An-NasafiAsh‑Shu'ara · 26:186–227

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:186–227

26:186Page 375

وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ١٨٦

You are but a man like ourselves, and indeed, we think you are among the liars.

﴿وَما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ إدْخالُ الواوِ هُنا لِيُفِيدَ مَعْنَيَيْنِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ التَسْحِيرُ والبَشَرِيَّةُ وتَرَكَها في قِصَّةِ ثَمُودَ لِيُفِيدَ مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم ﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ إنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ واللامُ دَخَلَتْ لِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ النافِيَةِ وإنَّما تَفَرَّقَتا عَلى فِعْلِ الظَنِّ وثانِي مَفْعُولَيْهِ، لِأنَّ أصْلَهُما أنْ يَتَفَرَّقا عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ كَقَوْلِكَ: إنْ زَيْدًا لَمُنْطَلِقٌ فَلَمّا كانَ بابا كانَ وظَنَنْتُ مِن جِنْسِ بابِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ فُعِلَ ذَلِكَ في البابَيْنِ فَقِيلَ: إنْ كانَ زَيْدٌ لَمُنْطَلِقًا وإنْ ظَنَنْتُهُ لِمُنْطَلِقًا.

26:187Page 375

فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡنَا كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٨٧

So cause to fall upon us fragments of the sky, if you should be of the truthful."

﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ حَفْصٌ وهُما جَمْعا كِسْفَةٍ وهي (p-٥٨١)القِطْعَةُ وكَسَفَهُ قَطَعَهُ ﴿مِنَ السَماءِ﴾ أيِ السَحابِ أوِ الظُلَّةِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتَ صادِقًا أنَّكَ نَبِيٌّ فادْعُ اللهَ أنْ يُسْقِطَ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَماءِ أيْ: قِطَعًا مِنَ السَماءِ عُقُوبَةً.

26:188Page 375

قَالَ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨٨

He said, "My Lord is most knowing of what you do."

﴿قالَ رَبِّي﴾ بِفَتْحِ الياءِ حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو وبِسُكُونِها غَيْرُهم ﴿أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إنَّ اللهَ أعْلَمُ بِأعْمالِكم وبِما تَسْتَحِقُّونَ عَلَيْها مِنَ العَذابِ فَإنْ أرادَ أنْ يُعاقِبَكم بِإسْقاطِ كِسَفٍ مِنَ السَماءِ فَعَلَ وإنْ أرادَ عِقابًا آخَرَ فَإلَيْهِ الحُكْمُ والمَشِيئَةُ.

26:189Page 375

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ١٨٩

And they denied him, so the punishment of the day of the black cloud seized them. Indeed, it was the punishment of a terrible day.

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُلَّةِ﴾ هي سَحابَةٌ أظَلَّتْهم بَعْدَ ما حَبَسَتْ عَنْهُمُ الرِيحَ وعُذِّبُوا بِالحَرِّ سَبْعَةَ أيّامٍ فاجْتَمَعُوا تَحْتَها مُسْتَجِيرِينَ بِها مِمّا نالَهم مِنَ الحَرِّ فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا ﴿إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

26:190Page 375

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٩٠

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

No commentary for this ayah

26:191Page 375

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٩١

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ﴾ وقَدْ كَرَّرَ في هَذِهِ السُورَةِ في أوَّلِ كُلِّ قِصَّةٍ وآخِرِها ما كَرَّرَ تَقْرِيرًا لِمَعانِيها في الصُدُورِ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الوَعْظِ والزَجْرِ ولِأنَّ كُلَّ قِصَّةٍ مِنها كَتَنْزِيلٍ بِرَأْسِهِ وفِيها مِنَ الِاعْتِبارِ مِثْلُ ما في غَيْرِها فَكانَتْ جَدِيرَةً بِأنْ تُفْتَتَحَ بِما افْتُتِحَتْ بِهِ صاحِبَتُها وأنْ تُخْتَمَ بِما اخْتُتِمَتْ بِهِ.

26:192Page 375

وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢

And indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the revelation of the Lord of the worlds.

﴿وَإنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿لَتَنْـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُنَزَّلٌ مِنهُ.

26:193Page 375

نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣

The Trustworthy Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down

﴿نَـزَلَ بِهِ﴾ مُخَفَّفٌ، والفاعِلُ ﴿الرُوحُ الأمِينُ﴾ أيْ: جِبْرِيلُ، لِأنَّهُ أمِينٌ عَلى الوَحْيِ الَّذِي فِيهِ الحَياةُ حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو وزَيْدٌ وحَفْصٌ، وغَيْرُهم بِالتَشْدِيدِ ونَصْبِ الرُوحِ والفاعِلُ هو اللهُ تَعالى أيْ: جَعَلَ اللهُ الرُوحَ نازِلًا بِهِ والباءُ عَلى القِراءَتَيْنِ لِلتَّعْدِيَةِ (p-٥٨٢)

26:194Page 375

عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤

Upon your heart, [O Muḥammad] - that you may be of the warners

﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ أيْ: حَفَّظَكَ وفَهَّمَكَ إيّاهُ وأثْبَتَهُ في قَلْبِكَ إثْباتَ ما لا يُنْسى كَقَوْلِهِ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾

26:195Page 375

بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥

In a clear Arabic language.

﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ﴾ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ وجُرْهُمٍ ﴿مُبِينٍ﴾ فَصِيحٍ ومُصَحَّحٍ عَمّا صَحَّفَتْهُ العامَّةُ، والباءُ إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُنْذِرِينَ أيْ: لِتَكُونَ مِنَ الَّذِينَ أنْذَرُوا بِهَذا اللِسانِ وهم هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِمُ السَلامُ أوْ بِنَزَلَ أيْ: نَزَّلَهُ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ لِتُنْذِرَ بِهِ، لِأنَّهُ لَوْ نَزَّلَهُ بِلِسانٍ أعْجَمِيٍّ لَتَجافَوْا عَنْهُ أصْلًا ولَقالُوا ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ؟ فَيَتَعَذَّرُ الإنْذارُ بِهِ وفي هَذا الوَجْهِ أنَّ تَنْزِيلَهُ بِالعَرَبِيَّةِ الَّتِي هي لِسانُكَ ولِسانُ قَوْمِكَ تَنْزِيلٌ لَهُ عَلى قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَفْهَمُهُ وتُفْهِمُهُ قَوْمَكَ ولَوْ كانَ أعْجَمِيًّا لَكانَ نازِلًا عَلى سَمْعِكَ دُونَ قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَسْمَعُ أجْراسَ حُرُوفٍ لا تَفْهَمْ مَعانِيَها ولا تَعِيها وقَدْ يَكُونُ الرَجُلُ عارِفًا بِعِدَّةِ لُغاتٍ فَإذا كُلِّمَ بِلُغَتِهِ الَّتِي نَشَأ عَلَيْها لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ ناظِرًا إلّا إلى مَعانِي الكَلامِ وإنْ كُلِّمَ بِغَيْرِها كانَ نَظَرُهُ أوَّلًا في ألْفاظِها ثُمَّ في مَعانِيها وإنْ كانَ ماهِرًا بِمَعْرِفَتِها فَهَذا تَقْرِيرٌ أنَّهُ نَزَلَ عَلى قَلْبِهِ لِنُزُولِهِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ.

26:196Page 375

وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٩٦

And indeed, it is [mentioned] in the scriptures of former peoples.

﴿وَإنَّهُ﴾ وإنَّ القُرْآنَ ﴿لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ يَعْنِي: ذِكْرُهُ مُثْبَتٌ في سائِرِ الكُتُبِ السَماوِيَّةِ وقِيلَ إنَّ مَعانِيَهُ فِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ قُرْآنٌ إذا تُرْجِمَ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى جَوازِ قِراءَةِ القُرْآنِ بِالفارِسِيَّةِ في الصَلاةِ ِ.

26:197Page 375

أَوَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٩٧

And has it not been a sign to them that it is recognized by the scholars of the Children of Israel?

﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً﴾ شامِيٌّ جُعِلَتْ "آيَةٌ" اسْمَ كانَ وخَبَرُهُ ﴿أنْ يَعْلَمَهُ﴾ أيِ القُرْآنُ لِوُجُودِ ذِكْرِهِ في التَوْراةِ وقِيلَ في تَكَنْ ضَمِيرُ القِصَّةِ و"آيَةٌ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ "أنْ يَعْلَمَهُ" والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ وقِيلَ كانَ تامَّةٌ والفاعِلُ "آيَةٌ" و"أنْ يَعْلَمَهُ" بَدَلٌ مِنها، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: (p-٥٨٣)أوَ لَمْ تَحْصُلْ لَهم آيَةٌ. وغَيْرُهُ: "يَكُنْ" بِالتَذْكِيرِ، و"آيَةً" بِالنَصْبِ عَلى أنَّها خَبَرُهُ، و"أنْ يَعْلَمَهُ" هو الِاسْمُ وتَقْدِيرُهُ: أوْ لَمْ يَكُنْ لَهم عِلْمُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ آيَةً ﴿عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ قالَ اللهُ تَعالى ﴿وَإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] وخُطَّ في المُصْحَفِ "عُلَمَؤُا" بِواوٍ قَبْلَ الألْفِ.

26:198Page 375

وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ ١٩٨

And even if We had revealed it to one among the foreigners1

﴿وَلَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ جَمْعُ أعْجَمَ وهو الَّذِي لا يُفْصِحُ وكَذَلِكَ الأعْجَمِيُّ إلّا أنَّ فِيهِ لِزِيادَةِ ياءِ النِسْبَةِ زِيادَةَ تَأْكِيدٍ ولَمّا كانَ مَن يَتَكَلَّمُ بِلِسانٍ غَيْرِ لِسانِهِمْ لا يَفْقَهُونَ كَلامَهُ قالُوا لَهُ أعْجَمُ وأعْجَمِيٌّ شَبَّهُوهُ بِمَن لا يُفْصِحُ ولا يُبِينُ، والعَجَمِيُّ الَّذِي مِن جِنْسِ العَجَمِ أفْصَحَ أوْ لَمْ يُفْصِحْ وقَرَأ الحَسَنُ "الأعْجَمِيِّينَ"، وقِيلَ "الأعْجَمِينَ" تَخْفِيفُ "الأعْجَمِيِّينَ" كَما قالُوا الأشْعَرُونَ أيِ الأشْعَرِيُّونَ بِحَذْفِ ياءِ النِسْبَةِ ولَوْلا هَذا التَقْدِيرُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُجْمَعَ جَمْعَ السَلامَةِ، لِأنَّ مُؤَنَّثَهُ عَجْماءُ.

26:199Page 375

فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١٩٩

And he had recited it to them [perfectly],1 they would [still] not have been believers in it.

﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ والمَعْنى: أنّا أنْزَلْنا القُرْآنَ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ فَفَهِمُوهُ وعَرَفُوا فَصاحَتَهُ وأنَّهُ مُعْجِزٌ وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ اتِّفاقُ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ قَبْلَهُ عَلى أنَّ البِشارَةَ بِإنْزالِهِ وصِفَتِهِ في كُتُبِهِمْ وقَدْ تَضَمَّنَتْ مَعانِيَهُ وقِصَصَهُ وصَحَّ بِذَلِكَ أنَّها مِن عِنْدِ اللهِ ولَيْسَتْ بِأساطِيرَ كَما زَعَمُوا فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وسَمَّوْهُ شِعْرًا تارَةً وسِحْرًا أُخْرى وقالُوا هَذا مِنِ افْتِراءِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ السَلامُ ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعاجِمِ الَّذِي لا يُحْسِنُ العَرَبِيَّةَ فَضْلًا أنْ يَقْدِرَ عَلى نَظْمِ مِثْلِهِ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ هَكَذا مُعْجِزًا لَكَفَرُوا بِهِ كَما كَفَرُوا ولَتَمَحَّلُوا لِجُحُودِهِمْ عُذْرًا وسَمَّوْهُ سِحْرًا ثُمَّ قالَ.

26:200Page 375

كَذَٰلِكَ سَلَكۡنَٰهُ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٠٠

Thus have We inserted it [i.e., disbelief] into the hearts of the criminals.

﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ﴾

أيْ: أدْخَلْنا التَكْذِيبَ أوِ الكُفْرَ وهو مَدْلُولُ قَوْلِهِ ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] ﴿فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ الكافِرِينَ الَّذِينَ عَلِمْنا مِنهُمُ اخْتِيارَ الكُفْرِ والإصْرارِ عَلَيْهِ يَعْنِي: مِثْلَ هَذا السَلْكِ سَلَكْناهُ في قُلُوبِهِمْ (p-٥٨٤)وَقَرَّرْناهُ فِيها فَكَيْفَما فُعِلَ بِهِمْ وعَلى أيِّ وجْهٍ دُبِّرَ أمْرُهم فَلا سَبِيلَ إلى أنْ يَتَغَيَّرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ والتَكْذِيبِ لَهُ كَما قالَ ﴿وَلَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] وهو حُجَّتُنا عَلى المُعْتَزِلَةِ في خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ خَيْرِها وشَرِّها.

26:201Page 375

لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٢٠١

They will not believe in it until they see the painful punishment.

وَمَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بِالقُرْآنِ مِن قَوْلِهِ ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] مَوْقِعَ المُوَضِّحِ والمُلَخَّصِ، لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِثَباتِ كَوْنِهِ مُكَذَّبًا مَجْحُودًا في قُلُوبِهِمْ فاتَّبَعَ ما يُقَرِّرُ هَذا المَعْنى: مِن أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى التَكْذِيبِ بِهِ وجُحُودِهِ حَتّى يُعايِنُوا الوَعِيدَ ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ: سَلَكْناهُ فِيها غَيْرَ مُؤْمَنٍ بِهِ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ المُرادُ مُعايَنَةُ العَذابِ عِنْدَ المَوْتِ ويَكُونُ ذَلِكَ إيمانَ يَأْسٍ فَلا يَنْفَعُهُمْ.

26:202Page 375

فَيَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٠٢

And it will come to them suddenly while they perceive [it] not.

﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ فَجْأةً ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِهِ.

26:203Page 375

فَيَقُولُواْ هَلۡ نَحۡنُ مُنظَرُونَ ٢٠٣

And they will say, "May we be reprieved?"

﴿فَيَقُولُوا﴾ وفَيَأْتِيهِمْ مَعْطُوفانِ عَلى يَرَوْا ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ يَسْألُونَ النَظِرَةَ والإمْهالَ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلا يُجابُونَ إلَيْها.

26:204Page 375

أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ٢٠٤

So for Our punishment are they impatient?

﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم وإنْكارٌ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ونَحْوَ ذَلِكَ.

26:205Page 375

أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ ٢٠٥

Then have you considered if We gave them enjoyment for years

﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ قِيلَ هي سِنُو مُدَّةِ الدُنْيا.

26:206Page 375

ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٦

And then there came to them that which they were promised?

﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ مِنَ العَذابِ.

26:207Page 376

مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧

They would not be availed by the enjoyment with which they were provided.

﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ بِهِ في تِلْكَ السِنِينَ والمَعْنى: أنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ إنَّما كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ ولا لاحِقٍ بِهِمْ وأنَّهم مُمَتَّعُونَ بِأعْمارٍ طِوالٍ في سَلامَةٍ وأمْنٍ فَقالَ اللهُ تَعالى أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ أشَرًا وبَطَرًا واسْتِهْزاءً واتِّكالًا عَلى الأمَلِ الطَوِيلِ ثُمَّ قالَ هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما (p-٥٨٥)يَعْتَقِدُونَ مِن تَمْتِيعِهِمْ وتَعْمِيرِهِمْ فَإذا لَحِقَهُمُ الوَعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَنْفَعُهم حِينَئِذٍ ما مَضى مِن طُولِ أعْمارِهِمْ وطِيبِ مَعايِشِهِمْ، وعَنْ مَيْمُونَ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ لَقِيَ الحَسَنَ في الطَوافِ وكانَ يَتَمَنّى لِقاءَهُ فَقالَ عِظْنِي فَلَمْ يَزِدْهُ عَلى تِلاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ مَيْمُونُ قَدْ وعَظْتَ فَأبْلَغْتَ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها عِنْدَ جُلُوسِهِ لِلْحُكْمِ.

26:208Page 376

وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨

And We did not destroy any city except that it had warners

﴿وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ رُسُلٌ يُنْذِرُونَهم ولَمْ تَدْخُلِ الواوُ عَلى الجُمْلَةِ بَعْدَ إلّا كَما في ﴿وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]، لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الواوِ إذِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ وإذا زِيدَتْ فَلِتَأْكِيدِ وصْلِ الصِفَةِ بِالمَوْصُوفِ.

26:209Page 376

ذِكۡرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٠٩

As a reminder; and never have We been unjust.

﴿ذِكْرى﴾ مَنصُوبَةٌ بِمَعْنى تَذْكِرَةً، لِأنَّ أُنْذِرُ وأُذَكِّرُ مُتَقارِبانِ فَكَأنَّهُ قِيلَ مُذَكِّرُونَ تَذْكِرَةً أوْ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في مُنْذِرُونَ أيْ: يُنْذِرُونَهم ذَوِي تَذْكِرَةٍ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: يُنْذِرُونَ لِأجْلِ التَذْكِرَةِ والمَوْعِظَةِ أوِ مَرْفُوعَةٌ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ بِمَعْنى هَذِهِ ذِكْرى والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ صِفَةٌ بِمَعْنى مُنْذِرُونَ ذَوُو ذِكْرى أوْ تَكُونُ ذِكْرى مُتَعَلِّقَةٌ بِأهْلَكْنا مَفْعُولًا لَهُ والمَعْنى: وما أهْلَكْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ ظالِمِينَ إلّا بَعْدَ ما ألْزَمْناهُمُ الحُجَّةَ بِإرْسال المُنْذِرِينَ إلَيْهِمْ لِيَكُونَ إهْلاكُهم تَذْكِرَةً وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ فَلا يَعْصُوا مِثْلَ عِصْيانِهِمْ ﴿وَما كُنّا ظالِمِينَ﴾ فَنُهْلِكَ قَوْمًا غَيْرَ ظالِمِينَ.

26:210Page 376

وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠

And the devils have not brought it [i.e., the revelation] down.1

وَلَمّا قالَ المُشْرِكُونَ إنَّ الشَياطِينَ تُلْقِي القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ أُنْزِلَ ﴿وَما تَنَـزَّلَتْ بِهِ﴾ بِالقُرْآنِ ﴿الشَياطِينُ﴾

26:211Page 376

وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١

It is not allowable for them, nor would they be able.

﴿وَما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ وما يَتَسَهَّلُ لَهم ولا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ.

26:212Page 376

إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢

Indeed they, from [its] hearing, are removed.1

﴿إنَّهم عَنِ السَمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ لَمَمْنُوعُونَ بِالشُهُبِ (p-٥٨٦)

26:213Page 376

فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ ٢١٣

So do not invoke1 with Allāh another deity and [thus] be among the punished.

﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ مَوْرِدُ النَهْيِ لِغَيْرِهِ عَلى التَعْرِيضِ والتَحْرِيكِ لَهُ عَلى زِيادَةِ الإخْلاصِ.

26:214Page 376

وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤

And warn, [O Muḥammad], your closest kindred.

﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ خَصَّهم لِنَفْيِ التُهْمَةِ إذِ الإنْسانُ يُساهِلُ قَرابَتَهُ أوْ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللهِ شَيْئًا وأنَّ النَجاةَ في اتِّباعِهِ دُونَ قُرْبَةٍ ولَمّا نَزَلَتْ صَعِدَ الصَفا ونادى الأقْرَبَ فالأقْرَبَ وقالَ يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ يا بَنِي هاشِمٍ يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ يا عَبّاسُ عَمَّ النَبِيِّ يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللهِ شَيْئًا.

26:215Page 376

وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥

And lower your wing [i.e., show kindness] to those who follow you of the believers.

﴿واخْفِضْ جَناحَكَ﴾ وألِنْ جانِبَكَ وتَواضَعْ وأصْلُهُ أنَّ الطائِرَ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ لِلْوُقُوعِ كَسَرَ جَناحَهُ وخَفَضَهُ وإذا أرادَ أنْ يَنْهَضَ لِلطَّيَرانِ رَفَعَ جَناحَهُ فَجُعِلَ خَفْضُ جَناحِهِ عِنْدَ الِانْحِطاطِ مَثَلًا في التَواضُعِ ولِينِ الجانِبِ ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ مِن عَشِيرَتِكَ وغَيْرِهِمْ.

26:216Page 376

فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦

And if they disobey you, then say, "Indeed, I am disassociated from what you are doing."

﴿فَإنْ عَصَوْكَ﴾ يَعْنِي: أنْذِرْ قَوْمَكَ فَإنِ اتَّبَعُوكَ وأطاعُوكَ فاخْفِضْ جَناحَكَ لَهم وإنْ عَصَوْكَ ولَمْ يَتَّبِعُوكَ فَتَبَرَّأْ مِنهم ومِن أعْمالِهِمْ مِنَ الشِرْكِ بِاللهِ وغَيْرِهِ.

26:217Page 376

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٢١٧

And rely upon the Exalted in Might, the Merciful,

﴿وَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَحِيمِ﴾ عَلى الَّذِي يَقْهَرُ أعْداءَكَ بِعِزَّتِهِ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ يَكْفِكَ شَرَّ مَن يَعْصِيكَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ والتَوَكُّلُ: تَفْوِيضُ الرَجُلِ أمْرَهُ إلى مَن يَمْلِكُ أمْرَهُ ويَقْدِرُ عَلى نَفْعِهِ وضُرِّهِ وقالُوا المُتَوَكِّلُ مَن إذا دَهَمَهُ أمْرٌ لَمْ يُحاوِلْ دَفْعَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِما هو مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ وقالَ الجُنَيْدُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - التَوَكُّلُ أنْ تُقْبِلَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى رَبِّكَ وتُعْرِضَ بِالكُلِّيَّةِ عَمّا دُونَهُ فَإنَّ حاجَتَكَ إلَيْهِ في الدارَيْنِ، "فَتَوَكَّلْ" مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ عَطْفٌ عَلى فَقُلْ أوْ فَلا تَدْعُ (p-٥٨٧)

26:218Page 376

ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ ٢١٨

Who sees you when you arise1

﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ مُتَهَجِّدًا.

26:219Page 376

وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ ٢١٩

And your movement among those who prostrate.1

﴿وَتَقَلُّبَكَ﴾ أيْ: ويَرى تَقَلُّبَكَ ﴿فِي الساجِدِينَ﴾ في المُصَلِّينَ أتْبَعَ كَوْنَهُ رَحِيمًا عَلى رَسُولِهِ ما هو مِن أسْبابِ الرَحْمَةِ وهو ذِكْرُ ما كانَ يَفْعَلُهُ في جَوْفِ اللَيْلِ مِن قِيامِهِ لِلتَّهَجُّدِ وتَقَلُّبِهِ في تَصَفُّحِ أحْوالِ المُتَهَجِّدِينَ مِن أصْحابِهِ لِيَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ولِيَعْلَمَ كَيْفَ يَعْبُدُونَ اللهَ ويَعْمَلُونَ لِآخِرَتِهِمْ؟ وقِيلَ مَعْناهُ: يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِلصَّلاةِ بِالناسِ جَماعَةً، وتَقَلُّبُهُ في الساجِدِينَ تَصَرُّفُهُ فِيما بَيْنَهم بِقِيامِهِ ورُكُوعِهِ وسُجُودِهِ وقُعُودِهِ إذا أمَّهم، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ سَألَ أبا حَنِيفَةَ هَلْ تَجِدُ الصَلاةَ بِالجَماعَةِ في القُرْآنِ فَقالَ لا يَحْضُرُنِي فَتَلا لَهُ هَذِهِ الآيَةَ.

26:220Page 376

إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٢٠

Indeed, He is the Hearing, the Knowing.

﴿إنَّهُ هو السَمِيعُ﴾ لِما تَقُولُهُ ﴿العَلِيمُ﴾ بِما تَنْوِيهِ وتَعْمَلُهُ هَوَّنَ عَلَيْهِ مُعاناةَ مَشاقِّ العِباداتِ حَيْثُ أخْبَرَ بِرُؤْيَتِهِ لَهُ إذْ لا مَشَقَّةَ عَلى مَن يَعْلَمُ أنَّهُ يَعْمَلُ بِمَرْأى مَوْلاهُ وهو كَقَوْلِهِ بِعَيْنِي ما يَتَحَمَّلُ المُتَحَمِّلُونَ مِن أجْلِي.

26:221Page 376

هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢٢١

Shall I inform you upon whom the devils descend?

وَنَزَلَ جَوابًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ إنَّ الشَياطِينَ تُلْقِي السَمْعَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: هَلْ أُخْبِرُكم أيُّها المُشْرِكُونَ عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَياطِينُ ثُمَّ نَبَّأ فَقالَ.

26:222Page 376

تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ ٢٢٢

They descend upon every sinful liar.

﴿تَنَـزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ مُرْتَكِبٍ لِلْآثامِ وهُمُ الكَهَنَةُ والمُتَنَبِّئَةُ كَسَطِيحٍ وطُلَيْحَةَ ومُسَيْلِمَةَ،. ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْتُمُ الأفّاكِينَ ويَذُمُّهم فَكَيْفَ تَنْزِلُ الشَياطِينُ عَلَيْهِ؟!

26:223Page 376

يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ ٢٢٣

They pass on what is heard,1 and most of them are liars.

﴿يُلْقُونَ السَمْعَ﴾ هُمُ الشَياطِينُ كانُوا قَبْلَ أنْ يُحْجَبُوا بِالرَجْمِ يَسْتَمِعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى فَيَحْفَظُونَ بَعْضَ ما يَتَكَلَّمُونَ بِهِ مِمّا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الغُيُوبِ ثُمَّ يُوحُونَ بِهِ إلى أوْلِيائِهِمْ ويُلْقُونَ حالٌ أيْ: تَنَزَّلُ مُلْقِينَ السَمْعَ أوْ صِفَةٌ لِكُلِّ أفّاكٍ، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ فَيَكُونُ في مَحَلِّ الجَرِّ (p-٥٨٨)أوِ اسْتِئْنافٌ فَلا يَكُونُ لَهُ مَحَلٌّ كَأنَّهُ قِيلَ لِمَ تَنَزَّلُ عَلى الأفّاكِينَ فَقِيلَ يَفْعَلُونَ كَيْتَ وكَيْتَ ﴿وَأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ فِيما يُوحُونَ بِهِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم يُسْمِعُونَهم ما لَمْ يَسْمَعُوا وقِيلَ يُلْقُونَ إلى أوْلِيائِهِمُ السَمْعَ أيِ المَسْمُوعَ مِنَ المَلائِكَةِ وقِيلَ الأفّاكُونَ يُلْقُونَ السَمْعَ إلى الشَياطِينِ ويَتَلَقَّوْنَ وحْيَهم إلَيْهِمْ أوْ يُلْقُونَ المَسْمُوعَ مِنَ الشَياطِينِ إلى الناسِ وأكْثَرُ الأفّاكِينَ كاذِبُونَ يَفْتَرُونَ عَلى الشَياطِينِ ما لَمْ يُوحُوا إلَيْهِمْ والأفّاكُ الَّذِي يُكْثِرُ الإفْكَ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لا يَنْطِقُونَ إلّا بِالإفْكِ فَأرادَ أنَّ هَؤُلاءِ الأفّاكِينَ قَلَّ مَن يَصْدُقُ مِنهم فِيما يَحْكِي عَنِ الجِنِّيِّ وأكْثَرُهم مُفْتَرٍ عَلَيْهِ، وعَنِ الحَسَنِ: وكُلُّهم وإنَّما فَرَّقَ بَيْنَ ﴿وَإنَّهُ لَتَنْـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿وَما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَـزَّلُ الشَياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] وهُنَّ أخَواتٌ، لِأنَّهُ إذا فَرَّقَ بَيْنَهُنَّ بِآياتٍ لَيْسَتْ مِنهُنَّ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِنَّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلى شِدَّةِ العِنايَةِ بِهِنَّ كَما إذا حَدَّثْتَ حَدِيثًا وفي صَدْرِكَ اهْتِمامٌ بِشَيْءٍ فَتُعِيدُ ذِكْرَهُ ولا تَنْفَكُّ عَنِ الرُجُوعِ إلَيْهِ ونَزَلَ فِيمَن كانَ يَقُولُ الشِعْرَ ويَقُولُ نَحْنُ نَقُولُ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ واتَّبَعَهم غُواةٌ مِن قَوْمِهِمْ يَسْتَمِعُونَ أشْعارَهُمْ.

26:224Page 376

وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ ٢٢٤

And the poets - [only] the deviators follow them.

﴿والشُعَراءُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ أيْ: لا يَتَّبِعُهم عَلى باطِلِهِمْ وكَذِبِهِمْ وتَمْزِيقِ الأعْراضِ والقَدْحِ في الإنْسانِ ومَدْحِ مَن لا يَسْتَحِقُّ المَدْحَ ولا يَسْتَحْسِنُ ذَلِكَ مِنهم إلّا الغاوُونَ أيِ السُفَهاءُ أوِ الراوُونَ أوِ الشَياطِينُ أوِ المُشْرِكُونَ قالَ الزَجّاجُ إذا مَدَحَ أوْ هَجا شاعِرٌ بِما لا يَكُونُ وأحَبَّ ذَلِكَ قَوْمٌ وتابَعُوهُ فَهُمُ الغاوُونَ، "يَتْبَعُهُمْ": نافِعٌ.

26:225Page 376

أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمۡ فِي كُلِّ وَادٖ يَهِيمُونَ ٢٢٥

Do you not see that in every valley they roam1

﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ﴾ مِنَ الكَلامِ ﴿يَهِيمُونَ﴾ خَبَرُ أنَّ أيْ: في كُلِّ فَنٍّ مِنَ الكَذِبِ يَتَحَدَّثُونَ أوْ في كُلِّ لَغْوٍ وباطِلٍ يَخُوضُونَ والهائِمُ الذاهِبُ عَلى وجْهِهِ لا مَقْصِدَ لَهُ، وهو تَمْثِيلٌ لِذَهابِهِمْ في كُلِّ شِعْبٍ مِنَ القَوْلِ واعْتِسافِهِمْ حَتّى يُفَضِّلُوا أجْبَنَ الناسِ عَلى عَنْتَرَةَ وأبْخَلَهم عَلى حاتِمٍ، عَنِ الفَرَزْدَقِ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ سَمِعَ قَوْلَهُ: (p-٥٨٩)

؎ فَبِتْنَ بِجانِبِي مُصَرَّعاتٍ وبِتُّ أفُضُّ أغَلاقَ الخِتامِ

فَقالَ وجَبَ عَلَيْكَ الحَدُّ فَقالَ قَدْ دَرَأ اللهُ عَنِّي الحَدَّ بِقَوْلِهِ.

26:226Page 376

وَأَنَّهُمۡ يَقُولُونَ مَا لَا يَفۡعَلُونَ ٢٢٦

And that they say what they do not do? -

﴿وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ حَيْثُ وصَفَهم بِالكَذِبِ والخُلْفِ في الوَعْدِ ثُمَّ اسْتَثْنى الشُعَراءَ المُؤْمِنِينَ الصالِحِينَ بِقَوْلِهِ.

26:227Page 376

إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ ٢٢٧

Except those [poets] who believe and do righteous deeds and remember Allāh often and defend [the Muslims]1 after they were wronged. And those who have wronged are going to know to what [kind of] return they will be returned.

﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ وحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ وكَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ وكَعْبِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهم ﴿وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ أيْ: كانَ ذِكْرُ اللهِ وتِلاوَةُ القُرْآنِ أغْلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشِعْرِ وإذا قالُوا شِعْرًا قالُوهُ في تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى والثَناءِ عَلَيْهِ والحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ والزُهْدِ والأدَبِ ومَدْحِ رَسُولِ اللهِ والصَحابَةِ وصُلَحاءِ الأُمَّةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ فِيهِ ذَنْبٌ وقالَ أبُو يَزِيدَ الذِكْرُ الكَثِيرُ لَيْسَ بِالعَدَدِ والغَفْلَةِ لَكِنَّهُ بِالحُضُورِ ﴿وانْتَصَرُوا﴾ وهَجَوْا ﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ هُجُوا أيْ: رَدُّوا هِجاءَ مَن هَجا رَسُولَ اللهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ وأحَقُّ الخَلْقِ بِالهِجاءِ مَن كَذَّبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وهَجاهُ، وعَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لَهُ « "اهْجُهم فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهو أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبْلِ" »«وَكانَ يَقُولُ لِحَسّانَ "قُلْ ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ" » خَتَمَ السُورَةَ بِما يَقْطَعُ أكْبادَ المُتَدَبِّرِينَ وهو قَوْلُهُ ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ وما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ البَلِيغِ وقَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وإطَلاقِهِ وقَوْلُهُ ﴿أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ وإبْهامُهُ وقَدْ تَلاها أبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ عَهِدَ إلَيْهِ وكانَ السَلَفُ يَتَواعَظُونَ بِها قالَ ابْنُ عَطاءٍ سَيَعْلَمُ المُعْرِضُ عَنّا ما الَّذِي فاتَهُ مِنّا؟ وأيَّ: مَنصُوبٌ بِ"يَنْقَلِبُونَ" عَلى المَصْدَرِ لا بِيَعْلَمُ، لِأنَّ أسْماءَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها أيْ: يَنْقَلِبُونَ أيَّ انْقِلابٍ. واللهُ أعْلَمُ عَنِ الفَرَزْدَقِ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ سَمِعَ قَوْلَهُ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском