An-NasafiAn‑Nur · 24:25–36

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:25–36

24:25Page 352

يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ ٢٥

That Day, Allāh will pay them in full their true [i.e., deserved] recompense, and they will know that it is Allāh who is the manifest Truth [i.e., perfect in justice].

والعامِلُ في ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ بِالنَصْبِ صِفَةٌ لِلدِّينِ وهو الجَزاءُ ومَعْنى الحَقِّ:الثابِتُ الَّذِي هم أهْلُهُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِالرَفْعِ صِفَةً كَقِراءَةِ أُبَيٍّ (يُوَفِّيهِمُ اللهُ الحَقُّ دِينَهُمْ) وعَلى قِراءَةِ النَصْبِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَقُّ وصْفًا لِلَّهِ بِأنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ ﴿وَيَعْلَمُونَ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿أنَّ اللهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ (p-٤٩٧)لِارْتِفاعِ الشُكُوكِ وحُصُولِ العِلْمِ الضَرُورِيِّ ولَمْ يُغَلِّظِ اللهُ تَعالى في القُرْآنِ في شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي تَغْلِيظَهُ في إفْكِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها فَأوْجَزَ في ذَلِكَ وأشْبَعَ وفَصَّلَ وأجْمَلَ وأكَّدَ وكَرَّرَ وما ذَلِكَ إلّا لِأمْرٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مَن أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ تابَ مِنهُ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ إلّا مَن خاضَ في أمْرِ عائِشَةَ، وهَذا مِنهُ تَعْظِيمٌ ومُبالَغَةٌ في أمْرِ الإفْكِ ولَقَدْ بَرَّأ اللهُ تَعالى أرْبَعَةً بَرَّأ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ بِشاهِدٍ مِن أهْلِها ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن قَوْلِ اليَهُودِ فِيهِ بِالحَجَرِ الَّذِي ذَهَبَ بِثَوْبِهِ ومَرْيَمَ رَضِيَ اللهُ عَنْها بِإنْطاقِ ولَدِها وعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها بِهَذِهِ الآيِ العِظامِ في كِتابِهِ المُعْجِزِ المَتْلُوِّ عَلى وجْهِ الدَهْرِ بِهَذِهِ المُبالَغاتِ فانْظُرْ كَمْ بَيْنَها وبَيْنَ تَبْرِئَةِ أُولَئِكَ وما ذَلِكَ إلّا لِإظْهارِ عُلُوِّ مَنزِلَةِ رَسُولِهِ والتَنْبِيهِ عَلى إنافَةِ مَحَلِّهِ ﷺ وعَلى آلِهِ.

24:26Page 352

ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٢٦

Evil words are for evil men, and evil men are [subjected] to evil words. And good words are for good men, and good men are [an object] of good words.1 Those [good people] are declared innocent of what they [i.e., slanderers] say. For them is forgiveness and noble provision.

﴿الخَبِيثاتُ﴾ مِنَ القَوْلِ تُقالُ ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ ﴿والخَبِيثُونَ﴾ مِنهم يَتَعَرَّضُونَ ﴿لِلْخَبِيثاتِ﴾ مِنَ القَوْلِ وكَذَلِكَ ﴿والطَيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ أيْ: فِيهِمْ، و" ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الطَيِّبِينَ وأنَّهم مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُ الخَبِيثُونَ مِن خَبِيثاتِ الكَلِمِ وهو كَلامٌ جارٍ مَجْرى المَثَلِ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها وما رُمِيَتْ بِهِ مِن قَوْلٍ لا يُطابِقُ حالَها في النَزاهَةِ والطِيبَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى أهْلِ البَيْتِ وأنَّهم مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُ أهْلُ الإفْكِ وأنْ يُرادَ بِالخَبِيثاتِ والطَيِّباتِ النِساءُ الخَبائِثُ يَتَزَوَّجْنَ الخِباثَ والخِباثُ تَتَزَوَّجُ الخَبائِثَ وكَذا أهْلُ الطِيبِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ مُسْتَأْنَفٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الجَنَّةِ ودَخَلَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها في مَرَضِها وهي خائِفَةٌ مِنَ القُدُومِ عَلى اللهِ تَعالى فَقالَ لا تَخافِي، لِأنَّكِ لا تَقْدُمِينَ إلّا عَلى مَغْفِرَةٍ ورِزْقٍ كَرِيمٍ وتَلا الآيَةَ فَغُشِيَ عَلَيْها فَرَحًا بِما تَلا، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها لَقَدْ أُعْطِيتُ تِسْعًا ما أُعْطِيَتْهُنَّ امْرَأةٌ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِصُورَتِي في راحَتِهِ حِينَ أمَرَ ﷺ أنْ يَتَزَوَّجَنِي،وَتَزَوَّجَنِي بِكْرًا وما تَزَوَّجَ بِكْرًا غَيْرِي وتُوُفِّي (p-٤٩٨)- عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ – ورَأسُهُ في حِجْرِي وقُبِرَ في بَيْتِي ونَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ وأنا في لِحافِهِ وأنا ابْنَةُ خَلِيفَتِهِ وصَدِيقِهِ ونَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَماءِ وخُلِقْتُ طَيِّبَةً عِنْدَ طَيِّبٍ ووُعِدْتُ مَغْفِرَةً ورِزْقًا كَرِيمًا، وقالَ حَسّانٌ مُتَعَذِّرًا في حَقِّها

؎ حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ

؎ حَلِيلَةُ خَيْرِ الناسِ دِينًا ومَنصِبًا ∗∗∗ نَبِيِّ الهُدى والمَكْرُماتِ الفَواضِلِ

؎ عَقِيلَةُ حَيٍّ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبِ ∗∗∗ كِرامِ المَباغِي مَجْدُها غَيْرُ زائِلِ

؎ مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللهُ خَيْمَها ∗∗∗ وطَهَّرَها مِن كُلِّ شَيْنٍ وباطِلِ.

24:27Page 352

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٢٧

O you who have believed, do not enter houses other than your own houses until you ascertain welcome and greet1 their inhabitants. That is best for you; perhaps you will be reminded [i.e., advised].

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ أيْ: بُيُوتًا لَسْتُمْ تَمْلِكُونَها ولا تَسْكُنُونَها ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أيْ: تَسْتَأْذِنُوا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - وقَدْ قَرَأ بِهِ والِاسْتِئْناسُ في الأصْلِ الِاسْتِعْلامُ والِاسْتِكْشافُ، اسْتِفْعالٌ مِن آنَسَ الشَيْءَ إذا أبْصَرَهُ ظاهِرًا مَكْشُوفًا أيْ: حَتّى تَسْتَعْلِمُوا أيُطْلَقُ لَكُمُ الدُخُولُ أمْ لا؟ وذَلِكَ بِتَسْبِيحَةٍ أوْ بِتَكْبِيرَةٍ أوْ بِتَحْمِيدَةٍ أوْ بِتَنَحْنُحٍ ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ والتَسْلِيمُ أنْ يَقُولَ السَلامُ عَلَيْكم أأدْخُلُ ؟ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَإنْ أُذِنَ لَهُ وإلّا رَجَعَ وقِيلَ إنْ تَلاقَيا يُقَدِّمُ التَسْلِيمَ وإلّا فالِاسْتِئْذانُ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ الِاسْتِئْذانُ والتَسْلِيمُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن تَحِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ والدُمُورِ - وهو الدُخُولُ بِغَيْرِ إذْنٍ- وكانَ الرَجُلَ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ إذا دَخَلَ بَيْتَ غَيْرِهِ يَقُولُ حُيِّيتُمْ صَباحًا وحُيِّيتُمْ مَساءً ثُمَّ يَدْخُلُ فَرُبَّما أصابَ الرَجُلَ مَعَ امْرَأتِهِ في لِحافٍ واحِدٍ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: قِيلَ لَكم هَذا لِكَيْ تَذَكَّرُوا وتَتَّعِظُوا وتَعْمَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ في بابِ الِاسْتِئْذانِ.

24:28Page 353

فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨

And if you do not find anyone therein, do not enter them until permission has been given you. And if it is said to you, "Go back,"1 then go back; it is purer for you. And Allāh is Knowing of what you do.

﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها﴾ في البُيُوتِ ﴿أحَدًا﴾ مِنَ الآذِنِينَ ﴿فَلا تَدْخُلُوها حَتّى (p-٤٩٩)يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ حَتّى تَجِدُوا مَن يَأْذَنُ لَكم أوْ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا مِن أهْلِها ولَكم فِيها حاجَةٌ فَلا تَدْخُلُوها إلّا بِإذْنِ أهْلِها، لِأنَّ التَصَرُّفَ في مِلْكِ الغَيْرِ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ بِرِضاهُ ﴿وَإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا﴾ أيْ: إذا كانَ فِيهِ قَوْمٌ فَقالُوا ارْجِعُوا ﴿فارْجِعُوا﴾ ولا تُلِحُّوا في إطْلاقِ الإذْنِ ولا تَلِجُّوا في تَسْهِيلِ الحِجابِ ولا تَقِفُوا عَلى الأبْوابِ، لِأنَّ هَذا مِمّا يَجْلِبُ الكَراهَةَ فَإذا نَهى عَنْ ذَلِكَ لِأدائِهِ إلى الكَراهَةِ وجَبَ الِانْتِهاءُ عَنْ كُلِّ ما يُؤَدِّي إلَيْها مِن قَرْعِ البابِ بِعُنْفٍ والتَصْيِيحِ بِصاحِبِ الدارِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وعَنْ أبِي عُبَيْدٍ ما قَرَعْتُ بابًا عَلى عالِمٍ قَطُّ ﴿هُوَ أزْكى لَكُمْ﴾ أيِ الرُجُوعُ أطْيَبُ وأطْهَرُ لِما فِيهِ مِن سَلامَةِ الصُدُورِ والبُعْدِ عَنِ الرِيبَةِ أوْ أنْفَعُ وأنْمى خَيْرًا ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وعِيدٌ لِلْمُخاطَبِينَ بِأنَّهُ عالِمٌ بِما يَأْتُونَ وما يَذْرُونَ مِمّا خُوطِبُوا بِهِ فَمُوَفٍّ جَزاءَهُ عَلَيْهِ.

24:29Page 353

لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٢٩

There is no blame upon you for entering houses not inhabited in which there is convenience1 for you. And Allāh knows what you reveal and what you conceal.

﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا﴾ في أنْ تَدْخُلُوا ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ اسْتَثْنى مِنَ البُيُوتِ الَّتِي يَجِبُ الِاسْتِئْذانُ عَلى داخِلِها ما لَيْسَ بِمَسْكُونٍ مِنها كالخاناتِ والرُبُطِ وحَوانِيتِ التُجّارِ ﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مَنفَعَةٌ كالِاسْتِكْنانِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ وإيواءِ الرِحالِ والسِلَعِ والشِراءِ والبَيْعِ وقِيلَ الخَرِباتُ يَتَبَرَّزُ فِيها والمَتاعُ التَبَرُّزُ ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ وعِيدٌ لِلَّذِينِ يَدْخُلُونَ الخَرِباتِ والدُورَ الخالِيَةَ مِن أهْلِ الرِيبَةِ.

24:30Page 353

قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠

Tell the believing men to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts.2 That is purer for them. Indeed, Allāh is [fully] Aware of what they do.

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ والمُرادُ غَضُّ البَصَرِ عَمّا يَحْرُمُ والِاقْتِصارُ بِهِ عَلى ما يَحِلُّ ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ عَنِ الزِنا ولَمْ يَدْخُلْ مِن هُنا، لِأنَّ الزِنا لا رُخْصَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ ويَجُوزُ النَظَرُ إلى وجْهِ الأجْنَبِيَّةِ وكَفِّها وقَدَمَيْها في رِوايَةٍ وإلى رَأْسِ المَحارِمِ والصَدْرِ والساقَيْنِ والعَضُدَيْنِ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: غَضُّ البَصَرِ وحِفْظُ الفَرْجِ ﴿أزْكى لَهُمْ﴾ أيْ: أطْهَرُ مِن دَنَسٍ الإثْمِ ﴿إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ فِيهِ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ يَعْنِي: أنَّهُ خَبِيرٌ (p-٥٠٠)بِأحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وكَيْفَ يُخِينُونَ أبْصارَهم ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُدُورُ﴾ [غافر: ١٩] فَعَلَيْهِمْ إذا عَرَفُوا ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا مِنهُ عَلى تَقْوى وحَذَرٍ في كُلِّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ.

24:31Page 353

وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١

And tell the believing women to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts and not expose their adornment2 except that which [necessarily] appears thereof3 and to wrap [a portion of] their headcovers over their chests and not expose their adornment [i.e., beauty] except to their husbands, their fathers, their husbands' fathers, their sons, their husbands' sons, their brothers, their brothers' sons, their sisters' sons, their women, that which their right hands possess [i.e., slaves], or those male attendants having no physical desire,4 or children who are not yet aware of the private aspects of women. And let them not stamp their feet to make known what they conceal of their adornment. And turn to Allāh in repentance, all of you, O believers, that you might succeed.

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ أُمِرْنَ بِغَضِّ الأبْصارِ فَلا يَحِلُّ لِلْمَرْأةِ أنْ تَنْظُرَ مِنَ الأجْنَبِيِّ إلى ما تَحْتَ سُرَّتِهِ إلى رُكْبَتَيْهِ وإنِ اشْتَهَتْ غَضَّتْ بَصَرَها رَأسًا ولا تَنْظُرُ إلى المَرْأةِ إلّا إلى مِثْلٍ ذَلِكَ وغَضُّ بَصَرِها مِنَ الأجانِبِ أصْلًا أوْلى بِها وإنَّما قَدَّمَ غَضَّ الأبْصارِ عَلى حِفْظِ الفُرُوجِ، لِأنَّ النَظَرَ بَرِيدُ الزِنا ورائِدُ الفُجُورِ فَبَذْرُ الهَوى طُمُوحُ العَيْنِ ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزِينَةُ ما تَزَيَّنَتْ بِهِ المَرْأةُ مِن حُلِيٍّ أوْ كُحْلٍ أوْ خِضابٍ والمَعْنى: ولا يُظْهِرْنَ مَواضِعَ الزِينَةِ إذْ إظْهارُ عَيْنِ الزِينَةِ - وهي الحُلِيُّ ونَحْوُها - مُباحٌ، فالمُرادُ بِها مَواضِعُها أوْ إظْهارُها وهي في مَواضِعِها لِإظْهارِ مَواضِعِها لا لِإظْهارِ أعْيانِها ومَواضِعُها: الرَأْسُ والأُذُنُ والعُنُقُ والصَدْرُ والعَضُدانِ والذِراعُ والساقُ، فَهي لِلْإكْلِيلِ، والقُرْطُ والقِلادَةُ والوِشاحُ والدُمْلُجُ والسُوارُ والخَلْخالُ ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ إلّا ما جَرَتِ العادَةُ والجِبِلَّةُ عَلى ظُهُورِهِ وهو الوَجْهُ والكَفّانِ والقَدَمانِ فَفي سَتْرِها حَرَجٌ بَيِّنٌ فَإنَّ المَرْأةَ لا تَجِدُ بُدًّا مِن مُزاوَلَةِ الأشْياءِ بِيَدَيْها ومِنَ الحاجَةِ إلى كَشْفِ وجْهِها خُصُوصًا في الشَهادَةِ والمُحاكَمَةِ والنِكاحِ وتُضْطَرُّ إلى المَشْيِ في الطُرُقاتِ وظُهُورِ قَدَمَيْها وخاصَّةً الفَقِيراتِ مِنهُنَّ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ ولِيَضَعْنَ، مِن قَوْلِكَ:ضَرَبْتُ بِيَدِي عَلى الحائِطِ، إذا وضَعْتَها عَلَيْهِ ﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾ جَمْعُ خِمارٍ ﴿عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ بِضَمِّ الجِيمِ مَدَنِيٌّ وبَصْرِيٌّ وعاصِمٌ، كانَتْ جُيُوبُهُنَّ واسِعَةً تَبْدُو مِنها صُدُورُهُنَّ وما حَوالَيْها وكُنَّ يَسْدِلْنَ الخُمُرَ مِن ورائِهِنَّ فَتَبْقى مَكْشُوفَةً فَأُمِرْنَ بِأنْ يُسْدِلْنَها مِن قُدّامِهِنَّ حَتّى تُغَطِّينَها ﴿إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ لِأزْواجِهِنَّ جَمْعُ بَعْلٍ ﴿أوْ آبائِهِنَّ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِمُ الأجْدادُ ﴿أوْ آباءِ (p-٥٠١)بُعُولَتِهِنَّ﴾ فَقَدْ صارُوا مَحارِمَ ﴿أوْ أبْنائِهِنَّ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِمُ النَوافِلُ ﴿أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ فَقَدْ صارُوا مَحارِمَ أيْضًا ﴿أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِمُ النَوافِلُ وسائِرُ المَحارِمِ كالأعْمامِ والأخْوالِ وغَيْرُهم دَلالَةً ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ أيِ الحَرائِرِ، لِأنَّ مُطْلَقَ هَذا اللَفْظِ يَتَناوَلُ الحَرائِرَ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ أيِ إمائِهِنَّ ولا يَحِلُّ لِعَبْدِها أنْ يَنْظُرَ إلى هَذِهِ المَواضِعِ مِنها خَصِيًّا كانَ أوْ عِنِّينًا أوْ فَحْلًا، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: لا تُغْرُنَّكم سُورَةُ النُورِ فَإنَّها في الإماءِ دُونَ الذُكُورِ، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها أنَّها أباحَتِ النَظَرَ إلَيْها لِعَبْدِها ﴿أوِ التابِعِينَ غَيْرِ﴾ بِالنَصْبِ شامِيٌّ ويَزِيدُ وأبُو بَكْرٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ أوِ الحالُ وغَيْرُهم بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ أوْ عَلى الوَصْفِيَّةِ ﴿أُولِي الإرْبَةِ﴾ الحاجَةِ إلى النِساءِ قِيلَ هُمُ الَّذِينَ يَتْبَعُونَكم لِيُصِيبُوا مِن فَضْلِ طَعامِكم ولا حاجَةَ لَهم إلى النِساءِ، لِأنَّهم بُلْهٌ لا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن أمْرِهِنَّ أوْ شُيُوخٌ صُلَحاءُ أوِ العِنِّينُ أوِ الخَصِيُّ أوِ المُخَنَّثُ، وفى الأثَرِ أنَّهُ المَجْبُوبُ والأوَّلُ الوَجْهُ ﴿مِنَ الرِجالِ﴾ حالٌ ﴿أوِ الطِفْلِ الَّذِينَ﴾ هو جِنْسٌ فَصَلَحَ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمْعُ ﴿لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِساءِ﴾ أيْ: لَمْ يَطَّلِعُوا لِعَدَمِ الشَهْوَةِ، مِن ظَهَرَ عَلى الشَيْءِ: إذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يَبْلُغُوا أوانَ القُدْرَةِ عَلى الوَطْءِ مِن ظَهَرَ عَلى فُلانٍ إذا قَوِيَ عَلَيْهِ ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ كانَتِ المَرْأةُ تَضْرِبُ الأرْضَ بِرِجْلَيْها إذا مَشَتْ لِتُسْمِعَ قَعْقَعَةَ خَلْخالِها فَيُعْلَمَ أنَّها ذاتُ خَلْخالٍ فَنُهِينَ عَنْ ذَلِكَ إذْ سَماعُ صَوْتِ الزِينَةِ كَإظْهارِها ومِنهُ سُمِّيَ صَوْتُ الحُلِيِّ وسْواسًا ﴿وَتُوبُوا إلى اللهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيُّهُ شامِيٌّ إتْباعًا لِلضَّمَّةِ قَبْلَها بَعْدَ حَذْفِ الألِفِ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ وغَيْرُهُ عَلى فَتْحِ الهاءِ لِأنَّ بَعْدَها ألِفًا في التَقْدِيرِ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ (p-٥٠٢)العَبْدُ لا يَخْلُو عَنْ سَهْوٍ وتَقْصِيرٍ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وإنِ اجْتَهَدَ فَلِذا وصّى المُؤْمِنِينَ جَمِيعًا بِالتَوْبَةِ وبِتَأْمِيلِ الفَلاحِ إذا تابُوا وقِيلَ أحْوَجُ الناسِ إلى التَوْبَةِ مَن تَوَهَّمَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ حاجَةٌ بِالتَوْبَةِ وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ العِصْيانَ لا يُنافِي الإيمانَ.

24:32Page 354

وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٣٢

And marry the unmarried among you and the righteous among your male slaves and female slaves. If they should be poor, Allāh will enrich them from His bounty, and Allāh is all-Encompassing and Knowing.

﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ الأيامى جَمْعُ أيِّمٍ وهو مَن لا زَوْجَ لَهُ رَجُلًا كانَ أوِ امْرَأةً بِكْرًا كانَ أوْ ثَيِّبًا وأصْلُهُ أيائِمُ فَقُلِبَتْ ﴿والصالِحِينَ﴾ أيْ: الخَيِّرِينَ أوِ المُؤْمِنِينَ والمَعْنى: زَوَّجُوا مَن تَأيَّمَ مِنكم مِنَ الأحْرارِ والحَرائِرِ ومَن كانَ فِيهِ صَلاحٌ ﴿مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ أيْ: مِن غِلْمانِكم وجَوارِيكم والأمْرُ لِلنَّدْبِ إذِ النِكاحُ مَندُوبٌ إلَيْهِ ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ﴾ مِنَ المالِ ﴿يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] بِالكِفايَةِ والقَناعَةِ أوْ بِاجْتِماعِ الرِزْقَيْنِ وفي الحَدِيثِ: « " التَمِسُوا الرِزْقَ بِالنِكاحِ »، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مِثْلُهُ ﴿واللهُ واسِعٌ﴾ غَنِيٌّ ذُو سَعَةٍ لا يَرْزَؤُهُ إغْناءُ الخَلائِقِ ﴿عَلِيمٌ﴾ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ وقِيلَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَزْوِيجَ النِساءِ والأيامى إلى الأوْلِياءِ كَما أنَّ تَزْوِيجَ العَبِيدِ والإماءِ إلى المَوالِي قُلْنا الرَجُلُ لا يَلِي عَلى الرَجُلِ الأيِّمِ إلّا بِإذْنِهِ فَكَذا لا يَلِي عَلى المَرْأةِ إلّا بِإذْنِها، لِأنَّ الأيِّمَ يَنْتَظِمُها.

24:33Page 354

وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٣

But let them who find not [the means for] marriage abstain [from sexual relations] until Allāh enriches them from His bounty. And those who seek a contract [for eventual emancipation] from among whom your right hands possess1 - then make a contract with them if you know there is within them goodness and give them from the wealth of Allāh which He has given you. And do not compel your slave girls to prostitution, if they desire chastity, to seek [thereby] the temporary interests of worldly life. And if someone should compel them, then indeed, Allāh is [to them], after their compulsion, Forgiving and Merciful.

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ﴾ ولْيَجْتَهِدُوا في العِفَّةِ كَأنَّ المُسْتَعِفَّ طالِبٌ مِن نَفْسِهِ العَفافَ ﴿لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ اسْتِطاعَةَ تَزَوُّجٍ مِنَ المَهْرِ والنَفَقَةِ ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ حَتّى يُقَدِّرَهم عَلى المَهْرِ والنَفَقَةِ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ «: " يا مَعْشَرَ الشَبابِ مَنِ اسْتَطاعَ مِنكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَوْمِ فَإنَّهُ لَهُ وِجاءٌ" »، فانْظُرْ كَيْفَ رَتَّبَ هَذِهِ الأوامِرَ (p-٥٠٣)فَأمَرَ أوَّلًا بِما يَعْصِمُ مِنَ الفِتْنَةِ ويُبْعِدُ عَنْ مُواقَعَةِ المَعْصِيَةِ وهو غَضُّ البَصَرِ ثُمَّ بِالنِكاحِ المُحَصِّنِ لِلدِّينِ المَغْنِي عَنِ الحَرامِ ثُمَّ بِعِزَّةِ النَفْسِ الأمّارَةِ بِالسُوءِ عَنِ الطُمُوحِ إلى الشَهْوَةِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ النِكاحِ إلى أنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيِ المَمالِيكُ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الكِتابَةَ فالَّذِينَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ وهو لِلنَّدْبِ ودَخَلَتِ الفاءُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَرْطِ والكِتابُ والمُكاتَبَةُ كالعِتابِ والمُعاتَبَةِ وهو أنْ يَقُولَ لِمَمْلُوكِهِ كاتَبْتُكَ عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ فَإنْ أدّاها عُتِقَ ومَعْناهُ: كَتَبْتُ لَكَ عَلى نَفْسِي أنْ تُعْتَقَ مِنِّي إذا وفَيْتَ بِالمالِ وكَتَبْتَ لِي عَلى نَفْسِكَ أنْ تَفِيَ بِذَلِكَ أوْ كَتَبْتُ عَلَيْكَ الوَفاءَ بِالمالِ وكَتَبْتُ عَلَيَّ العِتْقَ ويَجُوزُ حالًّا ومُؤَجَّلًا ومُنَجَّمًا وغَيْرَ مُنَجَّمٍ لِإطْلاقِ الأمْرِ ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قُدْرَةً عَلى الكَسْبِ أوْ أمانَةً ودِيانَةً والنَدْبِيَّةُ مُعَلَّقَةٌ بِهَذا الشَرْطِ ﴿وَآتُوهم مِن مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ أمْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى وجْهِ الوُجُوبِ بِإعانَةِ المُكاتَبِينَ وإعْطائِهِمْ سَهْمَهم مِنَ الزَكاةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَفِي الرِقابِ﴾ [التوبة: ٦٠] وعِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ مَعْناهُ: حُطُّوا مِن بَدَلِ الكِتابَةِ رُبْعًا وهَذا عِنْدَنا عَلى وجْهِ النَدْبِ والأوَّلُ الوَجْهُ، لِأنَّ الإيتاءَ هو التَمْلِيكُ فَلا يَقَعُ عَلى الحَطِّ سَألَ صُبَيْحٌ مَوْلاهُ حُوَيْطِبًا أنْ يُكاتِبَهُ فَأبى فَنَزَلَتْ

واعْلَمْ أنَّ العَبِيدَ أرْبَعَةٌ قِنٌّ مُقْتَنًى لِلْخِدْمَةِ ومَأْذُونٌ في التِجارَةِ ومُكاتَبٌ وآبِقٌ، فَمِثالُ الأوَّلِ ولِيُّ العُزْلَةِ الَّذِي حَصَلَ العِزُّ لَهُ بِإيثارِ الخَلْوَةِ وتَرْكِ العِشْرَةِ والثانِي ولِيُّ العِشْرَةِ فَهو نَجِيُّ الحَضْرَةِ يُخالِطُ الناسَ لِلْخِبْرَةِ ويَنْظُرُ إلَيْهِمْ بِالعِبْرَةِ ويَأْمُرُهم بِالعِبْرَةِ فَهو خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَحْكُمُ بِحُكْمِ اللهِ ويَأْخُذُ لِلَّهِ ويُعْطِي في اللهِ ويَفْهَمُ عَنِ اللهِ ويَتَكَلَّمُ مَعَ اللهِ فالدُنْيا سُوقُ تِجارَتِهِ والعَقْلُ رَأْسُ بِضاعَتِهِ والعَدْلُ في الغَضَبِ والرِضا مِيزانُهُ والقَصْدُ في الفَقْرِ والغِنى عُنْوانُهُ والعِلْمُ مَفْزَعُهُ ومَنحاهُ والقُرْآنُ كِتابُ الإذْنِ مِن مَوْلاهُ فَهو كائِنٌ في الناسِ بِظَواهِرِهِ بائِنٌ مِنهم بِسَرائِرِهِ فَقَدْ هَجَرَهم فِيما لَهُ عَلَيْهِمْ في اللهِ باطِنًا ثُمَّ وصَلَهم فِيما لَهم عَلَيْهِ لِلَّهِ ظاهِرًا (p-٥٠٤)وَما هو مِنهُمُ بِالعَيْشِ فِيهِمْ ولَكِنْ مَعْدِنَ الذَهَبِ الرَغامُ

يَأْكُلُ ما يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُ ما يَشْرَبُونَ وما يُدْرِيهِمْ أنَّهُ ضَيْفُ اللهِ يَرى السَمَواتِ والأرْضَ قائِماتٍ بِأمْرِهِ وكَأنَّهُ قِيلَ فِيهِ:

؎ فَإنْ تَفُقِ الأنامُ وأنْتَ مِنهم فَإنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزالِ

فَحالُ ولِيِّ العُزْلَةِ أصْفى وأحْلى وحالُ ولِيِّ العِشْرَةِ أوْفى وأعْلى ونُزِّلَ الأوَّلُ مِنَ الثانِي في حَضْرَةِ الرَحْمَنِ مَنزِلَةَ النَدِيمِ مِنَ الوَزِيرِ عِنْدَ السُلْطانِ أمّا النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَهو كَرِيمُ الطَرَفَيْنِ ومَعْدِنُ الشَذَرَيْنِ ومَجْمَعُ الحالَيْنِ ومَنبَعُ الزُلالَيْنِ فَباطِنُ أحْوالِهِ مُهْتَدِي ولِيِّ العُزْلَةِ وظاهِرُ أعْمالِهِ مُقْتَدى ولِيِّ العِشْرَةِ والثالِثُ المُجاهِدُ المُحاسِبُ العامِلُ المُطالِبُ بِالضَرائِبِ كَنُجُومِ المُكاتَبِ عَلَيْهِ في اليَوْمِ واللَيْلَةِ خَمْسٌ وفى المِائَتَيْنِ خَمْسَةٌ وفي السَنَةِ شَهْرٌ وفي العُمْرِ زَوْرَةٌ فَكَأنَّهُ اشْتَرى نَفْسَهُ مِن رَبِّهِ بِهَذِهِ النُجُومِ المُرَتَّبَةِ فَيَسْعى في فِكاكِ رَقَبَتِهِ خَوْفًا مِنَ البَقاءِ في رِبْقَةِ العُبُودِيَّةِ وطَمَعًا في فَتْحِ بابِ الحُرِّيَّةِ لِيَسْرَحَ في رِياضِ الجَنَّةِ فَيَتَمَتَّعَ بِمُناهُ ويَفْعَلُ ما يَشاؤُهُ ويَهْواهُ والرابِعُ الأُبّاقُ فَما أكْثَرَهم فَمِنهُمُ القاضِي الجائِرُ والعالِمُ غَيْرُ العامِلِ والعامِلُ المُرائِي والواعِظُ الَّذِي لا يَفْعَلُ ما يَقُولُ ويَكُونُ أكْثَرَ أقْوالِهِ الفُضُولُ وعَلى كُلِّ ما لا يَنْفَعُهُ يَصُولُ فَضْلًا عَنِ السارِقِ والزانِي والغاصِبِ فَعَنْهم أخْبَرَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ «:"إنَّ اللهَ لَيَنْصُرُ هَذا الدِينَ بِقَوْمٍ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ" »«﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ كانَ لِابْنِ أُبَيٍّ سِتُّ جَوارٍ: مُعاذَةُ ومُسَيْلَةُ وأُمَيْمَةُ وعَمْرَةُ وأرْوى وقَتِيلَةُ يُكْرِهُهُنَّ عَلى البِغاءِ وضَرَبَ عَلَيْهِنَّ الضَرائِبَ فَشَكَتْ ثِنْتانِ مِنهُنَّ إلى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَنَزَلَتْ » ويُكَنّىْ بِالفَتى والفَتاةِ عَنِ العَبْدِ والأمَةِ والبِغاءُ الزِنا لِلنِّساءِ خاصَّةً وهو مَصْدَرٌ لِبَغَتْ ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ تَعَفُّفًا عَنِ الزِنا وإنَّما قَيَّدَهُ بِهَذا الشَرْطِ، لِأنَّ الإكْراهَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ إرادَةِ التَحَصُّنِ فَآمِرُ الطَيِّعَةِ لِلْبِغاءِ (p-٥٠٥)لا يُسَمّى مُكْرِهًا ولا أمْرُهُ إكْراهًا ولِأنَّها نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ فَوَقَعَ النَهْيُ عَلى تِلْكَ الصِفَةِ وفِيهِ تَوْبِيخٌ لِلْمَوالِي أيْ: إذا رَغِبْنَ في التَحَصُّنِ فَأنْتُمْ أحَقُّ بِذَلِكَ ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُنْيا﴾ أيْ: لِتَبْتَغُوا بِإكْراهِهِنَّ عَلى الزِنا أُجُورَهُنَّ وأوْلادَهُنَّ ﴿وَمَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لَهُنَّ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ، وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ لَهُنَّ واللهِ، ولَعَلَّ الإكْراهَ كانَ دُونَ ما اعْتَبَرَتْهُ الشَرِيعَةُ وهو الَّذِي يُخافُ مِنهُ التَلَفُ فَكانَتْ آثِمَةً أوْ لَهم إذا تابُوا.

24:34Page 354

وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٣٤

And We have certainly sent down to you distinct verses1 and examples from those who passed on before you and an admonition for those who fear Allāh.

﴿وَلَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ بِفَتْحِ الياءِ حِجازِيٌّ وبَصْرِيٌّ وأبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ والمُرادُ الآياتُ الَّتِي بُيِّنَتْ في هَذِهِ السُورَةِ وأُوضِحَتْ في مَعانِي الأحْكامِ والحُدُودِ وجازَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ مُبَيَّنًا فِيها فاتَّسَعَ في الظَرْفِ أيْ: أُجْرِيَ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِهِ "وَيَوْمَ شَهِدْناهُ" وبِكَسْرِها غَيْرُهم أيْ: بَيَّنَتْ هي الأحْكامَ والحُدُودَ جَعَلَ الفِعْلَ لَها مَجازًا أوْ مِن بَيَّنَ بِمَعْنى تَبَيَّنَ ومِنهُ المَثَلُ

؎ قَدْ بَيَّنَ الصُبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ

﴿وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ ومَثَلًا مِن أمْثالِ مَن قَبَلَكم أيْ: قِصَّةً عَجِيبَةً مِن قَصَصِهِمْ كَقِصَّةِ يُوسُفَ ومَرْيَمَ يَعْنِي: قِصَّةَ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ ما وعَظَ بِهِ مِنَ الآياتِ والمَثَلِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللهِ﴾ [النور: ٢] ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٢] ﴿وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٦] ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ [النور: ١٧] ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها وإنْ كانَتْ مَوْعِظَةً لِلْكُلِّ نَظِيرُ قَوْلِهِ.

24:35Page 354

۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٣٥

Allāh is the Light1 of the heavens and the earth. The example of His light2 is like a niche within which is a lamp;3 the lamp is within glass, the glass as if it were a pearly [white] star lit from [the oil of] a blessed olive tree, neither of the east nor of the west, whose oil would almost glow even if untouched by fire. Light upon light. Allāh guides to His light whom He wills. And Allāh presents examples for the people, and Allāh is Knowing of all things.

﴿اللهُ نُورُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ﴾ قَوْلُكَ زَيْدٌ كَرَمٌ وجُودٌ، ثُمَّ تَقُولُ يُنْعِشُ الناسَ بِكَرَمِهِ وجُودِهِ والمَعْنى: ذُو نُورِ السَمَواتِ، ونُورُ السَمَواتِ والأرْضِ الحَقُّ شَبَّهَهُ بِالنُورِ في ظُهُورِهِ وبَيانِهِ كَقَوْلِهِ ﴿اللهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] أيْ: مِنَ الباطِلِ إلى الحَقِّ وأضافَ النُورَ إلَيْهِما لِلدَّلالَةِ (p-٥٠٦)عَلى سَعَةِ إشْراقِهِ وفُشُوِّ إضاءَتِهِ حَتّى تُضِيءَ لَهُ السَمَواتُ والأرْضُ وجازَ أنَّ المُرادَ أهْلُ السَمَواتِ والأرْضِ وأنَّهم يَسْتَضِيئُونَ بِهِ ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أيْ: صِفَةُ نُورِهِ العَجِيبَةُ الشَأْنِ في الإضاءَةِ

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما " ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أيْ: نُورِ اللهِ الَّذِي هَدى بِهِ المُؤْمِنَ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " مَثَلُ نُورِهِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ كَمِشْكاةٍ" وقَرَأ أُبَيٌّ " مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ " ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ كَصِفَةِ مِشْكاةٍ وهي الكُوَّةُ في الجِدارِ غَيْرِ النافِذَةِ ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ أيْ: سِراجٌ ضَخْمٌ ثاقِبٌ ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ في قِنْدِيلٍ مِن زُجاجٍ شامِيٌّ بِكَسْرِ الزايِ ﴿الزُجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ مُضِيءٌ بِضَمِّ الدالِ وتَشْدِيدِ الياءِ مَنسُوبٌ إلى الدُرِّ لِفَرْطِ ضِيائِهِ وصَفائِهِ وبِالكَسْرِ والهَمْزَةِ أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ كَأنَّهُ يَدْرَأُ الظَلامَ بِضَوْئِهِ وبِالضَمِّ والهَمْزَةِ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ شُبِّهَ في زَهْرَتِهِ بِأحَدِ الكَواكِبِ الدَرارِيِّ كالمُشْتَرِي والزُهْرَةِ ونَحْوِهِما ﴿يُوقَدُ﴾ بِالتَخْفِيفِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وأبُو بَكْرٍ أيِ الزُجاجَةُ ويُوقِدُ بِالتَخْفِيفِ شامِيٌّ ونافِعٌ وحَفْصٌ و"تَوَقَّدُ" مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ أيْ: هَذا المِصْباحِ ﴿مِن شَجَرَةٍ﴾ أيِ ابْتِداءُ ثُقُوبِهِ مِن زَيْتِ شَجَرَةِ الزَيْتُونِ يَعْنِي: رُوِّيَتْ زُبالَتُهُ بِزَيْتِها ﴿مُبارَكَةٍ﴾ كَثِيرَةِ المَنافِعِ، أوْ لِأنَّها نَبَتَتْ في الأرْضِ الَّتِي بُورِكَ فِيها لِلْعالَمِينَ وقِيلَ بارَكَ فِيها سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بَدَلٌ مِن شَجَرَةٍ نَعْتُها ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ أيْ: مَنبَتُها الشامُ يَعْنِي: لَيْسَتْ مِنَ المَشْرِقِ ولا مِنَ المَغْرِبِ بَلْ في الوَسَطِ مِنهُما وهو الشامُ وأجْوَدُ الزَيْتُونِ زَيْتُونُ الشامِ وقِيلَ لَيْسَتْ مِمّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَمْسُ في وقْتِ شُرُوقِها أوْ غُرُوبِها فَقَطْ بَلْ تُصِيبُها بِالغَداةِ والعَشِيِّ جَمِيعًا فَهي شَرْقِيَّةٌ وغَرْبِيَّةٌ ﴿يَكادُ زَيْتُها﴾ دُهْنُها ﴿يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ وُصِفَ الزَيْتُ بِالصَفاءِ (p-٥٠٧)والوَمِيضِ وأنَّهُ لَتَلَأْلُؤِهِ يَكادُ يُضِيءُ مِن غَيْرِ نارٍ ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ أيْ: هَذا النُورُ الَّذِي شُبِّهَ بِهِ الحَقُّ نُورٌ مُتَضاعَفٌ قَدْ تَناصَرُ فِيهِ المِشْكاةُ والزُجاجَةُ والمِصْباحُ والزَيْتُ حَتّى لَمْ تَبْقَ بَقِيَّةٌ مِمّا يُقَوِّي النُورَ وهَذا، لِأنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في مَكانٍ مُتَضايِقٍ كالمِشْكاةِ كانَ أجْمَعَ لِنُورِهِ بِخِلافِ المَكانِ الواسِعِ فَإنَّ الضَوْءَ يَنْتَشِرُ فِيهِ والقِنْدِيلُ أعْوَنُ شَيْءٍ عَلى زِيادَةِ الإنارَةِ وكَذَلِكَ الزَيْتُ وصَفاؤُهُ وضَرْبُ المَثَلِ يَكُونُ بِدَنِيءٍ مَحْسُوسٍ مَعْهُودٍ لا بِعَلِيٍّ غَيْرِ مُعايَنٍ ولا مَشْهُودٍ فَأبُو تَمّامٍ لَمّا قالَ في المَأْمُونِ:

؎ إقْدامُ عَمْرٍو في سَماحَةِ حاتِمٍ في حِلْمِ أحْنَفَ في ذَكاءِ إياسٍ

وَقِيلَ لَهُ إنَّ الخَلِيفَةَ فَوْقَ مَن مَثَّلْتَهُ بِهِمْ فَقالَ مُرْتَجِلًا

؎ لا تُنْكِرُوا ضَرْبِي مَن دُونَهُ مَثَلًا شَرُودًا في النَدى والباسِ

؎ فاللهُ قَدْ ضَرَبَ الأقَلَّ لِنُورِهِ ∗∗∗ مَثَلًا مِنَ المِشْكاةِ والنِبْراسِ

﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ﴾ أيْ: لِهَذا النُورِ الثاقِبِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ أيْ: يُوَفِّقُ لِإصابَةِ الحَقِّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِإلْهامٍ مِنَ اللهِ أوْ بِنَظَرِهِ في الدَلِيلِ ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ﴾ تَقْرِيبًا إلى أفْهامِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا فَيُؤْمِنُوا ﴿واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَيُبَيِّنُ كُلَّ شَيْءٍ بِما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ بِهِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مَثَلُ نُورِهِ أيْ: نُورِ اللهِ الَّذِي هَدى بِهِ المُؤْمِنَ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَحِمَهُ اللهُ "مَثَلَ نُورِهِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ كَمِشْكاةٍ " وقَرَأ أُبَيٌّ "مَثَلَ نُورِ المُؤْمِنِ"

24:36Page 354

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦

[Such niches are] in houses [i.e., mosques] which Allāh has ordered to be raised and that His name be mentioned [i.e., praised] therein; exalting Him within them in the morning and the evenings1

﴿فِي بُيُوتٍ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمِشْكاةٍ أيْ: كَمِشْكاةٍ في بَعْضِ بُيُوتِ اللهِ وهي المَساجِدُ كَأنَّهُ قِيلَ "مَثَلُ نُورِهِ" كَما تَرى في المَسْجِدِ نُورَ المِشْكاةِ الَّتِي مِن صِفَتِها كَيْتَ وكَيْتَ أوْ بِ"تُوقَدُ" أيْ تُوقَدُ في بُيُوتٍ أوْ بِ"يُسَبِّحُ" أيْ: يُسَبِّحُ لَهُ رِجالٌ في بُيُوتٍ و"فِيها" تَكْرِيرٌ فِيهِ تَوْكِيدٌ نَحْوُ زَيْدٌ في الدارِ جالِسٌ فِيها أوْ بِمَحْذُوفٍ أيْ: سَبَّحُوا في بُيُوتٍ ﴿أذِنَ اللهُ﴾ أيْ: أمَرَ ﴿أنْ تُرْفَعَ﴾ تُبْنى ﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ﴾ [البقرة: ١٢٧] أوْ تَعْظُمُ، مِنَ (p-٥٠٨)الرِفْعَةِ، وعَنِ الحَسَنِ ما أمَرَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ بِالبِناءِ ولَكِنْ بِالتَعْظِيمِ ﴿وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ يُتْلى فِيها كِتابُهُ أوْ هو عامٌّ في كُلِّ ذِكْرٍ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ أيْ: يُصَلِّي لَهُ فِيها بِالغَداةِ صَلاةَ الفَجْرِ وبِالآصالِ صَلاةَ الظُهْرِ والعَصْرِ والعِشاءَيْنِ وإنَّما وحَّدَ الغُدُوَّ، لِأنَّ صَلاتَهُ صَلاةٌ واحِدَةٌ وفي الآصالِ صَلَواتٌ والآصالُ جَمْعُ أُصُلٍ جَمْعُ أصِيلٍ وهو العَشِيُّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском