An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:253–265
2:253Page 42
۞ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣
Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allāh spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit [i.e., Gabriel]. If Allāh had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allāh had willed, they would not have fought each other, but Allāh does what He intends.
﴿تِلْكَ الرُسُلُ﴾ إشارَةٌ إلى جَماعَةِ الرُسُلِ الَّتِي ذَكِرَتْ قِصَصُها في هَذِهِ السُورَةِ مِن آدَمَ إلى داوُدَ، أوِ الَّتِي ثَبَتَ عِلْمُها عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ بِالخَصائِصِ وراءَ الرِسالَةِ، لِاسْتِوائِهِمْ فِيها كالمُؤْمِنِينَ، يَسْتَوُونَ في صِفَةِ الإيمانِ، ويَتَفاوَتُونَ في الطاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللهُ﴾ أيْ: كَلَّمَهُ اللهُ، حَذَفَ العائِدَ مِنَ الصِلَةِ، يَعْنِي: مِنهم مَن فَضَّلَهُ اللهُ بِأنْ كَلَّمَهُ مِن غَيْرِ سَفِيرٍ، وهو مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلٌ.
﴿دَرَجاتٍ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ، أيْ: بِدَرَجاتٍ، أوْ إلى دَرَجاتٍ، يَعْنِي: ومِنهم مَن رَفَعَهُ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ، فَكانَ بَعْدَ تَفاوُتِهِمْ في الفَضْلِ أفْضَلَ مِنهم بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، لِأنَّهُ هو المُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِهِ إلى الكافَّةِ، وبِأنَّهُ أُوتِيَ ما لَمْ يُؤْتَهُ أحَدٌ مِنَ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ المُرْتَقِيَةِ إلى ألْفٍ أوْ أكْثَرَ، وأكْبَرُها القُرْآنُ، لِأنَّهُ المُعْجِزَةُ الباقِيَةُ عَلى وجْهِ الدَهْرِ. وفي هَذا الإبْهامِ تَفْخِيمٌ وبَيانُ أنَّهُ العِلْمُ الَّذِي لا يَشْتَبِهُ عَلى أحَدٍ، والمُتَمَيِّزُ الَّذِي لا يَلْتَبِسُ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ مُحَمَّدٌ وإبْراهِيمُ وغَيْرُهُما، مِن أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ.
﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ كَإحْياءِ المَوْتى، وإبْراءِ الأكَمَهِ والأبْرَصِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ قَوَّيْناهُ بِجِبْرِيلَ، أوْ بِالإنْجِيلِ.
﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما اقْتَتَلَ﴾ أيْ: ما اخْتَلَفَ، لِأنَّهُ سَبَبُهُ.
﴿الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ مِن بَعْدِ الرُسُلِ.
﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ المُعْجِزاتُ الظاهِراتُ.
﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ بِمَشِيئَتِي، ثُمَّ بَيَّنَ الِاخْتِلافَ فَقالَ: ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ بِمَشِيئَتِي. يَقُولُ اللهُ: أُجْرِيَتْ أُمُورُ رُسُلِي عَلى هَذا، أيْ: لَمْ يَجْتَمِعْ لِأحَدٍ مِنهم طاعَةُ جَمِيعِ أُمَّتِهِ في حَياتِهِ، ولا بَعْدَ وفاتِهِ، بَلِ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: لَوْ شِئْتُ ألّا يَقْتَتِلُوا لَمْ يَقْتَتِلُوا، إذْ لا يَجْرِي في مُلْكِي إلّا ما يُوافِقُ مَشِيئَتِي. وهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ، لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ لَوْ شاءَ ألّا يَقْتَتِلُوا لَمْ يَقْتَتِلُوا، (p-٢٠٩)وَهم يَقُولُونَ: شاءَ ألّا يَقْتَتِلُوا فاقْتَتَلُوا.
﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ أثْبَتَ الإرادَةَ لِنَفْسِهِ، كَما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ.
2:254Page 42
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٥٤
O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange [i.e., ransom] and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللهِ، أوْ هو عامٌّ في كُلِّ صَدَقَةٍ واجِبَةٍ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلى تَدارُكِ ما فاتَكم مِنَ الإنْفاقِ، لِأنَّهُ لا بَيْعَ فِيهِ حَتّى تَبْتاعُوا ما تُنْفِقُونَهُ.
﴿وَلا خُلَّةٌ﴾ حَتّى يُسامِحَكم أخِلّاؤُكم بِهِ،
﴿وَلا شَفاعَةٌ﴾ أيْ: لِلْكافِرِينَ، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَلَهم شَفاعَةٌ، أوْ إلّا بِإذْنِهِ.
﴿والكافِرُونَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ أنْفُسَهم بِتَرْكِهِمُ التَقْدِيمَ لِيَوْمِ حاجاتِهِمْ، أوِ الكافِرُونَ بِهَذا اليَوْمِ هُمُ الظالِمُونَ. (لا بَيْعَ فِيهِ ولا خُلَّةَ ولا شَفاعَةَ) مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ.
2:255Page 42
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ ٢٥٥
Allāh - there is no deity except Him, the Ever-Living,1 the Self-Sustaining.2 Neither drowsiness overtakes Him nor sleep. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Who is it that can intercede with Him except by His permission? He knows what is [presently] before them and what will be after them,3 and they encompass not a thing of His knowledge except for what He wills. His Kursī4 extends over the heavens and the earth, and their preservation tires Him not. And He is the Most High,5 the Most Great.6
﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ لا مَعَ اسْمِهِ وخَبَرِهِ، وما أُبْدِلَ مِن مَوْضِعِهِ، في مَوْضِعِ الرَفْعِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وهو اللهُ ﴿الحَيُّ﴾ الباقِي الَّذِي لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْفَناءِ.
﴿القَيُّومُ﴾ الدائِمُ القِيامِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ، وحِفْظِهِ.
﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ نُعاسٌ، وهُوَ: ما يَتَقَدَّمُ النَوْمَ مِنَ الفُتُورِ.
﴿وَلا نَوْمٌ﴾ عَنِ المُفَضَّلِ: السِنَةُ: ثِقَلٌ في الرَأْسِ، والنُعاسُ: في العَيْنِ، والنَوْمُ: في القَلْبِ. وهو تَأْكِيدٌ لِلْقَيُّومِ، لِأنَّ مَن جازَ عَلَيْهِ ذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ قَيُّومًا، وقَدْ أوْحى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: قُلْ لِهَؤُلاءِ: إنّى أُمْسِكُ السَماواتِ والأرْضَ بِقُدْرَتِي، فَلَوْ أخَذَنِي نَوْمٌ أوْ نُعاسٌ لَزالَتا.
﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مُلْكًا ومِلْكًا ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَشْفَعَ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ، وهو بَيانٌ لِمَلَكُوتِهِ وكِبْرِيائِهِ، وأنَّ أحَدًا لا يَتَمالَكُ أنْ يَتَكَلَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا إذا أُذِنَ لَهُ في الكَلامِ. وفِيهِ رَدٌّ لِزَعْمِ الكُفّارِ أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم.
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ ما كانَ قَبْلَهم وما يَكُونُ (p-٢١٠)بَعْدَهم. والضَمِيرُ لِما في السَمَواتِ والأرْضِ، لِأنَّ فِيهِمُ العُقَلاءَ.
﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ مِن مَعْلُومِهِ، يُقالُ: في الدُعاءِ: اللهُمَّ اغْفِرْ عِلْمَكَ فِينا، أيْ: مَعْلُومُكَ.
﴿إلا بِما شاءَ﴾ إلّا بِما عَلِمَ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ: عِلْمُهُ. ومِنهُ الكُرّاسَةُ لِتَضَمُّنِها العِلْمَ، والكَراسِيُّ العُلَماءِ، وسُمِّيَ العِلْمُ كُرْسِيًّا تَسْمِيَةً بِمَكانِهِ الَّذِي هو كُرْسِيُّ العالِمِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافِرٌ: ٧]. أوْ مُلْكُهُ تَسْمِيَةً بِمَكانِهِ الَّذِي هو كُرْسِيُّ المُلْكِ، أوْ عَرْشُهُ، كَذا عَنِ الحَسَنِ. أوْ هو سَرِيرٌ دُونَ العَرْشِ. فى الحَدِيثِ « "ما السَماواتُ السَبْعُ في الكُرْسِيِّ إلّا كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ بِفَلاةٍ، وفَضْلُ العَرْشِ عَلى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الفَلاةِ عَلى تِلْكَ الحَلْقَةِ"، » أوْ قُدْرَتِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَئُودُهُ﴾ ولا يُثْقِلُهُ، ولا يَشُقُّ عَلَيْهِ.
﴿حِفْظُهُما﴾ حِفْظُ السَمَواتِ والأرْضِ ﴿وَهُوَ العَلِيُّ﴾ في مَلِكِهِ وسُلْطانِهِ ﴿العَظِيمُ﴾ في عِزِّهِ وجَلالِهِ، أوْ ﴿العَلِيُّ﴾ المُتَعالِي عَنِ الصِفاتِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِهِ،
﴿العَظِيمُ﴾ المُتَّصِفُ بِالصِفاتِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ، فَهُما جامِعانِ لِكَمالِ التَوْحِيدِ، وإنَّما تَرَتَّبَتِ الجُمَلُ في آيَةِ الكُرْسِيِّ بِلا حَرْفِ عَطْفٍ، لِأنَّها ورَدَتْ عَلى سَبِيلِ البَيانِ، فالأُولى: بَيانٌ لِقِيامِهِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ، وكَوْنِهِ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ غَيْرَ ساهٍ عَنْهُ. والثانِيَةُ: لِكَوْنِهِ مالِكًا لِما يُدَبِّرُهُ. والثالِثَةُ: لِكِبْرِياءِ شَأْنِهِ. والرابِعَةُ: لِإحاطَتِهِ بِأحْوالِ الخَلْقِ. والخامِسَةُ: لِسَعَةِ عِلْمِهِ، وتَعَلُّقِهِ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها، أوْ لِجَلالِهِ، وعِظَمِ قَدْرِهِ. وإنَّما فُضِّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَتّى ورَدَ فى فَضْلِها ما ورَدَ، مِنهُ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ -رِضى اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن قَرَأ آيَةَ الكُرْسِيِّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ إلّا المَوْتُ، ولا يُواظِبُ عَلَيْها إلّا صِدِّيقٌ أوْ عابِدٌ، ومَن قَرَأها إذا أخَذَ مَضْجَعَهُ أمَّنَهُ اللهُ عَلى نَفْسِهِ وجارِهِ وجارِ جارِهِ والأبْياتِ حَوْلَهُ". » وقالَ ﷺ: « "سَيِّدُ البَشَرِ آدَمُ وسَيِّدُ (p-٢١١)العَرَبِ مُحَمَّدٌ ولا فَخْرَ، وسَيِّدُ الفُرْسِ سَلْمانُ، وسَيِّدُ الرُومِ صُهَيْبٌ، وسَيِّدُ الحَبَشَةِ بِلالٌ، وسَيِّدُ الجِبالِ الطُورُ، وسَيِّدُ الأيّامِ يَوْمُ الجُمْعَةِ، وسَيِّدُ الكَلامِ القُرْآنُ، وسَيِّدُ القُرْآنِ البَقَرَةِ، وسَيِّدُ البَقَرَةِ آيَةُ الكُرْسِيِّ". » وقالَ: « "ما قُرِئَتْ هَذِهِ الآيَةُ في دارٍ إلّا هَجَرَتْها الشَياطِينُ ثَلاثِينَ يَوْمًا، ولا يَدْخُلُها ساحِرٌ ولا ساحِرَةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً". وقالَ: "مَن قَرَأ آيَةَ الكُرْسِيِّ عِنْدَ مَنامِهِ بُعِثَ إلَيْهِ مَلَكٌ يَحْرُسُهُ حَتّى يُصْبِحَ". » وقالَ: « "مَن قَرَأ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِما حَتّى يُصْبِحَ، وإنْ قَرَأهُما حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِما حَتّى يُمْسِيَ، آيَةُ الكُرْسِيِّ وأوَّلُ حَمِ المُؤْمِنُ إلى ﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ " »، لِاشْتِمالِهِما عَلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى، وتَعْظِيمِهِ، وتَمْجِيدِهِ، وصِفاتِهِ العُظْمى، ولا مَذْكُورَ أعْظَمُ مِن رَبِّ العِزَّةِ، فَما كانَ ذِكْرًا لَهُ كانَ أفْضَلَ مِن سائِرِ الأذْكارِ. وبِهِ يُعْلَمُ أنَّ أشْرَفَ العُلُومِ عِلْمُ التَوْحِيدِ.
2:256Page 42
لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦
There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become distinct from the wrong. So whoever disbelieves in ṭāghūt1 and believes in Allāh has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allāh is Hearing and Knowing.
﴿لا إكْراهَ في الدِينِ﴾ أيْ: لا إجْبارَ عَلى الدِينِ الحَقِّ، وهو دِينُ الإسْلامِ. وقِيلَ: هو إخْبارٌ في مَعْنى النَهْيِ. ورُوِيَ «أنَّهُ كانَ لِأنْصارِيٍّ ابْنانِ فَتَنَصَّرا، فَلَزِمَهُما أبُوهُما، وقالَ: واللهِ لا أدْعُكُما حَتّى تُسْلِما، فَأبَيا، فاخْتَصَما إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللهِ، أيَدْخُلُ بِعَضِي في النارِ وأنا أنْظُرُ؟! فَنَزَلَتْ. فَخَلّاهُما. » قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وجَماعَةٌ: كانَ هَذا في الِابْتِداءِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالأمْرِ بِالقِتالِ ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ قَدْ تَمَيَّزَ الإيمانُ مِنَ الكُفْرِ بِالدَلائِلِ الواضِحَةِ ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطاغُوتِ﴾ بِالشَيْطانِ، أوِ الأصْنامِ.
﴿وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ (p-٢١٢)اسْتَمْسَكَ﴾ تَمَسَّكَ ﴿بِالعُرْوَةِ﴾ أيِ:المُعْتَصَمِ، والمُتَعَلَّقِ.
﴿الوُثْقى﴾ تَأْنِيثُ الأوْثَقِ، أيِ:الأشَدِّ مِنَ الحَبْلِ الوَثِيقِ، المُحْكَمِ، المَأْمُونِ.
﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ لا انْقِطاعَ لِلْعُرْوَةِ، وهَذا تَمْثِيلٌ لِلْمَعْلُومِ بِالنَظَرِ والِاسْتِدْلالِ، بِالمُشاهَدِ المَحْسُوسِ، حَتّى يَتَصَوَّرَهُ السامِعُ كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ، فَيُحْكِمُ اعْتِقادَهُ. والمَعْنى: فَقَدْ عَقَدَ لِنَفْسِهِ مِنَ الدِينِ عَقْدًا وثِيقًا لا تُحِلُّهُ شُبْهَةٌ ﴿واللهُ سَمِيعٌ﴾ لِإقْرارِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِاعْتِقادِهِ.
2:257Page 43
ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥٧
Allāh is the Ally1 of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are ṭāghūt. They take them out of the light into darknesses.2 Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.
﴿اللهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أرادُوا أنْ يُؤْمِنُوا، أيْ: ناصِرُهُمْ، ومُتَوَلِّي أُمُورِهِمْ.
﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُلُماتِ﴾ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ والضَلالَةِ وجُمِعَتْ لِاخْتِلافِها.
﴿إلى النُورِ﴾ إلى الإيمانِ والهِدايَةِ، ووَحَّدَ لِاتِّحادِ الإيمانِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ هي ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطاغُوتُ﴾ خَبَرُهُ ﴿يُخْرِجُونَهم مِنَ النُورِ إلى الظُلُماتِ﴾ وجُمِعَ، لِأنَّ الطاغُوتَ في مَعْنى الجَمْعِ، يَعْنِي: والَّذِينَ صَمَّمُوا عَلى الكُفْرِ أمْرَهم عَلى عَكْسِ ذَلِكَ، أوِ اللهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ يُخْرِجُهم مِنَ الشُبْهَةِ في الدِينِ إنْ وقَعَتْ لَهم بِما يَهْدِيهِمْ، ويُوَفِّقُهم لَهُ مِن حَلِّها، حَتّى يَخْرُجُوا مِنها إلى نُورِ اليَقِينِ، والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الشَياطِينُ، يُخْرِجُونَهم مِن نُورِ البَيِّناتِ، الَّذِي يَظْهَرُ لَهُمْ، إلى ظُلُماتِ الشَكِّ والشُبْهَةِ.
﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
2:258Page 43
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥٨
Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allāh had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allāh brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allāh does not guide the wrongdoing people.
ثُمَّ عَجِبَ نَبِيَّهُ ﷺ، وسَلّاهُ بِمُجادَلَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ نُمْرُوذَ الَّذِي كانَ يَدَّعِي الرُبُوبِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ في مُعارَضَتِهِ رُبُوبِيَّةَ رَبِّهِ. والهاءُ في "رَبِّهِ" يَرْجِعُ إلى إبْراهِيمَ، أوِ الَّذِي حاجَّ، فَهو رَبُّهُما ﴿أنْ آتاهُ اللهُ المُلْكَ﴾ لِأنْ آتاهُ اللهُ، يَعْنِي: أنَّ إيتاءَ المُلْكِ أبَطَرَهُ وأوْرَثَهُ الكِبَرَ، فَحاجَّ لِذَلِكَ. وهو دَلِيلٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في الأصْلَحِ، أوْ حاجَّ وقْتَ أنْ أتاهُ اللهُ المُلْكَ.
﴿إذْ قالَ﴾ نَصْبٌ بِحاجَّ، أوْ بَدَلٌ مِن أنْ آتاهُ إذا جُعِلَ بِمَعْنى: الوَقْتِ.
﴿إبْراهِيمُ رَبِّيَ﴾ (رَبِّي)، حَمْزَةُ.
﴿الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ كَأنَّهُ قالَ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟ قالَ: (p-٢١٣)رَبِّي الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ﴿قالَ﴾ نُمْرُوذُ ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ يُرِيدُ: أعْفِي عَنِ القَتْلِ، وأقْتُلُ. فانْقَطَعَ اللَعِينُ بِهَذا عِنْدَ المُخاصَمَةِ، فَزادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ ما لا يَتَأتّى فِيهِ التَلْبِيسُ عَلى الضَعَفَةِ، حَيْثُ ﴿قالَ إبْراهِيمُ﴾ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿فَإنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ وهَذا لَيْسَ بِانْتِقالٍ مِن حُجَّةٍ إلى حُجَّةٍ كَما زَعَمَ البَعْضُ، لِأنَّ الحُجَّةَ الأُولى كانَتْ لازِمَةً، ولَكِنْ لَمّا عانَدَ اللَعِينُ حُجَّةَ الأحْياءِ بِتَخْلِيَةِ واحِدٍ وقَتْلِ آخَرَ، كَلَّمَهُ مِن وجْهٍ لا يُعانَدُ. وكانُوا أهْلَ تَنْجِيمٍ. وحَرَكَةُ الكَواكِبِ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ مَعْلُومَةٌ لَهُمْ، والحَرَكَةُ الشَرْقِيَّةُ المَحْسُوسَةُ لَنا قَسْرِيَّةٌ كَتَحْرِيكِ الماءِ النَمْلَ عَلى الرَحى إلى غَيْرِ جِهَةِ حَرَكَةِ النَمْلِ، فَقالَ: إنَّ رَبِّي يُحَرِّكُ الشَمْسَ قَسْرًا عَلى غَيْرِ حَرَكَتِها، فَإنْ كُنْتَ رَبًّا فَحَرَّكَها بِحَرَكَتِها، فَهو أهْوَنُ.
﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ تَحَيَّرَ، ودُهِشَ.
﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ أيْ: لا يُوَفِّقُهم. وقالُوا: إنَّما لَمْ يَقُلْ نُمْرُوذُ: فَلْيَأْتِ رَبُّكَ بِالشَمْسِ مِنَ المَغْرِبِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى صَرَفَهُ عَنْهُ. وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَدَّعِي الرُبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وما كانَ يَعْتَرِفُ بِالرُبُوبِيَّةِ لِغَيْرِهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ أنَّ الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ الإحْياءُ والإماتَةُ أنا لا غَيْرِي. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى إباحَةِ التَكَلُّمِ في عِلْمِ الكَلامِ والمُناظَرَةِ فِيهِ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ والمُحاجَّةُ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ حاجَّهُ أيْضًا. ولَوْ لَمْ يَكُنْ مُباحًا لَما باشَرَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ، لِكَوْنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَعْصُومِينَ عَنِ ارْتِكابِ الحَرامِ، ولِأنّا أُمِرْنا بِدُعاءِ الكَفَرَةِ إلى الإيمانِ بِاللهِ وتَوْحِيدِهِ، وإذا دَعَوْناهم إلى ذَلِكَ لا بُدَّ أنْ يَطْلُبُوا مِنَ الدَلِيلِ عَلى ذَلِكَ، وذا لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ المُناظَرَةِ، كَذا في "شَرْحِ التَأْوِيلاتِ".
2:259Page 43
أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٥٩
Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allāh bring this to life after its death?" So Allāh caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" He [the man] said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allāh is over all things competent."
﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ﴾ مَعْناهُ: أوْ أرَأيْتَ مَثَلَ الَّذِي، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿ألَمْ تَرَ﴾ عَلَيْهِ، لِأنَّ كِلْتَيْهِما كَلِمَةُ تَعْجِيبٍ، أوْ هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى دُونَ اللَفْظِ، تَقْدِيرُهُ: أرَأيْتَ كالَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ، أوْ كالَّذِي مَرَّ. وقالَ صاحِبُ (p-٢١٤)"الكَشْفِ": فِيهِ الكافُ زائِدَةٌ، والذِي عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِي حاجَّ﴾ عَنِ الحَسَنِ: إنَّ المارَّ كانَ كافِرًا بِالبَعْثِ، لِانْتِظامِهِ مَعَ نُمْرُوذٍ في سِلْكٍ، ولِكَلِمَةِ الِاسْتِبْعادِ الَّتِي هِيَ: ﴿أنّى يُحْيِي﴾ والأكْثَرُ أنَّهُ عُزَيْرٌ، أرادَ أنْ يُعايِنَ إحْياءَ المَوْتى لِيَزْدادَ بَصِيرَةً كَما طَلَبَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ، و﴿أنّى يُحْيِي﴾ اعْتِرافٌ بِالعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَةِ طَرِيقَةِ الإحْياءِ واسْتِعْظامٌ لِقُدْرَةِ المُحْيِي.
﴿عَلى قَرْيَةٍ﴾ هي بَيْتُ المَقْدِسِ حَيْثُ خَرَّبَهُ بُخْتَنَصَّرُ، أوْ هي الَّتِي خَرَجَ مِنها الأُلُوفُ.
﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ ساقِطَةٌ مَعَ سُقُوفِها، أوْ سَقَطَتِ السُقُوفُ ثُمَّ سَقَطَتْ عَلَيْها الحِيطانُ، وكُلُّ مُرْتَفِعٍ عَرْشٍ.
﴿قالَ أنّى يُحْيِي﴾ أيْ: كَيَفَ ؟ ﴿هَذِهِ﴾ أيْ: أهْلَ هَذِهِ.
﴿اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أيْ: أحْياهُ.
﴿قالَ﴾ لَهُ مَلِكٌ ﴿كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ بِناءً عَلى الظَنِّ، وفِيهِ دَلِيلُ جَوازِ الِاجْتِهادِ. رُوِيَ أنَّهُ ماتَ ضُحًى، وبُعِثَ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَمْسِ، فَقالَ قَبْلَ النَظَرِ إلى الشَمْسِ: ﴿يَوْمًا﴾ ثُمَّ التَفَتَ فَرَأى بَقِيَّةً مِنَ الشَمْسِ فَقالَ: ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ﴿قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ﴾ رُوِيَ أنَّ طَعامَهُ كانَ تِينًا وعِنَبًا، وشَرابُهُ عَصِيرًا ولَبَنًا، فَوَجَدَ التِينَ والعِنَبَ كَما جُنِيا، والشَرابَ عَلى حالِهِ.
﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لَمْ يَتَغَيَّرْ والهاءُ أصْلِيَّةٌ أوْ هاءُ سَكْتٍ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السُنَّةِ عَلى الوَجْهَيْنِ، لِأنَّ لامَها هاءٌ، لِأنَّ الأصْلَ سَنَهَةٌ، والفِعْلُ سانَهْتُ فُلانًا، أيْ: عامَلْتُهُ سَنَةً. أوْ واوٌ، لِأنَّ الأصْلَ سَنَوَةٌ، والفِعْلُ سانَيْتُ. ومَعْناهُ: لَمْ تُغَيِّرْهُ السُنُونَ، لَمْ يَتَسَنَّ بِحَذْفِ الهاءِ في الوَصْلِ، وبِإثْباتِها في الوَقْفِ، حَمْزَةُ وعَلِيٌّ.
﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ كَيْفَ تَفَرَّقَتْ عِظامُهُ، ونَخِرَتْ. وكانَ لَهُ حِمارٌ قَدْ رَبَطَهُ فَماتَ، وتَفَتَّتَتْ عِظامُهُ، أوْ ﴿وانْظُرْ﴾ إلَيْهِ سالِمًا في مَكانِهِ كَما رَبَطَتْهُ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الآياتِ أنْ يَعِيشَهُ مِائَةَ عامٍ مِن غَيْرِ عَلَفٍ ولا ماءٍ، كَما حَفِظَ طَعامَهُ (p-٢١٥)وَشَرابَهُ مِنَ التَغَيُّرِ ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ فَعَلْنا ذَلِكَ. يُرِيدُ إحْياءَهُ بَعْدَ المَوْتِ، وحِفْظَ ما مَعَهُ، وقِيلَ: الواوُ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيْ: لِتَعْتَبِرَ ولِنَجْعَلَكَ. قِيلَ: أتى قَوْمَهُ راكِبًا حِمارًا، وقالَ: أنا عُزَيْرٌ، فَكَذَّبُوهُ، فَقالَ: هاتُوا التَوْراةَ، فَأخَذَ يَقْرَؤُها عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، ولَمْ يَقْرَأِ التَوْراةَ ظاهِرًا أحَدٌ قَبْلَ عُزَيْرٍ، فَذَلِكَ كَوْنُهُ آيَةً. وقِيلَ: رَجَعَ إلى مَنزِلِهِ فَرَأى أوْلادَهُ شُيُوخًا وهو شابٌّ.
﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ﴾ أيْ: عِظامِ الحِمارِ، أوْ عِظامِ المَوْتى الَّذِينَ تَعَجَّبَ مِن إحْيائِهِمْ.
﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ نُحَرِّكُها، ونَرْفَعُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ لِلتَّرْكِيبِ. نَنْشُرُها بِالراءِ، حِجازِيٌّ وبَصْرِيٌّ، نُحْيِيها.
﴿ثُمَّ نَكْسُوها﴾ أيِ:العِظامَ ﴿لَحْمًا﴾ جَعَلَ اللَحْمَ كاللِباسِ مَجازًا ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ فاعِلُهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿قالَ أعْلَمُ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَحَذَفَ الأوَّلَ، لِدَلالَةِ الثانِي عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَنِي، وضَرَبْتُ زَيْدًا. ويَجُوزُ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ ما أُشْكِلَ عَلَيْهِ، يَعْنِي: أمْرَ إحْياءِ المَوْتى. قالَ: اعْلَمْ عَلى لَفْظِ الأمْرِ، حَمْزَةُ وعَلِيٌّ، أيْ: قالَ اللهُ لَهُ: اعْلَمْ أوْ هو خاطَبَ نَفْسَهُ.
2:260Page 44
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٦٠
And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allāh] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allāh] said, "Take four birds and commit them to yourself.1 Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allāh is Exalted in Might and Wise."
﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي﴾ بَصِّرْنِي ﴿كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ مَوْضِعُ ﴿كَيْفَ﴾ نَصْبٌ بِـ ﴿تُحْيِ﴾ ﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وإنَّما قالَ لَهُ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ أثْبَتُ الناسِ إيمانًا، لِيُجِيبَ بِما أجابَ بِهِ، لِما فِيهِ مِنَ الفائِدَةِ الجَلِيلَةِ لِلسّامِعِينَ. و﴿بَلى﴾ إيجابٌ لِما بَعْدَ النَفْيِ. مَعْناهُ "بَلى" آمَنتُ، ولَكِنْ لِأزِيدَ سُكُونًا وطُمَأْنِينَةً بِمُضامَّةِ عِلْمِ الضَرُورَةِ عِلْمَ الِاسْتِدْلالِ، وتَظاهُرُ الأدِلَّةِ أسْكَنُ لِلْقُلُوبِ، وأزَيْدُ لِلْبَصِيرَةِ. فَعَلِمَ الِاسْتِدْلالَ يَجُوزُ مَعَهُ التَشْكِيكُ بِخِلافِ الضَرُورِيِّ، واللامُ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ولَكِنْ سَألْتُ ذَلِكَ إرادَةَ طُمَأْنِينَةِ القَلْبِ.
﴿قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَيْرِ﴾ طاوُوسًا، ودِيكًا، وغُرابًا، وحَمامَةً. (p-٢١٦)﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ وبِكَسْرِ الصادِ، حَمْزَةُ، أيْ: أمِلْهُنَّ، واضْمُمْهُنَّ إلَيْكَ.
﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ ثُمَّ جَزِّئْهُنَّ، وفَرِّقْ أجَزاءَهُنَّ عَلى الجِبالِ الَّتِي بِحَضْرَتِكَ وفي أرْضِكَ، وكانَتْ أرْبَعَةَ أجُبِلٍ، أوْ سَبْعَةً. (جُزُءًا) بِضَمَّتَيْنِ وهَمْزٍ، أبُو بَكْرٍ.
﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ قُلْ لَهُنَّ: تَعالَيْنَ بِإذْنِ اللهِ.
﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: ساعِياتٍ مُسْرِعاتٍ في طَيَرانِهِنَّ، أوْ في مَشْيِهِنَّ عَلى أرْجُلِهِنَّ، وإنَّما أمَرَهُ بِضَمِّها إلى نَفْسِهِ بَعْدَ أخْذِها لِيَتَأمَّلَها، ويَعْرِفَ أشْكالَها وهَيْئاتِها، وحَلّاها، لِئَلّا تَلْتَبِسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الإحْياءِ، ولا يَتَوَهَّمُ أنَّها غَيْرُ تِلْكَ. ورُوِيَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَذْبَحَها، ويَنْتِفَ رِيشَها، ويَقْطَعَها، ويُفَرِّقَ أجْزاءَها، ويَخْلِطَ رِيشَها ودِماءَها ولُحُومَها، وأنْ يُمْسِكَ رُءُوسَها، ثُمَّ أمَرَ أنْ يَجْعَلَ أجْزاءَها عَلى الجِبالِ، عَلى كُلِّ جَبَلٍ رُبْعًا مِن كُلِّ طائِرٍ، ثُمَّ يَصِيحُ بِها: تَعالَيْنَ بِإذْنِ اللهِ تَعالى. فَجُعِلَ كُلُّ جُزْءٍ يَطِيرُ إلى الآخَرِ حَتّى صارَتْ جُثَثًا، ثُمَّ أقْبَلْنَ فانْضَمَمْنَ إلى رُءُوسِهِنَّ، كُلُّ جُثَّةٍ إلى رَأْسِها.
﴿واعْلَمْ أنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يُدَبِّرُ لا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ الحِكْمَةُ.
2:261Page 44
مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٢٦١
The example of those who spend their wealth in the way of Allāh is like a seed [of grain] which grows seven spikes; in each spike is a hundred grains. And Allāh multiplies [His reward] for whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
وَلَمّا بَرْهَنَ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ، حَثَّ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، وأعْلَمَ أنَّ مَن أنْفَقَ في سَبِيلِهِ فَلَهُ في نَفَقَتِهِ أجْرٌ عَظِيمٌ، وهو قادِرٌ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللهِ﴾ لا بُدَّ مِن حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مَثَلُ نَفَقَتِهِمْ.
﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ أوْ مَثَلُهم كَمَثَلِ باذِرِ حَبَّةٍ ﴿أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ المُنْبِتُ هو اللهُ، ولَكِنَّ الحَبَّةَ لِما كانَتْ سَبَبًا أسْنَدَ إلَيْها الإنْباتَ كَما يُسْنِدُ إلى الأرْضِ وإلى الماءِ، ومَعْنى إنْباتِها سَبْعَ سَنابِلَ: أنْ تُخْرِجَ ساقًا يَتَشَعَّبُ مِنهُ سَبْعُ شُعَبٍ، لِكُلِّ واحِدٍ سُنْبُلَةٌ، وهَذا التَمْثِيلُ تَصْوِيرٌ لِلْأضْعافِ، كَأنَّها ماثِلَةٌ بَيْنَ عَيْنَيِ الناظِرِ. والمُمَثَّلُ بِهِ مَوْجُودٌ في الدُخْنِ والذَرَّةِ، ورُبَّما (p-٢١٧)فَرَخَّتْ ساقَ البُرَّةِ فى الأرْضِ القَوِيَّةِ المُغِلَّةِ فَيَبْلُغُ حَبُّها هَذا المَبْلَغَ. عَلى أنَّ التَمْثِيلَ يَصِحُّ وإنْ لَمْ يُوجَدْ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَقْدِيرِ، ووَضْعُ سَنابِلَ مَوْضِعَ سُنْبُلاتٍ كَوَضْعِ قُرُوءٍ مَوْضِعَ أقْراءٍ.
﴿واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُضاعِفُ تِلْكَ المُضاعَفَةَ لِمَن يَشاءُ، لا لِكُلِّ مُنْفِقٍ، لِتَفاوُتِ أحْوالِ المُنْفِقِينَ، أوْ يَزِيدُ عَلى سَبْعِمِائَةٍ لِمَن يَشاءُ، (يُضاعِفُ)، شامِيٌّ. و(يُضَعِّفُ)، مَكِّيٌّ.
﴿واللهُ واسِعٌ﴾ واسِعُ الفَضْلِ والجُودِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِ المُنْفِقِينَ.
2:262Page 44
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٦٢
Those who spend their wealth in the way of Allāh and then do not follow up what they have spent with reminders [of it] or [other] injury will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا﴾ هو أنْ يُعْتَدَّ عَلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِ بِإحْسانِهِ، ويُرِيهِ أنَّهُ اصْطَنَعَهُ، وأوْجَبَ عَلَيْهِ حَقًّا لَهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: إذا صَنَعْتُمْ صَنِيعَةً فانْسَوْها.
﴿وَلا أذًى﴾ هو أنْ يَتَطاوَلَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ما أعْطاهُ، ومَعْنى "ثُمَّ" إظْهارُ التَفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى، وأنَّ تَرْكَهُما خَيْرٌ مِن نَفْسِ الإنْفاقِ، كَما جَعَلَ الِاسْتِقامَةَ عَلى الإيمانِ خَيْرًا مِنَ الدُخُولِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠] ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: ثَوابَ إنْفاقِهِمْ.
﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن بِخْسِ الأجْرِ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ مِن فَوْتِهِ، أوْ لا خَوْفٌ مِنَ العَذابِ، ولا حُزْنٌ بِفَواتِ الثَوابِ، وإنَّما قالَ هُنا: ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ وفِيما بَعْدُ ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ لِأنَّ المَوْصُولَ هُنا لَمْ يُضَمَّنْ مَعْنى الشَرْطَ، وضُمِّنُهُ ثَمَّةَ.
2:263Page 44
۞ قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ ٢٦٣
Kind speech and forgiveness are better than charity followed by injury. And Allāh is Free of need and Forbearing.
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ رَدٌّ جَمِيلٌ ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ وعَفْوٌ عَنِ السائِلِ إذا وُجِدَ مِنهُ ما يَثْقُلُ عَلى المَسْؤُولِ، أوْ ونَيْلُ مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ بِسَبَبِ الرَدِّ الجَمِيلِ.
﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ وصَحَّ الإخْبارُ عَنِ المُبْتَدَأِ النَكِرَةِ لِاخْتِصاصِهِ بِالصِفَةِ ﴿واللهُ غَنِيٌّ﴾ لا حاجَةَ لَهُ إلى مُنْفِقٍ يَمُنُّ ويُؤْذِي ﴿حَلِيمٌ﴾ عَنْ مُعاجَلَتِهِ بِالعُقُوبَةِ. وهَذا وعِيدٌ لَهُ. ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (p-٢١٨)
2:264Page 44
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦٤
O you who have believed, do not invalidate your charities with reminders [of it] or injury as does one who spends his wealth [only] to be seen by the people and does not believe in Allāh and the Last Day. His example is like that of a [large] smooth stone upon which is dust and is hit by a downpour that leaves it bare. They are unable [to keep] anything of what they have earned. And Allāh does not guide the disbelieving people.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي﴾ الكافُ نَصْبٌ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَقْدِيرُ: إبْطالًا مِثْلَ إبْطالِ الَّذِي ﴿يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ الناسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: لا تُبْطِلُوا ثَوابَ صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كَإبْطالِ المُنافِقِ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ الناسِ، ولا يُرِيدُ بِإنْفاقِهِ رِضا اللهِ ولا ثَوابَ الآخِرَةِ. و"رِئاءَ": مَفْعُولٌ لَهُ.
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ مَثَلُهُ ونَفَقَتُهُ الَّتِي لا يَنْتَفِعُ بِها البَتَّةَ بِحَجَرٍ أمْلَسَ عَلَيْهِ تُرابٌ ﴿فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ مَطَرٌ عَظِيمُ القَطْرِ.
﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أجْرَدَ نَقِيًّا مِنَ التُرابِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ لا يَجِدُونَ ثَوابَ شَيْءٍ مِمّا أنْفَقُوا، أوِ الكافُ في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ، أيْ: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم مُماثِلِينَ الَّذِي يُنْفِقُ، وإنَّما قالَ: ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ﴾ لِأنَّهُ أرادَ بِالَّذِي يُنْفِقُ الجِنْسَ، أوِ الفَرِيقَ الَّذِي يُنْفِقُ.
﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ مادامُوا مُخْتارِينَ الكُفْرَ.
2:265Page 45
وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٦٥
And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allāh and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allāh, of what you do, is Seeing.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: وتَصْدِيقًا لِلْإسْلامِ، وتَحْقِيقًا لِلْجَزاءِ مِن أصْلِ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ إذا أنْفَقَ المُسْلِمُ مالَهُ في سَبِيلِ اللهِ، عَلِمَ أنَّ تَصْدِيقَهُ وإيمانَهُ بِالثَوابِ مِن أصْلِ نَفْسِهِ، ومِن إخْلاصِ قَلْبِهِ. و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى المَفْعُولِ لَهُ، أيْ: لِلِابْتِغاءِ والتَثْبِيتِ. والمَعْنى: ومَثَلُ نَفَقَةِ هَؤُلاءِ في زَكاتِها عِنْدَ اللهِ.
﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ بُسْتانٍ ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ مَكانٍ مُرْتَفِعٍ. وخَصَّها لِأنَّ الشَجَرَ فِيها أزْكى، وأحْسَنُ ثَمَرًا، (بِرَبْوَةٍ) عاصِمٌ، وشامِيٌّ.
﴿أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها﴾ (p-٢١٩)ثَمَرَتَها. (أُكْلَها) نافِعٌ، ومَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو.
﴿ضِعْفَيْنِ﴾ مِثْلَيْ ما كانَتْ تُثْمِرُ قَبْلُ بِسَبَبِ الوابِلِ.
﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ فَمَطَرٌ صَغِيرُ القَطْرِ يَكْفِيها لِكَرَمِ مَنبَتِها، أوْ مَثَّلَ حالَهم عِنْدَ اللهِ بِالجَنَّةِ عَلى الرَبْوَةِ، ونَفَقَتَهُمُ الكَثِيرَةَ والقَلِيلَةَ بِالوابِلِ والطَلِّ، وكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَطَرَيْنِ يُضَعِّفُ أُكُلَ الجَنَّةِ، فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهم كَثِيرَةً كانَتْ أوْ قَلِيلَةً بَعْدَ أنْ يَطْلُبَ بِها رِضا اللهِ تَعالى زاكِيَةٌ عِنْدَ اللهِ زائِدَةٌ في زُلْفاهُمْ، وحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَهُ ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يَرى أعْمالَكم عَلى إكْثارٍ وإقْلالٍ، ويَعْلَمُ نِيّاتِكم فِيهِما مِن رِياءٍ وإخْلاصٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences