An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:58–77
25:58Page 365
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٥٨
And rely upon the Ever-Living who does not die, and exalt [Allāh] with His praise. And sufficient is He to be, with the sins of His servants, [fully] Aware -
﴿وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ اتَّخِذَ مَن لا يَمُوتُ وكِيلًا لا يَكِلْكَ إلى مَن يَمُوتُ ذَلِيلًا، يَعْنِي: ثِقْ بِهِ وأسْنِدْ أمْرَكَ إلَيْهِ في اسْتِكْفاءِ شُرُورِهِمْ ولا تَتَّكِلْ عَلى حَيٍّ يَمُوتُ وقَرَأها بَعْضُ الصالِحِينَ فَقالَ لا يَصِحُّ لِذِي عَقْلٍ أنْ يَثِقَ بَعْدَها بِمَخْلُوقٍ، والتَوَكُّلُ: الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ في كُلِّ أمْرٍ ﴿وَسَبِّحْ﴾ ونَزِّهْهُ عَنْ أنْ يَكِلَ إلى غَيْرِهِ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ بِتَوْفِيقِهِ الَّذِي يُوجِبُ الحَمْدَ أوْ قُلْ سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ أوْ نَزِّهْهُ عَنْ كُلِّ العُيُوبِ بِثَناءِ تُثْنِي عَلَيْهِ ﴿وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ أيْ: كَفى اللهُ خَبِيرًا بِذُنُوبِ عِبادِهِ يَعْنِي: أنَّهُ خَبِيرٌ بِأحْوالِهِمْ كافٍ في جَزاءِ أعْمالِهِمْ.
25:59Page 365
ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا ٥٩
He who created the heavens and the earth and what is between them in six days and then established Himself above the Throne1 - the Most Merciful, so ask about Him one well informed [i.e., the Prophet (ﷺ)].
﴿الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في مُدَّةِ مِقْدارُها هَذِهِ المُدَّةُ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ لَيْلٌ ونَهارٌ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أوَّلُها يَوْمُ الأحَدِ وآخِرُها يَوْمُ الجُمْعَةِ وإنَّما خَلَقَها في سِتَّةِ أيّامٍ وهو يَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَها في لَحْظَةٍ تَعْلِيمًا لِخَلْقِهِ الرِفْقَ والتَثَبُّتَ ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَحْمَنُ﴾ أيْ: هو الرَحْمَنُ، فالرَحْمَنُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في اسْتَوى (p-٥٤٦)أوِ الَّذِي خَلَقَ: مُبْتَدَأٌ، والرَحْمَنُ: خَبَرُهُ ﴿فاسْألْ﴾ وبِلا هَمْزَةٍ:مَكِّيٌّ وعَلِيٌّ ﴿بِهِ﴾ صِلَةُ سَلْ، كَقَوْلِهِ ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] كَما تَكُونُ صِلَةً في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] فَسَألَ بِهِ كَقَوْلِهِ اهْتَمَّ بِهِ واشْتَغَلَ بِهِ، وسَألَ عَنْهُ، كَقَوْلِكَ بَحَثَ عَنْهُ وفَتَّشَ عَنْهُ، أوْ صِلَةُ ﴿خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨] ويَكُونُ خَبِيرًا مَفْعُولُ سَلْ أيْ: فاسْألْ عَنْهُ رَجُلًا عارِفًا يُخْبِرْكَ بِرَحْمَتِهِ أوْ فاسْألْ رَجُلًا خَبِيرًا بِهِ وبِرَحْمَتِهِ، أوِ الرَحْمَنُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ ولَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ فَقِيلَ: فاسْألْ بِهَذا الِاسْمِ مَن يُخْبِرُكَ مِن أهْلِ الكُتُبِ حَتّى تَعْرِفَ مَن يُنْكِرُهُ ومِن ثَمَّ كانُوا يَقُولُونَ ما نَعْرِفُ الرَحْمَنَ إلّا الَّذِي بِاليَمامَةِ يَعَنُونَ مُسَيْلِمَةَ وكانَ يُقالُ لَهُ رَحْمانُ اليَمامَةِ ِ.
25:60Page 365
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩ ٦٠
And when it is said to them, "Prostrate to the Most Merciful," they say, "And what is the Most Merciful? Should we prostrate to that which you order us?" And it increases them in aversion.
﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ أيْ: إذا قالَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ صَلُّوا لِلَّهِ واخْضَعُوا لَهُ ﴿قالُوا وما الرَحْمَنُ﴾ أيْ: لا نَعْرِفُ الرَحْمَنَ فَنَسْجُدَ لَهُ، فَهَذا سُؤالٌ عَنِ المُسَمّى بِهِ، لِأنَّهم ما كانُوا يَعْرِفُونَهُ بِهَذا الِاسْمِ والسُؤالُ عَنِ المَجْهُولِ بِما أوْ عَنْ مَعْناهُ:، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا في كَلامِهِمْ كَما اسْتُعْمِلَ الرَحِيمُ والراحِمُ والرَحُومُ ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ لِلَّذِي تَأْمُرُنا بِالسُجُودِ لَهُ أوْ لِأمْرِكَ بِالسُجُودِ يا مُحَمَّدُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ مِنّا بِهِ، "يَأْمُرُنا" عَلِيٌّ وحَمْزَةُ، كَأنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: أنَسْجُدُ لِما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ أوْ يَأْمُرُنا المُسَمّى بِالرَحْمَنِ ولا نَعْرِفُ ما هو فَقَدْ عانَدُوا، لِأنَّ مَعْناهُ: عِنْدَ أهْلِ اللُغَةِ ذُو الرَحْمَةِ الَّتِي لا غايَةَ بَعْدَها في الرَحْمَةِ، لِأنَّ فَعْلانَ مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ: تَقُولُ رَجُلٌ عَطْشانُ إذا كانَ في نِهايَةِ العَطَشِ ﴿وَزادَهُمْ﴾ قَوْلُهُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ﴿نُفُورًا﴾ تَباعُدًا عَنِ الإيمانِ.
25:61Page 365
تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا ٦١
Blessed is He who has placed in the sky great stars and placed therein a [burning] lamp and luminous moon.
﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَماءِ بُرُوجًا﴾ هي مَنازِلُ الكَواكِبِ السَيّارَةِ لِكُلِّ كَوْكَبٍ بَيْتانِ يَقْوى حالُهُ فِيهِما، ولِلشَّمْسِ بَيْتٌ ولِلْقَمَرِ بَيْتٌ فالحَمَلُ والعَقْرَبُ بَيْتا المَرِّيخِ والثَوْرُ والمِيزانُ بَيْتا الزُهْرَةِ والجَوْزاءُ والسُنْبُلَةُ بَيْتا (p-٥٤٧)عُطارِدٍ والسَرَطانُ بَيْتُ القَمَرِ والأسَدُ بَيْتُ الشَمْسِ والقَوْسُ والحُوتُ بَيْتا المُشْتَرِي والجَدْيُ والدَلْوُ بَيْتا زُحَلٍ، وهَذِهِ البُرُوجُ مَقْسُومَةٌ عَلى الطَبائِعِ الأرْبَعِ فَيُصِيبُ كُلُّ واحِدٍ مِنها ثَلاثَةَ بُرُوجٍ فالحَمَلُ والأسَدُ والقَوْسُ مُثَلَّثَةٌ نارِيَّةٌ والثَوْرُ والسُنْبُلَةُ والجَدْيُ مُثَلَّثَةٌ أرْضِيَّةٌ والجَوْزاءُ والمِيزانُ والدَلْوُ مُثَلَّثَةٌ هَوائِيَّةٌ والسَرَطانُ والعَقْرَبُ والحُوتُ مُثَلَّثَةٌ مائِيَّةٌ سُمِّيَتِ المَنازِلُ بِالبُرُوجِ الَّتِي هي القُصُورُ العالِيَةُ، لِأنَّها لِهَذِهِ الكَواكِبِ كالمَنازِلِ لِسُكّانِها، واشْتِقاقُ البُرُوجِ مِنَ التَبَرُّجِ لِظُهُورِهِ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ: البُرُوجُ هي النُجُومُ الكِبارُ لِظُهُورِها ﴿وَجَعَلَ فِيها﴾ في السَماءِ ﴿سِراجًا﴾ يَعْنِي: الشَمْسَ لِتَوَقُّدِها "سُرُجًا" حَمْزَةُ وعَلِيٌّ، أيْ: نُجُومًا ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ مُضِيئًا بِاللَيْلِ.
25:62Page 365
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا ٦٢
And it is He who has made the night and the day in succession for whoever desires to remember or desires gratitude.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَيْلَ والنَهارَ خِلْفَةً﴾ فِعْلَةً مِن خَلَفَ كالرِكْبَةِ مِن رَكِبَ وهي الحالَةُ الَّتِي يُخْلَفُ عَلَيْها اللَيْلُ والنَهارُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ والمَعْنى: جَعَلَهُما ذَوِي خِلْفَةٍ يَخْلُفُ أحَدُهُما الآخَرَ عِنْدَ مُضِيِّهِ أوْ يَخْلُفُهُ في قَضاءِ ما فاتَهُ مِنَ الوِرْدِ ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ يَتَدَبَّرَ في تَسْخِيرِهِما واخْتِلافِهِما فَيَعْرِفَ مُدَبِّرَهُما "يَذْكُرَ": حَمْزَةُ وخَلَفٌ أيْ: يَذْكُرُ اللهَ أوِ المَنسِيَّ فَيَقْضِي ﴿أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ أيْ: يَشْكُرُ نِعْمَةَ رَبِّهِ عَلَيْهِ فِيهِما.
25:63Page 365
وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا ٦٣
And the servants of the Most Merciful are those who walk upon the earth easily,1 and when the ignorant address them [harshly], they say [words of] peace,2
﴿وَعِبادُ الرَحْمَنِ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ أوْ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ والَّذِينَ يَمْشُونَ وما بَعْدَها صِفَةٌ والإضافَةُ إلى الرَحْمَنِ لِلتَّخْصِيصِ والتَفْضِيلِ، وصَفَ أوْلِياءَهُ بَعْدَما وصَفَ أعْداءَهُ ﴿عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ حالٌ أوْ صِفَةٌ لِلْمَشْيِ أيْ: هَيِّنَيْنِ أوْ مَشْيًا هَيِّنًا والهَوْنُ الرِفْقُ واللِينُ أيْ: يَمْشُونَ بِسَكِينَةٍ ووَقارٍ وتَواضُعٍ دُونَ مَرَحٍ واخْتِيالٍ وتَكَبُّرٍ فَلا يَضْرِبُونَ بِأقْدامِهِمْ ولا يَخْفُقُونَ بِنِعالِهِمْ أشَرًا وبَطَرًا ولِذا كَرِهَ بَعْضُ العُلَماءِ الرُكُوبَ في الأسْواقِ ولِقَوْلِهِ ﴿وَيَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ﴾ أيِ السُفَهاءُ بِما يَكْرَهُونَ ﴿قالُوا سَلامًا﴾ سَدادًا مِنَ القَوْلِ (p-٥٤٨)يَسْلَمُونَ فِيهِ مِنَ الإيذاءِ والإفْكِ أوْ تَسَلُّمًا مِنكم نُتارِكُكم ولا تَجاهِلُكم فَأُقِيمَ السَلامُ مَقامَ التَسَلُّمِ وقِيلَ نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ فالإغْضاءُ عَنِ السُفَهاءِ مُسْتَحْسَنٌ شَرْعًا ومُرُوءَةً، هَذا وصْفُ نَهارِهِمْ ثُمَّ وصَفَ لَيْلَهم بِقَوْلِهِ.
25:64Page 365
وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا ٦٤
And those who spend [part of] the night to their Lord prostrating and standing [in prayer]
﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا﴾ جَمْعُ ساجِدٍ ﴿وَقِيامًا﴾ جَمْعُ قائِمٍ، والبَيْتُوتَةُ خِلافُ الظُلُولِ وهي أنْ يُدْرِكَكَ اللَيْلُ نِمْتَ أوْ لَمْ تَنَمْ وقالُوا مَن قَرَأ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ في صَلاةٍ وإنْ قَلَّ فَقَدْ باتَ ساجِدًا وقائِمًا وقِيلَ هُما الرَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ والرَكْعَتانِ بَعْدَ العَشاءِ والظاهِرُ أنَّهُ وصْفٌ لَهم بِإحْياءِ اللَيْلِ أوْ أكْثَرِهِ.
25:65Page 365
وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥
And those who say, "Our Lord, avert from us the punishment of Hell. Indeed, its punishment is ever adhering;
﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ هَلاكًا لازِمًا ومِنهُ الغَرِيمُ لِمُلازَمَتِهِ، وصَفَهم بِإحْياءِ اللَيْلِ ساجِدِينَ قائِمِينَ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ دَعْوَتِهِمْ هَذِهِ إيذانًا بِأنَّهم مَعَ اجْتِهادِهِمْ خائِفُونَ مُبْتَهِلُونَ مُتَضَرِّعُونَ إلى اللهِ في صَرْفِ العَذابِ عَنْهُمْ.
25:66Page 365
إِنَّهَا سَآءَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٦٦
Indeed, it is evil as a settlement and residence."
﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ أيْ: إنَّ جَهَنَّمَ، وساءَتْ: في حُكْمِ:بِئْسَتْ، وفِيها ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ "مُسْتَقَرًّ"ا والمَخْصُوصُ بِالذَمِّ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ: ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا هي، وهَذا الضَمِيرُ هو الَّذِي رَبَطَ الجُمْلَةَ بِاسْمِ إنَّ وجَعَلَها خَبَرًا لَها أوْ بِمَعْنى أحْزَنَتْ وفِيها ضَمِيرُ اسْمِ إنَّ ومُسْتَقَرًّا حالٌ أوْ تَمْيِيزٌ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ التَعْلِيلانِ مُتَداخِلَيْنِ ومُتَرادِفَيْنِ وأنْ يَكُونا مِن كَلامِ اللهِ تَعالى وحِكايَةً لِقَوْلِهِمْ.
25:67Page 365
وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧
And [they are] those who, when they spend, do so not excessively or sparingly but are ever, between that, [justly] moderate
﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ لَمْ يُجاوِزُوا الحَدَّ في النَفَقَةِ أوْ لَمْ يَأْكُلُوا لِلتَّنَعُّمِ ولَمْ يَلْبَسُوا لِلتَّصَلُّفِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - لَمْ يُنْفِقُوا في المَعاصِي فالإسْرافُ مُجاوَزَةُ القَدْرِ وسَمِعَ رَجُلٌ رَجُلًا (p-٥٤٩)يَقُولُ: لا خَيْرَ في الإسْرافِ، فَقالَ: لا إسْرافَ في الخَيْرِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ «مَن مَنَعَ حَقًّا فَقَدْ قَتَّرَ ومَن أعْطى في غَيْرِ حَقٍّ فَقَدْ أسْرَفَ »﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ بِضَمِّ التاءِ كُوفِيٌّ وبِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ التاءِ مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وبِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ التاءِ مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ والقَتْرُ والإقْتارُ والتَقْتِيرُ: التَضْيِيقُ الَّذِي هو نَقِيضُ الإسْرافِ ﴿وَكانَ﴾ إنْفاقُهم ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيِ الإصْرافِ والإقْتارِ ﴿قَوامًا﴾ أيْ: عَدْلًا بَيْنَهُما فالقَوامُ: العَدْلُ بَيْنَ الشَيْئَيْنِ، والمَنصُوبانِ أيْ: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ خَبَرانِ، وصَفَهم بِالقَصْدِ الَّذِي هو بَيْنَ الغُلُوِّ والتَقْصِيرِ، وبِمِثْلِهِ أُمِرَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] الآيَةُ، وسَألَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ نَفَقَتِهِ حِينَ زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فَقالَ الحَسَنَةُ بَيْنَ السَيِّئَتَيْنِ فَعَرَفَ عَبَدُ المَلِكِ أنَّهُ أرادَ ما في هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ أُولَئِكَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلتَّنَعُّمِ واللَذَّةِ ولا يَلْبَسُونَ ثِيابَهم لِلْجَمالِ والزِينَةِ ولَكِنْ لِسَدِّ الجَوْعَةِ وسَتْرِ العَوْرَةِ ودَفْعِ الحَرِّ والقُرِّ وقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - كَفى سَرَفًا أنْ لا يَشْتَهِيَ الرَجُلُ شَيْئًا إلّا أكَلَهُ.
25:68Page 366
وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ٦٨
And those who do not invoke1 with Allāh another deity or kill the soul which Allāh has forbidden [to be killed], except by right, and do not commit unlawful sexual intercourse. And whoever should do that will meet a penalty.
﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾ أيْ: لا يُشْرِكُونَ ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾ أيْ: حَرَّمَها يَعْنِي: حَرَّمَ قَتْلَها ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ بِقَوَدٍ أوْ رَجْمٍ أوْ رِدَّةٍ أوْ شِرْكٍ أوْ سَعْيٍ في الأرْضِ بِالفَسادِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِالقَتْلِ المَحْذُوفِ أوْ بِلا يَقْتُلُونَ ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ ونَفْيُ هَذِهِ الكَبائِرَ عَنْ عِبادِهِ الصالِحِينَ تَعْرِيضٌ لِما كانَ عَلَيْهِ أعْداؤُهم مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ طَهَّرَهُمُ اللهُ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورَ ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ جَزاءَ الإثْمِ.
25:69Page 366
يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا ٦٩
Multiplied for him is the punishment on the Day of Resurrection, and he will abide therein humiliated -
﴿يُضاعَفْ﴾ بَدَلُ مِن يَلْقَ، لِأنَّهُما في مَعْنًى واحِدٍ إذْ مُضاعَفَةُ العَذابِ هي لُقِيُّ الآثامِ كَقَوْلِهِ (p-٥٥٠)مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا
فَجُزِمَ تُلْمِمْ، لِأنَّهُ بِمَعْنى تَأْتِنا إذِ الإتْيانُ هو الإلْمامُ، "يُضَعَّفْ" مَكِّيٌّ ويَزِيدُ ويَعْقُوبُ، "يُضَعِّفُ" شامِيٌّ، "يُضاعَفُ" أبُو بَكْرٍ: عَلى الِاسْتِئْنافِ أوْ عَلى الحالِ ومَعْنى: يُضاعِفْ ﴿لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يُعَذَّبْ عَلى مُرُورِ الأيّامِ في الآخِرَةِ عَذابًا عَلى عَذابٍ، وقِيلَ: إذا ارْتَكَبَ المُشْرِكُ مَعاصِيَ مَعَ الشِرْكِ عُذِّبَ عَلى الشِرْكِ وعَلى المَعاصِي جَمِيعًا فَتُضاعَفُ العُقُوبَةُ لِمُضاعَفَةِ العَذابِ المُعاقَبِ عَلَيْهِ ﴿وَيَخْلُدْ﴾ جَزَمَهُ جازِمُ يُضاعَفْ ورَفَعَهُ رافِعُهُ، لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ ﴿فِيهِ﴾ في العَذابِ، "فِيهِي" مَكِّيٌّ وحَفْصٌ، بِالإشْباعِ، وإنَّما خَصَّ حَفْصٌ الإشْباعَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ مُبالَغَةً في الوَعِيدِ، والعَرَبُ تَمُدُّ لِلْمُبالَغَةِ مَعَ أنَّ الأصْلَ في هاءِ الكِنايَةِ الإشْباعُ ﴿مُهانًا﴾ حالٌ أيْ: ذَلِيلًا.
25:70Page 366
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٧٠
Except for those who repent, believe and do righteous work. For them Allāh will replace their evil deeds with good. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
﴿إلا مَن تابَ﴾ عَنِ الشِرْكِ وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ الجِنْسِ في مَوْضِعِ النَصْبِ ﴿وَآمَنَ﴾ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ﴿وَعَمِلَ عَمَلا صالِحًا﴾ بَعْدَ تَوْبَتِهِ ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ أيْ: يُوَفِّقُهم لِلْمَحاسِنِ بَعْدَ القَبائِحِ أوْ يَمْحُوها بِالتَوْبَةِ ويُثْبِتُ مَكانَها الحَسَناتِ: الإيمانَ والطاعَةَ، ولَمْ يُرِدْ بِهِ أنَّ السَيِّئَةَ بِعَيْنِها تَصِيرُ حَسَنَةً ولَكِنَّ المُرادَ ما ذَكَرْنا "يُبْدِلُ": مُخَفَّفًا: البَرْجَمِيُّ ﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا﴾ يُكَفِّرُ السَيِّئاتِ ﴿رَحِيمًا﴾ يُبَدِّلُها بِالحَسَناتِ.
25:71Page 366
وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١
And he who repents and does righteousness does indeed turn to Allāh with [accepted] repentance.
﴿وَمَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللهِ مَتابًا﴾ أيْ: ومَن تابَ وحَقَّقَ التَوْبَةَ بِالعَمَلِ الصالِحِ فَإنَّهُ يَتُوبُ بِذَلِكَ إلى اللهِ تَعالى مَتابًا مَرْضِيًّا عِنْدَهُ مُكَفِّرًا لِلْخَطايا مُحَصِّلًا لِلثَّوابِ.
25:72Page 366
وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا ٧٢
And [they are] those who do not testify to falsehood, and when they pass near ill speech, they pass by with dignity.
﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُورَ﴾ أيِ الكَذِبَ يَعْنِي: يَنْفِرُونَ عَنْ مَحاضِرِ الكَذّابِينَ ومَجالِسِ الخَطّائِينَ فَلا يَقْرَبُونَها تَنَزُّهًا عَنْ مُخالَطَةِ الشَرِّ وأهْلِهِ (p-٥٥١)إذْ مُشاهَدَةُ الباطِلِ شَرِكَةٌ فِيهِ وكَذَلِكَ النَظّارَةُ إلى ما لَمْ تُسَوِّغْهُ الشَرِيعَةُ هم شُرَكاءُ فاعِلِيهِ في الآثامِ، لِأنَّ حُضُورَهم ونَظَرَهم دَلِيلُ الرِضا وسَبَبُ وُجُودِ الزِيادَةِ فِيهِ وفي مَواعِظِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ:" إيّاكم ومُجالَسَةَ الخاطِئِينَ"، أوْ لا يَشْهَدُونَ شَهادَةَ الزُورِ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وعَنْ قَتادَةَ المُرادُ مَجالِسُ الباطِلِ، وعَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ لا يَشْهَدُونَ اللهْوَ والغَناءَ ﴿وَإذا مَرُّوا بِاللَغْوِ﴾ بِالفُحْشِ وكُلِّ ما يَنْبَغِي أنْ يُلْغى ويُطْرَحَ، والمَعْنى: وإذا مَرُّوا بِأهْلِ اللَغْوِ والمُشْتَغِلِينَ بِهِ ﴿مَرُّوا كِرامًا﴾ مُعْرِضِينَ مُكَرِّمِينَ أنْفُسَهم عَنِ التَلَوُّثِ بِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] وعَنِ الباقِرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - إذا ذَكَرُوا الفُرُوجَ كَنَّوْا عَنْها.
25:73Page 366
وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا ٧٣
And those who, when reminded of the verses of their Lord, do not fall upon them deaf and blind.
﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ أوْ وُعِظُوا بِالقُرْآنِ ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ هَذا لَيْسَ بِنَفْيِ الخُرُورِ بَلْ هو إثْباتٌ لَهُ ونَفْيٌ للصَّمَمِ والعَمى، ونَحْوُهُ: لا يَلْقانِي زَيْدٌ مُسَلِّمًا، هو نَفْيٌ لِلسَّلامِ لا لِلِّقاءِ يَعْنِي: أنَّهم إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا سامِعِينَ بِآذانٍ واعِيَةٍ مُبْصِرِينَ بِعُيُونٍ راعِيَةٍ لِما أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ لا كالمُنافِقِينَ وأشْباهِهِمْ دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]
25:74Page 366
وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ٧٤
And those who say, "Our Lord, grant us from among our wives and offspring comfort to our eyes1 and make us a leader [i.e., example] for the righteous."
﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا﴾ مِن لِلْبَيانِ كَأنَّهُ قِيلَ هَبْ لَنا قُرَّةَ أعْيُنٍ ثُمَّ بُيِّنَتِ القُرَّةُ وفُسِّرَتْ بِقَوْلِهِ ﴿مِن أزْواجِنا﴾ ﴿وَذُرِّيّاتِنا﴾ ومَعْناهُ: أنْ يَجْعَلَهُمُ اللهُ لَهم قُرَّةَ أعْيُنٍ وهو مِن قَوْلِهِمْ:رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا أيْ: أنْتَ أسَدٌ، أوْ لِلِابْتِداءِ عَلى مَعْنى: هَبْ لَنا مِن جِهَتِهِمْ ما تَقَرُّ بِهِ عُيُونُنا مِن طاعَةٍ وصَلاحٍ، "وَذُرِّيَّتِنا":أبُو عَمْرٍو وكُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ لِإرادَةِ الجِنْسِ، وغَيْرُهُمْ: "ذُرِّيّاتِنا" ﴿قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ وإنَّما نَكَّرَ لِأجْلِ تَنْكِيرِ القُرَّةِ، لِأنَّ المُضافَ لا سَبِيلَ إلى تَنْكِيرِهِ إلّا بِتَنْكِيرِ المُضافِ إلَيْهِ كَأنَّهُ قالَ هَبْ لَنا مِنهم (p-٥٥٢)سُرُورًا وفَرَحًا، وإنَّما قِيلَ:" أعْيُنٍ" عَلى القِلَّةِ دُونَ عُيُونٍ، لِأنَّ المُرادَ أعْيُنُ المُتَّقِينَ وهي قَلِيلَةٌ بِالإضافَةِ إلى عُيُونِ غَيْرِهِمْ، قالَ اللهُ تَعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ويَجُوزُ أنْ يُقالَ في تَنْكِيرِ أعْيُنٍ إنَّها أعْيُنٌ خاصَّةٌ وهي أعْيُنُ المُتَّقِينَ والمَعْنى: أنَّهم سَألُوا رَبَّهم أنْ يَرْزُقَهم أزْواجًا وأعْقابًا عُمّالًا لِلَّهِ تَعالى يُسَرُّونَ بِمَكانِهِمْ وتَقَرُّ بِهِمْ عُيُونُهم وقِيلَ: لَيْسَ شَيْءٌ أقَرَّ لِعَيْنِ المُؤْمِنِ مِن أنْ يَرى زَوْجَتَهُ وأوْلادَهُ مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما هو الوَلَدُ إذا رَآهُ يَكْتُبُ الفِقْهَ ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ أيْ: أئِمَّةً يَقْتَدُونَ بِنا في الدِينِ فاكْتَفى بِالواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الجِنْسِ ولِعَدَمِ اللَبْسِ أوْ واجْعَلْ كُلَّ واحِدٍ مِنّا إمامًا قِيلَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِياسَةَ في الدِينِ يَجِبُ أنْ تُطْلَبَ ويُرْغَبَ فِيها.
25:75Page 366
أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا ٧٥
Those will be awarded the Chamber1 for what they patiently endured, and they will be received therein with greetings and [words of] peace,
﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ أيِ الغُرُفاتِ، وهي العِلالِي في الجَنَّةِ فَوُحِّدَ اقْتِصارًا عَلى الواحِدِ الدالِّ عَلى الجِنْسِ، دَلِيلُهُ ﴿وَهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبإ: ٣٧] ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أيْ: بِصَبْرِهِمْ عَلى الطاعاتِ، وعَنِ الشَهَواتِ وعَلى أذى الكُفّارِ ومُجاهَدَتِهِمْ وعَلى الفَقْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها﴾ "وَيَلْقَوْنَ" كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ ﴿تَحِيَّةً﴾ دُعاءً بِالتَعْمِيرِ ﴿وَسَلامًا﴾ ودُعاءً بِالسَلامَةِ يَعْنِي: أنَّ المَلائِكَةَ يُحَيُّونَهم ويُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ أوْ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا ويُسَلِّمُ عَلَيْهِ.
25:76Page 366
خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٧٦
Abiding eternally therein. Good is the settlement and residence.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ ﴿حَسُنَتْ﴾ أيِ الغُرْفَةُ ﴿مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ مَوْضِعَ قَرارٍ وإقامَةٍ وهي في مُقابَلَةِ ﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]
25:77Page 366
قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا ٧٧
Say, "What would my Lord care for you if not for your supplication?"1 For you [disbelievers] have denied, so it [i.e., your denial] is going to be adherent.2
﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ ما مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ وهي في مَحَلِّ النَصْبِ ومَعْناهُ: ما يَصْنَعُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُهُ إيّاكم إلى الإسْلامِ أوْ لَوْلا عِبادَتُكم لَهُ أيْ: أنَّهُ خَلَقَكم لِعِبادَتِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أيِ الِاعْتِبارُ عِنْدَ رَبِّكم لِعِبادَتِكم أوْ ما يَصْنَعُ (p-٥٥٣)بِعَذابِكم لَوْلا دُعاؤُكم مَعَهُ آلِهَةً وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ رَسُولِي يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ العَذابُ ﴿لِزامًا﴾ أيْ: ذا لِزامٍ أوْ مُلازِمًا، وُضِعَ مَصْدَرُ لازَمَ مَوْضِعَ اسْمِ الفاعِلِ، وقالَ الضَحّاكُ: ﴿ما يَعْبَأُ﴾ ما يُبالِي بِمُغْفِرَتِكم لَوْلا دُعاؤُكم مَعَهُ إلَهًا آخَرَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences