An-NasafiAl‑Baqarah · 2:223–234

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:223–234

2:223Page 35

نِسَآؤُكُمۡ حَرۡثٞ لَّكُمۡ فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٢٣

Your wives are a place of cultivation [i.e., sowing of seed] for you, so come to your place of cultivation however you wish and put forth [righteousness] for yourselves. And fear Allāh and know that you will meet Him. And give good tidings to the believers.

كانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ: إذا أتى الرَجُلُ أهْلَهُ بارِكَةً أتى الوَلَدُ أحْوَلَ، فَنَزَلَ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ مَواضِعُ حَرْثٍ لَكُمْ، وهَذا مَجازٍ، شُبِّهْنَ بِالمَحارِيثِ تَشْبِيهًا لِما يُلْقى في أرْحامِهِنَّ مِنَ النُطَفِ، الَّتِي مِنها النَسْلُ بِالبُذُورِ، والوَلَدِ (p-١٨٦)بِالنَباتِ. ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ بَيانًا وتَوْضِيحًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللهُ﴾ أيْ: إنَّ المَأْتِيَّ الَّذِي أمَرَكُمُ اللهُ بِهِ هو مَكانُ الحَرْثِ لا مَكانُ الفَرْثِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَطْلُوبَ الأصْلِيَّ في الإتْيانِ هو طَلَبُ النَسْلِ لا قَضاءُ الشَهْوَةِ، فَلا تَأْتُوهُنَّ إلّا مِنَ المَأْتى الَّذِي نِيطَ بِهِ هَذا المَطْلُوبُ.

﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ جامِعُوهُنَّ مَتى شِئْتُمْ، أوْ كَيْفَ شِئْتُمْ، بارِكَةً أوْ مُسْتَلْقِيَةً، أوْ مُضْطَجِعَةً بَعْدَ أنْ يَكُونَ المَأْتِيُّ واحِدًا، وهو مَوْضِعُ الحَرْثِ. وهو تَمْثِيلٌ، أيْ: فَأتَوْهُنَّ كَما تَأْتُونَ أراضِيَكُمُ الَّتِي تُرِيدُونَ أنْ تَحْرُثُوها مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ، لا يَحْظُرُ عَلَيْكم جِهَةٌ دُونَ جِهَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أذًى فاعْتَزِلُوا النِساءَ﴾ ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللهُ﴾ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ مِنَ الكِناياتِ اللَطِيفَةِ، والتَعْرِيضاتِ المُسْتَحْسَنَةِ، فَعَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَتَأدَّبَ بِها، ويَتَكَلَّفَ مِثْلَها في المُحاوَراتِ والمُكاتَباتِ.

﴿وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ﴾ ما يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ وما هو خِلافُ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ، أوْ هو طَلَبُ الوَلَدِ، أوِ التَسْمِيَةُ عَلى الوَطْءِ،

﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ فَلا تَجْتَرِئُوا عَلى المَناهِي،

﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ صائِرُونَ إلَيْهِ فاسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالثَوابِ يا مُحَمَّدُ.

وَإنَّما جاءَ يَسْألُونَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِلا واوٍ، ثُمَّ مَعَ واوٍ ثَلاثًا، لِأنَّ سُؤالَهم عَنْ تِلْكَ الحَوادِثِ الأُولِ كَأنَّهُ وقَعَ في أحْوالٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَلَمْ يُؤْتَ بِحَرْفِ العَطْفِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ السُؤالاتِ سُؤالٌ مُبْتَدَأٌ، وسَألُوا عَنِ الحَوادِثِ الأُخَرِ فى وقْتٍ واحِدٍ، فَجِيءَ بِحِرَفِ الجَمْعِ لِذَلِكَ.

2:224Page 35

وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٢٤

And do not make [your oath by] Allāh an excuse against being righteous and fearing Allāh and making peace among people. And Allāh is Hearing and Knowing.

﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ العُرْضَةُ فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالقَبْضَةِ، وهي اسْمُ ما تَعْرِضُهُ دُونَ الشَيْءِ مِن عَرْضِ العُودِ عَلى الإناءِ، فَيَتَعَرَّضُ دُونَهُ، ويَصِيرُ حاجِزًا ومانِعًا مِنهُ، تَقُولُ: فُلانٌ عُرْضَةٌ دُونَ الخَيْرِ، وكانَ الرَجُلُ يَحْلِفُ عَلى بَعْضِ الخَيْراتِ مِن صِلَةِ رَحِمٍ، أوْ إصْلاحِ ذاتِ بَيْنٍ، أوْ إحْسانٍ إلى أحَدٍ، أوْ عِبادَةٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أخافُ اللهَ أنْ أحْنَثَ في يَمِينِي، فَيَتْرُكُ البِرَّ إرادَةَ البِرِّ في يَمِينِهِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ (p-١٨٧)أيْ: حاجِزًا لِما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ. وسُمِّي المَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَمِينًا بِتَلَبُّسِهِ بِاليَمِينِ، كَقَوْلِهِ ﷺ: « "مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها [فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ]". » وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ الناسِ﴾ عَطْفٌ بَيانٍ لِأيْمانِكُمْ، أيْ: لِلْأُمُورِ المَحْلُوفِ عَلَيْها الَّتِي هِيَ: البِرُّ، والتَقْوى، والإصْلاحُ بَيْنَ الناسِ. واللامُ تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ، أيْ: ولا تَجْعَلُوا اللهَ لِأيْمانِكم بَرْزَخًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللامُ لِلتَّعْلِيلِ، ويَتَعَلَّقُ أنْ تَبَرُّوا بِالفِعْلِ، أوْ بِالعُرْضَةِ، أيْ: ولا تَجْعَلُوا اللهَ لِأجْلِ أيْمانِكم بِهِ عُرْضَةً، لِأنْ تَبَرُّوا ﴿واللهُ سَمِيعٌ﴾ لِأيْمانِكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِكم.

2:225Page 36

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ٢٢٥

Allāh does not impose blame upon you for what is unintentional in your oaths, but He imposes blame upon you for what your hearts have earned. And Allāh is Forgiving and Forbearing.1

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ اللَغْوُ: الساقِطُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ مِن كَلامٍ وغَيْرِهِ، ولَغْوُ اليَمِينِ: الساقِطُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ في الأيْمانِ، وهو أنْ يَحْلِفَ عَلى شَيْءٍ يَظُنُّهُ عَلى ما حَلَفَ عَلَيْهِ والأمْرُ بِخِلافِهِ، والمَعْنى: لا يُعاقِبُكم بِلَغْوِ اليَمِينِ الَّذِي يَحْلِفُهُ أحَدُكُمْ، وعِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: هو ما يَجْرِي عَلى لِسانِهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلْحَلِفِ، نَحْوُ: لا واللهِ، وبَلى واللهِ.

﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكُمْ﴾ ولَكِنْ يُعاقِبُكم ﴿بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ بِما اقْتَرَفَتْهُ مِن إثْمِ القَصْدِ إلى الكَذِبِ في اليَمِينِ، وهو أنْ يَحْلِفَ عَلى ما يَعْلَمُ أنَّهُ خِلافُ ما يَقُولُهُ، وهو اليَمِينُ الغَمُوسُ، وتَعَلَّقَ الشافِعِيُّ بِهَذا النَصِّ عَلى وُجُوبِ الكَفّارَةِ في الغَمُوسِ، لِأنَّ كَسْبَ القَلْبِ: العَزْمُ، والقَصْدُ. والمُؤاخَذَةُ غَيْرُ مُبَيَّنَةٍ هُنا، وبُيِّنَتْ في المائِدَةِ، فَكانَ البَيانُ ثَمَّةَ بَيانًا هُنا، وقُلْنا: المُؤاخَذَةُ هُنا مُطْلَقَةٌ، وهي في دارِ الجَزاءِ، والمُؤاخَذَةُ ثَمَّ مُقَيَّدَةٌ بِدارِ الِابْتِلاءِ، فَلا يَصِحُّ حَمْلُ البَعْضِ عَلى البَعْضِ ﴿واللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ حَيْثُ لَمْ يُؤاخِذْكم بِاللَغْوِ في أيْمانِكم.

(p-١٨٨)

2:226Page 36

لِّلَّذِينَ يُؤۡلُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرٖۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٢٦

For those who swear not to have sexual relations with their wives1 is a waiting time of four months, but if they return [to normal relations] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ يُقْسِمُونَ، وهى قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ -رِضى اللهُ عَنْهُما- ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ يَتَعَلَّقُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: لِلَّذِينِ، كَما تَقُولُ: لَكَ مِنِّي نُصْرَةٌ، ولَكَ مِنِّي مَعُونَةٌ، أيْ: لِلْمُؤْلِينَ مِن نِسائِهِمْ.

﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ أيِ:اسْتَقَرَّ لِلْمُؤْلِينَ تَرَقُّبُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، لا بِـ "يُؤْلُونَ"، لِأنَّ آلى يُعَدّى بِعَلى، يُقالُ: آلى فُلانٌ عَلى امْرَأتِهِ، وقَوْلُ القائِلِ: آلى فُلانٌ مِنِ امْرَأتِهِ، وهْمٌ تَوَهَّمَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: عُدِّيَ بِمِن لِما فى هَذا القَسَمِ مِن مَعْنى البُعْدِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَبْعُدُونَ مِن نِسائِهِمْ مُؤْلِينَ ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ في الأشْهُرِ، لِقِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: (فَإنْ فاءُوا فِيهِنَّ) أيْ: رَجَعُوا إلى الوَطْءِ عَنِ الإصْرارِ بِتَرْكِهِ.

﴿فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ شَرَعَ الكَفّارَةَ.

2:227Page 36

وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٢٧

And if they decide on divorce - then indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

﴿وَإنْ عَزَمُوا الطَلاقَ﴾ بِتَرْكِ الفَيْءِ، فَتَرَبَّصُوا إلى مُضِيِّ المُدَّةِ ﴿فَإنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لِإيلائِهِ،

﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيَّتِهِ، وهو وعِيدٌ عَلى إصْرارِهِمْ وتَرْكِهِمُ الفَيْئَةَ.

وَعِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- مَعْناهُ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ ﴿وَإنْ عَزَمُوا﴾ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ، لِأنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وقُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ ﴿وَإنْ عَزَمُوا﴾ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ والتَفْصِيلُ يَعْقُبُ المُفَصَّلَ، كَما تَقُولُ: أنا نَزِيلُكم هَذا الشَهْرَ، فَإنْ أحَمَدْتُكم أقَمْتُ عِنْدَكم إلى آخِرِهِ، وإلّا لَمْ أقُمْ إلّا رَيْثَما أتَحَوَّلُ.

2:228Page 36

وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيٓ أَرۡحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤۡمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗاۚ وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٢٨

Divorced women remain in waiting [i.e., do not remarry] for three periods,1 and it is not lawful for them to conceal what Allāh has created in their wombs if they believe in Allāh and the Last Day. And their husbands have more right to take them back in this [period] if they want reconciliation.2 And due to them [i.e., the wives] is similar to what is expected of them, according to what is reasonable.3 But the men [i.e., husbands] have a degree over them [in responsibility and authority]. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿والمُطَلَّقاتُ﴾ أرادَ المَدْخُولَ بِهِنَّ مِن ذَواتِ الأقْراءِ،

﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، وأصْلُ الكَلامِ: ولْتَتَرَبَّصِ المُطَلَّقاتِ. وإخْراجُ الأمْرِ في صُورَةِ الخَبَرِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ، وإشْعارٌ بِأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُتَلَقّى بِالمُسارَعَةِ إلى امْتِثالِهِ، فَكَأنَّهُنَّ امْتَثَلْنَ الأمْرَ بِالتَرَبُّصِ، فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ مَوْجُودًا، ونَحْوُهُ قَوْلُهم في الدُعاءِ: رَحِمَكَ اللهُ، أُخْرِجَ في صُورَةِ الخَبَرِ ثِقَةً بِالِاسْتِجابَةِ، كَأنَّما وُجِدَتِ الرَحْمَةُ، فَهو يُخْبِرُ عَنْها. وبِناؤُهُ عَلى المُبْتَدَأِ مِمّا زادَهُ أيْضًا فَضْلَ تَأْكِيدٍ، لِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ تَدُلُّ عَلى الدَوامِ والثَباتِ بِخِلافِ الفِعْلِيَّةِ. وفي ذِكْرِ الأنْفُسِ تَهْيِيجٌ لَهُنَّ (p-١٨٩)عَلى التَرَبُّصِ، وزِيادَةُ بَعْثٍ، لِأنَّ أنْفُسَ النِساءِ طَوامِحُ إلى الرِجالِ، فَأُمِرْنَ أنْ يَقْمَعْنَ أنْفُسَهُنَّ، ويَغْلِبْنَها عَلى الطُمُوحِ، ويَجْبُرْنَها عَلى التَرَبُّصِ ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ جَمْعُ قُرْءٍ أوْ قَرْءٍ، وهو الحَيْضُ لِقَوْلِهِ ﷺ:" «دَعِي الصَلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ" ». وقَوْلُهُ: « "طَلاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ، وعِدَّتُها حَيْضَتانِ" » ولَمْ يَقُلْ: طُهْرانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ [الطَلاقُ: ٤] فَأقامَ الأشْهُرَ مَقامَ الحَيْضِ دُونَ الأطْهارِ، ولِأنَّ المَطْلُوبَ مِنَ العِدَّةِ اسْتِبْراءُ الرَحِمِ، والحَيْضُ هو الَّذِي يُسْتَبْرَأُ بِهِ الأرْحامُ دُونَ الطُهْرِ، ولِذَلِكَ كانَ الِاسْتِبْراءُ مِنَ الأمَةِ بِالحَيْضَةِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ طُهْرًا كَما قالَ الشافِعِيُّ، لانْقَضَتِ العِدَّةُ بِقُرْأيْنِ وبَعْضِ الثالِثِ، فانْتَقَضَ العَدَدُ عَنِ الثَلاثَةِ، لِأنَّهُ إذا طَلَّقَها في آخِرِ الطُهْرِ، فَذا مَحْسُوبٌ مِنَ العِدَّةِ عِنْدَهُ، وإذا طَلَّقَها في آخِرِ الحَيْضِ، فَذا غَيْرُ مَحْسُوبٍ مِنَ العِدَّةِ عِنْدَنا، والثَلاثُ اسْمٌ خاصٌّ لِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ لا يَقَعُ عَلى ما دُونَهُ، ويُقالُ: أقَرَأتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ، وامْرَأةٌ مُقْرِئٌ، وانْتِصابُ ثَلاثَةٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ: يَتَرَبَّصْنَ مُضِيَّ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ، أوْ عَلى الظَرْفِ، أيْ: يَتَرَبَّصْنَ مُدَّةَ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ، وجاءَ المُمَيَّزُ عَلى جَمْعِ الكَثْرَةِ دُونَ القِلَّةِ الَّتِي هي الأقْراءُ، لِاشْتِراكِهِما في الجَمْعِيَّةِ اتِّساعًا. ولَعَلَّ القُرُوءَ كانَتْ أكْثَرَ اسْتِعْمالًا في جَمْعِ قُرْءٍ مِنَ الأقْراءِ فَأُوثِرَ عَلَيْهِ تَنْزِيلًا لِقَلِيلِ الِاسْتِعْمالِ مَنزِلَةَ المُهْمَلِ،

﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ في أرْحامِهِنَّ﴾ مِنَ الوَلَدِ، أوْ مِن دَمِ الحَيْضِ، أوْ مِنهُما. وذَلِكَ إذا أرادَتِ المَرْأةُ فِراقَ زَوْجِها، فَكَتَمَتْ حَمْلَها لِئَلّا يَنْتَظِرَ بِطَلاقِها أنْ تَضَعَ، ولِئَلّا يُشْفِقَ عَلى الوَلَدِ فَيَتْرُكَ تَسْرِيحَها، أوْ كَتَمَتْ حَيْضَها، وقالَتْ -وَهِيَ حائِضٌ-: قَدْ طَهُرْتُ، اسْتِعْجالًا لِلطَّلاقِ ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ عَظَّمَ فِعْلَهُنَّ، لِأنَّ مَن آمَنَ بِاللهِ وبِعِقابِهِ لا يَجْتَرِئُ عَلى مِثْلِهِ مِنَ العَظائِمِ.

﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ البُعُولُ: جَمْعُ بَعْلٍ، والتاءُ لاحِقَةٌ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ.

﴿أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أيْ: أزْواجُهُنَّ أوْلى بِرَجْعَتِهِنَّ. (p-١٩٠)وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الطَلاقَ الرَجْعِيَّ لا يُحَرِّمُ الوَطْءَ حَيْثُ سَمّاهُ زَوْجًا بَعْدَ الطَلاقِ ﴿فِي ذَلِكَ﴾ في مُدَّةِ ذَلِكَ التَرَبُّصِ، والمَعْنى: أنَّ الرَجُلَ إنْ أرادَ الرَجْعَةَ، وأبَتْها المَرْأةُ، وجَبَ إيثارُ قَوْلِهِ عَلى قَوْلِها، وكانَ هو أحَقَّ مِنها، لا أنَّ لَها حَقًّا في الرَجْعَةِ.

﴿إنْ أرادُوا﴾ بِالرَجْعَةِ ﴿إصْلاحًا﴾ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ، وإحْسانًا إلَيْهِنَّ، ولَمْ يُرِيدُوا مُضارَّتَهُنَّ.

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ ويَجِبُ لَهُنَّ مِنَ الحَقِّ عَلى الرِجالِ مِنَ المَهْرِ، والنَفَقَةِ، وحُسْنِ العِشْرَةِ، وتَرْكِ المُضارَّةِ، مِثْلُ الَّذِي يَجِبُ لَهم ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ مِنَ الأمْرِ والنَهْيِ،

﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يُنْكَرُ في الشَرْعِ وعاداتِ الناسِ، فَلا يُكَلِّفُ أحَدُ الزَوْجَيْنِ صاحِبَهُ ما لَيْسَ لَهُ، والمُرادُ بِالمُماثَلَةِ: مُماثَلَةُ الواجِبِ الواجِبَ في كَوْنِهِ حَسَنَةً لا في جِنْسِ الفِعْلِ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ إذا غَسَلَتْ ثِيابَهُ، أوْ خَبَزَتْ لَهُ أنْ يَفْعَلَ نَحْوَ ذَلِكَ، ولَكِنْ يُقابِلُهُ بِما يَلِيقُ بِالرِجالِ ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ زِيادَةً في الحَقِّ، وفَضِيلَةً بِالقِيامِ بِأمْرِها، وإنِ اشْتَرَكا في اللَذَّةِ والِاسْتِمْتاعِ، وبِالإنْفاقِ، ومِلْكِ النِكاحِ.

﴿واللهُ عَزِيزٌ﴾ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ،

﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَأْمُرُ إلّا بِما هو صَوابٌ وحَسَنٌ.

2:229Page 36

ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ شَيۡـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٢٩

Divorce is twice. Then [after that], either keep [her] in an acceptable manner or release [her] with good treatment. And it is not lawful for you to take anything of what you have given them unless both fear that they will not be able to keep [within] the limits of Allāh.1 But if you fear that they will not keep [within] the limits of Allāh, then there is no blame upon either of them concerning that by which she ransoms herself. These are the limits of Allāh, so do not transgress them. And whoever transgresses the limits of Allāh - it is those who are the wrongdoers [i.e., the unjust].

﴿الطَلاقُ مَرَّتانِ﴾ الطَلاقُ بِمَعْنى التَطْلِيقِ، كالسَلامِ بِمَعْنى التَسْلِيمِ، أيِ:التَطْلِيقُ الشَرْعِيُّ تَطْلِيقَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلى التَفْرِيقِ، دُونَ الجَمْعِ والإرْسالِ دُفْعَةً واحِدَةً، ولَمْ يُرَدْ بِالمَرَّتَيْنِ التَثْنِيَةُ ولَكِنِ التَكْرِيرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [المُلْكُ: ٤] أيْ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، لا كَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. وهو دَلِيلٌ لَنا في أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الطَلْقَتَيْنِ والثَلاثَةِ بِدْعَةٌ في طُهْرٍ واحِدٍ، لِأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَنا بِالتَفْرِيقِ، لِأنَّهُ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الخَبَرَ فَمَعْناهُ الأمْرُ، وإلّا يُؤَدِّي إلى الخَلْفِ في خَبَرِ اللهِ تَعالى، لِأنَّ الطَلاقَ عَلى وجْهِ الجَمْعِ قَدْ يُوجَدُ، وقِيلَ: قالَتْ أنْصارِيَّةٌ: إنَّ زَوْجِي قالَ: لا أزالُ أُطَلِّقُكِ ثُمَّ أُراجِعُكِ، فَنَزَلَتْ ﴿الطَلاقُ مَرَّتانِ﴾ أيِ:الطَلاقُ الرَجْعِيُّ مَرَّتانِ، لِأنَّهُ لا رَجْعَةَ بَعْدَ الثالِثِ.

﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ بِرَجْعَةٍ. (p-١٩١)والمَعْنى: فالواجِبُ عَلَيْكم إمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ بِألا يُراجِعَها حَتّى تَبَيَّنَ بِالعِدَّةِ. وقِيلَ. بِأنْ يُطَلِّقَها الثالِثَةَ في الطُهْرِ الثالِثِ، ونَزَلَ في جَمِيلَةَ وزَوْجِها ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، وكانَتْ تُبْغِضُهُ، وهو يُحِبُّها، وقَدْ أعْطاها حَدِيقَةً، فاخْتَلَعَتْ مِنهُ بِها، وهو أوَّلُ خُلْعٍ كانَ في الإسْلامِ ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ أيُّها الأزْواجُ أوِ الحُكّامُ، لِأنَّهُمُ الآمِرُونَ بِالأخْذِ والإيتاءِ عِنْدَ التَرافُعِ إلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُمُ الآخِذُونَ والمُؤْتُونَ،

﴿أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ مِمّا أعْطَيْتُمُوهُنَّ مِنَ المُهُورِ ﴿إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ إلّا أنْ يَعْلَمَ الزَوْجانِ تَرْكَ إقامَةِ حُدُودِ اللهِ فِيما يَلْزَمُهُما مِن مَواجِبِ الزَوْجِيَّةِ، لِما يَحْدُثُ مِن نُشُوزِ المَرْأةِ، وسُوءِ خُلُقِها،

﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ أيُّها الوُلاةُ، وجازَ أنْ يَكُونَ أوَّلُ الخِطابِ لِلْأزْواجِ، وآخِرُهُ لِلْحُكّامِ ﴿ألا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ فَلا جُناحَ عَلى الرَجُلِ فِيما أخَذَ، ولا عَلَيْها فِيما أعْطَتْ،

﴿فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ فِيما افْتَدَتْ بِهِ نَفْسَها، واخْتَلَعَتْ بِهِ مِن بَذْلِ ما أُوتِيَتْ مِنَ المَهْرِ. (إلّا أنْ يُخافا) حَمْزَةُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإبْدالُ (ألّا يُقِيما) مِن ألِفِ الضَمِيرِ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، نَحْوُ: خِيفَ زَيْدٌ تَرْكُهُ إقامَةَ حُدُودِ اللهِ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أيْ: ما حَدَّ مِنَ النِكاحِ، واليَمِينِ، والإيلاءِ، والطَلاقِ، والخُلْعِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

﴿فَلا تَعْتَدُوها﴾ فَلا تَجاوَزُوها بِالمُخالَفَةِ ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ الضارُّونَ أنْفُسَهم.

2:230Page 36

فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٢٣٠

And if he has divorced her [for the third time], then she is not lawful to him afterward until [after] she marries a husband other than him.1 And if he [i.e., the latter husband] divorces her [or dies], there is no blame upon them [i.e., the woman and her former husband] for returning to each other if they think that they can keep [within] the limits of Allāh. These are the limits of Allāh, which He makes clear to a people who know [i.e.,understand].

﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ مَرَّةً ثالِثَةً بَعْدَ المَرَّتَيْنِ، فَإنْ قُلْتَ: الخُلْعُ طَلاقٌ عِنْدِنا، وكَذا عِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- في قَوْلٍ، فَكَأنَّ هَذِهِ تَطْلِيقَةٌ رابِعَةٌ، قُلْتُ: الخُلْعُ طَلاقٌ بِبَدَلٍ فَيَكُونُ طَلْقَةً ثالِثَةً، وهَذا بَيانٌ لِتِلْكَ، أيْ: فَإنْ طَلَّقَها الثالِثَةَ بِبَدَلٍ فَحُكْمُ التَحْلِيلِ كَذا ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ مِن بَعْدِ التَطْلِيقَةِ الثالِثَةِ ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا (p-١٩٢)غَيْرَهُ﴾ حَتّى يَتَزَوَّجَ غَيْرُهُ. والنِكاحُ يُسْنَدُ إلى المَرْأةِ، كَما يُسْنَدُ إلى الرَجُلِ كالتَزَوُّجِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِكاحَ يَنْعَقِدُ بِعِبارَتِها، والإصابَةُ شُرِطَتْ بِحَدِيثِ العُسَيْلَةِ، كَما عُرِفَ في أُصُولِ الفِقْهِ، والفِقْهُ فِيهِ: أنَّهُ لَمّا أقْدَمَ عَلى فِراقٍ لَمْ يَبْقَ لِلنَّدَمِ مَخْلَصًا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ إلّا بِدُخُولِ فَحْلٍ عَلَيْها لِيَمْتَنِعَ عَنِ ارْتِكابِهِ ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ الزَوْجُ الثانِي بَعْدَ الوَطْءِ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ عَلى الزَوْجِ الأوَّلِ وعَلَيْها ﴿أنْ يَتَراجَعا﴾ أنْ يَرْجِعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ بِالزَواجِ،

﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ إنْ كانَ في ظَنِّهِما أنَّهُما يُقِيمانِ حُقُوقَ الزَوْجِيَّةِ، ولَمْ يَقُلْ: إنْ عَلِما أنَّهُما يُقِيمانِ، لِأنَّ اليَقِينَ مَغِيبٌ عَنْهُما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها﴾ وبِالنُونِ، المُفَضَّلُ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يَفْهَمُونَ ما بَيَّنَ لَهم.

2:231Page 37

وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٣١

And when you divorce women and they have [nearly] fulfilled their term, either retain them according to acceptable terms or release them according to acceptable terms, and do not keep them, intending harm, to transgress [against them]. And whoever does that has certainly wronged himself. And do not take the verses of Allāh in jest. And remember the favor of Allāh upon you and what has been revealed to you of the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom [i.e., the Prophet's sunnah] by which He instructs you. And fear Allāh and know that Allāh is Knowing of all things.

﴿وَإذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيْ: آخِرَ عِدَّتِهِنَّ، وشارَفْنَ مُنْتَهاها، والأجَلُ: يَقَعُ عَلى المُدَّةِ كُلِّها وعَلى آخِرِها، يُقالُ لِعُمْرِ الإنْسانِ: أجَلٌ، ولِلْمَوْتِ الَّذِي يُنْتَهى بِهِ أجَلٌ.

﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: فَإمّا أنْ يُراجِعَها مِن غَيْرِ طَلَبِ ضِرارٍ بِالمُراجَعَةِ، وإمّا أنْ يُخَلِّيَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، وتَبِينَ مِن غَيْرِ ضِرارٍ.

﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ حالٌ، أيْ: مُضارِّينَ. وكانَ الرَجُلُ يُطَلِّقُ المَرْأةَ ويَتْرُكُها حَتّى يَقْرُبَ انْقِضاءُ عَدَّتِها، ثُمَّ يُراجِعُها لا عَنْ حاجَةٍ، ولَكِنْ لِيُطَوِّلَ العِدَّةَ عَلَيْها، فَهو الإمْساكُ ضِرارًا.

﴿لِتَعْتَدُوا﴾ لِتَظْلِمُوهُنَّ، أوْ لِتُلْجِئُوهُنَّ إلى الِافْتِداءِ.

﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: الإمْساكَ لِلضِّرارِ،

﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بِتَعْرِيضِها لِعِقابِ اللهِ.

﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا﴾ أيْ: جِدُّوا فى الأخْذِ بِها، والعَمَلِ بِما فِيها، وارْعَوْها حَقَّ رِعايَتِها، وإلّا فَقَدَ اتَّخَذْتُمُوها هُزُوًا، يُقالُ لِمَن لَمْ يَجِدَّ في الأمْرِ: إنَّما أنْتَ لاعِبٌ وهازِئٌ،

﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ (p-١٩٣)بِالإسْلامِ، وبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ﴿وَما أنْـزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ﴾ مِنَ القُرْآنِ والسُنَّةِ، وذَكَرَها مُقابِلَتَها بِالشُكْرِ والقِيامِ بِحَقِّها ﴿يَعِظُكم بِهِ﴾ بِما أنْزَلَ عَلَيْكُمْ، وهو حالٌ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ فِيما امْتَحَنَكم بِهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مِنَ الذِكْرِ، والِاتِّقاءِ، والِاتِّعاظِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو أبْلَغُ وعْدٍ ووَعِيدٍ.

2:232Page 37

وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوۡاْ بَيۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ ذَٰلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢٣٢

And when you divorce women1 and they have fulfilled their term, do not prevent them from remarrying their [former] husbands if they [i.e., all parties] agree among themselves on an acceptable basis. That is instructed to whoever of you believes in Allāh and the Last Day. That is better for you and purer, and Allāh knows and you know not.

﴿وَإذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيِ:انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، فَدَلَّ سِياقُ الكَلامَيْنِ عَلى افْتِراقِ البُلُوغَيْنِ، لِأنَّ النِكاحَ يَعْقُبُهُ هُنا، وذا يَكُونُ بَعْدَ العِدَّةِ، وفي الأُولى الرَجْعَةُ، وذا يَكُونُ في العِدَّةِ ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فَلا تَمْنَعُوهُنَّ. العَضْلُ. المَنعُ والتَضْيِيقُ ﴿أنْ يَنْكِحْنَ﴾ مِن أنْ يَنْكِحْنَ ﴿أزْواجَهُنَّ﴾ الَّذِينَ يَرْغَبْنَ فِيهِمْ، ويَصْلُحُونَ لَهُنَّ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى انْعِقادِ النِكاحِ بِعِبارَةِ النِساءِ، والخِطابُ لِلْأزْواجِ الَّذِينَ يَعْضُلُونَ نِساءَهم بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ ظُلْمًا، ولا يَتْرُكُونَهُنَّ يَتَزَوَّجُهُنَّ مَن شِئْنَ مِنَ الأزْواجِ، سُمُّوا أزْواجًا باسِمِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ، أوْ لِلْأوْلِياءِ في عَضْلِهِنَّ أنْ يَرْجِعْنَ إلى أزْواجِهِنَّ، الَّذِينَ كانُوا أزْواجًا لَهُنَّ، سُمُّوا أزْواجًا بِاعْتِبارِ ما كانَ. نَزَلَتْ فى مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ حِينَ عَضَلَ أُخْتَهُ أنْ تَرْجِعَ إلى الزَوْجِ الأوَّلِ، أوْ لِلنّاسِ، أيْ: لا يُوجَدُ فِيما بَيْنَكم عَضْلٌ، لِأنَّهُ إذا وُجِدَ بَيْنَهُمْ، وهم راضُونَ، كانُوا في حُكْمِ العاضِلِينَ.

﴿إذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ﴾ إذا تَراضى الخُطّابُ والنِساءُ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِما يَحْسُنُ في الدِينِ والمُرُوءَةِ مِنَ الشَرائِطِ، أوْ بِمَهْرِ المِثْلِ والكُفْءِ، لِأنَّ عِنْدَ عَدَمِ أحَدِهِما لِلْأوْلِياءِ أنْ يَتَعَرَّضُوا. والخِطابُ في ﴿ذَلِكَ﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ ﴿يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فالمُواعَظَةِ إنَّما تَنْجَحُ فِيهِمْ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: تَرْكُ العَضْلِ والضِرارِ ﴿أزْكى لَكم وأطْهَرُ﴾ أيْ: لَكُمْ، مِن أدْناسِ الآثامِ، أوْ " أزْكى وأطْهَر " أفْضَلُ وأطْيَبُ ﴿واللهُ يَعْلَمُ﴾ ما في ذَلِكَ مِنَ الزَكاءِ، والطُهْرِ ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ.

(p-١٩٤)

2:233Page 37

۞ وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٢٣٣

Mothers may nurse [i.e., breastfeed] their children two complete years for whoever wishes to complete the nursing [period]. Upon the father is their [i.e., the mothers'] provision and their clothing according to what is acceptable. No person is charged with more than his capacity. No mother should be harmed through her child, and no father through his child. And upon the [father's] heir is [a duty] like that [of the father]. And if they both desire weaning through mutual consent from both of them and consultation, there is no blame upon either of them. And if you wish to have your children nursed by a substitute, there is no blame upon you as long as you give payment according to what is acceptable. And fear Allāh and know that Allāh is Seeing of what you do.

﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ المُؤَكَّدِ، كَـ "يَتَرَبَّصْنَ" وهَذا الأمْرُ عَلى وجْهِ النَدْبِ، أوْ عَلى وجْهِ الوُجُوبِ إذا لَمْ يَقْبَلِ الصَبِيُّ إلّا ثَدْيَ أُمِّهِ، أوْ لَمْ تُوجَدْ لَهُ ظِئْرٌ، أوَ كانَ الأبُ عاجِزًا عَنِ الِاسْتِئْجارِ، أوْ أرادَ الوالِداتِ المُطَلَّقاتِ، وإيجابُ النَفَقَةِ والكُسْوَةِ لِأجْلِ الرَضاعِ ﴿حَوْلَيْنِ﴾ ظَرْفٌ ﴿كامِلَيْنِ﴾ تامَّيْنِ، وهو تَأْكِيدٌ، لِأنَّهُ مِمّا يَتَسامَحُ فِيهِ، فَإنَّكَ تَقُولُ: إنَّكَ أقَمْتَ عِنْدَ فُلانٍ حَوْلَيْنِ ولَمْ تَسْتَكْمِلْهُما ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَضاعَةَ﴾ بَيانٌ لِمَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ الحُكْمُ، أيْ: هَذا الحُكْمُ لِمَن أرادَ إتْمامَ الرَضاعَةِ، والحاصِلُ أنَّ الأبَ يَجِبُ عَلَيْهِ إرْضاعُ ولَدِهِ دُونَ الأُمِّ، وعَلَيْهِ أنْ يَتَّخِذَ لَهُ ظِئْرًا إلّا إذا تَطَوَّعَتِ الأُمُّ بِإرْضاعِهِ، وهي مَندُوبَةٌ إلى ذَلِكَ، ولا تُجْبَرُ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ الأُمِّ ما دامَتْ زَوْجَةً أوْ مُعْتَدَّةً.

﴿وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ﴾ الهاءُ يَعُودُ إلى اللامِ بِمَعْنى الَّذِي، والتَقْدِيرُ: وعَلى الَّذِي يُولَدُ لَهُ وهو الوالِدُ. و"لَهُ" في مَحَلِّ الرَفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ كَـ "عَلَيْهِمْ" في ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتِحَةُ: ٧]. وإنَّما قِيلَ عَلى المَوْلُودِ لَهُ دُونَ الوالِدِ لِيَعْلَمَ أنَّ الوالِداتِ إنَّما ولَدْنَ لَهُمْ، إذِ الأوْلادُ لِلْآباءِ والنَسَبِ إلَيْهِمْ لا إلَيْهِنَّ، فَكانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَرْزُقُوهُنَّ ويَكْسُوهُنَّ إذا أرْضَعْنَ ولَدَهم كالأظْآرِ، ألا تَرى أنَّهُ ذَكَرَهُ بِاسْمِ الوالِدِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هَذا المَعْنى، وهو قَوْلُهُ: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ [لُقْمانُ: ٣٣] ﴿رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِلا إسْرافٍ ولا تَقْتِيرٍ، وتَفْسِيرُهُ ما يَعْقُبُهُ، وهو ألّا يُكَلِّفَ واحِدٌ مِنهُما ما لَيْسَ في وُسْعِهِ، ولا يَتَضارّا ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها﴾ وجَدَها، أوْ قَدْرَ إمْكانِها، والتَكْلِيفُ: إلْزامُ ما يُؤْثِرُهُ في الكُلْفَةِ، وانْتِصابُ "وُسْعَها" عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُكَلَّفَ لا عَلى الِاسْتِثْناءِ، ودَخَلَتْ "إلّا" بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ ﴿لا تُضارَّ﴾ مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ بِالرَفْعِ عَلى الإخْبارِ، ومَعْناهُ النَهْيُ. وهو يَحْتَمِلُ البِناءَ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ، وأنْ يَكُونَ الأصْلُ تُضارِّ بِكَسْرِ الراءِ، أوْ (p-١٩٥)تُضارَّ بِفَتْحِها. الباقُونَ (لا تُضارَّ) عَلى النَهْيِ. والأصْلُ: تُضارِرْ، أُسْكِنَتِ الراءُ الأُولى، وأُدْغِمَتْ في الثانِيَةِ بَعْدَ أنْ سُكِّنَتْ، فالتَقى الساكِنانِ، فَفُتِحَتِ الثانِيَةُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ ﴿والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ أيْ: لا تُضارَّ والِدَةٌ زَوْجَها بِسَبَبِ ولَدِها، وهو أنْ تُعَنِّفَ بِهِ، وتَطْلُبَ مِنهُ ما لَيْسَ بِعَدْلٍ مِنَ الرِزْقِ والكُسْوَةِ، وأنْ تَشْغَلَ قَلْبَهُ بِالتَفْرِيطِ في شَأْنِ الوَلَدِ، وأنْ تَقُولَ بَعْدَ ما ألِفَها الصَبِيُّ: اطْلُبْ لَهُ ظِئْرًا، وما أشْبَهَ ذَلِكَ ﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ أيْ: ولا يُضارَّ مَوْلُودٌ لَهُ امْرَأتَهُ بِسَبَبِ ولَدِهِ بِأنْ يَمْنَعَها شَيْئًا مِمّا وجَبَ عَلَيْهِ مِن رِزْقِها وكُسْوَتِها، أوْ يَأْخُذَهُ مِنها وهي تُرِيدُ إرْضاعَهُ.

وَإذا كانَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَهو نَهْيٌ عَنْ أنْ يَلْحَقَ بِها الضِرارَ مِن قِبَلِ الزَوْجِ، وعَنْ أنْ يَلْحَقَ الضِرارُ بِالزَوْجِ مِن قِبَلِها بِسَبَبِ الوَلَدِ.

أوْ تُضارَّ بِمَعْنى تَضُرُّ، والباءُ مِن صِلَتِهِ، أيْ: لا تَضُرَّ والِدَةٌ ولَدَها فَلا تُسِيءُ غِذاءَهُ وتَعَهُّدَهُ، ولا تَدْفَعُهُ إلى الأبِ بَعْدَ ما ألِفَها، ولا يَضُرُّ الوالِدُ بِهِ بِأنْ يَنْتَزِعَهُ مِن يَدِها، أوْ يُقَصِّرَ فى حَقِّها، فَتُقَصِّرُ هي فى حَقِّ الوَلَدِ. وإنَّما قِيلَ بِوَلَدِها وبِوَلَدِهِ، لِأنَّهُ لَمّا نُهِيَتِ المَرْأةُ عَنِ المُضارَّةِ أُضِيفَ إلَيْها الوَلَدُ اسْتِعْطافًا لَها عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ الوالِدُ ﴿وَعَلى الوارِثِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾ وما بَيْنَهُما تَفْسِيرٌ لِلْمَعْرُوفِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أيْ: وعَلى وارِثِ الصَبِيِّ عِنْدَ عَدَمِ الأبِ ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ الَّذِي كانَ عَلى أبِيهِ في حَياتِهِ مِنَ الرِزْقِ والكُسْوَةِ، واخْتَلَفَ فِيهِ، فَعِنْدَ ابْنِ أبِي لَيْلى: كُلُّ مَن ورِثَهُ. وعِنْدَنا مَن كانَ ذا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنهُ، لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رِضى اللهُ عَنْهُ-: (وَعَلى الوارِثِ ذِي الرَحِمِ المُحَرَّمِ مِثْلُ ذَلِكَ). وعِنْدَ الشافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- لا نَفَقَةَ فِيما عَدا الوِلادَ ﴿فَإنْ أرادا﴾ يَعْنِي: الأبَوَيْنِ ﴿فِصالا﴾ فِطامًا صادِرًا ﴿عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ﴾ بَيْنَهُما ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ في ذَلِكَ، زادا عَلى الحَوْلَيْنِ، أوْ نَقَصا. وهَذِهِ تَوْسِعَةٌ بَعْدَ التَحْدِيدِ، والتَشاوُرُ: اسْتِخْراجُ الرَأْيِ، مِن شِرْتُ العَسَلَ: إذا اسْتَخْرَجْتَهُ، وذَكَرَهُ لِيَكُونَ التَراضِي عَنْ تَفَكُّرٍ، فَلا يَضُرُّ الرَضِيعَ، فَسُبْحانَ الَّذِي (p-١٩٦)أدَّبَ الكَبِيرَ، ولَمْ يُهْمِلِ الصَغِيرَ. واعْتَبَرَ اتِّفاقَهُما، لِأنَّ لِلْأبِ النِسْبَةَ والوِلايَةَ، ولِلْأُمِّ الشَفَقَةَ والعِنايَةَ.

﴿وَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ أيْ: لِأوْلادِكُمْ، عَنِ الزَجّاجِ. وقِيلَ: اسْتَرْضَعَ مَنقُولٌ مِن أرْضَعَ، يُقالُ: أرْضَعَتِ المَرْأةُ الصَبِيَّ، واسْتَرْضَعْتُها الصَبِيَّ مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ أيْ: أنْ تَسْتَرْضِعُوا المَراضِعَ أوْلادَكُمْ، فَحَذَفَ أحَدَ المَفْعُولَيْنِ، يَعْنِي: غَيْرَ الأُمِّ عِنْدَ إبائِها، أوْ عَجْزِها ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم إذا سَلَّمْتُمْ﴾ إلى المَراضِعِ ﴿ما آتَيْتُمْ﴾ ما أرَدْتُمْ إيتاءَهُ مِنَ الأُجْرَةِ. (أتَيْتُمْ) مَكِّيٌّ، مِن أتى إلَيْهِ إحْسانًا: إذا فَعَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مَرْيَمُ: ٦١] أيْ: مَفْعُولًا، والتَسْلِيمُ نَدْبٌ لا شَرْطٌ لِلْجَوازِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَلَّمْتُمْ، أيْ: سَلَّمْتُمُ الأُجْرَةُ إلى المَراضِعِ بِطِيبِ نَفْسٍ وسُرُورٍ،

﴿واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكُمْ، فَهو يُجازِيكم عَلَيْها.

2:234Page 38

وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٣٤

And those who are taken in death among you and leave wives behind - they, [the wives, shall] wait four months and ten [days]. And when they have fulfilled their term, then there is no blame upon you for what they do with themselves in an acceptable manner.1 And Allāh is [fully] Aware of what you do.

﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ تَقُولُ: تَوَفَّيْتُ الشَيْءَ، واسْتَوْفَيْتُهُ: إذا أخَذْتَهُ وافِيًا تامًّا، أيْ: تُسْتَوْفى أرْواحُهم ﴿وَيَذَرُونَ﴾ ويَتْرُكُونَ ﴿أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ أيْ: وزَوْجاتُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم يَتَرَبَّصْنَ، أيْ: يَعْتَدِدْنَ، أوْ مَعْناهُ: يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهم بِأنْفُسِهِنَّ، فَحَذَفَ بَعْدَهم لِلْعِلْمِ بِهِ، وإنَّما احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِهِ، لِأنَّهُ لابُدَّ مِن عائِدٍ يَرْجِعُ إلى المُبْتَدَأِ في الجُمْلَةِ الَّتِي وقَعَتْ خَبَرًا. (يَتَوَفَّوْنَ) المُفَضَّلُ، أيْ: يَسْتَوْفُونَ آجالَهم.

﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ أيْ: وعَشْرَ لَيالٍ، والأيّامُ داخِلَةٌ مَعَها، ولا يُسْتَعْمَلُ التَذْكِيرُ فِيهِ ذَهابًا إلى الأيّامِ، تَقُولُ: صُمْتُ عَشْرًا، ولَوْ ذَكَّرْتَ لَخَرَجْتَ مِن كَلامِهِمْ.

﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ فَإذا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها الأئِمَّةُ والحُكّامُ ﴿فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ مِنَ التَعَرُّضِ لِلْخُطّابِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ الشَرْعُ ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالِمٌ بِالبَواطِنِ.

(p-١٩٧)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском