An-NasafiAl‑Baqarah · 2:266–282

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:266–282

2:266Page 45

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦

Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak [i.e., immature] offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allāh make clear to you [His] verses that you might give thought.

الهَمْزَةُ في ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ لِلْإنْكارِ ﴿أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بُسْتانٌ ﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ﴾ لِصاحِبِ البُسْتانِ ﴿فِيها﴾ في الجَنَّةِ ﴿مِن كُلِّ الثَمَراتِ﴾ يُرِيدُ بِالثَمَراتِ: المَنافِعَ الَّتِي كانَتْ تَحْصُلُ لَهُ فِيها: أوْ أنَّ النَخِيلَ والأعْنابَ لَمّا كانا أكْرَمَ الشَجَرِ وأكْثَرَها مَنافِعَ: خَصَّهُما بِالذِكْرِ: وجَعَلَ الجَنَّةَ مِنها -وَإنْ كانَتْ مُحْتَوِيَةً عَلى سائِرِ الأشْجارِ- تَغْلِيبًا لَهُما عَلى غَيْرِهِما: ثُمَّ أرْدَفَهُما ذِكْرَ كُلِّ الثَمَراتِ ﴿وَأصابَهُ الكِبَرُ﴾ الواوُ لِلْحالِ، ومَعْناهُ: أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ وقَدْ أصابَهُ بِهِ الكِبَرُ. والواوُ في ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ أوْلادٌ صِغارٌ لِلْحالِ أيْضًا، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الهاءِ في أصابَهُ ﴿فَأصابَها إعْصارٌ﴾ رِيحٌ تَسْتَدِيرُ فى الأرْضِ، ثُمَّ تَسْطَعُ نَحْوَ السَماءِ كالعَمُودِ ﴿فِيهِ﴾ في الإعْصارِ، وارْتَفَعَ ﴿نارٌ﴾ بِالظَرْفِ، إذْ جَرى الظَرْفُ وصْفًا لِإعْصارٍ ﴿فاحْتَرَقَتْ﴾ الجَنَّةُ. وهَذا مَثَلٌ لِمَن يَعْمَلُ الأعْمالَ الحَسَنَةَ رِياءً، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ وجَدَها مُحْبَطَةً، فَيَتَحَسَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ حَسْرَةَ مَن كانَتْ لَهُ جَنَّةٌ جامِعَةٌ لِلثِّمارِ، فَبَلَغَ الكِبَرَ، ولَهُ أوْلادٌ ضِعافٌ، والجَنَّةُ مَعاشُهُمْ، فَهَلَكَتْ بِالصاعِقَةِ.

﴿كَذَلِكَ﴾ كَهَذا البَيانِ الَّذِي بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ.

﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ في التَوْحِيدِ والدِينِ ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ فَتَنْتَبِهُوا.

(p-٢٢٠)

2:267Page 45

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧

O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allāh is Free of need and Praiseworthy.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ مِن جِيادِ مَكْسُوباتِكم. وفِيهِ دَلِيلُ وُجُوبِ الزَكاةِ في أمْوالِ التِجارَةِ ﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ مِنَ الحَبِّ، والثَمَرِ، والمَعادِنِ، وغَيْرِها. والتَقْدِيرُ: ومِن طَيِّباتِ ما أخْرَجْنا لَكُمْ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ لِذِكْرِ الطَيِّباتِ.

﴿وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ ولا تَقْصِدُوا المالَ الرَدِيءَ ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ تَخُصُّونَهُ بِالإنْفاقِ، وهو في مَحَلِّ الحالِ، أيْ: ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مُنْفِقِينَ، أيْ: مُقَدِّرِينَ النَفَقَةَ ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ وحالُكم أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ في حُقُوقِكم.

﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ إلّا بِأنْ تَتَسامَحُوا في أخْذِهِ، وتَتَرَخَّصُوا فِيهِ. مِن قَوْلِكَ: أغْمَضَ فَلانٌ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ: إذا غَضَّ بَصَرَهُ. ويُقالُ لِلْبائِعِ: أغْمِضْ، أيْ: لا تَسْتَقْصِ كَأنَّكَ لا تُبْصِرُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رِضى اللهُ عَنْهُما-: كانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِحَشَفِ التَمْرِ وشَرارِهِ، فَنُهُوا عَنْهُ.

﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَنِيٌّ﴾ عَنْ صَدَقاتِكم ﴿حَمِيدٌ﴾ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ، أوْ مَحْمُودٌ.

2:268Page 45

ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٦٨

Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allāh promises you forgiveness from Him and bounty. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

﴿الشَيْطانُ يَعِدُكُمُ﴾ في الإنْفاقِ ﴿الفَقْرَ﴾ ويَقُولُ لَكُمْ: إنَّ عاقِبَةَ إنْفاقِكم أنْ تَفْتَقِرُوا، والوَعْدُ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَرِّ.

﴿وَيَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ ويُغْرِيكم عَلى البُخْلِ، ومَنعِ الصَدَقاتِ، وإغْراءِ الآمِرِ لِلْمَأْمُورِ، والفاحِشُ عِنْدَ العَرَبِ: البَخِيلُ.

﴿واللهُ يَعِدُكُمْ﴾ في الإنْفاقِ ﴿مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ لِذُنُوبِكُمْ، وكَفّارَةً لَها.

﴿وَفَضْلا﴾ وأنْ يُخْلِفَ عَلَيْكم أفْضَلَ مِمّا أنْفَقْتُمْ، أوْ ثَوابًا عَلَيْهِ في الآخِرَةِ.

﴿واللهُ واسِعٌ﴾ يُوَسِّعُ عَلى مَن يَشاءُ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِأفْعالِكُمْ، ونِيّاتِكم.

2:269Page 45

يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٦٩

He gives wisdom1 to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.

﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ عِلْمَ القُرْآنِ والسُنَّةِ، أوِ العِلْمَ النافِعَ المُوصِلَ إلى رِضا اللهِ، والعَمَلِ بِهِ. والحَكِيمُ عِنْدَ اللهِ هُوَ: العالِمُ العامِلُ.

﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ﴾ ( ومِن يُؤْتِ ) يَعْقُوبُ، أيْ: ومَن يُؤْتِهِ اللهُ الحِكْمَةَ.

﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ تَنْكِيرُ تَعْظِيمٍ، أيْ: أُوتِيَ خَيْرًا، أيْ: خَيْرٌ كَثِيرٌ.

﴿وَما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو (p-٢٢١)الألْبابِ﴾ وما يَتَّعِظُ بِمَواعِظِ اللهِ إلّا ذُو العُقُولِ السَلِيمَةِ، أوِ العُلَماءُ العُمّالُ. والمُرادُ بِهِ: الحَثُّ عَلى العَمَلِ بِما تَضَمَّنَتِ الآيُ في مَعْنى الإنْفاقِ.

2:270Page 46

وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ ٢٧٠

And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allāh knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.

﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ في سَبِيلِ اللهِ، أوْ في سَبِيلِ الشَيْطانِ.

﴿أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ في طاعَةِ اللهِ، أوْ في مَعْصِيَتِهِ.

﴿فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ، وهو مُجازِيكم عَلَيْهِ.

﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ الصَدَقاتِ، أوْ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في المَعاصِي، أوْ يُنْذِرُونَ في المَعاصِي، أوْ لا يُوفُونَ بِالنُذُورِ.

﴿مِن أنْصارٍ﴾ مِمَّنْ يَنْصُرُهم مِنَ اللهِ، ويَمْنَعُهم مِن عِقابِهِ.

2:271Page 46

إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٧١

If you disclose your charitable expenditures, they are good; but if you conceal them and give them to the poor, it is better for you, and He will remove from you some of your misdeeds [thereby]. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.

﴿إنْ تُبْدُوا الصَدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ فَنِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها. و"ما" نَكِرَةٌ غَيْرُ مُوصَلَةٍ ولا مَوْصُوفَةٍ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ هي. (فَنِعِمّا هِيَ) بِكَسْرِ النُونِ وإسْكانِ العَيْنِ، أبُو عَمْرٍو، ومَدَنِيٌّ غَيْرَ ورْشٍ. وبِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ، شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. وبِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ، غَيْرُهم.

﴿وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾ وتُصِيبُوا بِها مَصارِفَها مَعَ الإخْفاءِ،

﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكم. قالُوا: المُرادُ: صَدَقاتُ التَطَوُّعِ، والجَهْرُ في الفَرائِضِ أفْضَلُ لَنَفْيِ التُهْمَةِ، حَتّى إذا كانَ المُزَكِّي مِمَّنْ لا يُعْرَفُ بِاليَسارِ كانَ إخْفاؤُهُ أفْضَلَ. والمُتَطَوِّعُ إنْ أرادَ أنْ يُقْتَدى بِهِ كانَ إظْهارُهُ أفْضَلَ. (وَنُكَفِّرْ) بِالنُونِ وجَزْمِ الراءِ، مَدَنِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. وبِالياءِ ورَفْعِ الراءِ، شامِيٌّ، وحَفْصٌ. وبِالنُونِ والرَفْعِ، غَيْرُهم. فَمَن جَزَمَ فَقَدْ عَطَفَ عَلى مَحَلِّ الفاءِ وما بَعْدَهُ، لِأنَّهُ جَوابُ الشَرْطِ، ومَن رَفَعَ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، والياءُ عَلى مَعْنى: يُكَفِّرُ اللهُ.

﴿عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ والنُونُ عَلى مَعْنى: نَحْنُ نَكْفُرُ.

﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الإبْداءِ والإخْفاءِ ﴿خَبِيرٌ﴾ عالِمٌ.

(p-٢٢٢)

2:272Page 46

۞ لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٢

Not upon you, [O Muḥammad], is [responsibility for] their guidance, but Allāh guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the face [i.e., approval] of Allāh. And whatever you spend of good1 - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ لا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَهم مَهْدِيِّينَ إلى الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ مِنَ المَنِّ، والأذى، والإنْفاقِ مِنَ الخَبِيثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبْلِغَهُمُ النَواهِيَ فَحَسْبُ.

﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أوْ لَيْسَ عَلَيْكَ التَوْفِيقُ عَلى الهُدى، أوْ خَلْقُ الهُدى، وإنَّما ذَلِكَ إلى اللهِ.

﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ مِن مالٍ ﴿فَلأنْفُسِكُمْ﴾ فَهو لِأنْفُسِكم لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُكُمْ، فَلا تَمَنُّوا بِهِ عَلى الناسِ، ولا تُؤْذُوهم بِالتَطاوُلِ عَلَيْهِمْ.

﴿وَما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ﴾ ولَيْسَتْ نَفَقَتُكم إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ، أيْ: رِضا اللهِ ولِطَلَبِ ما عِنْدَهُ، فَما بالُكم تَمَنُّونَ بِها، وتُنْفِقُونَ الخَبِيثَ الَّذِي لا يُوَجَّهُ مِثْلُهُ إلى اللهِ؟ أوْ هَذا نَفْيٌ مَعْناهُ النَهْيُ، أيْ: ولا تُنْفِقُوا إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ.

﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ ثَوابُهُ أضْعافًا مُضاعَفَةً، فَلا عُذْرَ لَكم في أنْ تَرْغَبُوا عَنْ إنْفاقِهِ، وأنْ يَكُونَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وأجْمَلِها.

﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ولا تُنْقَصُونَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكَهْفُ: ٣٣] أيْ: لَمْ تَنْقُصْ.

2:273Page 46

لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٢٧٣

[Charity is] for the poor who have been restricted for the cause of Allāh, unable to move about in the land. An ignorant [person] would think them self-sufficient because of their restraint, but you will know them by their [characteristic] sign. They do not ask people persistently [or at all]. And whatever you spend of good - indeed, Allāh is Knowing of it.

الجارُّ في ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيِ:اعْمَدُوا لِلْفُقَراءِ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ الصَدَقاتُ لِلْفُقَراءِ.

﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ هُمُ الَّذِينَ أحْصَرَهُمُ الجِهادُ، فَمَنَعَهم مِنَ التَصَرُّفِ.

﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لِاشْتِغالِهِمْ بِهِ ﴿ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ لِلْكَسْبِ. وقِيلَ: هم أصْحابُ الصُفَّةِ، وهم نَحْوٌ مَن أرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ مِن مُهاجِرِي قُرَيْشٍ، لَمْ تَكُنْ لَهم مَساكِنُ في المَدِينَةِ، ولا عَشائِرُ، فَكانُوا في صُفَّةِ المَسْجِدِ، وهي سَقِيفَتُهُ، يَتَعَلَّمُونَ القُرْآنَ بِاللَيْلِ، ويَرْضَخُونَ النَوى بِالنَهارِ، وكانُوا يَخْرُجُونَ في كُلِّ (p-٢٢٣)سَرِيَّةٍ بَعَثَها رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ أتاهم بِهِ إذا أمْسى ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ﴾ بِحالِهِمْ. يَحْسِبُهُمْ، وبابُهُ شامِيٌّ، ويَزِيدُ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، غَيْرَ الأعْشى، وهُبَيْرَةُ. والباقُونَ بِكَسْرِ السِينِ.

﴿أغْنِياءَ مِنَ التَعَفُّفِ﴾ مُسْتَغْنِينَ مِن أجْلِ تَعَفُّفِهِمْ عَنِ المَسْألَةِ ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ مِن صُفْرَةِ الوُجُوهِ، ورَثاثَةِ الحالِ.

﴿لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا﴾ إلْحاحًا. قِيلَ: هو نَفْيُ السُؤالِ والإلْحاحِ جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ:

؎ عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ

يُرِيدُ: نَفْيَ المَنارِ والِاهْتِداءَ بِهِ، والإلْحاحُ: هو اللُزُومُ، وألّا يُفارِقَ إلّا بِشَيْءٍ يُعْطاهُ. وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ يُحِبُّ الحَيِيَّ الحَلِيمَ المُتَعَفِّفَ، ويُبْغِضُ البَذِيَّ السَآَّلَ المُلْحِفَ". » وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهم إنْ سَألُوا سَألُوا بِتَلَطُّفٍ ولَمْ يُلِحُّوا.

﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ.

2:274Page 46

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٤

Those who spend their wealth [in Allāh's way] by night and by day, secretly and publicly - they will have their reward with their Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَيْلِ والنَهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ هُما حالانِ، أيْ: مُسِرِّينَ ومُعْلِنِينَ، يَعْنِي: يُعَمِّمُونَ الأوْقاتَ والأحْوالَ بِالصَدَقَةِ لِحَصْرِهِمْ عَلى الخَيْرِ، فَكُلَّما نَزَلَتْ بِهِمْ حاجَةُ مُحْتاجٍ عَجَّلُوا قَضاءَها، ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ، ولَمْ يَتَعَلَّلُوا بِوَقْتٍ ولا حالٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ -رِضى اللهُ عَنْهُ- حَيْثُ تَصَدَّقَ بِأرْبَعِينَ ألْفَ دِينارٍ، عَشْرَةً بِاللَيْلِ، وعَشْرَةً بِالنَهارِ، وعَشْرَةً في السِرِّ، وعَشْرَةً في العَلانِيَةِ. أوْ في عَلِيٍّ -رِضى اللهُ عَنْهُ- لَمْ يَمْلِكْ إلّا أرْبَعَةَ دَراهِمَ، تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا وبِدِرْهِمٍ نَهارًا، وبِدِرْهَمٍ (p-٢٢٤)سِرًّا، وبِدِرْهِمْ عَلانِيَةً ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

2:275Page 47

ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧٥

Those who consume interest1 cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allāh has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allāh. But whoever returns [to dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِبا﴾ هو فَضْلُ مالٍ خالٍ عَنِ العِوَضِ في مُعاوَضَةِ مالٍ بِمالٍ. وكُتِبَ "الرِبَوْا" بِالواوِ عَلى لُغَةِ مَن يُفَخِّمُ، كَما كُتِبَتْ: "الصَلْوَةُ" و"الزَكْوَةُ". وزِيدَتِ الألِفُ بَعْدَها تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ ﴿لا يَقُومُونَ﴾ إذا بُعِثُوا مِن قُبُورِهِمْ ﴿إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَيْطانُ﴾ أيِ:المَصْرُوعُ، لِأنَّهُ تَخَبَّطَ فى المُعامَلَةِ، فَجُوزِيَ عَلى المُقابَلَةِ. والخَبْطُ: الضَرْبُ عَلى غَيْرِ اسْتِواءٍ كَخَبْطِ العَشْواءِ.

﴿مِنَ المَسِّ﴾ مِنَ الجُنُونِ وهو يَتَعَلَّقُ بِـ ﴿لا يَقُومُونَ﴾ أيْ: لا يَقُومُونَ مِنَ المَسِّ الَّذِي بِهِمْ إلّا كَما يَقُومُ المَصْرُوعُ. أوْ بِـ ﴿يَقُومُ﴾ أيْ: كَما يَقُومُ المَصْرُوعُ مِن جُنُونِهِ، والمَعْنى: أنَّهم يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مُخَبَّلِينَ كالمَصْرُوعِينَ، تِلْكَ سِيماهم يُعْرَفُونَ بِها عِنْدَ أهْلِ المَوْقِفِ، وقِيلَ: الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ يُوفِضُونَ إلّا أكَلَةَ الرِبا، فَإنَّهم يَنْهَضُونَ ويَسْقُطُونَ كالمَصْرُوعِينَ، لِأنَّهم أكَلُوا الرِبا، فَأرْباهُ اللهُ في بُطُونِهِمْ حَتّى أثْقَلَهُمْ، فَلا يَقْدِرُونَ عَلى الإيفاضِ.

﴿ذَلِكَ﴾ العِقابُ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِبا﴾ ولَمْ يَقُلْ إنَّما الرِبا مِثْلُ البَيْعِ، مَعَ أنَّ الكَلامَ في الرِبا لا في البَيْعِ، لِأنَّهُ جِيءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ، وهو أنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنِ اعْتِقادِهِمْ في حِلِّ الرِبا أنَّهم جَعَلُوهُ أصْلًا وقانُونًا في الحِلِّ، حَتّى شَبَّهُوا بِهِ البَيْعَ.

﴿وَأحَلَّ اللهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِبا﴾ إنْكارٌ لِتَسْوِيَتِهِمْ بَيْنَهُما، إذِ الحِلُّ مَعَ الحُرْمَةِ ضِدّانِ، فَأنّى يَتَماثَلانِ؟! ودَلالَةٌ عَلى أنَّ القِياسَ يَهْدِمُهُ النَصُّ، لِأنَّهُ جَعَلَ الدَلِيلَ عَلى بُطْلانِ قِياسِهِمْ إحْلالَ اللهِ وتَحْرِيمَهُ.

﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ فَمَن بَلَغَهُ وعْظٌ مِنَ اللهِ وزَجْرٌ بِالنَهْيِ عَنِ الرِبا.

﴿فانْتَهى﴾ فَتَبِعَ (p-٢٢٥)النَهْيَ، وامْتَنَعَ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ فَلا يُؤاخِذُ بِما مَضى مِنهُ، لِأنَّهُ أخَذَ قَبْلَ نُزُولِ التَحْرِيمِ.

﴿وَأمْرُهُ إلى اللهِ﴾ يَحْكُمُ في شَأْنِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَيْسَ مِن أمْرِهِ إلَيْكم شَيْءٌ، فَلا تُطالِبُوهُ بِهِ.

﴿وَمَن عادَ﴾ إلى اسْتِحْلالِ الرِبا، عَنِ الزَجّاجِ. أوْ إلى الرِبا مُسْتَحِلًّا.

﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لِأنَّهم بِالِاسْتِحْلالِ صارُوا كافِرِينَ، لِأنَّ مَن أحَلَّ ما حَرَّمَ اللهُ -عَزَّ وجَلَّ- فَهو كافِرٌ، فَلِذا اسْتَحَقَّ الخُلُودَ، وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِلْمُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في تَخْلِيدِ الفُسّاقِ.

2:276Page 47

يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦

Allāh destroys interest and gives increase for charities. And Allāh does not like every sinning disbeliever.

﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِبا﴾ يَذْهَبُ بِبَرَكَتِهِ، ويُهْلِكُ المالَ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ ﴿وَيُرْبِي الصَدَقاتِ﴾ يُنَمِّيها، ويَزِيدُها، أيْ: يَزِيدُ المالَ الَّذِي أُخْرِجَتْ مِنهُ الصَدَقَةُ، ويُبارِكُ فِيهِ. وفي الحَدِيثِ: « "ما نَقَصَتْ زَكاةٌ مِن مالٍ قَطُّ" »﴿واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ﴾ عَظِيمِ الكُفْرِ بِاسْتِحْلالِ الرِبا ﴿أثِيمٍ﴾ مُتَمادٍ فى الإثْمِ بِأكْلِهِ.

2:277Page 47

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧

Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakāh will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وأقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا بِتَحْرِيمِ الرِبا.

2:278Page 47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨

O you who have believed, fear Allāh and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِبا﴾ أخَذُوا ما شَرَطُوا عَلى الناسِ مِنَ الرِبا، وبَقِيَتْ لَهم بَقايا، فَأُمِرُوا أنْ يَتْرُكُوها، ولا يُطالِبُوا بِها، رَوى أنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ، وكانَ لَهم عَلى قَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ مالٌ، فَطالَبُوهم عِنْدَ المَحَلِّ بِالمالِ والرِبا.

﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ كامِلِي الإيمانِ، فَإنَّ دَلِيلَ كَمالِهِ امْتِثالُ المَأْمُورِ بِهِ.

(p-٢٢٦)

2:279Page 47

فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩

And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allāh and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.

﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ﴾ فاعْلَمُوا بِها. مِن أذِنَ بِالشَيْءِ: إذا عَلِمَ. يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ: (فَأيْقِنُوا) فَآذِنُوا، حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ، غَيْرَ ابْنِ غالِبٍ، فَأعْلِمُوا بِها غَيْرَكم. ولَمْ يَقُلْ: بِحَرْبِ اللهِ ورَسُولِهِ، لِأنَّ هَذا أبْلَغُ، لِأنَّ المَعْنى: فَأْذَنُوا بِنَوْعٍ مِنَ الحَرْبِ عَظِيمٍ مِن عِنْدِ اللهِ ورَسُولِهِ. ورُوِيَ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَتْ ثَقِيفٌ: لا طاقَةَ لَنا بِحَرْبِ اللهِ ورَسُولِهِ.

﴿وَإنْ تُبْتُمْ﴾ مِنَ الِارْتِباءِ ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ﴾ المَدْيُونِينَ بِطَلَبِ الزِيادَةِ عَلَيْها.

﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾ بِالنُقْصانِ مِنها.

2:280Page 47

وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٨٠

And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.

﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ وإنْ وقَعَ غَرِيمٌ مِن غُرَمائِكم ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ ذُو إعْسارٍ.

﴿فَنَظِرَةٌ﴾ فالحُكْمُ، أوْ فالأمْرُ نَظِرَةٌ، أيْ: إنْظارٌ.

﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ يَسارٍ. مَيْسَرَةٍ، نافِعٌ، وهُما لُغَتانِ.

﴿وَأنْ تَصَدَّقُوا﴾ بِالتَخْفِيفِ، عاصِمٌ، أيْ: تَتَصَدَّقُوا بِرُؤُوسِ أمْوالِكُمْ، أوْ بِبَعْضِها عَلى مَن أعْسَرَ مِن غُرَمائِكم. وبِالتَشْدِيدِ غَيْرُهُ. فالتَخْفِيفُ عَلى حَذْفِ إحْدى التاءَيْنِ، والتَشْدِيدُ عَلى الإدْغامِ.

﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في القِيامَةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالتَصَدُّقِ: الإنْظارُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لا يَحِلُّ دَيْنُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَيُؤَخِّرُهُ إلّا كانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ" »﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم فَتَعْمَلُوا بِهِ، جَعَلَ مَن لا يَعْمَلُ بِهِ -وَإنْ عَلِمَهُ- كَأنَّهُ لا يَعْلَمُهُ.

2:281Page 47

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٨١

And fear a Day when you will be returned to Allāh. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].

﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللهِ﴾ تَرْجِعُونَ أبُو عَمْرٍو، فَرَجَعَ لازِمٌ ومُتَّعَدٍّ. قِيلَ: هي آخِرُ آيَةٍ نَزَلَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ: ضَعْها في رَأْسِ المِائَتَيْنِ والثَمانِينَ مِنَ البَقَرَةِ، وعاشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَها أحَدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا، أوْ أحَدًا وثَمانِينَ، أوْ سَبْعَةَ أيّامٍ، أوْ ثَلاثَ ساعاتٍ.

﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما (p-٢٢٧)كَسَبَتْ﴾ أيْ: جَزاءَ ما كَسَبَتْ.

﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنُقْصانِ الحَسَناتِ وزِيادَةِ السَيِّئاتِ.

2:282Page 48

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٨٢

O you who have believed, when you contract a debt for a specified term, write it down. And let a scribe write [it] between you in justice. Let no scribe refuse to write as Allāh has taught him. So let him write and let the one who has the obligation [i.e., the debtor] dictate. And let him fear Allāh, his Lord, and not leave anything out of it. But if the one who has the obligation is of limited understanding or weak or unable to dictate himself, then let his guardian dictate in justice. And bring to witness two witnesses from among your men. And if there are not two men [available], then a man and two women from those whom you accept as witnesses - so that if one of them [i.e., the women] errs, then the other can remind her. And let not the witnesses refuse when they are called upon. And do not be [too] weary to write it, whether it is small or large, for its [specified] term. That is more just in the sight of Allāh and stronger as evidence and more likely to prevent doubt between you, except when it is an immediate transaction which you conduct among yourselves. For [then] there is no blame upon you if you do not write it. And take witnesses when you conclude a contract. Let no scribe be harmed or any witness. For if you do so, indeed, it is [grave] disobedience in you. And fear Allāh. And Allāh teaches you. And Allāh is Knowing of all things.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ أيْ: إذا دايَنَ بَعْضُكم بَعْضًا: يُقالُ: دايَنْتُ الرَجُلَ: إذا عامَلْتُهُ بِدَيْنٍ مُعْطِيًا أوْ آخِذًا.

﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ كالحَصادِ، أوِ الدِياسِ، أوْ رُجُوعِ الحاجِّ. وإنَّما احْتِيجَ إلى ذِكْرِ الدَيْنِ، ولَمْ يَقُلْ: إذا تَدايَنْتُمْ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، لِيَرْجِعَ الضَمِيرُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ إذْ لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: فاكْتُبُوا الدَيْنَ، فَلَمْ يَكُنِ النَظْمُ بِذَلِكَ الحُسْنِ، ولِأنَّهُ أبْيَنُ لِتَنْوِيعِ الدَيْنِ إلى مُؤَجَّلٍ وحالٍّ، وإنَّما أمَرَ بِكِتابَةِ الدَيْنِ، لِأنَّ ذَلِكَ أوْثَقُ، وآمَنُ مِنَ النِسْيانِ، وأبْعَدُ مِنَ الجُحُودِ، والمَعْنى: إذا تَعامَلْتُمْ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فاكْتُبُوهُ، والأمْرُ لِلنَّدْبِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رِضى اللهُ عَنْهُما-: أنَّ المُرادَ بِهِ السَلَمُ، وقالَ: لَمّا حَرَّمَ اللهُ الرِبا أباحَ السَلَمَ. المَضْمُونُ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ في كِتابِهِ، وأنْزَلَ فِيهِ أطْوَلَ آيَةٍ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى اشْتِراطِ الأجَلِ في السَلَمِ.

﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ﴾ بَيْنَ المُتَدايِنِينَ ﴿كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ هو مُتَعَلِّقٌ بِكاتِبٍ صِفَةٌ لَهُ، أيْ: كاتِبٌ مَأْمُونٌ عَلى ما يَكْتُبُ، يَكْتُبُ بِالِاحْتِياطِ، لا يَزِيدُ عَلى ما يَجِبُ أنْ يَكْتُبَ ولا يَنْقُصَ، وفِيهِ دَلِيلٌ أنْ يَكُونَ الكاتِبُ فَقِيهًا عالِمًا بِالشُرُوطِ، حَتّى يَجِيءَ مَكْتُوبُهُ مُعَدَّلًا بِالشَرْعِ. وهو أمْرٌ لِلْمُتَدايِنِينَ بِتَخَيُّرِ الكاتِبِ، وألّا يَسْتَكْتِبُوا إلّا فَقِيهًا دَيِّنًا حَتّى يَكْتُبَ ما هو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ ولا يَمْتَنِعْ واحِدٌ مِنَ الكِتابِ.

﴿أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ﴾ مِثْلَ ما عَلَّمَهُ اللهُ كِتابَةَ الوَثائِقِ، لا يُبَدِّلُ، ولا يُغَيِّرُ. و" كَمًّا " مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿أنْ يَكْتُبَ﴾ ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ تِلْكَ الكِتابَةَ لا يَعْدِلُ عَنْها ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ ولا يَكُنِ المُمْلِي إلّا مَن وجَبَ عَلَيْهِ (p-٢٢٨)الحَقُّ، لِأنَّهُ هو المَشْهُودُ عَلى ثَباتِهِ في ذِمَّتِهِ، وإقْرارِهِ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إقْرارًا عَلى نَفْسِهِ بِلِسانِهِ، والإمْلالُ والإمْلاءُ لُغَتانِ.

﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ ولْيَتَّقِ اللهَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَيْنُ رَبَّهُ فَلا يَمْتَنِعْ عَنِ الإمْلاءِ، فَيَكُونُ جُحُودًا لِكُلِّ حَقِّهِ.

﴿وَلا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ ولا يَنْقُصْ مِنَ الحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ شَيْئًا في الإمْلاءِ، فَيَكُونُ جُحُودًا لِبَعْضِ حَقِّهِ.

﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا﴾ أيْ: مَجْنُونًا، لِأنَّ السَفَهَ خِفَّةٌ في العَقْلِ، أوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِتَبْذِيرِهِ وجَهْلِهِ بِالتَصَرُّفِ.

﴿أوْ ضَعِيفًا﴾ صَبِيًّا ﴿أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ لِعِيٍّ بِهِ، أوْ خَرَسٍ، أوْ جَهْلٍ بِاللُغَةِ.

﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ﴾ الَّذِي يَلِي أمْرُهُ، ويَقُومُ بِهِ.

﴿بِالعَدْلِ﴾ بِالصِدْقِ، والحَقِّ ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ واطْلُبُوا أنْ يَشْهَدَ لَكم شَهِيدانِ عَلى الدَيْنِ ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ مِن رِجالِ المُؤْمِنِينَ، والحُرِّيَّةُ والبُلُوغُ شَرْطٌ مَعَ الإسْلامِ، وشَهادَةُ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مَقْبُولَةٌ عِنْدَنا،

﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا﴾ فَإنْ لَمْ يَكُنِ الشَهِيدانِ ﴿رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وامْرَأتانِ. وشَهادَةُ الرِجالِ مَعَ النِساءِ تُقْبَلُ فِيما عَدا الحُدُودَ والقِصاصَ.

﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُهَداءِ﴾ مِمَّنْ تَعْرِفُونَ عَدالَتَهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ غَيْرَ المَرَضِيِّ شاهِدٌ ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ لِأجْلِ أنْ تَنْسى إحْداهُما الشَهادَةَ فَتُذَكِّرُها الأُخْرى. (إنْ تَضِلَّ إحْداهُما) عَلى الشَرْطِ، (فَتُذَكِّرُ) بِالرَفْعِ والتَشْدِيدِ، حَمْزَةُ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنهُ﴾ [المائِدَةُ: ٩٥] (فَتُذْكِرَ) بِالنَصْبِ، مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ، مِنَ الذِكْرِ لا مِنَ الذُكْرِ.

﴿وَلا يَأْبَ الشُهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ لِأداءِ الشَهادَةِ، أوْ لِلتَّحَمُّلِ، لِئَلّا تَتْوى حُقُوقُهم. وسَمّاهم شُهَداءَ قَبْلَ التَحَمُّلِ تَنْزِيلًا لِما يُشارِفُ مَنزِلَةَ الكائِنِ، فالأوَّلُ لِلْفَرْضِ، والثانِي لِلنَّدْبِ.

﴿وَلا تَسْأمُوا﴾ ولا تَمَلُّوا. قالَ الشاعِرُ:(p-٢٢٩)

؎ سَئِمْتُ تَكالِيفَ الحَياةِ ومَن يَعِشْ ∗∗∗ ثَمانِينَ حَوْلًا لا أبا لَكَ يَسْأمِ

والضَمِيرُ في ﴿أنْ تَكْتُبُوهُ﴾ لِلدَّيْنِ، أوِ الحَقِّ ﴿صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا﴾ عَلى أيِّ حالٍ كانَ الحَقُّ مِن صِغَرٍ أوْ كِبَرٍ، وفِيهِ دَلالَةُ جَوازِ السَلَمِ في الثِيابِ، لِأنَّ ما يُكالُ أوْ يُوزَنُ لا يُقالُ فِيهِ الصَغِيرُ والكَبِيرُ، وإنَّما يُقالُ في الذَرْعِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْكِتابِ، وأنْ يَكْتُبُوهُ مُخْتَصَرًا، أوْ مُشْبَعًا.

﴿إلى أجَلِهِ﴾ إلى وقْتِهِ الَّذِي اتَّفَقَ الغَرِيمانِ عَلى تَسْمِيَتِهِ ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ﴿أنْ تَكْتُبُوهُ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ، أيْ: ذَلِكَ الكَتْبُ.

﴿أقْسَطُ﴾ أعْدَلُ مِنَ القِسْطِ، وهو العَدْلُ.

﴿عِنْدَ اللهِ﴾ ظَرْفٌ لِأقْسَطَ.

﴿وَأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ وأعْوَنُ عَلى إقامَةِ الشَهادَةِ. وبُنِيَ أفْعَلُ التَفْضِيلِ أيْ: أقْسَطُ وأقْوَمُ- مِن أقْسَطَ وأقامَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ.

﴿وَأدْنى ألا تَرْتابُوا﴾ وأقْرَبُ مِنِ انْتِفاءِ الرَيْبِ لِلشّاهِدِ والحاكِمِ وصاحِبِ الحَقِّ، فَإنَّهُ قَدْ يَقَعُ الشَكُّ في المِقْدارِ والصِفاتِ، وإذا رَجَعُوا إلى المَكْتُوبِ زالَ ذَلِكَ، وألِفُ أدْنى مُنْقَلِبَةٌ مِن واوٍ، لِأنَّهُ مِنَ الدُنُوِّ ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً﴾ عاصِمٌ، أيْ: إلّا أنْ تَكُونَ التِجارَةُ تِجارَةً، أوْ إلّا أنْ تَكُونَ المُعامَلَةُ تِجارَةً حاضِرَةً، غَيْرُهُ (تِجارَةٌ) حاضِرَةٌ عَلى كانَ التامَّةِ، أيْ: إلّا أنْ تَقَعَ تِجارَةٌ حاضِرَةٌ، أوْ هي ناقِصَةٌ، والِاسْمُ ﴿تِجارَةً حاضِرَةً﴾ والخَبَرُ ﴿تُدِيرُونَها﴾ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ظَرْفٌ لِـ ﴿تُدِيرُونَها﴾ ومَعْنى إدارَتِها بَيْنَهُمْ: تَعاطِيها يَدًا بِيَدٍ.

﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألا تَكْتُبُوها﴾ يَعْنِي: إلّا أنْ تَتَبايَعُوا بَيْعًا ناجِزًا يَدًا بِيَدٍ، فَلا بَأْسَ ألّا تَكْتُبُوها، لِأنَّهُ لا يُتَوَهَّمُ فِيهِ ما يُتَوَهَّمُ في التَدايُنِ.

﴿وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ أمَرَ بِالإشْهادِ عَلى التَبايُعِ مُطْلَقًا ناجِزًا، أوْ كالِئًا، لِأنَّهُ أحْوَطُ، وأبْعَدُ مِن وُقُوعِ الِاخْتِلافِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ ﴿وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ هَذا التَبايُعُ يَعْنِي: التِجارَةَ الحاضِرَةَ، عَلى أنَّ الإشْهادَ كافٍ فِيهِ دُونَ الكِتابَةِ، والأمْرُ لِلنَّدْبِ ﴿وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ البِناءَ لِلْفاعِلِ لِقِراءَةِ عُمَرَ -رِضى اللهُ عَنْهُ-: ولا يُضارِرْ، ولِلْمَفْعُولِ (p-٢٣٠)لِقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ -رِضى اللهُ عَنْهُما-: (وَلا يُضارَرْ). والمَعْنى: نُهِيَ الكاتِبُ والشَهِيدُ عَنْ تَرْكِ الإجابَةِ إلى ما يَطْلُبُ مِنهُما، وعَنِ التَحْرِيفِ، والزِيادَةِ، والنُقْصانِ، أوِ النَهْيِ عَنِ الضِرارِ بِهِما بِأنْ يَعْجَلا عَنْ مُهِمٍّ ويَلِزّا، أوْ لا يُعْطِي الكاتِبَ حَقَّهُ مِنَ الجُعْلِ، أوْ يُحَمِّلُ الشَهِيدَ مَؤُونَةَ مَجِيئِهِ مِن بَلَدٍ ﴿وَإنْ تَفْعَلُوا﴾ وإنْ تُضارُّوا ﴿فَإنَّهُ﴾ فَإنَّ الضِرارَ ﴿فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ مَأْثَمٌ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ في مُخالَفَةِ أوامِرِهِ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ شَرائِعُ دِينِهِ ﴿واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يَلْحَقُهُ سَهْوٌ، ولا قُصُورٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском