِها ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ أيْ: فَما هم إلّا في خِلافٍ وعَداوَةٍ، ولَيْسُوا مِن طَلَبِ الحَقِّ في شَيْءٍ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ ضَمانٌ مِنَ اللهِ لِإظْهارِ رَسُولِهِ عَلَيْهِمْ. وقَدْ أنْجَزَ وعْدَهُ بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ، وإجْلاءِ بَعْضٍ، ومَعْنى السِينِ: أنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وإنْ تَأخَّرَ إلى حِينٍ ﴿وَهُوَ السَمِيعُ﴾ لِما يَنْطِقُونَ بِهِ ﴿العَلِيمُ﴾ بِما يُضْمِرُونَ مِنَ الحَسَدِ والغِلِّ، وهو مُعاقِبُهم عَلَيْهِ، فَهو وعِيدٌ لَهم. أوْ وعْدٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أيْ: يَسْمَعُ ما تَدْعُو بِهِ، ويَعْلَمُ نِيَّتَكَ، وما تُرِيدُهُ مِن إظْهارِ دِينِ الحَقِّ، وهو مُسْتَجِيبٌ لَكَ، ومُوَصِّلُكَ إلى مُرادِكَ.
2:138Page 21
صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ ١٣٨
[And say, "Ours is] the religion of Allāh. And who is better than Allāh in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."
﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ دِينَ اللهِ، وهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُنْتَصِبٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللهِ﴾ [البَقَرَةُ: ٨] وهي فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ، كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَبْغُ، والمَعْنى: تَطْهِيرُ اللهِ، لِأنَّ الإيمانَ يُطَهِّرُ النُفُوسَ، والأصْلُ فِيهِ: أنَّ النَصارى كانُوا يَغْمِسُونَ أوْلادَهم في ماءٍ أصْفَرَ، يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ، ويَقُولُونَ: هو تَطْهِيرٌ لَهُمْ، فَإذا فَعَلَ الواحِدُ مِنهم بِوَلَدِهِ ذَلِكَ قالَ: الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا، فَأمَرَ المُسْلِمُونَ بِأنْ يَقُولُوا لَهُمْ: آمَنّا بِاللهِ، وصَبَغَنا اللهُ (p-١٣٥)بِالإيمانِ صِبْغَتَهُ، ولَمْ نُصْبَغْ صِبْغَتَكم. وجِيءَ بِلَفْظِ الصِبْغَةِ لِلْمُشاكَلَةِ، كَقَوْلِكَ لِمَن يَغْرِسُ الأشْجارَ: اغْرِسْ كَما يَغْرِسُ فُلانٌ، تُرِيدُ: رَجُلًا يَصْطَنِعُ الكَرَمَ.
﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ تَمْيِيزٌ، أيْ: لا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ، يُرِيدُ: الدِينَ أوِ التَطْهِيرَ.
﴿وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى " آمِنًا بِاللهِ " وهَذا العَطْفُ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ داخِلٌ في مَفْعُولِ ﴿قُولُوا آمَنّا﴾ أيْ: قُولُوا هَذا وهَذا،
﴿وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ ويَرُدُّ قَوْلَ مَن زَعَمَ أنَّ صِبْغَةَ اللهِ بَدَلٌ مِن " مِلَّة إبْراهِيمَ "، أوْ نَصْبٌ عَلى الإغْراءِ بِمَعْنى عَلَيْكم صِبْغَةَ اللهِ، لِما فِيهِ مِن فَكِّ النَظْمِ، وإخْراجِ الكَلامِ عَنِ التِئامِهِ، وانْتِصابُها عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ هو الَّذِي ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، والقَوْلُ ما قالَتْ حَذامِ.
2:139Page 21
قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ ١٣٩
Say, [O Muḥammad], "Do you argue with us about Allāh while He is our Lord and your Lord? For us are our deeds, and for you are your deeds. And we are sincere [in deed and intention] to Him."
﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللهِ﴾ أيْ: أتُجادِلُونَنا في شَأْنِ اللهِ، واصْطِفائِهِ النَبِيَّ مِنَ العَرَبِ دُونَكُمْ؟ وتَقُولُونَ: لَوْ أنْزَلَ اللهُ عَلى أحَدٍ لَأنْزَلَ عَلَيْنا؟ وتَرَوْنَكم أحَقَّ بِالنُبُوَّةِ مِنّا ﴿وَهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ نَشْتَرِكُ جَمِيعًا في أنَّنا عِبادُهُ، وهو رَبُّنا، وهو يُصِيبُ بِرَحْمَتِهِ وكَرامَتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴿وَلَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ يَعْنِي: أنَّ العَمَلَ هو أساسُ الأمْرِ، وكَما أنَّ لَكم أعْمالًا فَلَنا كَذَلِكَ.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أيْ: نَحْنُ لَهُ مُوَحِّدُونَ، نُخْلِصُهُ بِالإيمانِ وأنْتُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ. والمُخْلِصُ أحْرى بِالكَرامَةِ، وأوْلى بِالنُبُوَّةِ مِن غَيْرِهِ.
2:140Page 21
أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٠
Or do you say that Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants were Jews or Christians? Say, "Are you more knowing or is Allāh?" And who is more unjust than one who conceals a testimony1 he has from Allāh? And Allāh is not unaware of what you do.
﴿أمْ تَقُولُونَ﴾ بِالتاءِ: شامِيٌّ وكُوفِيٌّ، غَيْرَ أبِي بَكْرٍ. و"أمْ" عَلى هَذا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ في "أتُحاجُّونَنا" يَعْنِي: أيَّ الأمْرَيْنِ تَأْتُونَ: المُحاجَّةَ في حُكْمِ اللهِ، أمِ ادِّعاءَ اليَهُودِيَّةِ والنَصْرانِيَّةِ عَلى الأنْبِياءِ؟ أوْ مُنْقَطِعَةٌ، أيْ: بَلْ أتَقُولُونَ؟ يَقُولُونَ، غَيْرُهم بِالياءِ. وعَلى هَذا لا تَكُونُ الهَمْزَةُ إلّا مُنْقَطِعَةً.
﴿إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ (p-١٣٦)يَقُولُ: مُسْتَفْهِمًا، رادًّا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللهُ﴾ يَعْنِي: أنَّ اللهَ شَهِدَ لَهم بِمِلَّةِ الإسْلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٦٧] ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ أيْ: كَتَمَ شَهادَةَ اللهِ الَّتِي عِنْدَهُ أنَّهُ شَهِدَ بِها، وهي شَهادَةُ اللهِ لِإبْراهِيمَ بِالحَنِيفِيَّةِ. والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الكِتابِ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُمْ، لِأنَّهم كَتَمُوا هَذِهِ الشَهادَةَ وهم عالِمُونَ بِها، أوْ أنّا لَوْ كَتَمْنا هَذِهِ الشَهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أظْلَمَ مِنّا فَلا نَكْتُمُها. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكِتْمانِهِمْ شَهادَةَ اللهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِالنُبُوَّةِ في كُتُبِهِمْ وسائِرِ شَهاداتِهِ. و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللهِ﴾ مِثْلُها في قَوْلِكَ: هَذِهِ شَهادَةٌ مِنِّي لِفُلانٍ، إذا شَهِدْتَ لَهُ، في أنَّها صِفَةٌ لَها.
﴿وَما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ مِن تَكْذِيبِ الرُسُلِ وكِتْمانِ الشَهادَةِ.
2:141Page 21
تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤١
That is a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ كُرِّرَتْ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وبِالثانِي: أسْلافُ اليَهُودِ والنَصارى.
2:142Page 22
۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٤٢
The foolish among the people will say, "What has turned them away from their qiblah,1 which they used to face?"2 Say, "To Allāh belongs the east and the west. He guides whom He wills to a straight path."
﴿سَيَقُولُ السُفَهاءُ مِنَ الناسِ﴾ الخِفافُ الأحْلامِ، فَأصْلُ السَفَهِ: الخِفَّةُ وهُمُ اليَهُودُ لِكَراهَتِهِمُ التَوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ، وأنَّهم لا يَرَوْنَ النَسْخَ، أوِ المُنافِقُونَ لِحِرْصِهِمْ عَلى الطَعْنِ والِاسْتِهْزاءِ، أوِ المُشْرِكُونَ لِقَوْلِهِمْ: رَغِبَ عَنْ قِبْلَةِ آبائِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْها، واللهِ لِيَرْجِعَنَّ إلى دِينِهِمْ. وفائِدَةُ الإخْبارِ بِقَوْلِهِمْ قَبْلَ وُقُوعِهِ تَوْطِينُ النَفْسِ، إذِ المُفاجَأةُ بِالمَكْرُوهِ أشَدُّ، وإعْدادُ الجَوابِ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ أقْطَعُ لِلْخَصْمِ، فَقِيلَ الرَمْيُ يُراشُ السَهْمَ ﴿ما ولاهُمْ﴾ ما صَرَفَهم ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ يَعْنُونَ: بَيْتَ المَقْدِسِ. والقِبْلَةُ: الجِهَةُ الَّتِي يَسْتَقْبِلُها الإنْسانُ في الصَلاةِ، لِأنَّ المُصَلِّيَ يُقابِلُها.
﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ أيْ: بِلادُ الشَرْقِ والمَغْرِبِ والأرْضُ كُلُّها لَهُ.
﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ مِن أهْلِها ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ طَرِيقٍ مُسْتَوٍ، أيْ: يُرْشَدُ مَن يَشاءُ إلى قِبْلَةِ الحَقِّ، وهي الكَعْبَةُ الَّتِي أمَرَنا بِالتَوَجُّهِ (p-١٣٧)إلَيْها. أوِ الأماكِنُ كُلُّها لِلَّهِ، فَيَأْمُرُ بِالتَوَجُّهِ إلى حَيْثُ شاءَ، فَتارَةً إلى الكَعْبَةِ، وطَوْرًا إلى البَيْتِ المُقَدَّسِ، لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ المالِكُ وحْدَهُ.
2:143Page 22
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٤٣
And thus We have made you a median [i.e., just] community that you will be witnesses over the people and the Messenger will be a witness over you. And We did not make the qiblah which you used to face except that We might make evident who would follow the Messenger from who would turn back on his heels.1 And indeed, it is difficult except for those whom Allāh has guided. And never would Allāh have caused you to lose your faith [i.e., your previous prayers]. Indeed Allāh is, to the people, Kind and Merciful.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ العَجِيبِ جَعَلْناكم. فالكافُ: لِلتَّشْبِيهِ، وذا: جَرٌّ بِالكافِ، واللامُ: لِلْفَرْقِ بَيْنَ الإشارَةِ إلى القَرِيبِ والإشارَةِ إلى البَعِيدِ، والكافُ: لِلْخِطابِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
﴿أُمَّةً وسَطًا﴾ خِيارًا. وقِيلَ لِلْخِيارِ: وسَطٌ، لِأنَّ الأطْرافَ يَتَسارَعُ إلَيْها الخَلَلُ، والأوْساطُ مَحْمِيَّةٌ، أيْ: كَما جَعَلْتُ قِبْلَتَكم خَيْرَ القِبَلِ جَعَلْتُكم خَيْرَ الأُمَمِ، وعِلَّةُ الجَعْلِ أيْ: لِتَعْلَمُوا بِالتَأمُّلِ فِيما نُصِبَ لَكم مِنَ الحُجَجِ، وأنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ أنَّهُ تَعالى ما بَخِلَ عَلى أحَدٍ وما ظَلَمَ، بَلْ أوْضَحَ السُبُلَ، وأرْسَلَ الرُسُلَ فَبَلَّغُوا ونَصَحُوا، ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا حَمَلَهُمُ الشَقاءُ عَلى اتِّباعِ الشَهَواتِ، والإعْراضِ عَنِ الآياتِ فَتَشْهَدُونَ بِذَلِكَ عَلى مُعاصِرِيكم وعَلى الَّذِينَ قَبْلَكم وبَعْدَكم. أوْ عُدُولًا، لِأنَّ الوَسَطَ عَدْلٌ بَيْنَ الأطْرافِ، لَيْسَ إلى بَعْضِها أقْرَبُ مِن بَعْضٍ، أيْ: كَما جَعَلْنا قِبْلَتَكم مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا بَيْنَ الغُلُوِّ والتَقْصِيرِ، فَإنَّكم لَمْ تَغْلُوا غُلُوَّ النَصارى حَيْثُ وصَفُوا المَسِيحَ بِالأُلُوهِيَّةِ، ولَمْ تُقَصِّرُوا تَقْصِيرَ اليَهُودِ حَيْثُ وصَفُوا مَرْيَمَ بِالزِنا، وعِيسى بِأنَّهُ ولَدُ الزِنا ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ﴾ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِمَكانِ ألِفِ التَأْنِيثِ ﴿عَلى الناسِ﴾ صِلَةُ شُهَداءَ ﴿وَيَكُونَ الرَسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لِتَكُونُوا﴾ رُوِيَ أنَّ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ يَجْحَدُونَ تَبْلِيغَ الأنْبِياءِ، فَيُطالِبُ اللهُ الأنْبِياءَ البَيِّنَةَ عَلى أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا -وَهُوَ أعْلَمُ- فَيُؤْتى بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَشْهَدُونَ، فَيَقُولُ الأُمَمُ: مِن أيْنَ عَرَفْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: عَلِمْنا ذَلِكَ بِإخْبارِ اللهِ تَعالى في كِتابِهِ الناطِقِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ الصادِقِ، فَيُؤْتى بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيُسْألُ عَنْ حالِ أُمَّتِهِ، فَيُزَكِّيهِمْ، ويَشْهَدُ بِعَدالَتِهِمْ. والشَهادَةُ قَدْ تَكُونُ بِلا مُشاهَدَةٍ، كالشَهادَةِ بِالتَسامُعِ في الأشْياءِ المَعْرُوفَةِ، ولَمّا كانَ الشَهِيدُ كالرَقِيبِ جِيءَ بِكَلِمَةِ الِاسْتِعْلاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائِدَةُ: ١١٧] وقِيلَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ﴾ في الدُنْيا فِيما لا يَصِحُّ إلّا بِشَهادَةِ العُدُولِ (p-١٣٨)الأخْيارِ ﴿وَيَكُونَ الرَسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ يُزَكِّيكُمْ، ويَعْلَمُ بِعَدالَتِكم. واسْتَدَلَّ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ -رَحِمَهُ اللهُ- بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ، لِأنَّ اللهَ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالعَدالَةِ، والعَدْلُ: هو المُسْتَحِقُّ لِلشَّهادَةِ وقَبُولِها. فَإذا اجْتَمَعُوا عَلى شَيْءٍ، وشَهِدُوا بِهِ لَزِمَ قَبُولُهُ. وأُخِّرَتْ صِلَةُ الشَهادَةِ أوَّلًا وقُدِّمَتْ آخِرًا، لِأنَّ المُرادَ في الأوَّلِ إثْباتُ شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ، وفي الآخِرِ اخْتِصاصُهم بِكَوْنِ الرَسُولِ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أيْ: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ﴾ الجِهَةَ ﴿كُنْتَ عَلَيْها﴾ وهي الكَعْبَةُ. فالَّتِي كُنْتَ عَلَيْها لَيْسَتْ بِصِفَةٍ لِلْقِبْلَةِ، بَلْ هي ثانِي مَفْعُولَيْ جَعَلَ. رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ إلى الكَعْبَةِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالصَلاةِ إلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، تَأْلِيفًا لِلْيَهُودِ، ثُمَّ حُوِّلَ إلى الكَعْبَةِ. » [وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ نَسْخِ السُنَّةِ بِالكِتابِ بِخِلافِ ما يَقُولُهُ الشافِعِيُّ، لِأنَّ التَوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ثَبَتَ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ وقَدْ نُسِخَ بِالكِتابِ] ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ أيْ: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ﴾ الَّتِي تُحِبُّ أنْ تَسْتَقْبِلَها، الجِهَةَ ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أوَّلًا بِمَكَّةَ، إلّا امْتِحانًا لِلنّاسِ وابْتِلاءً، لِنَعْلَمَ الثابِتَ عَلى الإسْلامِ الصادِقَ فِيهِ مِمَّنْ هو عَلى حَرْفٍ يَنْكِصُ ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾ لِقَلَقِهِ يَرْجِعُ فَيَرْتَدُّ عَنِ الإسْلامِ عِنْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ. قالَ الشَيْخُ أبُو مَنصُورٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أيْ: لِنَعْلَمَ كائِنًا أوْ مَوْجُودًا ما قَدْ عَلِمْناهُ أنَّهُ يَكُونُ ويُوجَدُ. فاللهُ تَعالى عالِمٌ في الأزَلِ بِكُلِّ ما أرادَ وُجُودَهُ، أنَّهُ يُوجَدُ في الوَقْتِ الَّذِي شاءَ وُجُودَهُ فِيهِ. ولا يُوصَفُ بِأنَّهُ عالِمٌ في الأزَلِ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ كائِنٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ في الأزَلِ فَكَيْفَ يَعْلَمُهُ مَوْجُودًا؟ فَإذا صارَ مَوْجُودًا يَدْخُلُ تَحْتَ عِلْمِهِ الأزَلِيِّ فَيَصِيرُ مَعْلُومًا لَهُ مَوْجُودًا كائِنًا. والتَغَيُّرُ عَلى المَعْلُومِ لا عَلى العِلْمِ. أوْ لِتُمَيِّزِ التابِعِ مِنَ الناكِصِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَيِّبِ﴾ [الأنْفالُ: ٣٧] فَوُضِعَ العِلْمُ مَوْضِعَ التَمَيُّزِ، لِأنَّ العِلْمَ بِهِ يَقَعُ التَمَيُّزُ، أوْ لِيَعْلَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ. وإنَّما أسْنَدَ عِلْمَهم إلى ذاتِهِ، لِأنَّهم (p-١٣٩)خَواصُّهُ، أوْ هو عَلى مُلاطَفَةِ الخِطابِ لِمَن لا يَعْلَمُ، كَقَوْلِكَ لِمَن يُنْكِرُ ذَوْبَ الذَهَبِ: فَلْنُلْقِهِ في النارِ لِنَعْلَمَ أيَذُوبُ؟ ﴿وَإنْ كانَتْ﴾ أيِ:التَحْوِيلَةُ، أوِ الجَعْلَةُ، أوِ القِبْلَةُ. وإنْ هي المُخَفَّفَةُ ﴿لَكَبِيرَةً﴾ أيْ: ثَقِيلَةٌ شاقَّةٌ، وهي خَبَرُ كانَ، واللامُ فارِقَةٌ.
﴿إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللهُ﴾ أيْ: هَداهُمُ اللهُ، فَحَذَفَ العائِدَ، أيْ: إلّا عَلى الثابِتِينَ الصادِقِينَ في اتِّباعِ الرَسُولِ ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ أيْ: صَلاتُكم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، سَمّى الصَلاةَ إيمانًا، لِأنَّ وُجُوبَها عَلى أهْلِ الإيمانِ، وقَبُولِها مِن أهْلِ الإيمانِ، وأداؤُها فى الجَماعَةِ دَلِيلُ الإيمانِ، لَمّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى الكَعْبَةِ قالُوا: كَيْفَ بِمَن ماتَ قَبْلَ التَحْوِيلِ مِن إخْوانِنا؟ فَنَزَلَتْ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنَّ اللهَ بِالناسِ لَرَءُوفٌ﴾ مَهْمُوزٌ مُشْبَعٌ، حِجازِيٌّ، وشامِيٌّ، وحَفْصٌ. (رَؤُفٌ) غَيْرُهم بِوَزْنِ فَعُلٍ، وهُما لِلْمُبالَغَةِ.
﴿رَحِيمٌ﴾ لا يُضِيعُ أُجُورَهُمْ، والرَأْفَةُ أشَدُّ مِنَ الرَحْمَةِ، وجَمَعَ بَيْنَهُما كَما في ﴿الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ [الفاتِحَةُ: ٣].
2:144Page 22
قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٤٤
We have certainly seen the turning of your face, [O Muḥammad], toward the heaven, and We will surely turn you to a qiblah with which you will be pleased. So turn your face [i.e., yourself] toward al-Masjid al-Ḥarām.1 And wherever you [believers] are, turn your faces [i.e., yourselves] toward it [in prayer]. Indeed, those who have been given the Scripture [i.e., the Jews and the Christians] well know that it is the truth from their Lord. And Allāh is not unaware of what they do.
﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَماءِ﴾ تَرَدُّدَ وجْهِكَ، وتَصَرُّفَ نَظَرِكَ في جِهَةِ السَماءِ. وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَقَّعُ مِن رَبِّهِ أنْ يُحَوِّلَهُ إلى الكَعْبَةِ مُوافَقَةً لِإبْراهِيمَ، ومُحالَفَةً لِلْيَهُودِ، ولِأنَّها أدْعى لِلْعَرَبِ إلى الإيمانِ، لِأنَّها مَفْخَرَتُهُمْ، ومَزارُهُمْ، ومَطافُهُمْ،
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فَلْنُعْطِيَنَّكَ، ولَنُمَكِّنَنَّكَ مِنِ اسْتِقْبالِها، مِن قَوْلِكَ: ولَّيْتُهُ كَذا: إذا جَعَلْتَهُ والياءُ لَهُ، أوْ فَلَنَجْعَلَنَّكَ تَلِي سَمْتَها دُونَ سَمْتِ بَيْتِ المَقْدِسِ.
﴿قِبْلَةً تَرْضاها﴾ تُحِبُّها، وتَمِيلُ إلَيْها لِأغْراضِكَ الصَحِيحَةِ الَّتِي أضْمَرْتَها، ووافَقَتْ مَشِيئَةَ اللهِ وحِكْمَتَهُ،
﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: نَحْوَهُ. وشَطْرَ: نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أيِ:اجْعَلْ تَوْلِيَةَ الوَجْهِ تِلْقاءَ المَسْجِدِ، أيْ: في جِهَتِهِ وسَمْتِهِ، لِأنَّ اسْتِقْبالَ عَيْنِ القِبْلَةِ مُتَعَسِّرٌ عَلى النائِي. وذِكْرُ المَسْجِدِ (p-١٤٠)الحَرامَ دُونَ الكَعْبَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الواجِبَ مُراعاةُ الجِهَةِ دُونَ العَيْنِ. رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ وجَّهَ إلى الكَعْبَةِ »﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ﴾ مِنَ الأرْضِ، وأرَدْتُمُ الصَلاةَ ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ﴾ أيِ: التَحْوِيلُ إلى الكَعْبَةِ هو الحَقُّ، لِأنَّهُ كانَ في بِشارَةِ أنْبِيائِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ يُصَلِّي إلى القِبْلَتَيْنِ.
﴿مِن رَبِّهِمْ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ بِالياءِ، مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وبِالتاءِ غَيْرُهم. فالأوَّلُ وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ بِالعِقابِ عَلى الجُحُودِ والإباءِ، والثانِي وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالثَوابِ عَلى القَبُولِ والأداءِ.
2:145Page 22
وَلَئِنۡ أَتَيۡتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٖ مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعٖ قِبۡلَةَ بَعۡضٖۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٥
And if you brought to those who were given the Scripture every sign, they would not follow your qiblah. Nor will you be a follower of their qiblah. Nor would they be followers of one another's qiblah. So if you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, indeed, you would then be among the wrongdoers.
﴿وَلَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أرادَ ذَوِي العِنادِ مِنهم ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ بُرْهانٍ قاطِعٍ أنَّ التَوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ هو الحَقُّ ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ لِأنَّ تَرْكَهُمُ اتِّباعَكَ لَيْسَ عَنْ شُبْهَةٍ تُزِيلُها بِإيرادِ الحُجَّةِ، إنَّما هو عَنْ مُكابَرَةٍ وعِنادٍ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِما في كُتُبِهِمْ مِن نَعْتِكَ أنَّكَ عَلى الحَقِّ، وجَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ سَدَّ مَسَدَّ جَوابَ الشَرْطِ.
﴿وَما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ حَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ، إذْ كانُوا اضْطَرَبُوا فى ذَلِكَ، وقالُوا: لَوْ ثَبَتَ عَلى قِبْلَتِنا لَكُنّا نَرْجُو أنْ يَكُونَ صاحِبَنا الَّذِي نَنْتَظِرُهُ، وطَمِعُوا في رُجُوعِهِ إلى قِبْلَتِهِمْ. ووُحِّدَتِ القِبْلَةُ وإنْ كانَ لَهم قِبْلَتانِ، فَلِلْيَهُودِ قِبْلَةٌ، ولِلنَّصارى قِبْلَةٌ، لِاتِّحادِهِمْ في البُطْلانِ.
﴿وَما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يَعْنِي: أنَّهم مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى مُخالَفَتِكَ، مُخْتَلِفُونَ في شَأْنِ القِبْلَةِ، لا يُرْجى اتِّفاقُهُمْ، كَما لا تُرْجى مُوافَقَتُهم لَكَ، فاليَهُودُ تَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، والنَصارى مَطْلَعَ الشَمْسِ.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ وُضُوحِ البُرْهانِ، والإحاطَةُ بِأنَّ القِبْلَةَ هي الكَعْبَةُ، وأنَّ دِينَ اللهِ هو (p-١٤١)الإسْلامِ ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ﴾ لَمِنَ المُرْتَكِبِينَ الظُلْمَ الفاحِشَ. وفي ذَلِكَ لُطْفٌ لِلسّامِعِينَ، وتَهْيِيجٌ لِلثَّباتِ عَلى الحَقِّ، وتَحْذِيرٌ لِمَن يَتْرُكُ الدَلِيلَ بَعْدَ إنارَتِهِ ويَتَّبِعُ الهَوى. وقِيلَ: الخِطابُ في الظاهِرِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ: أمَّتُهُ، ولَزِمَ الوَقْفُ عَلى ﴿الظالِمِينَ﴾ إذْ لَوْ وصَلَ لَصارَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences