An-NasafiAl‑Baqarah · 2:174–188

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:174–188

2:174Page 26

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤

Indeed, they who conceal what Allāh has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allāh will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.

وَنَزَلَ في رُؤَساءِ اليَهُودِ وتَغْيِيرِهِمْ نَعْتَ النَبِيِّ ﷺ، وأخْذِهِمْ عَلى ذَلِكَ الرِشا.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلَ اللهُ مِنَ الكِتابِ﴾ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: عِوَضًا، أوْ ذا ثَمَنٍ.

﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ﴾ مِلْءَ بُطُونِهِمْ، تَقُولُ: أكَلَ فُلانٌ في بَطْنِهِ، وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ،

﴿إلا النارَ﴾ لِأنَّهُ إذا أكَلَ ما يَتَلَبَّسُ بِالنارِ لِكَوْنِها عُقُوبَةً عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ أكَلَ النارَ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "أكَلَ فُلانٌ الدَمَ" إذا أكَلَ الدِيَةَ الَّتِي هي بَدَلٌ مِنهُ. قالَ:

؎ يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكافًا

أيْ: ثَمَنَ إكافٍ، فَسَمّاهُ إكافًا لِتَلَبُّسِهِ بِهِ بِكَوْنِهِ ثَمَنًا لَهُ ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ كَلامًا يَسُرُّهُمْ، ولَكِنْ بِنَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠٨] ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ ولا يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ ذُنُوبِهِمْ، أوْ لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ. والجُمَلُ الثَلاثُ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ "إنِّ"، فَقَدْ صارَ، لِـ "إنَّ" أرْبَعَةُ أخْبارٍ مِنَ الجُمَلِ.

2:175Page 26

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥

Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are for [i.e., in pursuit of] the Fire!

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ﴾ بِكِتْمانِ نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النارِ﴾ فَأيَّ شَيْءٍ أصْبَرَهم عَلى عَمَلٍ يُؤَدِّي إلى النارِ، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَوْبِيخُ.

(p-١٥٣)

2:176Page 26

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ١٧٦

That is [deserved by them] because Allāh has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ نَـزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابُ بِسَبَبِ أنَّ اللهَ نَزَّلَ ما نَزَّلَ مِنَ الكُتُبِ بِالحَقِّ ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ أيْ: أهْلَ الكِتابِ.

﴿فِي الكِتابِ﴾ هو لِلْجِنْسِ، أيْ: في كُتُبِ اللهِ، فَقالُوا في بَعْضِها حَقٌّ، وفي بَعْضِها باطِلٌ.

﴿لَفِي شِقاقٍ﴾ خِلافٍ ﴿بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ، أوْ كُفْرُهم ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ اللهَ نَزَّلَ القُرْآنَ بِالحَقِّ كَما يَعْلَمُونَ، وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ عَنِ الهُدى.

2:177Page 27

۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ١٧٧

Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allāh, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakāh; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.

﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا﴾ أيْ: لَيْسَ البِرَّ تَوْلِيَتُكم ﴿وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ، لِأنَّ قِبْلَةَ النَصارى مَشْرِقَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِبْلَةَ اليَهُودِ مَغْرِبَهُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَزْعُمُ أنَّ البِرَّ التَوَجُّهُ إلى قِبْلَتِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ البِرَّ لَيْسَ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ مَنسُوخٌ ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ﴾ بِرُّ ﴿مَن آمَنَ بِاللهِ﴾ أوْ ذا البِرِّ مَن آمَنَ، والقَوْلانِ عَلى حَذْفِ المُضافِ، والأوَّلُ أجْوَدُ، والبِرُّ: اسْمٌ لِلْخَيْرِ، ولِكُلِّ فِعْلٍ مَرْضِيٍّ، وقِيلَ: كَثُرَ خَوْضُ المُسْلِمِينَ وأهْلُ الكِتابِ في أمْرِ القِبْلَةِ، فَقِيلَ: لَيْسَ البِرُّ العَظِيمُ الَّذِي يَجِبُ أنْ تَذْهَلُوا بِشَأْنِهِ عَنْ سائِرِ صُنُوفِ البِرِّ أمْرَ القِبْلَةِ، ولَكِنَّ البِرَّ الَّذِي يَجِبُ الِاهْتِمامُ بِهِ بِرُّ مَن آمَنَ وقامَ بِهَذِهِ الأعْمالِ. (لَيْسَ البِرَّ) بِالنَصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ، واسْمُهُ (أنَّ تُوَلُّوا) حَمْزَةُ وحَفْصٌ، (وَلَكِنَّ البِرُّ) نافِعٌ وشامِيٌّ. وعَنِ المُبَرِّدِ لَوْ كُنْتُ مِمَّنْ يَقْرَأُ القُرْآنَ لَقَرَأْتُ، (وَلَكِنَّ البِرَّ). وقُرِئَ: (وَلَكِنَّ البارَّ).

﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: يَوْمَ البَعْثِ.

﴿والمَلائِكَةِ والكِتابِ﴾ أيْ: جِنْسِ كُتُبِ اللهِ، أوِ القُرْآنِ.

﴿والنَبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ أيْ: عَلى حُبِّ اللهِ، أوْ حُبِّ المالِ، أوْ حُبِّ الإيتاءِ، يُرِيدُ: أنْ يُعْطِيَهُ وهو طَيِّبُ النَفْسِ بِإعْطائِهِ ﴿ذَوِي القُرْبى﴾ أيِ:القَرابَةَ، وقَدَّمَهم لِأنَّهم أحَقُّ، قالَ ﷺ: « "صَدَقَتُكَ عَلى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وعَلى ذَوِي رَحِمِكَ صَدَقَةٌ (p-١٥٤)وَصِلَةٌ". » و﴿واليَتامى﴾ والمُرادُ: الفُقَراءُ مِن ذَوِي القُرْبى واليَتامى، وإنَّما أطْلَقَ لِعَدَمِ الإلْباسِ.

﴿والمَساكِينَ﴾ المِسْكِينُ: الدائِمُ السُكُونِ إلى الناسِ، لِأنَّهُ لا شَيْءَ لَهُ، كالسِكِّيرِ لِلدّائِمِ السُكْرِ.

﴿وابْنَ السَبِيلِ﴾ المُسافِرُ المُنْقَطِعُ، وهو جِنْسٌ وإنْ كانَ مُفْرَدًا لَفْظًا، وجُعِلَ ابْنًا لِلسَّبِيلِ لِمُلازَمَتِهِ لَهُ، أوِ الضَيْفُ.

﴿والسائِلِينَ﴾ المُسْتَطْعِمِينَ ﴿وَفِي الرِقابِ﴾ وفي مُعاوَنَةِ المُكاتَبِينَ حَتّى يَفُكُّوا رِقابَهُمْ، أوْ فى فَكِّ الأُسارى.

﴿وَأقامَ الصَلاةَ﴾ المَكْتُوبَةَ ﴿وَآتى الزَكاةَ﴾ المَفْرُوضَةَ، قِيلَ: هو تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: نَوافِلُ الصَدَقاتِ والمَبارِّ،

﴿والمُوفُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿مَن آمَنَ﴾ ﴿بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ اللهَ أوِ الناسَ ﴿والصابِرِينَ﴾ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ والِاخْتِصاصِ إظْهارًا لِفَضْلِ الصَبْرِ في الشَدائِدِ، ومَواطِنِ القِتالِ، عَلى سائِرِ الأعْمالِ،

﴿فِي البَأْساءِ﴾ الفَقْرِ والشِدَّةِ ﴿والضَرّاءِ﴾ المَرَضِ والزَمانَةِ،

﴿وَحِينَ البَأْسِ﴾ وقْتَ القِتالِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أيْ: أهْلُ هَذِهِ الصِفَةِ هُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا في الدِينِ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾

2:178Page 27

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٨

O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female.1 But whoever overlooks from his brother [i.e., the killer] anything,2 then there should be a suitable follow-up and payment to him [i.e., the deceased's heir or legal representative] with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that3 will have a painful punishment.

رُوِيَ «أنَّهُ كانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِن أحْياءِ العَرَبِ دِماءٌ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ لِأحَدِهِما طَوْلٌ عَلى الآخَرِ، فَأقْسَمُوا لَنَقْتُلَنَّ الحُرَّ مِنكم بِالعَبْدِ، والذَكَرَ بِالأُنْثى، والِاثْنَيْنِ بِالواحِدِ، فَتَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ جاءَ اللهُ بِالإسْلامِ، فَنَزَلَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ » أيْ: فُرِضَ،

﴿عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنِ المُساواةِ، وأصْلُهُ: مِن قَصَّ أثَرَهُ، واقْتَصَّهُ: إذا اتَّبَعَهُ، ومِنهُ القاصُّ، لِأنَّهُ يَتْبَعُ (p-١٥٥)الآثارَ والأخْبارَ ﴿فِي القَتْلى﴾ جَمْعُ قَتِيلٍ. والمَعْنى: فَرَضَ عَلَيْكُمُ اعْتِبارَ المُماثَلَةِ والمُساواةِ بَيْنَ القَتْلى.

﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيِ:الحُرُّ مَأْخُوذٌ أوْ مَقْتُولٌ بِالحُرِّ ﴿والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ وقالَ الشافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: لا يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ لِهَذا النَصِّ، وعِنْدَنا يَجْرِي القِصاصُ بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ النَفْسَ بِالنَفْسِ﴾ [المائِدَةُ: ٤٥] كَما بَيْنَ الذَكَرِ والأُنْثى، وبِقَوْلِهِ ﷺ: « "المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهُمْ"، » وبِأنَّ التَفاضُلَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في الأنْفُسِ، بِدَلِيلِ أنَّ جَماعَةً لَوْ قَتَلُوا واحِدًا قُتِلُوا بِهِ، وبِأنَّ تَخْصِيصَ الحُكْمِ بِنَوْعٍ لا يَنْفِيهِ عَنْ نَوْعٍ آخَرَ، بَلْ يَبْقى الحُكْمُ فِيهِ مَوْقُوفًا عَلى وُرُودِ دَلِيلٍ آخَرَ، وقَدْ ورَدَ كَما بَيَّنّا ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ قالُوا: العَفْوُ ضِدُّ العُقُوبَةِ، يُقالُ: عَفَوْتُ عَنْ فُلانٍ: إذا صَفَحْتَ عَنْهُ، وأعْرَضْتَ عَنْ أنْ تُعاقِبَهُ، وهو يُعَدّى بِعْنَ إلى الجانِي وإلى الجِنايَةِ،

﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾ [البَقَرَةُ: ٥٢] ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَيِّئاتِ﴾ [الشُورى: ٢٥] وإذا اجْتَمَعا عُدِّيَ إلى الأوَّلِ بِاللامِ، فَتَقُولُ: عَفَوْتُ لَهُ عَنْ ذَنْبِهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "عَفَوْتُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَقِيقِ"، » وقالَ الزَجّاجُ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ﴾ أيْ: مَن تُرِكَ لَهُ القَتْلُ بِالدِيَةِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: العَفْوُ في اللُغَةِ: الفَضْلُ، ومِنهُ: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البَقَرَةُ: ٢١٩] ويُقالُ: عَفَوْتُ لِفُلانٍ بِمالٍ: إذا أفْضَلْتَ لَهُ، وأعْطَيْتَهُ، وعَفَوْتُ لَهُ عَمّا لِي عَلَيْهِ: إذا تَرَكْتَهُ، ومَعْنى الآيَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ: فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن جِهَةِ أخِيهِ شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ، عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى المَصْدَرِ كَما فِي: سِيرَ بِزَيْدٍ بَعْضَ السَيْرِ، والأخُ: ولِيُّ المَقْتُولِ، وذُكِرَ بِلَفْظِ الأُخُوَّةِ بَعْثًا لَهُ عَلى العَطْفِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ الجِنْسِيَّةِ والإسْلامِ. و"مَن" هو القاتِلُ المَعْفُوُّ لَهُ عَمّا جَنى، وتَرَكَ المَفْعُولَ الآخِرَ اسْتِغْناءً عَنْهُ، وقِيلَ: أُقِيمَ لَهُ مَقامَ عَنْهُ، والضَمِيرُ فى "لَهُ" و"أخِيهِ": لِمَن، وفي "إلَيْهِ": لِلْأخِ، أوْ لِلْمُتَّبِعِ الدالِّ عَلَيْهِ.

﴿فاتِّباعٌ﴾ لِأنَّ المَعْنى: فَلْيَتَّبِعِ الطالِبُ القاتِلَ (p-١٥٦)بِالمَعْرُوفِ بِأنْ يُطالِبَهُ مُطالَبَةً جَمِيلَةً، ولْيُؤَدِّ إلَيْهِ المَطْلُوبَ، أيِ:القاتِلُ بَدَلَ الدَمِ، أداءً بِإحْسانٍ، بِألا يَمْطُلَهُ ولا يَبْخَسَهُ، وإنَّما قِيلَ: شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ لِيَعْلَمَ أنَّهُ إذا عَفا عَنْ بَعْضِ الدَمِ، أوْ عَفا عَنْهُ بَعْضُ الوَرَثَةِ تَمَّ العَفْوُ، وسَقَطَ القِصاصُ، ومَن فَسَّرَ "عُفِيَ" بِتُرِكَ جَعَلَ "شَيْءٌ" مَفْعُولًا بِهِ، وكَذا مَن فَسَّرَهُ بِأُعْطِيَ، يَعْنِي: أنَّ الوَلِيَّ إذا أُعْطِيَ لَهُ شَيْءٌ مِن مالِ أخِيهِ، يَعْنِي: القاتِلَ، بِطَرِيقِ الصُلْحِ فَلْيَأْخُذْهُ بِمَعْرُوفٍ مِن غَيْرِ تَعْنِيفٍ، ولْيُؤَدِّهِ القاتِلُ إلَيْهِ بِلا تَسْوِيفٍ، وارْتِفاعُ ﴿اتِّباعَ﴾ بِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: فالواجِبُ اتِّباعٌ.

﴿ذَلِكَ﴾ الحُكْمُ المَذْكُورُ مِنَ العَفْوِ، وأخْذِ الدِيَةِ.

﴿تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ فَإنَّهُ كانَ في التَوْراةِ القَتْلُ لا غَيْرُ، وفي الإنْجِيلِ العَفْوُ بِغَيْرِ بَدَلٍ لا غَيْرُ، وأُبِيحَ لَنا القِصاصُ والعَفْوُ وأخْذُ المالِ بِطَرِيقِ الصُلْحِ تَوْسِعَةً وتَيْسِيرًا، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ لِلْوَصْفِ بِالإيمانِ بَعْدَ وُجُودِ القَتْلِ، ولِبَقاءِ الأُخُوَّةِ الثابِتَةِ بِالإيمانِ، ولِاسْتِحْقاقِ التَخْفِيفِ والرَحْمَةِ.

﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ التَخْفِيفِ، فَتَجاوَزَ ما شَرَعَ لَهُ مِن قَتْلِ غَيْرِ القاتِلِ أوِ القَتْلِ بَعْدَ أخْذِ الدِيَةِ.

﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ شَدِيدُ الألَمِ فى الآخِرَةِ.

2:179Page 27

وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧٩

And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.1

﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ كَلامٌ فَصِيحٌ، لِما فِيهِ مِنَ الغَرابَةِ، إذِ القِصاصُ قَتْلٌ وتَفْوِيتٌ لِلْحَياةِ، وقَدْ جُعِلَ ظَرْفًا لِلْحَياةِ، وفي تَعْرِيفِ القِصاصِ وتَنْكِيرِ الحَياةِ بَلاغَةٌ بَيِّنَةٌ، لِأنَّ المَعْنى: ولَكم في هَذا الجِنْسِ مِنَ الحُكْمِ الَّذِي هو اخْتِصاصٌ حَياةٌ عَظِيمَةٌ، لِمَنعِهِ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن قَتْلِ الجَماعَةِ بِواحِدٍ مَتى اقْتَدَرُوا، فَكانَ القِصاصُ حَياةً وأيَّ حَياةٍ!، أوْ نَوْعٌ مِنَ الحَياةِ، وهي الحَياةُ الحاصِلَةُ بِالِارْتِداعِ عَنِ القَتْلِ، لِوُقُوعِ العِلْمِ بِالقِصاصِ مِنَ القاتِلِ، لِأنَّهُ إذا هَمَّ بِالقَتْلِ، فَتَذَكَّرَ الِاقْتِصاصَ، ارْتَدَعَ، فَسَلِمَ صاحِبُهُ مِنَ القَتْلِ، وهو مِنَ القَوْدِ، فَكانَ شَرْعُ القِصاصِ سَبَبَ حَياةِ نَفْسَيْنِ ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ يا ذَوِي العَقْلِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ القَتْلَ حَذَرًا مِنَ القِصاصِ.

(p-١٥٧)

2:180Page 27

كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ١٨٠

Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.1

﴿كُتِبَ﴾ فُرِضَ ﴿عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ: إذا دَنا مِنهُ فَظَهَرَتْ أمارَتُهُ ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ مالًا كَثِيرًا، لِما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ -رِضى اللهُ عَنْهُ-: أنَّ مَوْلًى لَهُ أرادَ أنْ يُوصِيَ ولَهُ سَبْعُمِائَةٌ فَمَنَعَهُ، وقالَ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ والخَيْرُ: هو المالُ الكَثِيرُ، ولَيْسَ لَكَ مالٌ، وفاعِلُ ﴿كُتِبَ﴾ ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ وكانَتْ لِلْوارِثِ في بَدْءِ الإسْلامِ، فَنُسِخَتْ بِآيَةِ المَوارِيثِ كَما بَيَّناهُ في "شَرْحِ المَنارِ". وقِيلَ: هي غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، لِأنَّها نَزَلَتْ في حَقِّ مَن لَيْسَ بِوارِثٍ بِسَبَبِ الكُفْرِ، لِأنَّهم كانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالإسْلامِ، يُسْلِمُ الرَجُلُ ولا يُسْلِمُ أبَواهُ وقَرائِبُهُ، والإسْلامُ قَطَعَ الإرْثَ، فَشُرِعَتِ الوَصِيَّةُ فِيما بَيْنَهم قَضاءً لِحَقِّ القَرابَةِ نَدْبًا، وعَلى هَذا لا يُرادُ بِـ "كُتِبَ": فُرِضَ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالعَدْلِ، وهو ألّا يُوصِيَ لِلْغَنِيِّ ويَدَعَ الفَقِيرَ، ولا يَتَجاوَزَ الثُلْثَ ﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا ﴿عَلى المُتَّقِينَ﴾ عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِرْكَ.

2:181Page 27

فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٨١

Then whoever alters it [i.e., the bequest] after he has heard it - the sin is only upon those who have altered it. Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ فَمَن غَيَّرَ الإيصاءَ عَنْ وجْهِهِ إنْ كانَ مُوافِقًا لِلشَّرْعِ مِنَ الأوْصِياءِ والشُهُودِ ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ أيِ:الإيصاءَ ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ فَما إثْمُ التَبْدِيلِ إلّا عَلى مُبَدِّلِيهِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ المُوصِي والمُوصى لَهُ، لِأنَّهُما بَرِيئانِ مِنَ الحَيْفِ ﴿إنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لِقَوْلِ المُوصِي ﴿عَلِيمٌ﴾ بِجَوْرِ المُبَدِّلِ.

2:182Page 28

فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨٢

But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them [i.e., the concerned parties], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿فَمَن خافَ﴾ عَلِمَ، وهَذا شائِعٌ في كَلامِهِمْ، يَقُولُونَ: أخافُ أنْ تُرْسِلَ السَماءُ، ويُرِيدُونَ: الظَنَّ الغالِبَ الجارِيَ مَجْرى العِلْمِ ﴿مِن مُوصٍ﴾ (مُوَصٍّ) كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ.

﴿جَنَفًا﴾ مَيْلًا عَنِ الحَقِّ بِالخَطَأِ في الوَصِيَّةِ،

﴿أوْ إثْمًا﴾ تَعَمُّدًا لِلْحَيْفِ ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ المُوصى لَهُمْ، وهُمُ:الوِلْدانُ والأقْرَبُونَ بِإجْرائِهِمْ عَلى طَرِيقِ الشَرْعِ،

﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ حِينَئِذٍ، لِأنَّ تَبْدِيلَهُ تَبْدِيلُ باطِلٍ إلى حَقٍّ، ذَكَرَ مَن يُبَدِّلُ بِالباطِلِ، ثُمَّ مَن يُبَدِّلُ بِالحَقِّ، لِيُعْلَمَ أنَّ كُلَّ تَبْدِيلٍ لا يُؤْثِمُ. (p-١٥٨)وَقِيلَ: هَذا في حالِ حَياةِ المُوصِي، أيْ: فَمَن حَضَرَ وصِيَّتَهُ فَرَآهُ عَلى خِلافِ الشَرْعِ فَنَهاهُ عَنْ ذَلِكَ، وحَمَلَهُ عَلى الصَلاحِ، فَلا إثْمَ عَلى هَذا المُوصِي بِما قالَ أوَّلًا ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

2:183Page 28

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣

O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ أيْ: فُرِضَ ﴿عَلَيْكُمُ الصِيامُ﴾ هو مَصْدَرُ صامَ، والمُرادُ: صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ،

﴿كَما كُتِبَ﴾ أيْ: كِتابَةً مِثْلَ ما كُتِبَ، فَهو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ﴿عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ عَلى الأنْبِياءِ والأُمَمِ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إلى عَهْدِكُمْ، فَهو عِبادَةٌ قَدِيمَةٌ، والتَشْبِيهُ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ لَهُ صَوْمُ أيّامٍ، أيْ: أنْتُمْ مُتَعَبَّدُونَ بِالصِيامِ في أيّامٍ، كَما تَعَبَّدَ مَن كانَ قَبْلَكم ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ المَعاصِيَ بِالصِيامِ، لِأنَّ الصِيامَ أظَلَفُ لِنَفْسِهِ، وأرْدَعُ لَها مِن مُواقَعَةِ السُوءِ، أوْ لَعَلَّكم تَنْتَظِمُونَ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ، إذِ الصَوْمُ شِعارُهم.

2:184Page 28

أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٤

[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of other days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers good [i.e., excess] - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.

وانْتِصابُ ﴿أيّامًا﴾ بِالصِيامِ، أيْ: " كُتُب عَلَيْكم " أنْ تَصُومُوا ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ مُوَقَّتاتٍ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ، أيْ: قَلائِلَ، وأصْلُهُ: أنَّ المالَ القَلِيلَ يُقَدَّرُ بِالعَدَدِ لا الكَثِيرَ ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ يَخافُ مِنَ الصَوْمِ زِيادَةَ المَرَضِ ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ أوْ راكِبَ سَفَرٍ ﴿فَعِدَّةٌ﴾ فِعْلَيْهِ عِدَّةٌ، أيْ: فَأفْطَرَ، فَعَلَيْهِ صِيامُ عَدَدِ أيّامِ فِطْرِهِ، والعِدَّةُ بِمَعْنى المَعْدُودِ، أيْ: أمَرَ أنْ يَصُومَ أيّامًا مَعْدُودَةً مَكانَها ﴿مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ سِوى أيّامِ مَرَضِهِ وسِفْرِهِ، و﴿أُخَرَ﴾ لا يَنْصَرِفُ لِلْوَصْفِ والعَدْلِ عَنِ الألِفِ واللامِ، لِأنَّ الأصْلَ في فُعْلى صِفَةً أنْ تُسْتَعْمَلَ في الجَمْعِ بِالألِفِ واللامِ، كالكُبْرى والكُبَرِ، والصُغْرى والصُغَرِ،

﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ وعَلى المُطِيقِينَ لِلصِّيامِ الَّذِينَ لا عُذْرَ لَهم إنْ أفْطَرُوا.

﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ نِصْفُ صاعٍ مَن بُرٍّ، أوْ صاعٌ مَن غَيْرِهِ، فَطَعامٌ بَدَلٌ مِن "فِدْيَةٌ" (فِدْيَةُ طَعامِ مَساكِينَ) مَدَنِيٌّ وابْنُ ذَكْوانَ، وكانَ ذَلِكَ في بَدْءِ الإسْلامِ، فُرِضَ عَلَيْهِمُ الصَوْمُ (p-١٥٩)وَلَمْ يَتَعَوَّدُوهُ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، فَرَخَّصَ لَهم في الإفْطارِ والفِدْيَةِ، ثُمَّ نُسِخَ التَخْيِيرُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ولِهَذا كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مَذْكُورًا مَعَ المَنسُوخِ ذُكِرَ مَعَ الناسِخِ، لِيَدُلَّ عَلى بَقاءِ هَذا الحُكْمِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا يُطِيقُونَهُ، فَأضْمَرَ لا لِقِراءَةِ حَفْصَةَ كَذَلِكَ، وعَلى هَذا لا يَكُونُ مَنسُوخًا ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فَزادَ عَلى مِقْدارِ الفِدْيَةِ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ فالتَطَوُّعُ أوِ الخَيْرُ خَيْرٌ لَهُ (يَطَّوَّعْ) بِمَعْنى يَتَطَوَّعُ، حَمْزَةُ وعَلِيٌّ.

﴿وَأنْ تَصُومُوا﴾ أيُّها المُطِيقُونَ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الفِدْيَةِ وتَطَوَّعَ الخَيْرِ، وهَذا في الِابْتِداءِ. وقِيلَ: وأنْ تَصُومُوا في السَفَرِ والمَرَضُ خَيْرٌ لَكُمْ، لِأنَّهُ أشَقُّ عَلَيْكم.

﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ شَرْطٌ مَحْذُوفُ الجَوابِ.

2:185Page 28

شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٨٥

The month of Ramaḍān [is that] in which was revealed the Qur’ān, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the crescent of] the month,1 let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allāh intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.

﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ أيِ:ابْتَدِئْ فِيهِ إنْزالُهُ، وكانَ ذَلِكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، أوْ أُنْزِلَ في شَأْنِهِ القُرْآنُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ﴾ وهو بَدَلٌ مِنَ الصِيامِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو شَهْرُ، والرَمَضانُ مَصْدَرُ رَمَضَ: إذا احْتَرَقَ مِنَ الرَمْضاءِ، فَأُضِيفَ إلَيْهِ الشَهْرُ، وجُعِلَ عَلَمًا، ومُنِعَ الصَرْفَ لِلتَّعْرِيفِ والألِفِ والنُونِ، وسَمَّوْهُ بِذَلِكَ، لِارْتِماضِهِمْ فِيهِ مِن حَرِّ الجُوعِ، ومُقاساةِ شِدَّتِهِ، ولِأنَّهم سَمَّوُا الشُهُورَ بِالأزْمِنَةِ الَّتِي وقَعَتْ فِيها، فَوافَقَ هَذا الشَهْرُ أيّامَ رَمْضِ الحَرِّ، فَإنْ قُلْتَ: ما وجْهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ: « "مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا"، » مِن أنَّ التَسْمِيَةَ واقِعَةٌ مَعَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ جَمِيعًا؟ قُلْتُ: هو مِن بابِ الحَذْفِ لِأمْنِ الإلْباسِ: (القُرانُ) حَيْثُ كانَ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، مَكِّيٌّ. وانْتَصَبَ ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ عَلى الحالِ، أيْ: أنْزَلَ وهو هِدايَةٌ لِلنّاسِ إلى الحَقِّ، وهو آياتٌ واضِحاتٌ مَكْشُوفاتٌ مِمّا يَهْدِي إلى الحَقِّ، ويُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ (p-١٦٠)والباطِلِ، ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ هَدى، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ بَيِّناتٌ مِن جُمْلَةِ ما هَدى بِهِ اللهُ، وفَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مِن وحْيِهِ وكُتُبِهِ السَماوِيَّةِ الهادِيَةِ الفارِقَةِ بَيْنَ الهُدى والضَلالِ ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَمَن كانَ شاهِدًا، أيْ: حاضِرًا مُقِيمًا غَيْرَ مُسافِرٍ في الشَهْرِ فَلْيَصُمْ فِيهِ ولا يُفْطِرُ، والشَهْرُ مَنصُوبٌ عَلى الظَرْفِ، وكَذا الهاءُ في "لِيَصُمْهُ" ولا يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، لِأنَّ المُقِيمَ والمُسافِرَ كِلاهُما شاهِدانِ لِلشَّهْرِ ﴿وَمَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ "فَعِدَّةٌ": مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، أيْ: صَوْمُ عِدَّةٍ،

﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ حَيْثُ أباحَ الفِطْرَ بِالسَفَرِ والمَرَضِ ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ ومَن فَرَضَ الفِطْرَ عَلى المَرِيضِ والمُسافِرِ حَتّى لَوْ صاما تَجِبُ عَلَيْهِما الإعادَةُ، فَقَدْ عَدَلَ عَنْ مُوجِبِ هَذا ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ عِدَّةَ ما أفْطَرْتُمْ بِالقَضاءِ إذا زالَ المَرَضُ والسَفَرُ، فالفِعْلُ المُعَلَّلُ مَحْذُوفٌ، مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ: لِتَعْلَمُوا ولِتُكْمِلُوا العُدَّةَ.

﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ شَرْعَ ذَلِكَ، يَعْنِي: جُمْلَةَ ما ذَكَرَ مِن أمْرِ الشاهِدِ بِصَوْمِ الشَهْرِ، وأمْرِ المُرَخَّصِ لَهُ بِمُراعاةِ عِدَّةِ ما أفْطَرَ فِيهِ، ومِنَ التَرْخِيصِ في إباحَةِ الفِطْرِ، فَقَوْلُهُ: " لِتُكْمِلُوا " عِلَّةُ الأمْرِ بِمُراعاةِ العِدَّةِ ﴿وَلِتُكَبِّرُوا﴾ عِلَّةُ ما عَلِمَ مِن كَيْفِيَّةِ القَضاءِ والخُرُوجِ مِن عُهْدَةِ الفِطَرِ ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عِلَّةَ التَرْخِيصِ وهَذا نَوْعٌ مِنَ اللَفِّ اللَطِيفِ المَسْلَكِ، وعُدِّيَ التَكْبِيرُ بِعَلى، لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الحَمْدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِتُكَبِّرُوا اللهَ، أيْ: لِتُعَظِّمُوهُ حامِدِينَ عَلى ما هَداكم إلَيْهِ. (وَلِتُكَمِّلُوا) بِالتَشْدِيدِ: أبُو بَكْرٍ.

2:186Page 28

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦

And when My servants ask you, [O Muḥammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.

وَلَمّا «قالَ أعْرابِيٌّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيَهُ أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيَهُ؟ نَزَلَ ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ » عِلْمًا وإجابَةً لِتَعالِيهِ عَنِ القُرْبِ (p-١٦١)مَكانًا ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الداعِ إذا دَعانِ﴾ (الداعِي، دَعانِي) في الحالَيْنِ، سَهْلٌ ويَعْقُوبُ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ غَيْرَ قالُونَ في الوَصْلِ. غَيْرُهم بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ، ثُمَّ إجابَةُ الدُعاءِ وعْدٌ صِدْقٌ مِنَ اللهِ لا خُلْفَ فِيهِ، غَيْرَ أنَّ إجابَةَ الدَعْوَةِ تُخالِفُ قَضاءَ الحاجَةِ، فَإجابَةُ الدَعْوَةِ أنْ يَقُولَ العَبْدُ: يا رَبِّ، فَيَقُولُ اللهُ: لَبَّيْكَ عَبْدِي. وهَذا أمْرٌ مَوْعُودٌ مَوْجُودٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وقَضاءُ الحاجَةِ: إعْطاءُ المُرادِ، وذا قَدْ يَكُونُ ناجِزًا، وقَدْ يَكُونُ بَعْدَ مُدَّةٍ، وقَدْ يَكُونُ في الآخِرَةِ، وقَدْ تَكُونُ الخِيرَةُ لَهُ في غَيْرِهِ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ إذا دَعَوْتَهم لِلْإيمانِ والطاعَةِ، كَما أنِّي أُجِيبُهم إذا دَعَوْنِي لِحَوائِجِهِمْ،

﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ واللامُ فِيها لِلْأمْرِ،

﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ لِيَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن إصابَةِ الرُشْدِ، وهو ضِدُّ الغَيِّ.

2:187Page 29

أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٨٧

It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are a clothing for you and you are a clothing1 for them. Allāh knows that you used to deceive yourselves,2 so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allāh has decreed for you [i.e., offspring]. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the night [i.e., sunset]. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allāh, so do not approach them. Thus does Allāh make clear His verses [i.e., ordinances] to the people that they may become righteous.

«كانَ الرَجُلُ إذا أمْسى حَلَّ لَهُ الأكْلُ والشُرْبُ والجِماعُ إلى أنْ يُصَلِّيَ العِشاءَ الآخِرَةَ، أوْ يَرْقُدَ، فَإذا صَلّاها أوْ رَقَدَ، ولَمْ يُفْطِرْ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَعامُ والشَرابُ والنِساءُ إلى القابِلَةِ، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ -رِضى اللهُ عَنْهُ- واقَعَ أهْلَهُ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ الآخِرَةِ، فَلَمّا اغْتَسَلَ أخَذَ يَبْكِي، ويَلُومُ نَفْسَهُ، فَأتى النَبِيَّ ﷺ وأخْبَرَهُ بِما فَعَلَ فَقالَ ﷺ: "ما كُنْتَ جَدِيرًا بِذَلِكَ" فَنَزَلَ ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِيامِ الرَفَثُ﴾ » أيِ:الجِماعُ ﴿إلى نِسائِكُمْ﴾ عَدّى بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ، وإنَّما كَنّى عَنْهُ بِلَفْظِ الرَفَثِ الدالِّ عَلى مَعْنى القُبْحِ، ولَمْ يَقُلِ الإفْضاءُ إلى نِسائِكُمْ، اسْتِقْباحًا لِما وُجِدَ مِنهم قَبْلَ الإباحَةِ، كَما سَمّاهُ اخْتِيانًا لِأنْفُسِهِمْ، ولَمّا كانَ الرَجُلُ والمَرْأةُ يَعْتَنِقانِ، ويَشْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ في عِناقِهِ، شُبِّهَ بِاللِباسِ المُشْتَمَلِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ وقِيلَ: لِباسٌ، أيْ: سِتْرٌ عَنِ الحَرامِ. و﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ كالبَيانِ لِسَبَبِ الإحْلالِ، وهو أنَّهُ إذا كانَتْ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ مِثْلُ هَذِهِ المُخالَطَةِ والمُلابَسَةِ، قَلَّ صَبْرُكم عَنْهُنَّ، وصَعُبَ عَلَيْكُمُ اجْتِنابُهُنَّ، فَلِذا رَخَّصَ لَكم في مُباشَرَتِهِنَّ ﴿عَلِمَ (p-١٦٢)اللهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ تَظْلِمُونَها بِالجِماعِ، وتَنْقُصُونَها حَظَّها مِنَ الخَيْرِ. والِاخْتِيانُ: مِنَ الخِيانَةِ، كالِاكْتِسابِ مِنَ الكَسْبِ، فِيهِ زِيادَةٌ وشِدَّةٌ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ حِينَ تُبْتُمْ مِمّا ارْتَكَبْتُمْ مِنَ المَحْظُورِ،

﴿وَعَفا عَنْكُمْ﴾ ما فَعَلْتُمْ قَبْلَ الرُخْصَةِ،

﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ جامِعُوهُنَّ في لَيالِي الصَوْمِ، وهو أمْرُ إباحَةٍ، وسُمِّيَتِ المَجامَعَةُ مُباشَرَةً لِالتِصاقِ بَشَرَتَيْهِما،

﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ واطْلُبُوا ما قَسَّمَ اللهُ لَكم وأثْبَتَ في اللَوْحِ مِنَ الوَلَدِ بِالمُباشَرَةِ، أيْ: لا تُباشِرُوا لِقَضاءِ الشَهْوَةِ وحْدَها، ولَكِنْ لِابْتِغاءِ ما وضَعَ اللهُ لَهُ النِكاحَ مِنَ التَناسُلِ، أوْ ﴿وابْتَغُوا﴾ المَحَلَّ الَّذِي كَتَبَهُ اللهُ لَكم وحَلَّلَهُ دُونَ ما لَمْ يَكْتُبْ لَكم مِنَ المَحَلِّ المُحَرَّمِ،

﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ﴾ هو أوَّلُ ما يَبْدُو مِنَ الفَجْرِ المُعْتَرِضِ في الأُفُقِ كالخَيْطِ المَمْدُودِ ﴿مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ وهو ما يَمْتَدُّ مِن سَوادِ اللَيْلِ، شُبِّها بِخَيْطَيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ، لِامْتِدادِهِما.

﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ بَيانُ أنَّ الخَيْطَ الأبْيَضَ مِنَ الفَجْرِ لا مِن غَيْرِهِ، واكْتَفى بِهِ عَنْ بَيانِ الخَيْطِ الأسْوَدِ، لِأنَّ بَيانَ أحَدِهِما بَيانٌ لِلْآخَرِ، أوْ مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ بَعْضُ الفَجْرِ وأوَّلُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ أخْرَجَهُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ، وصَيَّرَهُ تَشْبِيهًا بَلِيغًا، كَما أنَّ قَوْلَكَ: رَأيْتُ أسَدًا مَجازًا، فَإذا زِدْتَ: مِن فُلانٍ، رَجَعَ تَشْبِيهًا، «وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: عَمَدْتُ إلى عِقالَيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ فَجَعَلْتُهُما تَحْتَ وِسادَتِي، فَنَظَرْتُ إلَيْهِما، فَلَمْ يَتَبَيَّنْ لِي الأبْيَضُ مِنَ الأُسُودِ، فَأخْبَرْتُ النَبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ فَقالَ: "إنَّكَ لَعَرِيضُ القَفا" » - أيْ: سَلِيمُ القَلْبِ، لِأنَّهُ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى بَلاهَةِ الرَجُلِ وقِلَّةِ فِطْنَتِهِ- « "إنَّما ذَلِكَ بَياضُ النَهارِ وسَوادُ اللَيْلِ". » وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِيامَ إلى اللَيْلِ﴾ أيِ:الكَفُّ عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ النِيَّةِ بِالنَهارِ في صَوْمِ رَمَضانَ، وعَلى جَوازِ تَأْخِيرِ الغُسْلِ إلى الفَجْرِ، وعَلى نَفْيِ الوِصالِ، وعَلى وُجُوبِ الكَفّارَةِ في الأكْلِ (p-١٦٣)والشُرْبِ، وعَلى أنَّ الجَنابَةَ لا تُنافِي الصَوْمَ ﴿وَلا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ مُعْتَكِفُونَ فِيها، بَيَّنَ أنَّ الجِماعَ يَحِلُّ في لَيالِي رَمَضانَ لَكِنْ لِغَيْرِ المُعْتَكَفِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاعْتِكافَ لا يَكُونُ إلّا في المَسْجِدِ، وأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِهِ مَسْجِدٌ دُونَ مَسْجِدٍ،

﴿تِلْكَ﴾ الأحْكامُ الَّتِي ذُكِرَتْ ﴿حُدُودُ اللهِ﴾ أحْكامُهُ المَحْدُودَةُ ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾ بِالمُخالَفَةِ، والتَغْيِيرِ.

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ﴾ شَرائِعَهُ ﴿لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ المَحارِمَ.

2:188Page 29

وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٨

And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].

﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: لا يَأْكُلْ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ ﴿بِالباطِلِ﴾ بِالوَجْهِ الَّذِي لَمْ يُبِحْهُ اللهُ، ولَمْ يُشَرِّعْهُ ﴿وَتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ ولا تُدْلُوا بِها، فَهو مَجْزُومٌ داخِلٌ في حُكْمِ النَهْيِ، يَعْنِي: ولا تُلْقُوا أمْرَها والحُكُومَةَ فِيها إلى الحُكّامِ،

﴿لِتَأْكُلُوا﴾ بِالتَحاكُمِ ﴿فَرِيقًا﴾ طائِفَةً ﴿مِن أمْوالِ الناسِ بِالإثْمِ﴾ بِشَهادَةِ الزُورِ، أوْ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ، أوْ بِالصُلْحِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ المُقْضِيِّ لَهُ ظالِمٌ، وقالَ ﷺ لِلْخَصْمَيْنِ: « "إنَّما أنا بَشَرٌ وأنْتُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكم ألْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فَأقْضِي لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ مِنهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِن حَقِّ أخِيهِ فَلا يَأْخُذَنَّ مِنهُ شَيْئًا، فَإنَّ ما أقَضِي لَهُ قِطْعَةٌ مِن نارٍ". » فَبَكَيا، وقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما: حَقِّي لِصاحِبِي. وقِيلَ: ﴿وَتُدْلُوا بِها﴾ وتُلْقُوا بَعْضَها إلى حُكّامِ السُوءِ عَلى وجْهِ الرَشْوَةِ، يُقالُ: أدْلى دَلْوَهُ، أيْ: ألْقاهُ في البِئْرِ لِلِاسْتِسْقاءِ ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّكم عَلى الباطِلِ، وارْتِكابُ المَعْصِيَةِ مَعَ العِلْمِ بِقُبْحِها أقْبَحُ، وصاحِبُهُ بِالتَوْبِيخِ أحَقُّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском