An-NasafiAn‑Nur · 24:37–58

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:37–58

24:37Page 355

رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧

[Are] men whom neither commerce nor sale distracts from the remembrance of Allāh and performance of prayer and giving of zakāh. They fear a Day in which the hearts and eyes will [fearfully] turn about -

﴿رِجالٌ﴾ فاعِلُ يُسْبِّحُ، "يُسَبَّحُ": شامِيٌّ وأبُو بَكْرٍ ويُسْنَدُ إلى أحَدِ الظُرُوفِ الثَلاثَةِ أعْنِي ﴿لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ﴾ [النور: ٣٦] ورِجالٌ مَرْفُوعٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ يُسَبِّحُ أيْ: يُسَبِّحُ لَهُ ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾ لا تَشْغَلُهم ﴿تِجارَةٌ﴾ في السَفَرِ ﴿وَلا بَيْعٌ﴾ في الحَضَرِ وقِيلَ التِجارَةُ الشِراءُ إطْلاقًا لِاسْمِ الجِنْسِ عَلى النَوْعِ أوْ خَصَّ البَيْعَ بَعْدَ ما عَمَّ، لِأنَّهُ أوْغَلُ في الإلْهاءِ مِنَ الشِراءِ، لِأنَّ الرِبْحَ في البَيْعَةِ الرابِحَةِ مُتَيَقَّنٌ وفي الشِراءِ مَظْنُونٌ ﴿عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ بِاللِسانِ والقَلْبِ ﴿وَإقامِ الصَلاةِ﴾ أيْ: عَنْ إقامَةِ الصَلاةِ، التاءُ في إقامَةٍ عِوَضٌ مِنَ العَيْنِ الساقِطَةِ لِلْإعْلالِ الأصْلُ إقْوامٌ فَلَمّا قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا اجْتَمَعَ ألِفانِ فَحُذِفَتْ إحَداهُما لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ فَأُدْخِلَتِ التاءُ عِوَضًا عَنِ المَحْذُوفِ فَلَمّا أُضِيفَتْ أُقِيمَتِ الإضافَةُ مَقامَ التاءِ فَأُسْقِطَتْ ﴿وَإيتاءِ الزَكاةِ﴾ أيْ:، وعَنْ إيتاءِ الزَكاةِ والمَعْنى: لا تِجارَةَ لَهم حَتّى تُلْهِيَهم كَأوْلِياءِ العُزْلَةِ أوْ يَبِيعُونَ ويَشْتَرُونَ ويَذْكُرُونَ اللهَ مَعَ ذَلِكَ وإذا حَضَرَتِ الصَلاةُ قامُوا إلَيْها غَيْرَ مُتَثاقِلِينَ كَأوْلِياءِ العِشْرَةِ ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ ويَخافُونَ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في تُلْهِيهِمْ أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِرِجالٍ ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ﴾ بِبُلُوغِها إلى الحَناجِرِ ﴿والأبْصارُ﴾ بِالشُخُوصِ والزُرْقَةِ أوْ تَتَقَلَّبُ القُلُوبُ إلى الإيمانِ بَعْدَ الكُفْرانِ والأبْصارُ إلى العِيانِ بَعْدَ إنْكارِهِ لِلطُّغْيانِ كَقَوْلِهِ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]

24:38Page 355

لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٨

That Allāh may reward them [according to] the best of what they did and increase them from His bounty. And Allāh gives provision to whom He wills without account [i.e., limit].

﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يُسَبِّحُونَ ويَخافُونَ (p-٥٠٩)﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أحْسَنَ﴾ جَزاءَ أعْمالِهِمْ أيْ: لِيَجْزِيَهم ثَوابَهم مُضاعَفًا ويَزِيدَهم عَلى الثَوابِ المَوْعُودِ عَلى العَمَلِ تَفَضُّلًا ﴿واللهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: يُثِيبُ مَن يَشاءُ ثَوابًا لا يَدْخُلُ في حِسابِ الخَلْقِ هَذِهِ صِفاتُ المُهْتَدِينَ بِنُورِ اللهِ فَأمّا الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْهُ فالمَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ.

24:39Page 355

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٣٩

But those who disbelieved - their deeds are like a mirage in a lowland which a thirsty one thinks is water until, when he comes to it, he finds it is nothing but finds Allāh before him, and He will pay him in full his due; and Allāh is swift in account.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ﴾ هو ما يُرى في الفَلاةِ مِن ضَوْءِ الشَمْسِ وقْتَ الظُهْرِ يَسْرُبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ كَأنَّهُ ماءٌ يَجْرِي ﴿بِقِيعَةٍ﴾ بِقاعٍ أوْ جَمْعِ قاعٍ وهو المُنْبَسِطُ المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ كَجِيرَةٍ في جارٍ ﴿يَحْسَبُهُ الظَمْآنُ﴾ يَظُنُّهُ العَطْشانُ ﴿ماءً حَتّى إذا جاءَهُ﴾ أيْ: جاءَ إلى ما تَوَهَّمَ أنَّهُ ماءٌ ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ كَما ظَنَّهُ ﴿وَوَجَدَ اللهَ﴾ أيْ: جَزاءَ اللهِ كَقَوْلِهِ ﴿يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] أيْ: يَجِدُ مَغْفِرَتَهُ ورَحْمَتَهُ ﴿عِنْدَهُ﴾ عِنْدَ الكافِرِ ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ أيْ: أعْطاهُ جَزاءَ عَمَلِهِ وافِيًا كامِلًا وحَّدَ بَعْدَ الجَمْعِ حَمْلًا عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الكُفّارِ ﴿واللهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾، لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى عَدٍّ وعَقْدٍ ولا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ أوْ قَرِيبٌ حِسابُهُ، لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ شَبَّهَ ما يَعْمَلُهُ مَن لا يَعْتَقِدُ الإيمانَ ولا يَتَّبِعُ الحَقَّ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ الَّتِي يَحْسَبُها تَنْفَعُهُ عِنْدَ اللهِ وتُنْجِيهِ مِن عَذابِهِ ثُمَّ يُخَيِّبُ في العاقِبَةِ أمَلَهُ ويَلْقى خِلافَ ما قَدَّرَ بِسَرابٍ يَراهُ الكافِرُ بِالساهِرَةِ وقَدْ غَلَبَهُ عَطَشُ يَوْمِ القِيامَةِ فَيَحْسَبُهُ ماءً فَيَأْتِيهِ فَلا يَجِدُ ما رَجاهُ ويَجِدُ زَبانِيَةَ اللهِ عِنْدَهُ يَأْخُذُونَهُ فَيَعْتِلُونَهُ إلى جَهَنَّمَ فَيَسْقُونَهُ الحَمِيمَ والغَسّاقَ وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللهُ فِيهِمْ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿وَهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] قِيلَ نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ كانَ يَتَرَهَّبُ مُلْتَمِسًا لِلدِّينِ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَفَرَ.

24:40Page 355

أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠

Or [they are] like darknesses within an unfathomable sea which is covered by waves, upon which are waves, over which are clouds - darknesses, some of them upon others. When one puts out his hand [therein], he can hardly see it. And he to whom Allāh has not granted light - for him there is no light.

﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ﴾ أوْ هُنا كَأوْ في أوْ كَصَيِّبٍ ﴿لُجِّيٍّ﴾ عَمِيقٍ كَثِيرِ الماءِ مَنسُوبٌ إلى اللُجِّ وهو مُعْظَمُ ماءِ البَحْرِ (p-٥١٠)﴿يَغْشاهُ﴾ يَغْشى البَحْرَ أوْ مَن فِيهِ أيْ: يَعْلُوهُ ويُغَطِّيهِ ﴿مَوْجٌ﴾ هو ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ ﴿مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ المَوْجِ مَوْجٌ آخَرُ ﴿مِن فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ مِن فَوْقِ المَوْجِ الأعْلى سَحابٌ ﴿ظُلُماتٌ﴾ أيْ:هَذِهِ ظُلُماتٌ:ظُلْمَةُ السَحابِ وظُلْمَةُ المَوْجِ وظُلْمَةُ البَحْرِ ﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ ظُلْمَةُ المَوْجِ عَلى ظُلْمَةِ البَحْرِ وظُلْمَةُ المَوْجِ عَلى المَوْجِ وظُلْمَةُ السَحابِ عَلى المَوْجِ ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ﴾ أيِ الواقِعُ فِيهِ ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ مُبالَغَةً في لَمْ يَرَها أيْ: لَمْ يَقْرُبْ أنْ يَراها فَضْلًا عَنْ أنْ يَراها شَبَّهَ أعْمالَهم أوَّلًا في فَواتِ نَفْعِها وحُضُورِ ضَرَرِها بِسَرابٍ لَمْ يَجِدْهُ مَن خَدَعَهُ مَن بِعِيدٍ شَيْئًا ولَمْ يَكْفِهِ خَيْبَةً وكَمَدًا أنْ يَجِدَ شَيْئًا كَغَيْرِهِ مِنَ السَرابِ حَتّى وجَدَ عِنْدَهُ الزَبانِيَةَ تَعْتِلُهُ إلى النارِ وشَبَّهَها ثانِيًا في ظُلْمَتِها وسَوادِها لِكَوْنِها باطِلَةً وفي خُلُوِّها عَنْ نُورِ الحَقِّ بِظُلُماتٍ مُتَراكِمَةٍ مِن لُجِّ البَحْرِ والأمْواجِ والسَحابِ ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ مَن لَمْ يَهْدِهِ اللهُ لَمْ يَهْتَدِ عَنِ الزَجّاجِ، في الحَدِيثِ: « " خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ فَمَن أصابَهُ مِن ذَلِكَ النُورِ اهْتَدى ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ" »

24:41Page 355

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٤١

Do you not see that Allāh is exalted by whomever is within the heavens and the earth and [by] the birds with wings spread [in flight]? Each [of them] has known his [means of] prayer and exalting [Him], and Allāh is Knowing of what they do.

﴿ألَمْ تَرَ﴾ ألَمْ تَعْلَمْ يا مُحَمَّدُ عِلْمًا يَقُومُ مَقامَ العِيانِ في الإيقانِ ﴿أنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ والطَيْرُ﴾ عَطْفٌ عَلى مَن ﴿صافّاتٍ﴾ حالٌ مِنَ الطَيْرِ أيْ: يَصْفُفْنَ أجْنِحَتَهُنَّ في الهَواءِ ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ الضَمِيرُ في عَلِمَ لِكُلٍّ أوِ اللهِ وكَذا في صَلاتِهِ وتَسْبِيحِهِ والصَلاةُ الدُعاءِ ولَمْ يَبْعُدْ أنْ يُلْهِمَ اللهُ الطَيْرَ دُعاءَهُ وتَسْبِيحَهُ كَما ألْهَمَها سائِرَ العُلُومِ الدَقِيقَةِ الَّتِي لا يَكادُ العُقَلاءُ يَهْتَدُونَ إلَيْها ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ.

24:42Page 355

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٤٢

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and to Allāh is the destination.

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ﴾، لِأنَّهُ خالِقُها ومَن مَلَكَ شَيْئًا فَبِتَمْلِيكِهِ إيّاهُ ﴿وَإلى اللهِ المَصِيرُ﴾ مَرْجِعُ الكُلِّ (p-٥١١)

24:43Page 355

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٣

Do you not see that Allāh drives clouds? Then He brings them together; then He makes them into a mass, and you see the rain emerge from within it. And He sends down from the sky, mountains [of clouds] within which is hail, and He strikes with it whom He wills and averts it from whom He wills. The flash of its lightning almost takes away the eyesight.

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يُزْجِي﴾ يَسُوقُ إلى حَيْثُ يُرِيدُ ﴿سَحابًا﴾ جَمْعُ سَحابَةٍ دَلِيلُهُ ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ وتَذْكِيرُهُ لِلَّفْظِ أيْ: يَضُمُّ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ مُتَراكِمًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ المَطَرَ ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ مِن فُتُوقِهِ ومَخارِجِهِ جَمْعُ خَلَلٍ كَجِبالٍ في جَبَلٍ ﴿وَيُنَـزِّلُ﴾ "وَيُنْزِلُ" مَكِّيٌّ ومَدَنِيٌّ وبَصْرِيٌّ ﴿مِنَ السَماءِ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، لِأنَّ ابْتِداءَ الإنْزالِ مِنَ السَماءِ ﴿مِن جِبالٍ﴾ مِن لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ ما يُنْزِلُهُ اللهُ بَعْضُ تِلْكَ الجِبالِ الَّتِي ﴿فِيها﴾ في السَماءِ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ لِلْبَيانِ أوِ الأوْلَيانِ لِلِابْتِداءِ والآخِرَةُ لِلتَّبْعِيضِ ومَعْناهُ: أنَّهُ يُنْزِلُ البَرَدَ مِنَ السَماءِ مِن جِبالٍ فِيها وعَلى الأوَّلِ مَفْعُولُ يُنَزِّلُ مِن جِبالٍ أيْ: بَعْضَ جِبالٍ فِيها ومَعْنى مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرْدٍ أنْ يَخْلُقَ اللهُ في السَماءِ جِبالَ بَرَدٍ كَما خَلَقَ في الأرْضِ جِبالَ حَجَرٍ أوْ يُرِيدُ الكَثْرَةَ بِذِكْرِ الجِبالِ كَما يُقالُ فُلانٌ يَمْلِكُ جِبالًا مِن ذَهَبٍ ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ بِالبَرَدِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُصِيبُ الإنْسانَ وزَرْعَهُ ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ﴾ فَلا يُصِيبُهُ أوْ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشاءُ فَلا يُعَذِّبُهُ ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ ضَوْئِهِ ﴿يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ يَخْطِفُها "يُذْهِبُ": يَزِيدُ، عَلى زِيادَةِ الباءِ.

24:44Page 356

يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٤

Allāh alternates the night and the day. Indeed in that is a lesson for those who have vision.

﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَيْلَ والنَهارَ﴾ يُصَرِّفُهُما في الِاخْتِلافِ طُولًا وقِصَرًا، والتَعاقُبِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ في إزْجاءِ السَحابِ وإنْزالِ الوَدْقِ والبَرَدِ وتَقْلِيبِ اللَيْلِ والنَهارِ ﴿لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾ لِذَوِي العُقُولِ وهَذا مِن تَعْدِيدِ الدَلائِلِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ حَيْثُ ذَكَرَ تَسْبِيحَ مَن في السَمَواتِ والأرْضِ وما يَطِيرُ بَيْنَهُما ودُعاءَهم لَهُ وتَسْخِيرَ السَحابِ إلى آخِرِ ما ذَكَرَ فَهي بَراهِينُ لائِحَةٌ عَلى وُجُودِهِ ودَلائِلُ واضِحَةٌ عَلى صِفاتِهِ لِمَن نَظَرَ وتَدَبَّرَ ثُمَّ بَيَّنَ دَلِيلًا آخَرَ فَقالَ تَعالى.

24:45Page 356

وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٥

Allāh has created every [living] creature from water. And of them are those that move on their bellies, and of them are those that walk on two legs, and of them are those that walk on four. Allāh creates what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.

﴿واللهُ خَلَقَ كُلَّ﴾ "خالِقُ كُلِّ": حَمْزَةُ وعَلِيٌّ ﴿دابَّةٍ﴾ كُلَّ حَيَوانٍ (p-٥١٢)يَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ ﴿مِن ماءٍ﴾ أيْ: مِن نَوْعٍ مِنَ الماءِ مُخْتَصٍّ بِتِلْكَ الدابَّةِ أوْ مِن ماءٍ مَخْصُوصٍ وهو النُطْفَةُ ثُمَّ خالَفَ بَيْنَ المَخْلُوقاتِ مِنَ النُطْفَةِ فَمِنها هَوامُّ ومِنها بَهائِمُ ومِنها أناسِيُّ وهو كَقَوْلِهِ ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤] وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ لَها خالِقًا ومُدَبِّرًا وإلّا لَمْ تَخْتَلِفْ لِاتِّفاقِ الأصْلِ وإنَّما عَرَّفَ الماءَ في قَوْلِهِ ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، لِأنَّ المَقْصُودَ ثَمَّ: أنَّ أجْناسَ الحَيَوانِ مَخْلُوقَةٌ مِن جِنْسِ الماءِ وأنَّهُ هو الأصْلُ وإنْ تَخَلَّلَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَها وسائِطُ قالُوا إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللهُ الماءُ فَخَلَقَ مِنهُ النارَ والرِيحَ والطِينَ فَخَلَقَ مِنَ النارِ الجِنَّ ومِنَ الرِيحِ المَلائِكَةَ ومِنَ الطِينِ آدَمَ ودَوابَّ الأرْضِ ولَمّا كانَتِ الدابَّةُ تَشْمَلُ المُمَيِّزَ وغَيْرَ المُمَيِّزِ غُلِّبَ المُمَيِّزُ فَأُعْطِيَ ما وراءَهُ حُكْمَهُ كَأنَّ الدَوابَّ كُلَّهم مُمَيِّزُونَ فَمِن ثَمَّ قِيلَ ﴿فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ كالحَيَّةِ والحُوتِ وسُمِّيَ الزَحْفُ عَلى البَطْنِ مَشْيًا اسْتِعارَةً كَما يُقالُ في الأمْرِ المُسْتَمِرِّ قَدْ مَشى هَذا الأمْرُ أوْ عَلى طَرائِقِ المُشاكَلَةِ لِذِكْرِ الزاحِفِ مَعَ الماشِينَ ﴿وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنْسانِ والطَيْرِ ﴿وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ كالبَهائِمِ وقَدَّمَ ما هو أعْرَقُ في القُدْرَةِ وهو الماشِي بِغَيْرِ آلَةِ مَشْيٍ مِن أرْجُلٍ أوْ غَيْرِها ثُمَّ الماشِي عَلى رِجْلَيْنِ ثُمَّ الماشِي عَلى أرْبَعٍ ﴿يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ كَيْفَ يَشاءُ ﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

24:46Page 356

لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٦

We have certainly sent down distinct verses. And Allāh guides whom He wills to a straight path.

﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ بِلُطْفِهِ ومَشِيئَتِهِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي يُوصِلُ إلى جَنَّتِهِ فالآياتُ لِإلْزامِ حُجَّتِهِ.

24:47Page 356

وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

But they [i.e., the hypocrites] say, "We have believed in Allāh and in the Messenger, and we obey"; then a party of them turns away after that. And those are not believers.

لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الآياتِ ذَكَرَ بَعْدَها افْتِراقَ الناسِ إلى ثَلاثِ فِرَقٍ فِرْقَةٍ صَدَّقَتْ ظاهِرًا وكَذَّبَتْ باطِنًا وهُمُ المُنافِقُونَ وفِرْقَةٍ صَدَّقَتْ ظاهِرًا وباطِنًا وهُمُ المُخْلِصُونَ وفِرْقَةٍ كَذَّبَتْ ظاهِرًا وباطِنًا وهُمُ الكافِرُونَ عَلى هَذا التَرْتِيبِ وبَدَأ بِالمُنافِقِينَ فَقالَ ﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وبِالرَسُولِ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ ﴿وَأطَعْنا﴾ اللهَ (p-٥١٣)والرَسُولَ ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى﴾ يُعْرِضُ عَنِ الِانْقِيادِ لِحُكْمِ اللهِ ورَسُولِهِ ﴿فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ قَوْلِهِمْ ﴿آمَنّا بِاللهِ وبِالرَسُولِ وأطَعْنا﴾ "وَما أُوْلَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ" أيِ المُخْلِصِينَ وهو إشارَةٌ إلى القائِلِينَ آمَنّا وأطَعْنا لا إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي وحْدَهُ وفِيهِ إعْلامٌ مِنَ اللهِ بِأنَّ جَمِيعَهم مُنْتَفٍ عَنْهُمُ الإيمانُ لِاعْتِقادِهِمْ ما يَعْتَقِدُ هَؤُلاءِ والِاعْتِراضُ وإنْ كانَ مِن بَعْضِهِمْ فالرِضا بِالإعْراضِ مِن كُلِّهِمْ.

24:48Page 356

وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨

And when they are called to [the words of] Allāh and His Messenger to judge between them, at once a party of them turns aside [in refusal].

﴿وَإذا دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ: إلى رَسُولِ اللهِ كَقَوْلِكَ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ تُرِيدُ كَرَمَ زَيْدٍ ﴿لِيَحْكُمَ﴾ الرَسُولُ ﴿بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: فاجَأ مِن فَرِيقٍ مِنهُمُ الإعْراضُ أُنْزِلَتْ في بِشْرٍ المُنافِقِ، وخَصْمِهِ اليَهُودِيِّ حِينَ اخْتَصَما في أرْضٍ فَجَعَلَ اليَهُودِيُّ يَجُرُّهُ إلى رَسُولِ اللهِ – صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ – والمُنافِقُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ويَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنا.

24:49Page 356

وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ ٤٩

But if the right is theirs, they come to him in prompt obedience.

﴿وَإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: إذا كانَ الحَقُّ لَهم عَلى غَيْرِهِمْ ﴿يَأْتُوا إلَيْهِ﴾ إلى الرَسُولِ ﴿مُذْعِنِينَ﴾ حالٌ أيْ: مُسْرِعِينَ في الطاعَةِ طَلَبًا لِحَقِّهِمْ لا رِضًا بِحُكْمِ رَسُولِهِمْ، قالَ الزَجّاجُ: الإذْعانُ: الإسْراعُ مَعَ الطاعَةِ والمَعْنى: أنَّهم لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مَعَكَ إلّا الحَقُّ المُرُّ والعَدْلُ البَحْتُ الخالِصُ يَمْتَنِعُونَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْكَ إذا رَكِبَهُمُ الحَقُّ لِئَلّا تَنْتَزِعَهُ مِن أحْداقِهِنَّ بِقَضائِكَ عَلَيْهِمْ لِخُصُومِهِمْ وإنْ ثَبَتَ لَهم حَقٌّ عَلى خَصْمٍ أسْرَعُوا إلَيْكَ ولَمْ يَرْضَوْا إلّا بِحُكُومَتِكَ لِتَأْخُذَ لَهم ما وجَبَ لَهم في ذِمَّةِ الخَصْمِ.

24:50Page 356

أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠

Is there disease in their hearts? Or have they doubted? Or do they fear that Allāh will be unjust to them, or His Messenger? Rather, it is they who are the wrongdoers [i.e., the unjust].

﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ قَسَّمَ الأمْرَ في صُدُودِهِمْ عَنْ حُكُومَتِهِ إذا كانَ الحَقُّ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَكُونُوا مَرْضى القُلُوبِ مُنافِقِينَ أوْ مُرْتابِينَ في أمْرِ نُبُوَّتِهِ أوْ خائِفِينَ الحَيْفَ في قَضائِهِ ثُمَّ أبْطَلَ خَوْفَهم حَيْفَهُ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ عَلَيْهِمْ لِمَعْرِفَتِهِمْ (p-٥١٤)بِحالِهِ وإنَّما هم ظالِمُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَظْلِمُوا مَن لَهُ الحَقُّ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ شَيْءٌ لا يَسْتَطِيعُونَهُ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَمِن ثَمَّ يَأْبَوْنَ المُحاكَمَةَ إلَيْهِ.

24:51Page 356

إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١

The only statement of the [true] believers when they are called to Allāh and His Messenger to judge between them is that they say, "We hear and we obey." And those are the successful.

﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ﴾ وعَنِ الحَسَنِ قَوْلُ بِالرَفْعِ والنَصْبُ أقْوى، لِأنَّ أوْلى الِاسْمَيْنِ بِكَوْنِهِ اسْمًا لِكانَ أوْغَلُهُما في التَعْرِيفِ وأنْ يَقُولُوا أوْغَلُ بِخِلافِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ ﴿إذا دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ﴾ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِيَحْكُمَ أيْ: لِيَفْعَلَ الحُكْمَ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ بِحُكْمِ اللهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا﴾ قَوْلَهُ ﴿وَأطَعْنا﴾ أمْرَهُ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ.

24:52Page 356

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٥٢

And whoever obeys Allāh and His Messenger and fears Allāh and is conscious of Him - it is those who are the attainers.

﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ﴾ في فَرائِضِهِ ﴿وَرَسُولَهُ﴾ في سُنَنِهِ ﴿وَيَخْشَ اللهَ﴾ عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فِيما يَسْتَقْبِلُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ وعَنْ بَعْضِ المُلُوكِ أنَّهُ سَألَ عَنْ آيَةٍ كافِيَةٍ فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ وهي جامِعَةٌ لِأسْبابِ الفَوْزِ، "وَيَتَّقِهْ" بِسُكُونِ الهاءِ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ بِنِيَّةِ الوَقْفِ وبِسُكُونِ القافِ وبِكَسْرِ الهاءِ مُخْتَلَسَةً حَفْصٌ وبِكَسْرِ القافِ والهاءِ غَيْرُهُمْ.

24:53Page 356

۞ وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٥٣

And they swear by Allāh their strongest oaths that if you ordered them, they would go forth [in Allāh's cause]. Say, "Do not swear. [Such] obedience is known.1 Indeed, Allāh is [fully] Aware of that which you do."

﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ: حَلَفَ المُنافِقُونَ بِاللهِ جَهْدَ اليَمِينِ، لِأنَّهم بَذَلُوا فِيها مَجْهُودَهم وجَهْدَ يَمِينِهِ مُسْتَعارٌ مِن جَهِدَ نَفْسَهُ إذا بَلَغَ أقْصى وُسْعِها وذَلِكَ إذا بالَغَ في اليَمِينِ وبَلَغَ غايَةَ شِدَّتِها ووَكادَتِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - مَن قالَ بِاللهِ فَقَدَ جَهِدَ يَمِينَهُ وأصْلُ أقْسَمَ جَهْدَ اليَمِينِ أقْسَمَ بِجَهْدِ اليَمِينِ جَهْدًا فَحُذِفَ الفِعْلُ وقُدِّمَ المَصْدَرُ فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ" ﴿فَضَرْبَ الرِقابِ﴾ [محمد: ٤] وحُكْمُ هَذا المَنصُوبِ حُكْمُ الحالِ كَأنَّهُ قالَ جاهِدِينَ أيْمانَهم ﴿لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ﴾ أيْ: لَئِنْ أمَرَنا مُحَمَّدٌ بِالخُرُوجِ إلى الغَزْوِ لَغَزَوْنا أوْ بِالخُرُوجِ مِن دِيارِنا لَخَرَجْنا ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا﴾ لا تَحْلِفُوا كاذِبِينَ، لِأنَّهُ مَعْصِيَةٌ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن هَذِهِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ (p-٥١٥)الخَبَرِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيِ الَّذِي يُطْلَبُ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مَعْلُومَةٌ لا يُشَكُّ فِيها ولا يُرْتابُ كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ لا أيْمانَ تُقْسِمُونَ بِها بِأفْواهِكم، وقُلُوبُكم عَلى خِلافِها ﴿إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ يَعْلَمُ ما في ضَمائِرِكم ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٍ مِن سَرائِرِكم وإنَّهُ فاضِحُكم لا مَحالَةَ ومُجازِيكم عَلى نِفاقِكُمْ.

24:54Page 357

قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٥٤

Say, "Obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon him is only that [duty] with which he has been charged, and upon you is that with which you have been charged. And if you obey him, you will be [rightly] guided. And there is not upon the Messenger except the [responsibility for] clear notification."

﴿قُلْ أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ﴾ صَرْفُ الكَلامِ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ هو أبْلَغُ في تَبْكِيتِهِمْ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ يُرِيدُ فَإنْ تَتَوَلَّوْا فَما ضَرَرْتُمُوهُ وإنَّما ضَرَرْتُمْ أنْفُسَكم فَإنَّ الرَسُولَ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا ما حَمَّلَهُ اللهُ تَعالى وكَلَّفَهُ مِن أداءِ الرِسالَةِ فَإذا أدّى فَقَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ تَكْلِيفِهِ وأمّا أنْتُمْ فَعَلَيْكم ما كُلِّفْتُمْ مِنَ التَلَقِّي بِالقَبُولِ والإذْعانِ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا وتَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ عَرَّضْتُمْ نُفُوسَكم لِسُخْطِ اللهِ وعَذابِهِ ﴿وَإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ أيْ: وإنْ أطَعْتُمُوهُ فِيما يَأْمُرُكم ويَنْهاكم فَقَدْ أحْرَزْتُمْ نَصِيبَكم مِنَ الهُدى فالضَرَرُ في تَوَلِّيكم والنَفْعُ عائِدانِ إلَيْكم ﴿وَما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ وما عَلى الرَسُولِ إلّا أنْ يُبَلِّغَ ما لَهُ نَفْعٌ في قَبُولِكم ولا عَلَيْهِ ضَرَرٌ في تَوَلِّيكم والبَلاغُ بِمَعْنى التَبْلِيغِ كالأداءِ بِمَعْنى التَأْدِيَةِ والمُبِينُ الظاهِرُ لِكَوْنِهِ مَقْرُونًا بِالآياتِ والمُعْجِزاتِ ثُمَّ ذَكَرَ المُخْلِصِينَ فَقالَ.

24:55Page 357

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥

Allāh has promised those who have believed among you and done righteous deeds that He will surely grant them succession [to authority] upon the earth just as He granted it to those before them and that He will surely establish for them [therein] their religion which He has preferred for them and that He will surely substitute for them, after their fear, security, [for] they worship Me, not associating anything with Me. But whoever disbelieves1 after that - then those are the defiantly disobedient.

﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ولِمَن مَعَهُ ﴿مِنكُمْ﴾ لِلْبَيانِ وقِيلَ المُرادُ بِهِ المُهاجِرُونَ ومِن لِلتَّبْعِيضِ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ الكُفّارِ وقِيلَ:أرْضُ المَدِينَةِ والصَحِيحُ أنَّهُ عامٌّ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ «:" لَيَدْخُلَنَّ هَذا الدِينُ عَلى ما دَخَلَ عَلَيْهِ اللَيْلُ" »﴿كَما اسْتَخْلَفَ﴾ "اسْتُخْلِفَ": أبُو بَكْرٍ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم (p-٥١٦)دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ "وَلِيُبَدِلَنَّهُمْ" بِالتَخْفِيفِ مَكِّيٌّ وأبُو بَكْرٍ ﴿مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ وعَدَهُمُ اللهُ أنْ يَنْصُرَ الإسْلامَ عَلى الكُفْرِ ويُورِثَهُمُ الأرْضَ ويَجْعَلَهم فِيها خُلَفاءَ كَما فَعَلَ بِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ أوْرَثَهم مِصْرَ والشامَ بَعْدَ إهْلاكِ الجَبابِرَةِ وأنْ يُمَيِّزَ الدِينَ المُرْتَضى وهو دِينُ الإسْلامِ وتَمْكِينُهُ: تَثْبِيتُهُ وتَعْضِيدُهُ وأنْ يُؤَمِّنَ سِرْبَهم ويُزِيلَ عَنْهُمُ الخَوْفَ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وأصْحابَهُ مَكَثُوا بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ خائِفِينَ، ولَمّا هاجَرُوا كانُوا بِالمَدِينَةِ يُصْبِحُونَ في السِلاحِ ويُمْسُونَ فِيهِ حَتّى قالَ رَجُلٌ ما يَأْتِي عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السِلاحَ فَنَزَلَتْ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ:" لا تَغْبُرُونَ إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ مَعَهُ حَدِيدَةٌ" فَأنْجَزَ اللهُ وعْدَهُ وأظْهَرَهم عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ وافْتَتَحُوا أبْعَدَ بِلادِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ومَزَّقُوا مُلْكَ الأكاسِرَةِ ومَلَكُوا خَزائِنَهم واسْتَوْلَوْا عَلى الدُنْيا » والقَسَمُ المُتَلَقّى بِاللامِ والنُونِ في "لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وعَدَهُمُ اللهُ وأقْسَمَ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم أوْ نُزِّلَ وعْدُ اللهِ في التَحَقُّقِ مَنزِلَةَ القَسَمِ، يُتَلَقّى بِما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ كَأنَّهُ أقْسَمَ اللهُ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ،

﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ إنْ جَعَلْتَهُ اسْتِئْنافًا فَلا مَحَلَّ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ ما لَهم يُسْتَخْلَفُونَ ويُؤَمَّنُونَ؟ فَقالَ "يَعْبُدُونَنِي" وإنْ جَعَلْتَهُ حالًا عَنْ "وَعَدَ اللهُ " أيْ: وعَدَهُمُ اللهُ ذَلِكَ في حالِ عِبادَتِهِمْ فَمَحَلُّهُ النَصْبُ ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَعْبُدُونَ أيْ: يَعْبُدُونَنِي مُوَحِّدِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بَدَلًا مِنَ الحالِ الأُولى ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ الوَعْدِ والمُرادُ كُفْرانُ النِعْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللهِ﴾ [النحل: ١١٢] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ هُمُ الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا تِلْكَ النِعْمَةَ الجَسِيمَةَ وجَسَرُوا عَلى غَمْطِها قالُوا: أوَّلُ مَن كَفَرَ هَذِهِ النِعْمَةَ قَتَلَةُ عُثْمانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – فاقْتَتَلُوا (p-٥١٧)بَعْدَما كانُوا إخْوانًا وزالَ عَنْهُمُ الخَوْفُ والآيَةُ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى صِحَّةِ خِلافَةِ الخُلَفاءِ الراشِدِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، لِأنَّ المُسْتَخْلَفِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ هُمْ.

24:56Page 357

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٥٦

And establish prayer and give zakāh and obey the Messenger - that you may receive mercy.

﴿وَأقِيمُوا الصَلاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ وإنْ طالَ ﴿وَآتُوا الزَكاةَ وأطِيعُوا الرَسُولَ﴾ فِيما يَدْعُوكم إلَيْهِ وكُرِّرَتْ طاعَةُ الرَسُولِ تَأْكِيدًا لِوُجُوبِها ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ تُرْحَمُوا فَإنَّها مِن مُسْتَجْلِباتِ الرَحْمَةِ ثُمَّ ذَكَرَ الكافِرِينَ فَقالَ.

24:57Page 357

لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٥٧

Never think that the disbelievers are causing failure [to Allāh] upon the earth. Their refuge will be the Fire - and how wretched the destination.

﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أيْ: فائِتِينَ اللهَ بِأنْ لا يَقْدِرَ عَلَيْهِمْ فِيها فالتاءُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وهو الفاعِلُ والمَفْعُولانِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و﴿مُعْجِزِينَ﴾ وبِالياءِ شامِيٌّ وحَمْزَةُ والفاعِلُ النَبِيُّ ﷺ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ والمَفْعُولانِ الَّذِينَ كَفَرُوا ومُعْجِزِينَ ﴿وَمَأْواهُمُ النارُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يَفُوتُونَ اللهَ ومَأْواهُمُ النارُ ﴿وَلَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ المَرْجِعُ، النارُ.

24:58Page 357

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٨

O you who have believed, let those whom your right hands possess and those who have not [yet] reached puberty among you ask permission of you [before entering] at three times: before the dawn prayer and when you put aside your clothing [for rest] at noon and after the night prayer. [These are] three times of privacy1 for you. There is no blame upon you nor upon them beyond these [periods], for they continually circulate among you - some of you, among others. Thus does Allāh make clear to you the verses [i.e., His ordinances]; and Allāh is Knowing and Wise.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أمْرٌ بِأنْ يَسْتَأْذِنَ العَبِيدُ والإماءُ ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ أيِ الأطْفالُ الَّذِينَ لَمْ يَحْتَلِمُوا مِنَ الأحْرارِ وقُرِئَ بِسُكُونِ اللامِ تَخْفِيفًا ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ في اليَوْمِ واللَيْلَةِ وهي ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾، لِأنَّهُ وقْتُ القِيامِ مِنَ المَضاجِعِ وطَرْحِ ما يُنامُ فِيهِ مِنَ الثِيابِ ولُبْسِ ثِيابِ لْيَقَظَةِ ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَهِيرَةِ﴾ وهي نِصْفُ النَهارِ في القَيْظِ، لِأنَّها وقْتُ وضْعِ الثِيابِ لِلْقَيْلُولَةِ ﴿وَمِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾، لِأنَّهُ وقْتُ التَجَرُّدِ مِن ثِيابِ اليَقَظَةِ والِالتِحافِ بِثِيابِ النَوْمِ ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ أيْ: هي أوْقاتُ ثَلاثِ عَوْراتٍ فَحُذِفَ المُبْتَدَأُ والمُضافُ، وبِالنَصْبِ كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ (p-٥١٨)بَدَلًا مِن "ثَلاثَ مَرّاتٍ" أيْ: أوْقاتَ ثَلاثِ عَوْراتٍ وسُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأحْوالِ عَوْرَةً، لِأنَّ الإنْسانَ يَخْتَلُّ تَسَتُّرُهُ فِيها والعَوْرَةُ الخَلَلُ ومِنها الأعْوَرُ المُخْتَلُّ العَيْنِ، دَخَلَ غُلامٌ مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ مُدْلِجُ بْنُ عَمْرٍو عَلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وقْتَ الظَهِيرَةِ وهو نائِمٌ وقَدِ انْكَشَفَ عَنْهُ ثَوْبُهُ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: " ودِدْتُ أنَّ اللهَ نَهى عَنِ الدُخُولِ في هَذِهِ الساعَةِ إلّا بِالإذْنِ فانْطَلَقَ إلى النَبِيِّ ﷺ وقَدْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ ثُمَّ عَذَرَهم في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ وراءَ هَذِهِ المَرّاتِ بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم وعَلى المَذْكُورِينَ في الدُخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ بَعْدَهُنَّ ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ في هَذِهِ الأوْقاتِ بِقَوْلِهِ ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: هم طَوّافُونَ بِحَوائِجِ البَيْتِ ﴿بَعْضُكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ وتَقْدِيرُهُ: بَعْضُكم طائِفٌ عَلى بَعْضٍ فَحُذِفَ طائِفٌ لِدَلالَةِ طَوّافُونَ عَلَيْهِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ بَدَلًا مِنَ الَّتِي قَبْلَها وأنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً مُؤَكِّدَةً يَعْنِي: أنَّ بِكم وبِهِمْ حاجَةً إلى المُخالَطَةِ والمُداخَلَةِ يَطُوفُونَ عَلَيْكم لِلْخِدْمَةِ وتَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ لِلِاسْتِخْدامِ فَلَوْ جَزَمَ الأمْرَ بِالِاسْتِئْذانِ في كُلِّ وقْتٍ لَأفْضى إلى الحَرَجِ وهو مَدْفُوعٌ في الشَرْعِ بِالنَصِّ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ: كَما بَيَّنَ حُكْمَ الِاسْتِئْذانِ يُبَيِّنُ لَكم غَيْرَهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي احْتَجْتُمْ إلى بَيانِها ﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾ بِمَصالِحِ عِبادِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ في بَيانِ مُرادِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском