An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:27–42
2:27Page 5
ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧
Who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.
(p-٧٥)﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ﴾ النَقْضُ: الفَسْخُ وفَكُّ التَرْكِيبِ. والعَهْدُ: المَوْثِقُ. والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الناقِضِينَ لِعَهْدِ اللهِ أحْبارُ اليَهُودِ المُتَعَنِّتُونَ، أوْ مُنافِقُوهُمْ، أوِ الكُفّارُ جَمِيعًا. و﴿عَهْدَ اللهِ﴾ ما رَكَزَ في عُقُولِهِمْ مِنَ الحُجَّةِ عَلى التَوْحِيدِ، كَأنَّهُ أمْرٌ وصّاهم بِهِ، ووَثَّقَهُ عَلَيْهِمْ، أوْ أخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم إذا بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولٌ يُصَدِّقُهُ اللهُ بِمُعْجِزاتِهِ صَدَّقُوهُ، واتَّبَعُوهُ، ولَمْ يَكْتُمُوا ذِكْرَهُ، أوْ أخَذَ اللهُ العَهْدَ عَلَيْهِمْ ألّا يَسْفِكُوا دِماءَهُمْ، ولا يَبْغِيَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، ولا يُقَطِّعُوا أرْحامَهُمْ، وقِيلَ: عَهْدُ اللهِ إلى خَلْقِهِ ثَلاثَةُ عُهُودٍ، العَهْدُ الأوَّلُ: الَّذِي أخَذَهُ عَلى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يُقِرُّوا بِرُبُوبِيَّتِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةُ [الأعْرافُ: ١٧٢]، وعَهْدٌ خَصَّ بِهِ النَبِيِّينَ أنْ يُبَلِّغُوا الرِسالَةَ، ويُقِيِمُوا الدِينَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ [الأحْزابُ: ٧] وعَهْدٌ خَصَّ بِهِ العُلَماءَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آلُ عِمْرانَ: ١٨٧] ﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ أصْلُهُ مِنَ الوَثاقَةِ، وهِيَ: إحْكامُ الشَيْءِ. والضَمِيرُ لِلْعَهْدِ. وهو ما وثَّقُوا بِهِ عَهْدَ اللهِ مِن قَبُولِهِ، وإلْزامَهُ أنْفُسَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى تَوَثَّقْتُهُ، كَما أنَّ المِيعادَ بِمَعْنى الوَعْدِ، أوِ اللهُ تَعالى، أيْ: مِن بَعْدِ تَوْثِقَتِهِ عَلَيْهِمْ، ومِن: لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ هو قَطْعُهُمُ الأرْحامَ ومُوالاةُ المُؤْمِنِينَ، أوْ قَطْعُهُمُ ما بَيْنَ الأنْبِياءِ مِنَ الوُصْلَةِ والِاجْتِماعِ عَلى الحَقِّ، في إيمانِهِمْ بِبَعْضٍ، وكُفْرِهِمْ بِبَعْضٍ، والأمْرُ: طَلَبُ الفِعْلِ بِقَوْلٍ مَخْصُوصٍ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْلاءِ. و"ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي. و﴿أنْ يُوصَلَ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ بَدْلٍ مِنَ الهاءِ، أيْ: يُوَصِّلُهُ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ:هُوَ أنْ يُوصَلَ.
﴿وَيُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ بِقِطَعِ السَبِيلِ، والتَعْوِيقُ عَنِ الإيمانِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿هُمُ﴾ فَصْلٌ. والخَبَرُ ﴿الخاسِرُونَ﴾ أيِ: المَغْبُونُونَ، حَيْثُ اسْتَبْدَلُوا النَقْضَ بِالوَفاءِ، والقَطْعَ بِالوَصْلِ، والفَسادَ بِالصَلاحِ، والعِقابَ بِالثَوابِ.
2:28Page 5
كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٨
How can you disbelieve in Allāh when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.
(p-٧٦)﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ﴾ مَعْنى الهَمْزَةِ الَّتِي في كَيْفَ مَثَّلَهُ في قَوْلِكَ: أتَكْفُرُونَ بِاللهِ ومَعَكم ما يَصْرِفُ عَنِ الكُفْرِ!، ويَدْعُو إلى الإيمانِ، وهو الإنْكارُ والتَعَجُّبُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: أتَطِيرُ بِغَيْرِ جَناحٍ؟! وكَيْفَ تَطِيرُ بِغَيْرِ جَناحٍ؟! والواوُ في ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ نُطَفًا في أصْلابِ آبائِكم لِلْحالِ وقَدْ مُضْمَرَةٌ. والأمْواتُ: جَمْعُ مَيِّتٍ، كالأقْوالِ جَمْعُ قَوْلٍ. ويُقالُ لِعادِمِ الحَياةِ أصْلًا: مَيِّتٌ أيْضًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفُرْقانُ: ٤٩] ﴿فَأحْياكُمْ﴾ في الأرْحامِ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ لِلْبَعْثِ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تَصْبِرُونَ إلى الجَزاءِ، أوْ ثُمَّ يُحْيِيكم في قُبُورِكُمْ، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ لِلنُّشُورِ. وإنَّما كانَ العَطْفُ الأوَّلُ بِالفاءِ والبَواقِي بِثُمَّ، لِأنَّ الإحْياءَ الأوَّلَ قَدْ تَعَقَّبَ المَوْتَ بِلا تَراخٍ، وأمّا المَوْتُ فَقَدْ تَراخى عَنِ الحَياةِ، والحَياةُ الثانِيَةُ كَذَلِكَ تَتَراخى عَنِ المَوْتِ إنْ أُرِيدَ النُشُورُ، وإنْ أُرِيدَ إحْياءُ القَبْرِ فَمِنهُ يَكْتَسِبُ العِلْمَ بِتَراخِيهِ، والرُجُوعُ إلى الجَزاءِ أيْضًا مُتَراخٍ عَنِ النُشُورِ، وإنَّما أنْكَرَ اجْتِماعَ الكُفْرِ مَعَ القِصَّةِ الَّتِي ذَكَرَها، لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتٍ بَيِّناتٍ تَصْرِفُهم عَنِ الكُفْرِ، ولِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى نِعَمٍ جِسامٍ حَقُّها أنْ تَشْكُرَ ولا تَكْفُرَ.
2:29Page 5
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٩
It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself1 to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ أيْ: لِأجْلِكُمْ، ولِانْتِفاعِكم بِهِ في دُنْياكم ودِينِكم. أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ، وأمّا الثانِي فالنَظَرُ فِيهِ وما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ الدالَّةِ عَلى صانِعٍ قادِرٍ حَكِيمٍ عَلِيمٍ، وما فِيهِ مِنَ التَذْكِيرِ بِالآخِرَةِ، لِأنَّ مَلاذَّها تُذَكِّرُ ثَوابَها، ومَكارِهَها تُذَكِّرُ عِقابَها، وقَدِ اسْتَدَلَّ الكَرْخِيُّ وأبُو بَكْرٍ الرازِيُّ والمُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ عَلى أنَّ الأشْياءَ الَّتِي يَصِحُّ أنْ يُنْتَفَعَ بِها خُلِقَتْ مُباحَةً في الأصْلِ ﴿جَمِيعًا﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِن ما ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ﴾ الِاسْتِواءُ: الِاعْتِدالُ والِاسْتِقامَةُ، يُقالُ: اسْتَوى العُودُ، أيْ: قامَ واعْتَدَلَ، ثُمَّ قِيلَ، اسْتَوى إلَيْهِ كالسَهْمِ المُرْسَلِ، إذا قَصَدَهُ قَصْدًا مُسْتَوِيًا مِن غَيْرِ أنْ يَلْوِيَ عَلى شَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ﴾ أيْ: أقْبَلَ وعَمَدَ إلى خَلْقِ (p-٧٧)السَمَواتِ بَعْدَ خَلْقِ ما في الأرْضِ، مِن غَيْرِ أنْ يُرِيدَ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ خَلْقُ شَيْءٍ آخَرَ، والمُرادُ بِالسَماءِ: جِهاتُ العُلُوِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ اسْتَوى إلى فَوْقٍ، والضَمِيرُ في ﴿فَسَوّاهُنَّ﴾ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ كَقَوْلِهِمْ: رُبَّهُ رَجُلًا. وقِيلَ: الضَمِيرُ راجِعٌ إلى السَماءِ، ولَفْظُها واحِدٌ، ومَعْناها الجَمْعُ، لِأنَّها في مَعْنى الجِنْسِ. ومَعْنى تَسْوِيَتِهِنَّ: تَعْدِيلُ خَلْقِهِنَّ، وتَقْوِيمُهُ، وإخْلاؤُهُ مِنَ العِوَجِ والفُطُورِ، أوْ إتْمامِ خَلْقِهِنَّ. و"ثُمَّ" هُنا لِبَيانِ فَضْلِ خَلْقِ السَمَواتِ عَلى خَلْقِ الأرْضِ، ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازِعاتُ: ٣٠] لِأنَّ جِرْمَ الأرْضِ تَقَدَّمَ خَلْقُهُ خَلْقَ السَماءِ، وأمّا دَحْوُها فَمُتَأخِّرٌ. وعَنِ الحَسَنِ خَلَقَ اللهُ الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ، عَلَيْها دُخانٌ مُلْتَزِقٌ بِها، ثُمَّ أصْعَدَ الدُخانَ وخَلَقَ مِنهُ السَمَواتِ، وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها، وبَسَطَ مِنها الأرْضَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ [الأنْبِياءُ: ٣٠] وهو الِالتِزاقُ ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَمِن ثَمَّ خَلَقَهُنَّ خَلْقًا مُسْتَوِيًا مُحْكَمًا مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، مَعَ خَلْقِ ما في الأرْضِ عَلى حَسَبِ حاجاتِ أهْلِها ومَنافِعِهِمْ. "وَهُوَ" وأخَواتُهُ مَدَنِيٌّ غَيْرَ ورْشٍ، "وَهُوَ": هو وأبُو عَمْرٍو وعَلِيٌّ، جَعَلُوا الواوَ كَأنَّها مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، فَصارَ بِمَنزِلَةِ عَضُدٍ، وهم يَقُولُونَ في عَضُدٍ عَضْدٌ بِالسُكُونِ.
2:30Page 6
وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٠
And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority."1 They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we exalt You with praise and declare Your perfection?"2 He [Allāh] said, "Indeed, I know that which you do not know."
لَمّا خَلَقَ اللهُ تَعالى الأرْضَ أسْكَنَ فِيها الجِنَّ، وأسْكَنَ في السَماءِ المَلائِكَةَ، فَأفْسَدَتِ الجِنُّ في الأرْضِ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ طائِفَةً مِنَ المَلائِكَةِ فَطَرَدَتْهم إلى جَزائِرِ البِحارِ ورُءُوسِ الجِبالِ، وأقامُوا مَكانَهُمْ، فَأمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَذْكُرَ قِصَّتَهم فَقالَ: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ إذْ نَصْبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والمَلائِكَةُ: جَمْعُ مَلْأكٍ، كالشَمائِلِ جَمْعُ شَمْألٍ، وإلْحاقُ التاءِ بِتَأْنِيثِ الجَمْعِ ﴿إنِّي جاعِلٌ﴾ أيْ: مُصَيِّرٌ مِن جَعَلَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولانِ، وهُما ﴿فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ وهو مَن يَخْلُفُ غَيْرَهُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ، وزِيدَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. والمَعْنى: خَلِيفَةٌ مِنكُمْ، (p-٧٨)لِأنَّهم كانُوا سُكّانَ الأرْضِ، فَخَلَقَهم فِيها آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ، ولَمْ يَقُلْ خُلّافٌ أوْ خُلَفاءُ، لِأنَّهُ أُرِيدَ بِالخَلِيفَةِ آدَمَ، واسْتَغْنى بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ بَنِيهِ، كَما تَسْتَغْنِي بِذِكْرِ أبِي القَبِيلَةِ في قَوْلِكَ: مُضَرُ وهاشِمٌ، أوْ أُرِيدَ: مَن يَخْلُفُكُمْ، أوْ خَلَفًا يَخْلُفُكُمْ، فَوَحَّدَ لِذَلِكَ، أوْ خَلِيفَةً مِنِّي، لِأنَّ آدَمَ كانَ خَلِيفَةَ اللهِ في أرْضِهِ، وكَذَلِكَ كُلُّ نَبِيٍّ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] وإنَّما أخْبَرَهم بِذَلِكَ لِيَسْألُوا ذَلِكَ السُؤالَ، ويُجابُوا بِما أُجِيبُوا بِهِ، فَيَعْرِفُوا حِكْمَتَهُ في اسْتِخْلافِهِمْ قَبْلَ كَوْنِهِمْ، أوْ لِيُعْلِمَ عِبادَهُ المُشاوَرَةَ في أُمُورِهِمْ قَبْلَ أنْ يُقْدِمُوا عَلَيْها، وإنْ كانَ هو بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ البالِغَةِ غَنِيًّا عَنِ المُشاوَرَةِ ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ تَعَجُّبٌ مِن أنْ يَسْتَخْلِفَ مَكانَ أهْلِ الطاعَةِ أهْلِ المَعْصِيَةِ، وهو الحَكِيمُ الَّذِي لا يَجْهَلُ. وإنَّما عَرَفُوا ذَلِكَ بِإخْبارٍ مِنَ اللهِ تَعالى، أوْ مِن جِهَةِ اللَوْحِ، أوْ قاسَوْا أحَدَ الثَقَلَيْنِ عَلى الآخَرِ،
﴿وَيَسْفِكُ الدِماءَ﴾ أيْ: يَصُبُّ. والواوُ في ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ لِلْحالِ، كَما تَقُولُ: أتُحْسِنُ إلى فُلانٍ وأنا أحَقُّ مِنهُ بِالإحْسانِ؟! ﴿بِحَمْدِكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: نُسَبِّحُ حامِدِينَ لَكَ، ومُتَلَبِّسِينَ بِحَمْدِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ﴾ [المائِدَةُ: ٦١] أيْ: دَخَلُوا كافِرِينَ ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ونُطَهِّرُ أنْفُسَنا لَكَ. وقِيلَ: التَسْبِيحُ والتَقْدِيسُ: تَبْعِيدُ اللهِ مِنَ السُوءِ، مِن سَبَحَ في الأرْضِ، وقَدَّسَ فِيها: إذا ذَهَبَ فِيها، وأبْعَدَ ﴿قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أعْلَمُ مِنَ الحُكْمِ في ذَلِكَ ما هو خَفِيٌّ عَلَيْكم. يَعْنِي: يَكُونُ فِيهِمُ الأنْبِياءُ، والأوْلِياءُ، والعُلَماءُ، وما: بِمَعْنى الَّذِي، وهو مَفْعُولُ أعْلَمُ، والعائِدُ: مَحْذُوفٌ، أيْ: مالًا تَعْلَمُونَهُ. "إنِّي" حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو.
2:31Page 6
وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣١
And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وأقَرَبُ أمْرِهِ أنْ يَكُونَ عَلى فاعِلٍ كَآزَرَ، واشْتِقاقِهِمْ آدَمَ مِن أدِيمِ الأرْضِ، أوْ مِنَ الأُدْمَةِ، كِاشْتِقاقِهِمْ يَعْقُوبَ مِنَ العَقِبِ، وإدْرِيسَ مِنَ الدَرْسِ، وإبْلِيسَ مِنَ الإبْلاسِ ﴿الأسْماءَ كُلَّها﴾ أيْ: أسْماءُ المُسَمِّياتِ، فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِذِكْرِ الأسْماءِ، إذِ الِاسْمِ يَدُلُّ عَلى المُسَمّى، وعَوَّضَ مِنهُ اللامَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٧٩)﴿واشْتَعَلَ الرَأْسُ شَيْبًا﴾ [مَرْيَمُ: ٤] ولا يَصِحُّ أنْ يُقَدِّرُ، وعَلَّمَ آدَمَ مُسَمَّياتِ الأسْماءِ، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، لِأنَّ التَعْلِيمَ تَعَلَّقَ بِالأسْماءِ لا بِالمُسَمَّياتِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ و ﴿أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أنْبِئُونِي بِهَؤُلاءِ، وأنْبَأهم بِهِمْ. ومَعْنى تَعْلِيمِهِ أسْماءَ المُسَمَّياتِ: أنَّهُ تَعالى أراهُ الأجْناسَ الَّتِي خَلَقَها، وعَلَّمَهُ أنَّ هَذا اسْمُهُ فَرَسٌ، وهَذا اسْمُهُ بَعِيرٌ، وهَذا اسْمُهُ كَذا، وهَذا اسْمُهُ كَذا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى القَصْعَةَ والمِغْرَفَةَ ﴿ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾ أيْ: عَرَضَ المُسَمَّياتِ. وإنَّما ذَكَّرَ لِأنَّ في المُسَمَّياتِ العُقَلاءَ فَغَلَّبَهُمْ، وإنَّما اسْتَنْبَأهم وقَدْ عَلِمَ عَجْزَهم عَنِ الإنْباءِ عَلى سَبِيلِ التَبْكِيتِ ﴿فَقالَ أنْبِئُونِي﴾ أخْبِرُونِي ﴿بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في زَعْمِكم أنِّي أسْتَخْلِفُ في الأرْضِ مُفْسِدِينَ، سَفّاكِينَ لِلدِّماءِ. وفِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وبَيانُ أنَّ فِيمَن يَسْتَخْلِفُهُ مِنَ الفَوائِدِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي هي أُصُولُ الفَوائِدِ كُلِّها، ما يَسْتَأْهِلُونَ لِأجْلِهِ أنْ يَسْتَخْلِفُوا.
2:32Page 6
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٣٢
They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing,1 the Wise."2
﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ تَنْزِيهًا لَكَ أنْ يَخْفى عَلَيْكَ شَيْءٌ، أوْ عَنِ الِاعْتِراضِ عَلَيْكَ في تَدْبِيرِكَ، وأفادَتْنا الآيَةُ أنَّ عِلْمَ الأسْماءِ فَوْقَ التَخَلِّي لِلْعِبادَةِ، فَكَيْفَ بِعِلْمِ الشَرِيعَةِ؟! وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ تَقْدِيرُهُ: سَبَّحْتُ اللهَ تَسْبِيحًا.
﴿لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا﴾ ولَيْسَ فِيهِ عِلْمُ الأسْماءِ. و"ما": بِمَعْنى الَّذِي، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْلُومِ، أيْ: لا مَعْلُومَ لَنا إلى الَّذِي عَلَّمْتَنا ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ﴾ غَيْرُ المُعَلَّمِ ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما قَضَيْتَ وقَدَّرْتَ. والكافُ اسْمُ إنَّ، و"أنْتَ": مُبْتَدَأٌ، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ. أوْ "أنْتَ" فَصْلٌ، والخَبَرُ "العَلِيمُ"، و"الحَكِيمُ": خَبَرٌ ثانٍ.
2:33Page 6
قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٣٣
He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."
﴿قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ﴾ سَمّى كُلَّ شَيْءٍ بِاسْمِهِ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: أعْلَمُ ما غابَ فِيهِما عَنْكُمْ، (p-٨٠)مِمّا كانَ، ومِمّا يَكُونُ ﴿وَأعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ تُظْهِرُونَ ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ تُسِرُّونَ.
2:34Page 6
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٤
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He refused and was arrogant and became of the disbelievers.
﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ أيِ: اخْضَعُوا لَهُ، وأقِرُّوا بِالفَضْلِ لَهُ. عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: كانَ ذَلِكَ انْحِناءً، ولَمْ يَكُنْ خُرُورًا عَلى الذَقَنِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ وضْعُ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ. وكانَ السُجُودُ تَحِيَّةً لِآدَمَ -عَلَيْهِ السَلامُ- في الصَحِيحِ، إذْ لَوْ كانَ لِلَّهِ تَعالى لَما امْتَنَعَ عَنْهُ إبْلِيسُ. وكانَ سُجُودُ التَحِيَّةِ جائِزًا فِيما مَضى، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ ﷺ لِسَلْمانَ حِينَ أرادَ أنْ يَسْجُدَ لَهُ: « "لا يَنْبَغِي لِمَخْلُوقٍ أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى". »﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ﴾ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، كَذا قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ولِأنَّ الأصْلَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَكُونُ مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ. ولِهَذا قالَ: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعْرافُ: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكَهْفُ: ٥٠] مَعْناهُ: صارَ مِنَ الجِنِّ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ [هُودٌ: ٤٣] وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ، بَلْ كانَ مِنَ الجِنِّ بِالنَصِّ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ، ولِأنَّهُ خُلِقَ مِن نارٍ، والمَلائِكَةُ خُلِقُوا مِنَ النُورِ، ولِأنَّهُ أبى، وعَصى، واسْتَكْبَرَ، والمَلائِكَةُ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أمَرَهُمْ، ولا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ، ولِأنَّهُ قالَ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ [الكَهْفُ: ٥٠] ولا نَسْلَ لِلْمَلائِكَةِ. وعَنِ الجاحِظِ أنَّ الجِنَّ والمَلائِكَةَ جِنْسٌ واحِدٌ، فَمَن طَهُرَ مِنهم فَهو مَلَكٌ، ومَن خَبُثَ فَهو شَيْطانٌ، ومَن كانَ بَيْنَ بَيْنٍ فَهو جِنٌّ ﴿أبى﴾ امْتَنَعَ مِمّا أمَرَ بِهِ ﴿واسْتَكْبَرَ﴾ تَكَبَّرَ عَنْهُ ﴿وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ وصارَ مِنَ الكافِرِينَ بِإبائِهِ، واسْتِكْبارِهِ، ورَدِّهِ الأمْرَ، لا بِتَرْكِ العَمَلِ بِالأمْرِ، لِأنَّ تَرْكَ السُجُودِ لا يَخْرُجُ مِنَ الإيمانِ، ولا يَكُونُ كُفْرًا عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ، أوْ كانَ مِنَ الكافِرِينَ في عِلْمِ اللهِ، أيْ: وكانَ في عِلْمِ اللهِ أنَّهُ يَكْفُرُ بَعْدَ إيمانِهِ، لا لِأنَّهُ كانَ (p-٨١)كافِرًا أبَدًا في عِلْمِ اللهِ. وهي مَسْألَةُ المُوافاةِ.
2:35Page 6
وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٥
And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."
﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ﴾ أمْرٌ مِن سَكَنَ الدارَ يَسْكُنُها سُكْنى: إذا أقامَ فِيها. ويُقالُ: سَكَّنَ المُتَحَرِّكَ سُكُونًا ﴿أنْتَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْمُسْتَكِنِّ في اسْكُنْ، لِيَصِحَّ عَطْفُ ﴿وَزَوْجُكَ﴾ عَلَيْهِ،
﴿الجَنَّةَ﴾ هي جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَتْ لِلْمُتَّقِينَ، لِلنَّقْلِ المَشْهُورِ، واللامُ لِلتَّعْرِيفِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: كانَتْ بُسْتانًا بِاليَمَنِ، لِأنَّ الجَنَّةَ لا تَكْلِيفَ فِيها، ولا خُرُوجَ عَنْها. قُلْنا: إنَّما لا يَخْرُجُ مِنها مَن دَخَلَها جَزاءً، وقَدْ دَخَلَ النَبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنها، وأهْلُ الجَنَّةِ يُكَلَّفُونَ المَعْرِفَةَ والتَوْحِيدَ.
﴿وَكُلا مِنها﴾ مِن ثِمارِها، فَحَذَفَ المُضافَ ﴿رَغَدًا﴾ وصْفٌ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: أكْلًا رَغَدًا واسِعًا ﴿حَيْثُ شِئْتُما﴾ و(شِيتُما) وبابُهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، أبُو عَمْرٍو. وحَيْثُ لِلْمَكانِ المُبْهَمِ، أيْ: أيَّ مَكانٍ مِنَ الجَنَّةِ شِئْتُما ﴿وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَجَرَةَ﴾ أيِ: الحِنْطَةُ ولِذا قِيلَ: كَيْفَ لا يَعْصِي الإنْسانَ، وقُوَّتُهُ مِن شَجَرَةِ العِصْيانِ، أوِ الكَرْمَةِ، لِأنَّها أصْلُ كُلِّ فِتْنَةٍ، أوِ: التِينَةُ ﴿فَتَكُونا﴾ جَزْمُ عَطْفٍ عَلى: تَقَرَّبا، أوْ نَصْبٌ جَوابٌ لِلنَّهْيِ ﴿مِنَ الظالِمِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، أوْ مِنَ الضارِّينَ أنْفُسَهم.
2:36Page 6
فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٣٦
But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."
﴿فَأزَلَّهُما الشَيْطانُ عَنْها﴾ أيْ: عَنِ الشَجَرَةِ. أيْ: فَحَمَلَها الشَيْطانُ عَلى الزَلَّةِ بِسَبَبِها، وتَحْقِيقُهُ: فَأصْدَرَ الشَيْطانُ زَلَّتَهُما عَنْها، أوْ فَأزَلَّهُما عَنِ الجَنَّةِ، بِمَعْنى: أذْهَبَهُما عَنْها، وأبْعَدَهُما.
﴿فَأزَلَّهُما﴾ حَمْزَةُ. وزَلَّةُ آدَمَ بِالخَطَأِ في التَأْوِيلِ إمّا بِحَمْلِ النَهْيِ عَلى التَنْزِيهِ دُونَ التَحْرِيمِ، أوْ بِحَمْلِ اللامِ عَلى التَعْرِيفِ العَهْدِ، وكَأنَّ اللهَ تَعالى أرادَ الجِنْسَ. وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ إطْلاقُ اسْمِ الزَلَّةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، كَما قالَ مَشايِخُ بُخارى. فَإنَّهُ اسْمُ الفِعْلِ يَقَعُ عَلى خِلافِ الأمْرِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى الخِلافِ، كَزَلَّةِ الماشِي في الطِينِ. وقالَ مَشايِخُ سَمَرْقَنْدَ: لا يُطْلَقُ اسْمُ الزَلَّةِ عَلى أفْعالِهِمْ كَما لا تُطْلَقُ المَعْصِيَةُ، وإنَّما يُقالُ: فَعَلُوا الفاضِلَ، وتَرَكُوا الأفْضَلَ، فَعُوتِبُوا عَلَيْهِ ﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ مِنَ النَعِيمِ والكَرامَةِ، أوْ مِنَ الجَنَّةِ إنْ كانَ الضَمِيرُ لِلشَّجَرَةِ في "عَنْها". وقَدْ تَوَصَّلَ إلى إزْلالِهِما بَعْدَ ما قِيلَ لَهُ: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحِجْرُ: ٣٤]، لِأنَّهُ مَنَعَ عَنْ (p-٨٢)دُخُولُها عَلى جِهَةِ التَكْرِمَةِ كَدُخُولِ المَلائِكَةِ، لا عَنْ دُخُولِها عَلى جِهَةِ الوَسْوَسَةِ ابْتِلاءً لِآدَمَ وحَوّاءَ. ورُوِيَ أنَّهُ أرادَ الدُخُولَ فَمَنَعَتْهُ الخَزَنَةُ، فَدَخَلَ في فَمِ الحَيَّةِ حَتّى دَخَلَتْ بِهِ. وقِيلَ: قامَ عِنْدَ البابِ فَنادى ﴿وَقُلْنا اهْبِطُوا﴾ الهُبُوطُ: النُزُولُ إلى الأرْضِ. والخِطابُ لِآدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ، وقِيلَ: والحَيَّةُ. والصَحِيحُ لِآدَمَ وحَوّاءَ. والمُرادُ: هُما وذَرِّيَّتُهُما، لِأنَّهُما لَمّا كانا أصْلَ الإنْسِ ومُتَشَعَّبَهم جُعِلا كَأنَّهُما الإنْسُ كُلُّهُمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ [طَهَ: ١٢٣] ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ المُرادُ بِهِ: ما عَلَيْهِ الناسُ مِنَ التَباغِي، والتَعادِي، وتَضْلِيلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الواوِ في ﴿اهْبِطُوا﴾ أيِ: اهْبِطُوا مُتَعادِينَ.
﴿وَلَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ مَوْضِعُ اسْتِرارٍ أوِ اسْتِقْرارٍ.
﴿وَمَتاعٌ﴾ وتَمَتُّعٌ بِالعَيْشِ ﴿إلى حِينٍ﴾ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ إلى المَوْتِ. قالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: أوْرَثَتْنا تِلْكَ الأكْلَةُ حُزْنًا طَوِيلًا.
2:37Page 6
فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧
Then Adam received from his Lord [some] words,1 and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.
﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ أيِ: اسْتَقْبَلَها بِالأخْذِ والقَبُولِ والعَمَلِ بِها. وبِنَصْبِ آدَمَ ورَفْعِ كَلِماتٍ: مَكِّيٌّ، عَلى أنَّها اسْتَقْبَلَتْهُ بِأنْ بَلَغَتْهُ، واتَّصَلَتْ بِهِ، وهُنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعْرافُ: ٢٣] وفِيهِ مَوْعِظَةٌ لِذَرِّيَّتِهِما حَيْثُ عَرَفُوا كَيْفِيَّةَ السَبِيلِ إلى التَنَصُّلِ مِنَ الذُنُوبِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّ أحَبَّ الكَلامِ إلى اللهِ تَعالى ما قالَهُ أبُونا آدَمُ حَيْثُ اقْتَرَفَ الخَطِيئَةَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وتَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ، ولا إلَهَ إلّا أنْتَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلّا أنْتَ". وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- قالَ: يا رَبِّ، ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قالَ: بَلى، قالَ: يا رَبِّ، ألَمْ تُنْفَخْ فِيَّ رُوحِي مِن رُوحِكَ؟ ألَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ ألَمْ تَسْكُنِّي جَنَّتَكَ؟ وهو تَعالى يَقُولُ: بَلى، بَلى. قالَ: فَلِمَ أخْرَجَتْنِي مِنَ الجَنَّةِ؟ قالَ: بِشُؤْمِ مَعْصِيَتِكَ. قالَ: فَلَوْ تُبْتُ أراجِعِي أنْتَ إلَيْها؟ قالَ: نَعَمْ.
﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ فَرَجَعَ عَلَيْهِ بِالرَحْمَةِ والقَبُولِ، واكْتَفى بِذِكْرِ تَوْبَةِ آدَمَ، (p-٨٣)لِأنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَبَعًا لَهُ. ولَقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ النِساءِ في أكْثَرِ القُرْآنِ والسُنَّةِ لِذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو التَوّابُ﴾ الكَثِيرُ القَبُولِ لِلتَّوْبَةِ ﴿الرَحِيمُ﴾ عَلى عِبادِهِ.
2:38Page 7
قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨
We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا﴾ حالٌ، أيْ: مُجْتَمَعِينَ. وكَرَّرَ الأمْرَ بِالهُبُوطِ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِأنَّ الهُبُوطَ الأوَّلَ مِنَ الجَنَّةِ إلى السَماءِ، والثانِيَ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ، أوْ لِما نِيطَ بِهِ مِن زِيادَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ أيْ: رَسُولٌ أبْعَثُهُ إلَيْكُمْ، أوْ كِتابٌ أُنْزِلُهُ عَلَيْكُمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ أيْ: بِالقَبُولِ والإيمانِ بِهِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في المُسْتَقْبَلِ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى ما خَلَّفُوا. والشَرْطُ الثانِي مَعَ جَوابِهِ جَوابُ الشَرْطِ الأوَّلِ، كَقَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي فَإنْ قَدَرْتُ أحْسَنْتُ إلَيَّ.
﴿فَلا خَوْفٌ﴾ بِالفَتْحِ في كُلِّ القُرْآنِ: يَعْقُوبُ.
2:39Page 7
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٩
And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ﴿أصْحابُ النارِ﴾ أيْ: أهْلُها ومُسْتَحِقُّوها. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الرَفْعِ خَبَرُ المُتَبَدَّأِ، أعْنِي: الَّذِينَ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾
2:40Page 7
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٤٠
O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and fulfill My covenant [upon you] that I will fulfill your covenant [from Me], and be afraid of [only] Me.
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ هو يَعْقُوبُ -عَلَيْهِ السَلامُ- وهو لَقَبٌ لَهُ، ومَعْناهُ في لِسانِهِمْ: صَفْوَةُ اللهِ، أوْ عَبْدُ اللهِ. فَإسْرا هو العَبْدُ، أوِ الصَفْوَةُ، وإيلَ: هو اللهُ بِالعِبْرِيَّةِ. وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِوُجُودِ العَلَمَيَّةِ والعُجْمَةِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ذَكَّرَهُمُ النِعْمَةَ أنْ لا يُخِلُّوا بِشُكْرِها، ويُطِيعُوا مانِحَها، وأرادَ بِها: ما أنْعَمَ بِهِ عَلى آبائِهِمْ، مِمّا عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الإنْجاءِ مِن فِرْعَوْنَ وعَذابِهِ، ومِنَ الغَرَقِ، ومِنَ العَفْوِ عَنِ اتِّخاذِ العِجْلِ، والتَوْبَةِ عَلَيْهِمْ، وما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إدْراكِ زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ المُبَشَّرِ بِهِ في التَوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿وَأوْفُوا﴾ أدُّوا وافِيًا تامًّا. يُقالُ: وفَيْتُ لَهُ بِالعَهْدِ، فَأنا وافٍ بِهِ، وأوْفَيْتُ لَهُ بِالعَهْدِ، فَأنا مُوفٍ بِهِ. والِاخْتِيارُ: أوْفَيْتُ، وعَلَيْهِ نَزَلَ التَنْزِيلُ ﴿بِعَهْدِي﴾ بِما عاهَدْتُمُونِي عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِي، والطاعَةِ لِي، أوْ مِنَ الإيمانِ بِنَبِيِّ الرَحْمَةِ والكِتابِ المُعْجِزِ ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بِما (p-٨٤)عاهَدْتُكم عَلَيْهِ مِن حُسْنِ الثَوابِ عَلى حَسَناتِكم. والعَهْدُ يُضافُ إلى المُعاهَدِ والعاهِدِ جَمِيعًا. وعَنْ قَتادَةَ هُما: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ﴾ و ﴿لأُكَفِّرَنَّ﴾ [المائِدَةُ:١٢] وقالَ أهْلُ الإشارَةِ: أوْفُوا في دارِ مِحْنَتِي، عَلى بِساطِ خِدْمَتِي، بِحِفْظِ حُرْمَتِي، أوْفِ في دارِ نِعْمَتِي، عَلى بِساطِ كَرامَتِي، بِسُرُورِ رُؤْيَتِي ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ فَلا تَنْقُضُوا عَهْدِي، وهو مِن قَوْلِكَ: زَيْدًا رَهَبْتُهُ. وهو أوْكَدُ في إفادَةِ الِاخْتِصاصِ مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتِحَةُ: ٥]. و"إيّايَ": مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، وتَقْدِيرُهُ: فارْهَبُوا إيّايَ فارْهَبُونِ، وحُذِفَ الأوَّلُ لِأنَّ الثانِيَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وإنَّما لَمْ يَنْتَصِبْ بِقَوْلِهِ: ﴿فارْهَبُونِ﴾ لِأنَّهُ أخَذَ مَفْعُولَهُ، وهو الياءُ المَحْذُوفَةُ، وكَسْرَةُ النُونِ دَلِيلُ الياءِ، كَما لا يَجُوزُ نَصْبُ زَيْدٍ فِي: زَيْدًا فاضْرِبْهُ بِاضْرِبِ الَّذِي هو ظاهِرٌ.
2:41Page 7
وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ٤١
And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.
﴿وَآمِنُوا بِما أنْـزَلْتُ﴾ يُعْنى: القُرْآنَ ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ مُؤَكِّدٌ مِنَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْتُهُ مُصَدِّقًا ﴿لِما مَعَكُمْ﴾ مِنَ التَوْراةِ. يَعْنِي: في العِبادَةِ، والتَوْحِيدِ، والنُبُوَّةِ، وأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ أيْ: أوَّلَ مَن كَفَرَ بِهِ، أوْ أوَّلَ حِزْبٍ، أوْ فَوْجٍ كافِرٍ بِهِ، أوْ ولا يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم أوَّلَ كافِرٍ بِهِ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا أوَّلَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ وبِصِفَتِهِ. والضَمِيرُ في "بِهِ" يَعُودُ إلى القُرْآنِ.
﴿وَلا تَشْتَرُوا﴾ ولا تَسْتَبْدِلُوا ﴿بِآياتِي﴾ بِتَغْيِيرِها، وتَحْرِيفِها ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ قالَ الحَسَنُ: هو الدُنْيا بِحَذافِيرِها. وقِيلَ: هو الرِياسَةُ الَّتِي كانَتْ لَهم في قَوْمِهِمْ، خافُوا عَلَيْها الفَواتَ لَوِ اتَّبَعُوا رَسُولَ اللهِ ﴿وَإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ (فَخافُونِي، فارْهَبُونِي، فاتَّقُونِي) بِالياءِ في الحالَيْنِ، وكَذَلِكَ كَلُّ ياءٍ مَحْذُوفَةٌ في الخَطِّ: يَعْقُوبُ.
2:42Page 7
وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤٢
And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].
﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ لَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ: خَلْطُهُ، والباءُ إنْ كانَتْ صِلَةً مِثْلَها في قَوْلِكَ: لَبِسْتُ الشَيْءَ بِالشَيْءِ: خَلَطْتُهُ بِهِ، كانَ المَعْنى: ولا تَكْتُبُوا في التَوْراةِ ما لَيْسَ مِنها، فَيَخْتَلِطَ الحَقَّ المُنَزَّلَ بِالباطِلِ الَّذِي كَتَبْتُمْ، حَتّى يُمَيَّزَ بَيْنَ حَقِّها وباطِلِكُمْ، وإنْ كانَتْ باءَ الِاسْتِعانَةِ كالَّتِي في قَوْلِكَ: (p-٨٥)كَتَبْتُ بِالقَلَمِ كانَ المَعْنى: ولا تَجْعَلُوا الحَقَّ مُلْتَبِسًا مُشْتَبِهًا بِباطِلِكُمُ الَّذِي تَكْتُبُونَهُ ﴿وَتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ هو مَجْزُومٌ، داخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ النَهْيِ بِمَعْنى: ولا تَكْتُمُوا، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ، والواوُ بِمَعْنى الجَمْعِ، أيْ: ولا تَجْمَعُوا بَيْنَ لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ وكِتْمانِ الحَقِّ، كَقَوْلِكَ: لا تَأْكُلِ السَمَكَ وتَشْرَبَ اللَبَنَ، وهُما أمْرانِ مُتَمَيِّزانِ، لِأنَّ لَبْسَ الحَقِّ بِالباطِلِ ما ذَكَرْنا مِن كُتُبِهِمْ في التَوْراةِ ما لَيْسَ مِنها. وكِتْمانُهُمُ الحَقَّ أنْ يَقُولُوا: نَجِدُ في التَوْراةِ صِفَةَ مُحَمَّدٍ، أوْ حُكْمَ كَذا ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ في حالِ عِلْمِكم أنَّكم لابِسُونَ، وكاتِمُونَ، وهو أقْبَحُ لَهُمْ، لِأنَّ الجَهْلَ بِالقَبِيحِ رُبَّما عُذِرَ مُرْتَكِبُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences