An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:43–64
2:43Page 7
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣
And establish prayer and give zakāh1 and bow with those who bow [in worship and obedience].
﴿وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ﴾ أيْ: صَلاةَ المُسْلِمِينَ وزَكاتَهم ﴿وارْكَعُوا مَعَ الراكِعِينَ﴾ مِنهُمْ، لِأنَّ اليَهُودَ لا رُكُوعَ في صَلاتِهِمْ، أيْ: أسْلِمُوا واعْمَلُوا عَمَلَ أهْلِ الإسْلامِ، وجازَ أنْ يُرادَ بِالرُكُوعِ الصَلاةُ، كَما يُعَبَّرُ عَنّا بِالسُجُودِ، وأنْ يَكُونَ أمْرًا بِالصَلاةِ مَعَ المُصَلِّينَ، يَعْنِي: في الجَماعَةِ. أيْ: صَلُّوها مَعَ المُصَلِّينَ لا مُنْفَرِدِينَ.
2:44Page 7
۞ أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٤٤
Do you order righteousness of the people and forget1 yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?
﴿أتَأْمُرُونَ الناسَ﴾ الهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، مَعَ التَوْبِيخِ، والتَعَجُّبِ مِن حالِهِمْ،
﴿بِالبِرِّ﴾ أيْ: سَعَةِ الخَيْرِ والمَعْرُوفِ، ومِنهُ: البَرُّ لِسَعَتِهِ، ويَتَناوَلُ كُلَّ خَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: صَدَقْتَ، وبَرَرْتَ. وكانَ الأحْبارُ يَأْمُرُونَ مَن نَصَحُوهُ في السِرِّ مَن أقارِبِهِمْ وغَيْرِهِمْ بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ولا يَتَّبِعُونَهُ. وقِيلَ: كانُوا يَأْمُرُونَ بِالصَدَقَةِ ولا يَتَصَدَّقُونَ، وإذا أتَوْا بِالصَدَقاتِ لِيُفَرِّقُوها خانُوا فِيها ﴿وَتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ وتَتْرُكُونَها مِنَ البِرِّ، كالمَنسِيّاتِ ﴿وَأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ﴾ تَبْكِيتٌ، أيْ: تَتْلُونَ التَوْراةَ وفِيها نَعْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوْ فِيها الوَعِيدُ عَلى الخِيانَةِ، وتَرْكِ البِرِّ، ومُخالَفَةِ القَوْلِ العَمَلَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أفَلا تَفْطِنُونَ لِقَبِيحِ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَصُدَّكُمُ اسْتِقْباحُهُ عَنِ ارْتِكابِهِ، وهو تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ.
2:45Page 7
وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥
And seek help through patience and prayer; and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allāh]
﴿واسْتَعِينُوا﴾ عَلى حَوائِجِكم إلى اللهِ ﴿بِالصَبْرِ والصَلاةِ﴾ أيْ: بِالجَمْعِ (p-٨٦)بَيْنَهُما، وأنْ تُصَلُّوا صابِرِينَ عَلى تَكالِيفِ الصَلاةِ، مُحْتَمِلِينَ لِمَشاقِّها، وما يَجِبُ فِيها مِن إخْلاصِ القَلْبِ، ودَفْعِ الوَساوِسِ الشَيْطانِيَّةِ، والهَواجِسِ النَفْسانِيَّةِ، ومُراعاةِ الآدابِ، والخُشُوعِ، واسْتِحْضارِ العِلْمِ بِأنَّهُ انْتِصابٌ بَيْنَ يَدَيْ جَبّارِ السَمَواتِ والأرْضِ، أوِ اسْتَعِينُوا عَلى البَلايا والنَوائِبِ بِالصَبْرِ عَلَيْها، والِالتِجاءِ إلى الصَلاةِ عِنْدَ وُقُوعِها، «وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَلاةِ. » وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- أنَّهُ نُعِيَ إلَيْهِ أخُوهُ قُثَمُ، وهو في سَفَرٍ، فاسْتَرْجَعَ وصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قالَ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ والصَلاةِ﴾ وقِيلَ: الصَبْرُ: الصَوْمُ، لِأنَّهُ حَبْسٌ عَنِ المُفْطِراتِ، ومِنهُ قِيلَ لِشَهْرِ رَمَضانَ: شَهْرُ الصَبْرِ. وقِيلَ: الصَلاةُ: الدُعاءُ، أيِ: اسْتَعِينُوا عَلى البَلايا بِالصَبْرِ، والِالتِجاءِ إلى الدُعاءِ، والِابْتِهالِ إلى اللهِ في دَفْعِهِ ﴿وَإنَّها﴾ الضَمِيرُ لِلصَّلاةِ، أوْ لِلِاسْتِعانَةِ.
﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ لَشاقَّةٌ ثَقِيلَةٌ، مِن قَوْلِكَ: كَبُرَ عَلَيَّ هَذا الأمْرُ ﴿إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ لِأنَّهم يَتَوَقَّعُونَ ما ادَّخَرَ لِلصّابِرِينَ عَلى مَتاعِبِها، فَتَهُونُ عَلَيْهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ:
2:46Page 7
ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ٤٦
Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ أيْ: يَتَوَقَّعُونَ لِقاءَ ثَوابِهِ، ونَيْلَ ما عِنْدَهُ، ويَطْمَعُونَ فِيهِ. وفَسَّرَ يَظُنُّونَ بِيَتَيَقَّنُونَ لِقِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: (يَعْلَمُونَ) أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن لِقاءِ الجَزاءِ فَيَعْمَلُونَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ. وأمّا مَن لَمْ يُوقِنْ بِالجَزاءِ، ولَمْ يَرْجُ الثَوابَ كانَتْ عَلَيْهِ مَشَقَّةً خالِصَةً. والخُشُوعُ والإخْباتُ: التَطامُنُ، وأمّا الخُضُوعُ: فاللِينُ والِانْقِيادُ. وفَسَّرَ اللِقاءَ: بِالرُؤْيَةِ، ومُلاقُو رَبِّهِمْ: بِمُعايِنُوهُ بِلا كَيْفٍ ﴿وَأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ لا يَمْلِكُ أمْرَهم في الآخِرَةِ أحَدٌ سِواهُ.
2:47Page 7
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧
O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds [i.e., peoples].
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ التَكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿وَأنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ نُصِبَ عَطْفٌ عَلى نِعْمَتِي، أيِ: اذْكُرُوا نِعْمَتِي وتَفْضِيلِي ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ عَلى الجَمِّ الغَفِيرِ مِنَ الناسِ، يُقالُ: رَأيْتُ عالِمًا مِنَ الناسِ، والمُرادُ: الكَثْرَةُ.
2:48Page 7
وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٨
And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.
(p-٨٧)﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، وهو مَفْعُولٌ بِهِ، لا ظَرْفٌ ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ مُؤْمِنَةٌ ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ كافِرَةٍ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: لا تَقْضِي عَنْها شَيْئًا مِنَ الحُقُوقِ الَّتِي لَزِمَتْها. و"شَيْئًا" مَفْعُولٌ بِهِ، أوْ مَصْدَرٌ، أيْ: قَلِيلًا مِنَ الجَزاءِ. والجُمْلَةُ مَنصُوبَةُ المَحَلِّ صِفَةُ يَوْمًا، والعائِدُ مِنها إلى المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهِ: لا تَجْزِي فِيهِ ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ (وَلا تُقْبَلُ) بِالتاءِ، مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ. والضَمِيرُ في "مِنها" يَرْجِعُ إلى النَفْسِ المُؤْمِنَةِ، أيْ: لا تُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ لِلْكافِرَةِ. وقِيلَ: كانَتِ اليَهُودُ تَزْعُمُ أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهم فَأُويِسُوا، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشافِعِينَ﴾ [المُدَّثِّرُ: ٤٨]. وتَشَبَّثَ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ في نَفْيِ الشَفاعَةِ لِلْعُصاةِ مَرْدُودٌ، لِأنَّ المَنفِيَّ شَفاعَةُ الكُفّارِ وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي، مَن كَذَّبَ بِها لَمْ يَنَلْها". »﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ أيْ: فِدْيَةٌ، لِأنَّها مُعادِلَةٌ لِلْمَفْدِيِّ.
﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ يُعانُونَ. وجُمِعَ لِدَلالَةِ النَفْسِ المُنَكَّرَةِ عَلى النُفُوسِ الكَثِيرَةِ، وذَكَّرَ لِمَعْنى العِبادِ أوِ الأناسِيِّ.
2:49Page 8
وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٤٩
And [recall] when We saved you [i.e., your forefathers] from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.
﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أصْلُ آلٍ: أهْلٌ، ولِذَلِكَ يُصَغَّرُ بِأُهَيْلٍ، فَأُبْدِلَتْ هاؤُهُ ألِفًا، وخُصَّ اسْتِعْمالُهُ بِأُولِي الخَطَرِ كالمُلُوكِ وأشْباهِهِمْ، فَلا يُقالُ: آلُ الإسْكافِ والحَجّامِ، وفِرْعَوْنُ: عَلَمٌ لِمَن مَلَكَ العَمالِقَةَ، كَقَيْصَرَ لِمِلْكِ الرُومِ، وكِسْرى لِمِلْكِ الفُرْسِ.
﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ حالٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، أيْ: يُولُونَكُمْ، مِن سامَهُ خَسْفًا، إذا أوْلاهُ ظُلْمًا، وأصْلُهُ: مِن سامَ السِلْعَةَ: إذا طَلَبَها، كَأنَّها بِمَعْنى: يَبْغُونَكم.
﴿سُوءَ العَذابِ﴾ ويُرِيدُونَكم عَلَيْهِ. ومُساوَمَةُ البَيْعِ: مُزايَدَةٌ، أوْ مُطالَبَةٌ. وسُوءَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لَيَسُومُونَكُمْ، وهو مَصْدَرُ سِيءَ، يُقالُ: أعُوذُ بِاللهِ مِن سُوءِ الخُلُقِ وسُوءِ الفِعْلِ، يُرادُ: قُبْحَهُما، ومَعْنى سُوءِ العَذابِ -والعَذابُ (p-٨٨)كُلُّهُ سَيِّئٌ-: أشَدُّهُ وأفْظَعُهُ.
﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ ولِذا تَرَكَ العاطِفَ ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ يَتْرُكُونَ بَناتَكم أحْياءً لِلْخِدْمَةِ، وإنَّما فَعَلُوا بِهِمْ ذَلِكَ، لِأنَّ الكَهَنَةَ أنْذَرُوا فِرْعَوْنَ بِأنَّهُ يُولَدُ مَوْلُودٌ يَزُولُ مُلْكُهُ بِسَبَبِهِ، كَما أنْذَرُوا نَمْرُودَ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُما اجْتِهادُهُما في التَحَفُّظِ، وكانَ ما شاءَ اللهُ ﴿وَفِي ذَلِكم بَلاءٌ﴾ مِحْنَةٌ إنْ أُشِيرَ بِذَلِكم إلى صُنْعِ فِرْعَوْنَ، ونِعْمَةٌ إنْ أُشِيرَ بِهِ إلى الإنْجاءِ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ صِفَةٌ لِبَلاءٌ ﴿عَظِيمٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ.
2:50Page 8
وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٠
And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.
﴿وَإذْ فَرَقْنا﴾ فَصَلْنا بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ حَتّى صارَتْ فِيهِ مَسالِكُ لَكم. وقُرِئَ: (فَرَّقْنا) أيْ: فَصَلْنا، يُقالُ: فَرَقَ بَيْنَ الشَيْئَيْنِ، وفَرَّقَ بَيْنَ الأشْياءِ، لِأنَّ المَسالِكَ كانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ عَلى عَدَدِ الأسْباطِ ﴿بِكُمُ البَحْرَ﴾ كانُوا يَسْلُكُونَهُ، ويَتَفَرَّقُ الماءُ عِنْدَ سُلُوكِهِمْ، فَكَأنَّما فَرَّقَ بِهِمْ، أوْ فَرَّقْناهُ بِسَبَبِكُمْ، أوْ فَرَّقْناهُ مُلْتَبِسًا بِكُمْ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ. رُوِيَ «أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: أيْنَ أصْحابُنا؟ فَنَحْنُ لا نَرْضى حَتّى نَراهم. فَأوْحى اللهُ إلَيْهِ أنْ قُلْ بِعَصاكَ هَكَذا، فَقالَ بِها عَلى الحِيطانِ، فَصارَتْ فِيها كُوًى، فَتَراءَوْا، وتَسامَعُوا كَلامَهُمْ، »﴿فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى ذَلِكَ وتُشاهِدُونَهُ، ولا تَشُكُّونَ فِيهِ.
2:51Page 8
وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٥١
And [recall] when We made an appointment with Moses for forty nights. Then you took [for worship] the calf after him [i.e., his departure], while you were wrongdoers.
وَإنَّما قالَ: ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى﴾ لِأنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِالوَحْيِ، ووَعْدُهُ: هو المَجِيءُ لِلْمِيقاتِ إلى الطُورِ، "وَعَدْنا" حَيْثُ كانَ: بَصْرِيٌّ، لَمّا دَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ يَنْتَهُونَ إلَيْهِ، وعَدَ اللهُ تَعالى مُوسى أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ التَوْراةَ، وضَرَبَ لَهُ مِيقاتًا: ذا القَعْدَةِ وعَشَرَ ذِي الحِجَّةِ. وقالَ: ﴿أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ لِأنَّ الشُهُورَ غُرَرُها بِاللَيالِي. و َ"أرْبَعِينَ": مَفْعُولٌ ثانٍ لِواعَدْنا (p-٨٩)لا ظَرْفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ مَعْناهُ: واعَدْناهُ في أرْبَعِينَ لَيْلَةً.
﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ أيْ: إلَهًا، فَحَذَفَ المَفْعُولَ الثانِيَ لِـ "اتَّخَذْتُمْ"، وبابُهُ بِالإظْهارِ مَكِّيٌّ وحَفْصٌ،
﴿مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ ذَهابِهِ إلى الطُورِ ﴿وَأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ أيْ: بِوَضْعِكُمُ العِبادَةَ غَيْرَ مَوْضِعِها، والجُمْلَةُ حالٌ، أيْ: عَبَدْتُمُوهُ ظالِمِينَ.
2:52Page 8
ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٢
Then We forgave you after that so perhaps you would be grateful.
﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾ مَحَوْنا ذُنُوبَكم عَنْكم ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ مِن بَعْدِ اتِّخاذِكُمُ العِجْلَ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ لِكَيْ تَشْكُرُوا النِعْمَةَ في العَفْوِ عَنْكم.
2:53Page 8
وَإِذۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡفُرۡقَانَ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ٥٣
And [recall] when We gave Moses the Scripture and criterion1 that perhaps you would be guided.
﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ﴾ يَعْنِي: الجامِعَ بَيْنَ كَوْنِهِ كِتابًا مُنَزَّلًا وفُرْقانًا يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وهو التَوْراةُ، ونَظِيرُهُ: رَأيْتُ الغَيْثَ واللَيْثَ، تُرِيدُ: الرَجُلَ الجامِعَ بَيْنَ الجُودِ والجَراءَةِ، أوِ التَوْراةَ والبُرْهانَ الفارِقَ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ مِنَ العَصا واليَدِ وغَيْرِهِما مِنَ الآياتِ، أوِ الشَرْعَ الفارِقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. وقِيلَ: الفُرْقانُ: انْفِلاقُ البَحْرِ، أوِ النَصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ لِكَيْ تَهْتَدُوا.
2:54Page 8
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٥٤
And [recall] when Moses said to his people, "O my people, indeed you have wronged yourselves by your taking of the calf [for worship]. So repent to your Creator and kill yourselves [i.e., the guilty among you]. That is best for [all of] you in the sight of your Creator." Then He accepted your repentance; indeed, He is the Accepting of Repentance, the Merciful.
﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ لِلَّذِينِ عَبَدُوا العِجْلَ ﴿يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ مَعْبُودًا ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ﴾ هو الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ بَرِيئًا مِنَ التَفاوُتِ. وفِيهِ تَقْرِيعٌ لِما كانَ مِنهم مِن تَرْكِ عِبادَةِ العالِمِ الحَكِيمِ الَّذِي بَرَأهم أبْرِياءَ مِنَ التَفاوُتِ إلى عِبادَةِ البَقَرِ، الَّذِي هو مَثَلٌ في الغَباوَةِ والبَلادَةِ.
﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قِيلَ: هو عَلى الظاهِرِ، وهو البَخْعُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: قُتِلَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ: أمَرَ مَن لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ أنْ يَقْتُلُوا العَبَدَةَ، فَقُتِلَ سَبْعُونَ ألْفًا. (p-٩٠)﴿ذَلِكُمْ﴾ التَوْبَةُ والقَتْلُ ﴿خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكُمْ﴾ مِنَ الإصْرارِ عَلى المَعْصِيَةِ ﴿فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَوّابُ﴾ المِفْضالُ بِقَبُولِ التَوْبَةِ وإنْ كَثُرَتْ ﴿الرَحِيمُ﴾ يَعْفُو الحَوْبَةَ وإنْ كَبُرَتْ. والفاءُ الأُولى لِلتَّسْبِيبِ، لِأنَّ الظُلْمَ سَبَبُ التَوْبَةِ. والثانِيَةُ لِلتَّعْقِيبِ، لِأنَّ المَعْنى: فاعْزِمُوا عَلى التَوْبَةِ فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ، إذِ اللهُ تَعالى جَعَلَ تَوْبَتَهم قَتْلَ أنْفُسِهِمْ. والثالِثَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ فَعَلْتُمْ فَقَدْ تابَ عَلَيْكم.
2:55Page 8
وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٥
And [recall] when you said, "O Moses, we will never believe you until we see Allāh outright"; so the thunderbolt took you while you were looking on.
﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً﴾ عِيانًا وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِ كَما تُنْصَبُ القُرْفُصاءُ بِفِعْلِ الجُلُوسِ، أوْ عَلى الحالِ مِن نَرى، أيْ: ذَوِي جَهْرَةٍ ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصاعِقَةُ﴾ أيِ: المَوْتُ. قِيلَ: هي نارٌ جاءَتْ مِنَ السَماءِ فَأحْرَقَتْهم. رُوِيَ «أنَّ السَبْعِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَ الِانْطِلاقِ إلى الجَبَلِ قالُوا لَهُ: نَحْنُ لَمْ نَعْبُدِ العِجْلَ كَما عَبَدَهُ هَؤُلاءِ، فَأرِنا اللهَ جَهْرَةً. فَقالَ مُوسى: سَألْتُهُ ذَلِكَ فَأباهُ عَلَيَّ. فَقالُوا: إنَّكَ رَأيْتَ اللهَ تَعالى، فَلَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ صاعِقَةً فَأحْرَقَتْهم. » وتَعَلَّقَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ الرُؤْيَةِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ جائِزَ الرُؤْيَةِ لَما عُذِّبُوا بِسُؤالِ ما هو جائِزُ الثُبُوتِ. قُلْنا إنَّما عُوقِبُوا بِكُفْرِهِمْ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّكَ رَأيْتَ اللهَ فَلَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً، كُفْرٌ مِنهم. ولِأنَّهُمُ امْتَنَعُوا عَنِ الإيمانِ بِمُوسى بَعْدَ ظُهُورِ مُعْجِزَتِهِ حَتّى يَرَوْا رَبَّهم جَهْرَةً، والإيمانُ بِالأنْبِياءِ واجِبٌ بَعْدَ ظُهُورِ مُعْجِزاتِهِمْ، ولا يَجُوزُ اقْتِراحُ الآياتِ عَلَيْهِمْ. ولِأنَّهم لَمْ يَسْألُوا سُؤالَ اسْتِرْشادٍ، بَلْ سُؤالَ تَعَنُّتٍ وعِنادٍ ﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلَيْها حِينَ نَزَلَتْ.
2:56Page 8
ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٦
Then We revived you after your death that perhaps you would be grateful.
﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ أحْيَيْناكُمْ، وأصْلُهُ: الإثارَةُ ﴿مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَةَ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ.
2:57Page 8
وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٥٧
And We shaded you with clouds and sent down to you manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not - but they were [only] wronging themselves.
(p-٩١)﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ جَعَلْنا الغَمامَ يُظِلُّكم. وذَلِكَ في التِيهِ سَخَّرَ اللهُ لَهُمُ السَحابَ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ يُظِلُّهم مِنَ الشَمْسِ، ويَنْزِلُ بِاللَيْلِ عَمُودٌ مِن نارٍ يَسِيرُونَ في ضَوْئِهِ، وثِيابُهم لا تَتَّسِخُ، ولا تَبْلى ﴿وَأنْـزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ﴾ التُرُنْجُبِينُ، وكانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الثَلْجِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَمْسِ، لِكُلِّ إنْسانٍ صاعٌ ﴿والسَلْوى﴾ كانَ يَبْعَثُ اللهُ عَلَيْهِمُ الجَنُوبَ فَتَحْشُرُ عَلَيْهِمُ السَلْوى، وهي السُمّانى، فَيَذْبَحُ الرَجُلُ مِنها ما يَكْفِيهِ. وقُلْنا لَهُمْ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ﴾ لِذِيذاتِ أوْ حَلالاتِ ﴿ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا﴾ يَعْنِي: فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا هَذِهِ النِعَمَ ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أنْفُسَهُمْ: مَفْعُولُ يَظْلِمُونَ، وهو خَبَرُ كانَ.
2:58Page 9
وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨
And [recall] when We said, "Enter this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will in [ease and] abundance, and enter the gate bowing humbly1 and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins].' We will [then] forgive your sins for you, and We will increase the doers of good [in goodness and reward]."
﴿وَإذْ قُلْنا﴾ لَهم بَعْدَ ما خَرَجُوا مِنَ التِيهِ ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ أيْ: بَيْتَ المَقْدِسِ، أوْ أرِيحاءَ، والقَرْيَةُ: المُجْتَمَعُ مِن قَرَيْتُ، لِأنَّها تَجْمَعُ الخَلْقَ. أُمِرُوا بِدُخُولِها بَعْدَ التِيهِ ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ مِن طَعامِ القَرْيَةِ وثِمارِها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ واسِعًا ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ بابَ القَرْيَةِ، أوْ بابَ القُبَّةِ الَّتِي كانُوا يَصِلُونَ إلَيْها، وهم لَمْ يَدْخُلُوا بَيْتَ المَقْدِسِ في حَياةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وإنَّما دَخَلُوا البابَ في حَياتِهِ، ودَخَلُوا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَهُ،
﴿سُجَّدًا﴾ حالٌ، وهو جَمْعُ ساجِدٍ. أُمِرُوا بِالسُجُودِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى البابِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى، وتَواضُعًا لَهُ ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فِعْلَةٌ مِنَ الحَطِّ، كالجِلْسَةِ، وهي خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: مَسْألَتُنا حِطَّةٌ، أوْ أمْرُكَ حِطَّةٌ، والأصْلُ النَصْبُ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ بِمَعْنى حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا حِطَّةً. وإنَّما رُفِعَتْ لِتُعْطِيَ مَعْنى الثَباتِ. وقِيلَ: أمْرُنا حِطَّةٌ، أيْ: أنَّ نَحُطَّ في هَذِهِ القَرْيَةِ، ونَسْتَقِرَّ فِيها، وعَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- هو بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ هو لا إلَهَ إلّا اللهُ.
﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ جَمْعُ خَطِيئَةٍ، وهي الذَنْبُ، (يَغْفِرْ) مَدَنِيٌّ، (تُغْفَرْ) شامِيٌّ،
﴿وَسَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: مَن كانَ مُحْسِنًا مِنكم (p-٩٢)كانَتْ تِلْكَ الكَلِمَةُ سَبَبًا في زِيادَةِ ثَوابِهِ، ومَن كانَ مُسِيئًا كانَتْ لَهُ تَوْبَةً ومَغْفِرَةً.
2:59Page 9
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٥٩
But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment [i.e., plague] from the sky because they were defiantly disobeying.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ فِيهِ حَذْفٌ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالَّذِي قِيلَ لَهُمْ: ﴿قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ فَبَدَّلَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِنَفْسِهِ، وإلى آخَرَ بِالباءِ، فالَّذِي مَعَ الباءِ مَتْرُوكٌ، والَّذِي بِغَيْرِ باءٍ مَوْجُودٌ، يَعْنِي: وضَعُوا مَكانَ حِطَّةٍ قَوْلًا غَيْرَها، أيْ: أُمِرُوا بِقَوْلٍ مَعْناهُ التَوْبَةُ والِاسْتِغْفارُ، فَخالَفُوهُ إلى قَوْلٍ لَيْسَ مَعْناهُ مَعْنى ما أُمِرُوا بِهِ، ولَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَ اللهِ، وقِيلَ: قالُوا: مَكانَ حِطَّةٍ حِنْطَةً، وقِيلَ: قالُوا بِالنَبَطِيَّةِ: حَطّا سَمْقاثا، أيْ: حِنْطَةٌ حَمْراءُ اسْتِهْزاءً مِنهم بِما قِيلَ لَهُمْ، وعُدُولًا عَنْ طَلَبِ ما عِنْدَ اللهِ إلى طَلَبِ ما يَشْتَهُونَ مِن أعْراضِ الدُنْيا،
﴿فَأنْـزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ عَذابًا. وفي تَكْرِيرِ الَّذِينَ ظَلَمُوا زِيادَةٌ في تَقْبِيحِ أمْرِهِمْ، وإيذانٌ بِإنْزالِ الرِجْزِ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ ﴿مِنَ السَماءِ﴾ صِفَةٌ لِرِجْزٍ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ. رُوِيَ أنَّهُ ماتَ مِنهم في ساعَةٍ بِالطاعُونِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعُونَ ألْفًا.
2:60Page 9
۞ وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٦٠
And [recall] when Moses prayed for water for his people, so We said, "Strike with your staff the stone." And there gushed forth from it twelve springs, and every people [i.e., tribe] knew its watering place. "Eat and drink from the provision of Allāh, and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."
﴿وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ مَوْضِعُ إذْ نَصْبٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: واذْكُرُوا إذِ اسْتَسْقى، أيِ: اسْتَدْعى أنْ يَسْقِيَ قَوْمَهُ ﴿فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ عَطِشُوا في التِيهِ، فَدَعا لَهم مُوسى بِالسُقْيا، فَقِيلَ لَهُ: اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ. واللامُ لِلْعَهْدِ، والإشارَةُ إلى حَجَرٍ مَعْلُومٍ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ حَجَرٌ طُورِيٌّ حَمَلَهُ مَعَهُ، وكانَ مُرَبَّعًا، لَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، كانَتْ تَنْبُعُ مِن كُلِّ وجْهٍ ثَلاثُ أعْيُنٍ، لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، وسَعَةُ المُعَسْكَرِ اثْنا عَشَرَ مِيلًا، أوْ لِلْجِنْسِ، أيِ: اضْرِبِ الشَيْءَ الَّذِي يُقالُ لَهُ: الحَجَرُ، وهَذا أظْهَرُ في الحُجَّةِ، وأبْيَنُ في القُدْرَةِ ﴿فانْفَجَرَتْ﴾ الفاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ، أيْ: سالَتْ بِكَثْرَةٍ، أوْ فَإنْ ضَرَبْتَ فَقَدِ انْفَجَرَتْ، وهي عَلى هَذا فاءٌ فَصِيحَةٌ، لا تَقَعُ إلّا في كَلامٍ بَلِيغٍ ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ عَلى عَدَدِ الأسْباطِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِينِ وفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ، وعَيْنًا: تَمْيِيزٌ ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ كُلُّ سِبْطٍ ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ عَيْنَهُمُ الَّتِي (p-٩٣)يَشْرَبُونَ مِنها ﴿كُلُوا﴾ وقُلْنا لَهُمْ: كُلُوا مِنَ المَنِّ والسَلْوى ﴿واشْرَبُوا﴾ مِن ماءِ العُيُونِ ﴿مِن رِزْقِ اللهِ﴾ أيِ: الكُلُّ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ،
﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ﴾ لا تُفْسِدُوا فِيها، والعَيْثُ: أشَدُّ الفَسادِ ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، أيْ: لا تَتَمادَوْا في الفَسادِ في حالِ فَسادِكُمْ، لِأنَّهم كانُوا مُتَمادِينَ فِيهِ.
2:61Page 9
وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٦١
And [recall] when you said, "O Moses, we can never endure one [kind of] food. So call upon your Lord to bring forth for us from the earth its green herbs and its cucumbers and its garlic and its lentils and its onions." [Moses] said, "Would you exchange what is better for what is less? Go into [any] settlement and indeed, you will have what you have asked." And they were covered with humiliation and poverty and returned with anger from Allāh [upon them]. That was because they [repeatedly] disbelieved in the signs of Allāh and killed the prophets without right. That was because they disobeyed and were [habitually] transgressing.
﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ هو ما رُزِقُوا في التِيهِ مِنَ المَنِّ والسَلْوى، وإنَّما قالُوا: ﴿عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ وهُما طَعامانِ، لِأنَّهم أرادُوا بِالواحِدِ ما لا يَتَبَدَّلُ،: ولَوْ كانَ عَلى مائِدَةِ الرَجُلِ ألْوانٌ عِدَّةٌ، يُداوِمُ عَلَيْها كُلَّ يَوْمٍ لا يُبَدِّلُها، يُقالُ: لا يَأْكُلُ فُلانٌ إلّا طَعامًا واحِدًا، ويُرادُ بِالوَحْدَةِ: نَفِيُ التَبَدُّلِ والِاخْتِلافِ، أوْ أرادُوا: أنَّهُما ضَرْبٌ واحِدٌ، لِأنَّهُما مَعًا مِن طَعامِ أهْلِ التَلَذُّدِ والتَتَرُّفِ، وكانُوا مِن أهْلِ الزِراعاتِ، فَأرادُوا ما ألِفُوا مِنَ البُقُولِ والحُبُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ،
﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ سَلْهُ، وقُلْ لَهُ: أخْرِجْ لَنا ﴿يُخْرِجْ لَنا﴾ يُظْهِرْ لَنا، ويُوجِدْ ﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها﴾ هو ما أنْبَتَتْهُ الأرْضُ مِنَ الخُضَرِ، والمُرادُ بِهِ: أطايِبُ البُقُولِ: كالنَعْناعِ، والكَرَفْسِ، والكُرّاثِ، ونَحْوِهِما مِمّا يَأْكُلُ الناسُ،
﴿وَقِثّائِها﴾ يَعْنِي: الخِيارُ ﴿وَفُومِها﴾ هو الحِنْطَةُ، أوِ الثُومُ، لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وثُومِها،
﴿وَعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى﴾ أقْرَبُ مَنزِلَةً، وأدْوَنُ مِقْدارًا، والدُنُوُّ والقُرْبُ يُعَبَّرُ بِهِما عَنْ قِلَّةِ المِقْدارِ،
﴿بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ أرْفَعُ، وأجَلُّ ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ مِنَ الأمْصارِ، أيِ: انْحَدِرُوا إلَيْهِ مِنَ التِيهِ، وبِلادُ التِيهِ: ما بَيْنَ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى قِنَّسْرِينَ، وهي اثْنا عَشَرَ فَرْسَخًا في ثَمانِيَةِ فَراسِخَ، أوْ مِصْرُ فِرْعَوْنَ، وإنَّما صَرَفَهُ مَعَ وُجُودِ السَبَبَيْنِ، وهُما: التَأْنِيثُ والتَعْرِيفُ، لِإرادَةِ البَلَدِ، أوْ لِسُكُونِ وسَطِهِ كَنُوحٍ ولُوطٍ، وفِيهِما العُجْمَةُ والتَعْرِيفُ ﴿فَإنَّ لَكُمْ﴾ فِيها ﴿ما سَألْتُمْ﴾ أيْ: فَإنَّ الَّذِي سَألْتُمْ يَكُونُ في الأمْصارِ، لا في التِيهِ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ أيِ: الهَوانُ والفَقْرُ، يَعْنِي: جُعِلَتِ الذِلَّةُ مُحِيطَةً بِهِمْ، (p-٩٤)مُشْتَمِلَةً عَلَيْهِمْ، فَهم فِيها كَما يَكُونُ في القُبَّةِ مَن ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، أوْ أُلْصِقَتْ بِهِمْ حَتّى لَزِمَتْهم ضَرْبَةَ لازِبٍ، كَما يُضْرَبُ الطِينُ عَلى الحائِطِ فَيَلْزَمُهُ، فاليَهُودُ صاغِرُونَ، أذِلّاءُ، أهْلُ مَسْكَنَةٍ وفَقْرٍ، إمّا عَلى الحَقِيقَةِ، وإمّا لِتَصاغُرِهِمْ وتَفاقُرِهِمْ خِيفَةَ أنْ تُضاعَفَ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةُ، (عَلَيْهُمُ الذِلَّةُ) حَمْزَةُ وعَلِيٌّ، وكَذا كُلُّ ما كانَ قَبْلَ الهاءِ ياءٌ ساكِنَةٌ، وبِكَسْرِ الهاءِ والمِيمِ، أبُو عَمْرٍو. وبِكَسْرِ الهاءِ، وضَمِّ المِيمِ، غَيْرُهُمْ،
﴿وَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ مِن قَوْلِكَ: باءُ فُلانٍ بِفُلانٍ إذا كانَ حَقِيقِيًّا بِأنْ يُقْتَلَ بِهِ لِمُساواتِهِ لَهُ، أيْ: صارُوا أحِقّاءَ بِغَضَبِهِ، وعَنِ الكِسائِيِّ رَجَعُوا ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ضَرْبِ الذِلَّةِ، والمَسْكَنَةِ، والخَلّاقَةِ بِالغَضَبِ ﴿بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ النَبِيِّينَ﴾ بِالهَمْزَةِ، نافِعٌ، وكَذا بابُهُ، أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، وقَدْ قَتَلَتِ اليَهُودُ شِعْياءَ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ. والنَبِيُّ مِنَ النَبَإ، لِأنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ اللهِ تَعالى، فَعِيلَ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، أوْ بِمَعْنى مُفْعَلٍ، أوْ مِن نَبا، أيِ: ارْتَفَعَ، والنُبُوَّةُ: المَكانُ المُرْتَفِعُ،
﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ عِنْدَهم أيْضًا، فَإنَّهم لَوْ أنْصَفُوا لَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ القَتْلَ عِنْدَهُمْ، وهو في مَحَلِّ النَصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في يَقْتُلُونَ، أيْ: يَقْتُلُونَهم مُبْطِلِينَ ﴿ذَلِكَ﴾ تَكْرارٌ لِلْإشارَةِ ﴿بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ بِسَبَبِ ارْتِكابِهِمْ أنْواعَ المَعاصِي، واعْتِدائِهِمْ حُدُودَ اللهِ في كُلِّ شَيْءٍ، مَعَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ، وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ. وقِيلَ: هو اعْتِداؤُهم في السَبْتِ، ويَجُوزُ أنْ يُشارَ بِذَلِكَ إلى الكُفْرِ، وقَتْلِ الأنْبِياءِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ، واعْتِدائِهِمْ، لِأنَّهُمُ انْهَمَكُوا فِيهِما، وغَلَوْا حَتّى قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، فَجَسُرُوا عَلى جُحُودِ الآياتِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، أوْ ذَلِكَ الكُفْرُ والقَتْلُ مَعَ ما عَصَوْا.
2:62Page 10
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢
Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muḥammad (ﷺ)] - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve1.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِألْسِنَتِهِمْ مِن غَيْرِ مُواطَأةِ القُلُوبِ، وهُمُ المُنافِقُونَ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ تَهَوَّدُوا، يُقالُ: هادَ يَهُودُ وتَهَوَّدَ: إذا دَخَلَ في اليَهُودِيَّةِ، وهو (p-٩٥)هائِدٌ، والجَمْعُ: هُودٌ ﴿والنَصارى﴾ جَمْعُ: نَصْرانٍ، كَنَدْمانَ ونَدامى، يُقالُ: رَجُلٌ نَصْرانٌ وامْرَأةٌ نَصْرانَةٌ، والياءُ في نَصْرانِيٍّ لِلْمُبالَغَةِ، كالَّتِي في أحْمَرِيٍّ. سُمُّوا نَصارى، لِأنَّهم نَصَرُوا المَسِيحُ: ﴿والصابِئِينَ﴾ الخارِجِينَ مِن دِينٍ مَشْهُورٍ إلى غَيْرِهِ: مِن صَبَأ إذا خَرَجَ مِنَ الدِينِ: وهم قَوْمٌ عَدَلُوا عَنْ دِينِ اليَهُودِيَّةِ والنَصْرانِيَّةِ وعَبَدُوا المَلائِكَةَ، وقِيلَ: هم يَقْرَءُونَ الزَبُورَ ﴿مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ إيمانًا خالِصًا ﴿وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ ثَوابُهم.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ومَحَلُّ ﴿مَن آمَنَ﴾ الرَفْعُ إنْ جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ والنَصْبُ إنْ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِنِ اسْمِ إنَّ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَخَبَرُ إنَّ في الوَجْهِ الأوَّلِ الجُمْلَةُ كَما هِيَ، وفي الثانِي فَلَهُمْ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ "مَن" مَعْنى الشَرْطِ.
2:63Page 10
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٦٣
And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."
﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ بِقَبُولِ ما في التَوْراةِ ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ﴾ أيِ: الجَبَلَ، حَتّى قَبِلْتُمْ، وأعْطَيْتُمُ المِيثاقَ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ جاءَهم بِالألْواحِ فَرَأوْا ما فِيها مِنَ الآصارِ والتَكالِيفِ الشاقَّةِ، فَكَبُرَتْ عَلَيْهِمْ، وأبَوْا قَبُولَها، فَأمَرَ اللهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ فَقَلَعَ الطُورَ مِن أصْلِهِ، ورَفَعَهُ فَظَلَّلَهُ فَوْقَهُمْ، وقالَ لَهم مُوسى: إنْ قَبِلْتُمْ وإلّا أُلْقِيَ عَلَيْكُمْ، حَتّى قَبِلُوا، وقُلْنا لَهُمْ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾ مِنَ الكِتابِ، أيِ: التَوْراةِ ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بَجِدٍّ وعَزِيمَةٍ،
﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ واحْفَظُوا ما في الكِتابِ، وادْرُسُوهُ، ولا تَنْسَوْنَ، ولا تُغْفِلُوا عَنْهُ،
﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ رَجاءً مِنكم أنْ تَكُونُوا مُتَّقِينَ.
2:64Page 10
ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٤
Then you turned away after that. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have been among the losers.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ ثُمَّ أعْرَضْتُمْ عَنِ المِيثاقِ، والوَفاءِ بِهِ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ مِن بَعْدِ القَبُولِ ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْكَ، أوْ (p-٩٦)بِتَوْفِيقِكم لِلتَّوْبَةِ ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الهالِكِينَ في العَذابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences