An-NasafiAn‑Naml · 27:25–49

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:25–49

27:25Page 379

أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ ٱلَّذِي يُخۡرِجُ ٱلۡخَبۡءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ٢٥

[And] so they do not prostrate to Allāh, who brings forth what is hidden within the heavens and the earth and knows what you conceal and what you declare -

﴿ألا يَسْجُدُوا﴾ بِالتَشْدِيدِ أيْ: فَصَدَّهم عَنِ السَبِيلِ لِئَلّا يَسْجُدُوا فَحُذِفَ الجارُّ مَعَ أنْ وأُدْغِمَتِ النُونُ في اللامِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لا مَزِيدَةً ويَكُونُ المَعْنى: فَهم لا يَهْتَدُونَ إلى أنْ يَسْجُدُوا، وبِالتَخْفِيفِ: يَزِيدُ وعَلِيٌّ، وتَقْدِيرُهُ " ألا يا هَؤُلاءِ اسْجُدُوا" فَأْلا لِلتَّنْبِيهِ ويا حَرْفُ نِداءٍ ومُناداهُ مَحْذُوفٌ فَمَن شَدَّدَ لَمْ يَقِفْ إلّا عَلى "العَرْشِ العَظِيمِ" ومَن خَفَّفَ وقَفَ عَلى "فَهم لا يَهْتَدُونَ" ثُمَّ ابْتَدَأ "ألا يا اسْجُدُوا" وسَجْدَةُ التِلاوَةِ واجِبَةٌ في القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا بِخِلافِ ما يَقُولُهُ الزَجّاجُ إنَّهُ لا يَجُبِ السُجُودُ مَعَ التَشْدِيدِ، لِأنَّ مَواضِعَ السَجْدَةِ إمّا أمْرٌ بِها أوْ مَدْحٌ لِلْآتِي بِها، أوْ ذَمٌّ لِتارِكِها وإحْدى القِراءَتَيْنِ أمْرٌ والأُخْرى ذَمٌّ لِلتّارِكِ ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ﴾ سَمّى المَخْبُوءَ بِالمَصْدَرِ ﴿فِي السَماواتِ والأرْضِ﴾ قَتادَةُ خَبْءُ السَماءِ المَطَرُ وخَبْءُ الأرْضِ النَباتُ ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ وبِالتاءِ فِيهِما عَلِيٌّ وحَفْصٌ.

27:26Page 379

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ۩ ٢٦

Allāh - there is no deity except Him, Lord of the Great Throne."

﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ وصْفُ الهُدْهُدِ عَرْشَ اللهِ بِالعِظَمِ تَعْظِيمٌ لَهُ بِالنِسْبَةِ إلى سائِرِ ما خَلَقَ مِنَ السَمَواتِ والأرْضِ ووَصْفُهُ عَرْشَ بِلْقِيسَ تَعْظِيمٌ لَهُ بِالإضافَةِ إلى عُرُوشِ أبْناءِ جِنْسِها مِنَ المُلُوكِ. إلى هَهُنا كَلامُ الهُدْهُدِ فَلَمّا فَرَغَ مِن كَلامِهِ.

27:27Page 379

۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٧

[Solomon] said, "We will see whether you were truthful or were of the liars.

﴿قالَ﴾ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ ﴿سَنَنْظُرُ﴾ مِنَ النَظَرِ الَّذِي هو التَأمُّلُ ﴿أصَدَقْتَ﴾ فِيما أخْبَرْتَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ وهَذا (p-٦٠٢)أبْلَغُ مِن أمْ كَذَبْتَ، لِأنَّهُ إذا كانَ مَعْرُوفًا بِالِانْخِراطِ في سِلْكِ الكاذِبِينَ كانَ كاذِبًا لا مَحالَةَ وإذا كانَ كاذِبًا اتُّهِمَ بِالكَذِبِ فِيما أخْبَرَ بِهِ فَلَمْ يُوثَقْ بِهِ ثُمَّ كَتَبَ سُلَيْمانُ كِتابًا صُورَتُهُ: مِن عَبْدِ اللهِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ إلى بِلْقِيسَ مَلِكَةِ سَبَأٍ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ السَلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى أمّا بَعْدُ فَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ وطَبَعَهُ بِالمِسْكِ وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ وقالَ لِلْهُدْهُدِ.

27:28Page 379

ٱذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ ثُمَّ تَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَٱنظُرۡ مَاذَا يَرۡجِعُونَ ٢٨

Take this letter of mine and deliver it to them. Then leave them and see what [answer] they will return."

﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ﴾ بِسُكُونِ الهاءِ تَخْفِيفًا أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ويَخْتَلِسُها كَسْرًا لِتَدُلَّ الكَسْرَةُ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ:يَزِيدُ وقالُونُ ويَعْقُوبُ "فَألْقِهِي" بِإثْباتِ الياءِ: غَيْرُهم ﴿إلَيْهِمْ﴾ إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها، لِأنَّهُ ذَكَرَهم مَعَها في قَوْلِهِ ﴿وَجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ [النمل: ٢٤] وبَنى الخِطابَ في الكِتابِ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ لِذَلِكَ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ تَنَحَّ عَنْهم إلى مَكانٍ قَرِيبٍ بِحَيْثُ تَراهم ولا يَرَوْنَكَ لِيَكُونَ ما يَقُولُونَهُ بِمَسْمَعِ عَنْكَ ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ ما الَّذِي يَرَوْنَهُ مِنَ الجَوابِ فَأخَذَ الهُدْهُدُ الكِتابَ بِمِنقارِهِ ودَخَلَ عَلَيْها مِن كُوَّةٍ فَطَرَحَ الكِتابَ عَلى نَحْرِها وهي راقِدَةٌ وتَوارى في الكُوَّةِ فانْتَبَهَتْ فَزِعَةً أوْ أتاها الجُنُودُ حَوالَيْها فَرَفْرَفَ ساعَةً وألْقى الكِتابَ في حِجْرِها وكانَتْ قارِئَةً فَلَمّا رَأتِ الخاتَمَ.

27:29Page 379

قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ ٢٩

She said, "O eminent ones, indeed, to me has been delivered a noble letter.

﴿قالَتْ﴾ لِقَوْمِها خاضِعَةً خائِفَةً ﴿يا أيُّها المَلأُ إنِّي﴾ وبِفَتْحِ الياءِ مَدَنِيٌّ ﴿أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ حَسَنٌ مَضْمُونُهُ وما فِيهِ، أوْ مَخْتُومٌ، قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ «:"كَرامَةُ الكِتابِ خَتْمُهُ" » وقِيلَ: مَن كَتَبَ لِأخِيهِ كِتابًا ولَمْ يَخْتِمْهُ فَقَدِ اسْتَخَفَّ بِهِ، أوْ مُصَدَّرٌ بِبَسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ أوْ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ مَلَكٍ كَرِيمٍ.

27:30Page 379

إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣٠

Indeed, it is from Solomon, and indeed, it is [i.e., reads]: 'In the name of Allāh, the Entirely Merciful, the Especially Merciful,

﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ هو تَبْيِينٌ لِما أُلْقِيَ إلَيْها كَأنَّها لَمّا قالَتْ ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] قِيلَ لَها مِمَّنْ هو وما هو فَقالَتْ: إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ كَيْتَ وكَيْتَ (p-٦٠٣)

27:31Page 379

أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣١

Be not haughty with me but come to me in submission [as Muslims].'"

وَأنْ في ﴿ألا تَعْلُوا﴾ - لا تَتَرَفَّعُوا عَلَيَّ ولا تَتَكَبَّرُوا كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ - مُفَسِّرَةٌ، كَقَوْلِهِ ﴿وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] يَعْنِي: أيِ امْشُوا ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ مُؤْمِنِينَ أوْ مُنْقادِينَ وكُتُبُ الأنْبِياءِ مَبْنِيَّةٌ عَلى الإيجازِ والِاخْتِصارِ.

27:32Page 379

قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ ٣٢

She said, "O eminent ones, advise me in my affair. I would not decide a matter until you witness [for] me."1

﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ أشِيرُوا عَلَيَّ في الأمْرِ الَّذِي نَزَلَ بِي، والفَتْوى: الجَوابُ في الحادِثَةِ اشْتُقَّتْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ مِنَ الفِتاءِ في السِنِّ والمُرادُ هُنا بِالتَقْوى الإشارَةُ عَلَيْها بِما عِنْدَهم مِنَ الرَأْيِ وقَصْدُها بِالرُجُوعِ إلى اسْتِشارَتِهِمْ تَطْيِيبُ أنْفُسِهِمْ لِيُمالِئُوها ويَقُومُوا مَعَها ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا﴾ فاصِلَةً أوْ مَمْضِيَّةً حُكْمًا ﴿حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ بِكَسْرِ النُونِ، والفَتْحُ لَحْنٌ، لِأنَّ النُونَ إنَّما تُفْتَحُ في مَوْضِعِ الرَفْعِ وهَذا في مَوْضِعِ النَصْبِ وأصْلُهُ "تُشْهَدُونَنِي" وحُذِفَتِ النُونُ الأوْلى لِلنَّصْبِ والياءُ لِدَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلَيْها، وبِالياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ يَعْقُوبُ أيْ: تَحْضُرُونِي أوْ تُشِيرُونِي أوْ تَشْهَدُوا أنَّهُ صَوابٌ أيْ: لا أبِتُّ الأمْرَ إلّا بِمَحْضَرِكم، وقِيلَ كانَ أهْلُ مَشُورَتِها ثَلَثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا كُلُّ واحِدٍ عَلى عَشْرَةِ آلافٍ.

27:33Page 379

قَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ ٣٣

They said, "We are men of strength and of great military might, but the command is yours, so see what you will command."

﴿قالُوا﴾ مُجِيبِينَ لَها ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أرادُوا بِالقُوَّةِ قُوَّةَ الأجْسادِ والآلاتِ وبِالبَأْسِ النَجْدَةَ والبَلاءَ في الحَرْبِ ﴿والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: مَوْكُولٌ إلَيْكِ ونَحْنُ مُطِيعُونَ لَكِ فَمُرِينا بِأمْرِكِ نُطِعْكِ ولا نُخالِفْكِ كَأنَّهم أشارُوا عَلَيْها بِالقِتالِ أوْ أرادُوا نَحْنُ مِن أبْناءِ الحَرْبِ لا مِن أبْناءِ الرَأْيِ والمَشُورَةِ وأنْتِ ذاتُ الرَأْيِ والتَدْبِيرِ فانْظُرِي ماذا تَرَيْنَ؟ نَتَّبِعْ رَأْيَكِ فَلَمّا أحَسَّتْ مِنهُمُ المَيْلَ إلى المُحارَبَةِ مالَتْ إلى المُصالَحَةِ ورَتَّبَتِ الجَوابَ فَزَيَّفَتْ أوَّلًا ما ذَكَرُوهُ وأرَتْهُمُ الخَطَأ فِيهِ حَيْثُ.

27:34Page 379

قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٣٤

She said, "Indeed kings - when they enter a city, they ruin it and render the honored of its people humbled. And thus do they do.

﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ عَنْوَةً وقَهْرًا ﴿أفْسَدُوها﴾ خَرَّبُوها ﴿وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ أذَلُّوا أعِزَّتَها وأهانُوا أشْرافَها وقَتَلُوا وأسَرُوا (p-٦٠٤)فَذَكَرَتْ لَهم سُوءَ عاقِبَةِ الحَرْبِ ثُمَّ قالَتْ ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أرادَتْ وهَذِهِ عادَتُهُمُ المُسْتَمِرَّةُ الَّتِي لا تَتَغَيَّرُ، لِأنَّها كانَتْ في بَيْتِ المَلِكِ القَدِيمِ فَسَمِعَتْ نَحْوَ ذَلِكَ ورَأتْ ثُمَّ ذَكَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ حَدِيثَ الهَدِيَّةِ وما رَأتْ مِنَ الرَأْيِ السَدِيدِ، وقِيلَ هو تَصْدِيقٌ مِنَ اللهِ لِقَوْلِها، واحْتَجَّ الساعِي في الأرْضِ بِالفَسادِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ومَنِ اسْتَباحَ حَرامًا فَقَدْ كَفَرَ وإذا احْتَجَّ بِالقُرْآنِ عَلى وجْهِ التَحْرِيفِ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ كُفْرَيْنِ ﴿وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: ٣٥] أيْ: مُرْسِلَةٌ رُسُلًا بِهَدِيَّةٍ.

27:35Page 379

وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣٥

But indeed, I will send to them a gift and see with what [reply] the messengers will return."

﴿فَناظِرَةٌ﴾ فَمُنْتَظِرَةٌ ﴿بِمَ﴾ أيْ: بِما، لِأنَّ الألِفَ تُحْذَفُ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ في الِاسْتِفْهامِ ﴿يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ بِقَبُولِها أمْ بِرَدِّها، لِأنَّها عَرَفَتْ عادَةَ المُلُوكِ وحُسْنَ مَواقِعِ الهَدايا عِنْدَهم فَإنْ كانَ مَلِكًا قَبِلَها وانْصَرَفَ وإنْ كانَ نَبِيًّا رَدَّها ولَمْ يَرْضَ مِنّا إلّا أنْ نَتَّبِعَهُ عَلى دِينِهِ فَبَعَثَتْ خَمْسَمِائَةِ غُلامٍ عَلَيْهِمْ ثِيابُ الجَوارِي وحُلِيُّهُنَّ راكِبِي خَيْلٍ مُغَشّاةٍ بِالدِيباجِ مُحَلّاةِ اللُجُمِ والسُرُوجِ بِالذَهَبِ المُرَصَّعِ بِالجَواهِرِ وخَمْسُمِائَةِ جارِيَةٍ عَلى رَماكٍ في زِيِّ الغِلْمانِ وألْفِ لَبِنَةٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وتاجًا مُكَلَّلًا بِالدُرِّ والياقُوتِ وحُقًّا فِيهِ دُرَّةٌ عَذْراءٌ وجَزْعَةٌ مُعْوَجَّةُ الثُقْبِ وبَعَثَتْ رُسُلًا وأمَّرَتْ عَلَيْهِمُ المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ وكَتَبَتْ كِتابًا في نُسْخَةِ الهَدايا وقالَتْ فِيهِ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَمَيِّزْ بَيْنَ الوُصَفاءِ والوَصائِفِ وأخْبِرْ بِما في الحُقِّ واثْقُبِ الدُرَّةَ ثُقْبًا واسْلُكْ في الخَرَزَةِ خَيْطًا ثُمَّ قالَتْ لِلْمُنْذِرِ إنْ نَظَرَ إلَيْكَ نَظَرَ غَضْبانَ فَهو مَلِكٌ فَلا يَهُولَنَّكَ مَنظَرُهُ وإنْ رَأيْتَهُ بَشّاشًا لَطِيفًا فَهو نَبِيٌّ فَأقْبَلَ الهُدْهُدُ وأخْبَرَ سُلَيْمانَ الخَبَرَ كُلَّهُ فَأمَرَ سُلَيْمانُ الجِنَّ فَضَرَبُوا لَبِناتِ الذَهَبِ والفِضَّةِ وفَرَشُوها في مَيْدانٍ بَيْنَ يَدَيْهِ طُولُهُ سَبْعَةُ فَراسِخَ وجَعَلُوا حَوْلَ المَيْدانِ حائِطًا شُرَفُهُ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ وأمَرَ بِأحْسَنِ الدَوابِّ في البَرِّ والبَحْرِ فَرَبَطُوها عَنْ يَمِينِ المَيْدانِ ويَسارِهِ عَلى اللَبِناتِ وأمَرَ بِأوْلادِ الجِنِّ وهم خَلْقٌ كَثِيرٌ فَأُقِيمُوا عَنِ (p-٦٠٥)اليَمِينِ واليَسارِ ثُمَّ قَعَدَ عَلى سَرِيرِهِ والكَراسِيُّ مِن جانِبَيْهِ واصْطَفَّتِ الشَياطِينُ صُفُوفًا فَراسِخَ والإنْسُ صُفُوفًا فَراسِخَ والوَحْشُ والسِباعُ والطُيُورُ والهَوامُّ كَذَلِكَ، فَلَمّا دَنا القَوْمُ ورَأوُا الدَوابَّ تَرُوثُ عَلى اللَبِنِ رَمَوْا بِما مَعَهم مِنَ الهَدايا ولَمّا وقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ نَظَرَ إلَيْهِمْ سُلَيْمانُ بِوَجْهٍ طَلْقٍ فَأعْطَوْهُ كِتابَ المَلِكَةِ فَنَظَرَ فِيهِ وقالَ أيْنَ الحُقُّ فَأمَرَ الأرَضَةَ فَأخَذَتْ شَعْرَةً ونَفَذَتْ في الدُرَّةِ وأخَذَتْ دُودَةٌ بَيْضاءُ الخَيْطَ بِفِيها ونَفَذَتْ فِيها ودَعا بِالماءِ فَكانَتِ الجارِيَةُ تَأْخُذُ الماءَ بِيَدِها فَتَجْعَلُهُ في الأُخْرى ثُمَّ تَضْرِبُ بِهِ وجْهَها والغُلامُ كَما يَأْخُذُهُ يَضْرِبُ بِهِ وجْهَهُ ثُمَّ رَدَّ الهَدِيَّةَ وقالَ لِلْمُنْذِرِ ارْجِعْ إلَيْهِمْ.

27:36Page 380

فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ ٣٦

So when they came to Solomon, he said, "Do you provide me with wealth? But what Allāh has given me is better than what He has given you. Rather, it is you who rejoice in your gift.

﴿فَلَمّا جاءَ﴾ رَسُولُها المُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو ﴿سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ بِنُونَيْنِ وإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ مَكِّيٌّ وسَهْلٌ وافَقَهُما مَدَنِيٌّ وأبُو عَمْرٍو في الوَصْلِ "أتُمِدُّونِّي" حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ في الحالَيْنِ وغَيْرُهم بِنُونَيْنِ بِلا ياءٍ فِيهِما والخِطابُ لِلرُّسُلِ ﴿فَما آتانِيَ اللهُ﴾ مِنَ النُبُوَّةِ والمُلْكِ والنِعْمَةِ، وبِفَتْحِ الياءِ مَدَنِيٌّ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ ﴿خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ مِن زَخارِفِ الدُنْيا ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ الهَدِيَّةُ اسْمُ المُهْدى كَما أنَّ العَطِيَّةَ اسْمُ المُعْطى فَتُضافُ إلى المَهْدِيِّ والمُهْدى لَهُ تَقُولُ هَذِهِ هَدِيَّةُ فُلانٍ تُرِيدُ هي الَّتِي أهْداها أوْ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ والمَعْنى: إنَّ ما عِنْدِي خَيْرٌ مِمّا عِنْدَكم وذَلِكَ أنَّ اللهَ آتانِيَ الدِينَ الَّذِي فِيهِ الحَظُّ الأوْفَرُ والغِنى الأوْسَعُ وآتانِي مِنَ الدُنْيا ما لا يُسْتَزادُ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَرْضى مِثْلِي بِأنْ يُمَدَّ بِمالٍ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ لا تَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُنْيا فَلِذَلِكَ تَفْرَحُونَ بِما تُزادُونَ ويُهْدى إلَيْكم، لِأنَّ ذَلِكَ مَبْلَغُ هِمَّتِكم وحالِي خِلافُ حالِكم وما أرْضى مِنكم بِشَيْءٍ ولا أفْرَحُ بِهِ إلّا بِالإيمانِ وتَرْكِ المَجُوسِيَّةِ، والفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ أتُمِدُّنِي بِمالٍ وأنا أغْنى مِنكَ، وبَيْنَ أنْ تَقُولَهُ بِالفاءِ أنِّي إذا قُلْتُهُ بِالواوِ جَعَلْتُ مُخاطِبِي عالِمًا بِزِيادَتِي في الغِنى وهو مَعَ ذَلِكَ يُمِدُّنِي بِمالٍ وإذا قَلْتُهُ بِالفاءِ فَقَدْ جَعَلْتُهُ مِمَّنْ (p-٦٠٦)خَفِيَتْ عَلَيْهِ حالِي فَأنا أُخْبِرُهُ الساعَةَ بِما لا أحْتاجُ مَعَهُ إلى إمْدادِهِ كَأنِّي أقُولُ لَهُ أُنْكِرُ عَلَيْكَ ما فَعَلْتُ، فَإنِّي غَنِيٌّ عَنْهُ، وعَلَيْهِ ورَدَ ﴿فَما آتانِيَ اللهُ﴾ ووَجْهُ الإضْرابِ أنَّهُ لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ الإمْدادَ وعَلَّلَ إنْكارَهُ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى بَيانِ السَبَبِ الَّذِي حَمَلَهم عَلَيْهِ وهو أنَّهم لا يَعْرِفُونَ سَبَبَ رِضًا ولا فَرَحٍ إلّا أنْ يُهْدى إلَيْهِمْ حَظٌّ مِنَ الدُنْيا الَّتِي لا يَعْلَمُونَ غَيْرَها.

27:37Page 380

ٱرۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٣٧

Return to them, for we will surely come to them with soldiers that they will be powerless to encounter, and we will surely expel them therefrom in humiliation, and they will be debased."

﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ أوِ الهُدْهُدِ مُحَمَّلًا كِتابًا آخَرَ إلَيْهِمُ ائْتِ بِلْقِيسَ وقَوْمَها ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ لا طاقَةَ لَهم بِها وحَقِيقَةُ القِبَلِ المُقاوَمَةُ والمُقابَلَةُ أيْ: لا يَقْدِرُونَ أنْ يُقابِلُوهم ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهم مِنها﴾ مِن سَبَأٍ ﴿أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ الذُلُّ أنْ يَذْهَبَ عَنْهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ العِزِّ والمُلْكِ والصَغارِ أنْ يَقَعُوا في أسْرٍ واسْتِبْعادٍ فَلَمّا رَجَعَ إلَيْها رَسُولُها بِالهَدايا وقَصَّ عَلَيْها القِصَّةَ قالَتْ هو نَبِيٌّ وما لَنا بِهِ طاقَةٌ ثُمَّ جَعَلَتْ عَرْشَها في آخِرِ سَبْعَةِ أبْياتٍ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ ووَكَّلَتْ بِهِ حَرَسًا يَحْفَظُونَهُ وبَعَثَتْ إلى سُلَيْمانَ إنِّي قادِمَةٌ إلَيْكَ لِأنْظُرَ ما الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ وشَخَصَتْ إلَيْهِ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ قَيْلٍ تَحْتَ كُلِّ قَيْلٍ أُلُوفٌ فَلَمّا بَلَغَتْ عَلى رَأْسِ فَرْسَخٍ مِن سُلَيْمانَ َ.

27:38Page 380

قَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَيُّكُمۡ يَأۡتِينِي بِعَرۡشِهَا قَبۡلَ أَن يَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣٨

[Solomon] said, "O assembly [of jinn], which of you will bring me her throne before they come to me in submission?"

﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أرادَ أنْ يُرِيَها بِذَلِكَ بَعْضَ ما خَصَّهُ اللهُ تَعالى بِهِ مِن إجْراءِ العَجائِبِ عَلى يَدِهِ مَعَ إطْلاعِها عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى وعَلى ما يَشْهَدُ لِنُبُوَّةِ سُلَيْمانَ أوْ أرادَ أنْ يَأْخُذَهُ قَبْلَ أنْ تُسْلِمَ لِعِلْمِهِ أنَّها إذا أسْلَمَتْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أخْذُ مالِها وهَذا بِعِيدٌ عِنْدَ أهْلِ التَحْقِيقِ أوْ أرادَ أنْ يُؤْتى بِهِ فَيُنَكَّرَ ويُغَيَّرَ ثُمَّ يَنْظُرُ أتُثْبِتُهُ أمْ تُنْكِرُهُ اخْتِبارًا لِعَقْلِها.

27:39Page 380

قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ ٣٩

A powerful one from among the jinn said, "I will bring it to you before you rise from your place, and indeed, I am for this [task] strong and trustworthy."

﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ﴾ وهو الخَبِيثُ المارِدُ واسْمُهُ ذَكْوانُ ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ مَجْلِسِ حُكْمِكَ وقَضائِكَ ﴿وَإنِّي عَلَيْهِ﴾ عَلى حَمْلِهِ (p-٦٠٧)﴿لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ آتِي بِهِ كَما هو لا آخُذُ مِنهُ شَيْئًا ولا أُبَدِّلُهُ فَقالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ أُرِيدُ أعْجَلَ مِن هَذا.

27:40Page 380

قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ ٤٠

Said one who had knowledge from the Scripture, "I will bring it to you before your glance returns to you." And when [Solomon] saw it placed before him, he said, "This is from the favor of my Lord to test me whether I will be grateful or ungrateful. And whoever is grateful - his gratitude is only for [the benefit of] himself. And whoever is ungrateful - then indeed, my Lord is Free of need and Generous."

﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: مَلَكٌ بِيَدِهِ كِتابُ المَقادِيرِ أرْسَلَهُ اللهُ تَعالى عِنْدَ قَوْلِ العِفْرِيتِ، أوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ والكِتابُ عَلى هَذا: اللَوْحُ المَحْفُوظُ، أوِ الخَضِرُ، أوْ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا كاتِبُ سُلَيْمانَ وهو الأصَحُّ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وكانَ عِنْدَهُ اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ وهو يا حَيُّ يا قَيُّومُ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ أوْ يا إلَهَنا وإلَهَ كُلِّ شَيْءٍ إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلّا أنْتَ، وقِيلَ لَهُ عِلْمٌ بِمَجارِي الغُيُوبِ إلْهامًا ﴿أنا آتِيكَ بِهِ﴾ بِالعَرْشِ وآتِيكَ في المَوْضِعَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا أوِ اسْمَ فاعِلٍ ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أنَّكَ تُرْسِلُ طَرْفَكَ إلى شَيْءٍ فَقَبْلَ أنْ تَرُدَّهُ أبْصَرْتَ العَرْشَ بَيْنَ يَدَيْكَ، ويُرْوى أنَّ آصِفَ قالَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ مُدَّ عَيْنَيْكَ حَتّى يَنْتَهِيَ طَرْفُكَ فَمَدَّ عَيْنَيْهِ فَنَظَرَ نَحْوَ اليَمِينِ فَدَعا آصِفَ فَغارَ العَرْشُ في مَكانِهِ ثُمَّ نَبَعَ عِنْدَ مَجْلِسِ سُلَيْمانَ بِقُدْرَةِ اللهِ تَعالى قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ طَرْفُهُ ﴿فَلَمّا رَآهُ﴾ أيِ العَرْشَ ﴿مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ ثابِتًا لَدَيْهِ غَيْرَ مُضْطَرِبٍ ﴿قالَ هَذا﴾ أيْ: حُصُولُ مُرادِي وهو حُضُورُ العَرْشِ في مُدَّةِ ارْتِدادِ الطَرْفِ ﴿مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ عَلَيَّ وإحْسانِهِ إلَيَّ بِلا اسْتِحْقاقٍ مِنِّي بَلْ هو فَضْلٌ خالٍ مِنَ العِوَضِ صافٍ عَنِ الغَرَضِ ﴿لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ﴾ لِيَمْتَحِنَنِي أأشْكُرُ إنْعامَهُ ﴿أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، لِأنَّهُ يَحُطُّ بِهِ عَنْها عِبْءَ الواجِبِ ويَصُونُها عَنْ سِمَةِ الكُفْرانِ ويَسْتَجْلِبُ بِهِ المَزِيدَ وتَرْتَبِطُ بِهِ النِعْمَةُ فالشُكْرُ قَيْدٌ لِلنِّعْمَةِ المَوْجُودَةِ وصَيْدٌ لِلنِّعْمَةِ المَفْقُودَةِ، وفي كَلامِ بَعْضِهِمْ: إنَّ كُفْرانَ النِعْمَةِ بَوارٌ وقَلَّما أقْشَعَتْ نافِرَةٌ فَرَجَعَتْ في نِصابِها فاسْتَدْعِ شارِدَها (p-٦٠٨)بِالشُكْرِ واسْتَدِمْ راهِنَها بِكَرَمِ الجِوارِ واعْلَمْ أنَّ سُبُوغَ سِتْرِ اللهِ تَعالى مُتَقَلِّصٌ عَمّا قَرِيبٍ إذا أنْتَ لَمْ تَرْجُ لِلَّهِ وقارًا أيْ: لَمْ تَشْكُرْ لِلَّهِ نِعَمَهُ ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ بِتَرْكِ الشُكْرِ عَلى النِعْمَةِ ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عَنِ الشُكْرِ ﴿كَرِيمٌ﴾ بِالإنْعامِ عَلى مَن يَكْفُرُ نِعْمَتَهُ، قالَ الواسِطِيُّ: ما كانَ مِنّا الشُكْرُ فَهو لَنا وما كانَ مِنهُ مِنَ النِعْمَةِ فَهو إلَيْنا ولَهُ المِنَّةُ والفَضْلُ عَلَيْنا.

27:41Page 380

قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرۡشَهَا نَنظُرۡ أَتَهۡتَدِيٓ أَمۡ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهۡتَدُونَ ٤١

He said, "Disguise for her her throne; we will see whether she will be guided [to truth] or will be of those who is not guided."

﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ غَيِّرُوا أيِ اجْعَلُوا مُقَدِّمَهُ مُؤَخِّرَهُ وأعْلاهُ أسْفَلَهُ ﴿نَنْظُرْ﴾ بِالجَزْمِ عَلى الجَوابِ ﴿أتَهْتَدِي﴾ إلى مَعْرِفَةِ عَرْشِها أوِ الجَوابِ الصَوابِ إذا سُئِلَتْ عَنْهُ ﴿أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾

27:42Page 380

فَلَمَّا جَآءَتۡ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرۡشُكِۖ قَالَتۡ كَأَنَّهُۥ هُوَۚ وَأُوتِينَا ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهَا وَكُنَّا مُسۡلِمِينَ ٤٢

So when she arrived, it was said [to her], "Is your throne like this?" She said, "[It is] as though it was it." [Solomon said], "And we were given knowledge before her, and we have been Muslims [in submission to Allāh].

﴿فَلَمّا جاءَتْ﴾ بِلْقِيسُ ﴿قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ﴾ ها لِلتَّنْبِيهِ والكافُ لِلتَّشْبِيهِ وذا اسْمٌ إشارَةٍ ولَمْ يَقُلْ أهَذا عَرْشُكَ ولَكِنْ أمِثْلُ هَذا عَرْشُكِ لِئَلّا يَكُونَ تَلْقِينًا ﴿قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ فَأجابَتْ أحْسَنَ جَوابٍ فَلَمْ تَقُلْ هو هو، ولا لَيْسَ بِهِ، وذَلِكَ مِن رَجاحَةِ عَقْلِها حَيْثُ لَمْ تَقْطَعْ في المُحْتَمِلِ لِلْأمْرَيْنِ أوْ لَمّا شَبَّهُوا عَلَيْها بِقَوْلِهِمْ: ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ﴾ شَبَّهَتْ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِها ﴿كَأنَّهُ هُوَ﴾ مَعَ أنَّها عَلِمَتْ أنَّهُ عَرْشُها ﴿وَأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها﴾ مِن كَلامِ بِلْقِيسَ أيْ: أُوتِينا العِلْمَ بِقُدْرَةِ اللهِ تَعالى وبِصِحَّةِ نُبُوَّتِكَ بِالآياتِ المُتَقَدِّمَةِ مِن أمْرِ الهُدْهُدِ والرُسُلِ مِن قَبْلِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ أيْ: إحْضارِ العَرْشِ أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الحالَةِ ﴿وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ مُنْقادِينَ لَكَ مُطِيعِينَ لِأمْرِكَ، أوْ مِن كَلامِ سُلَيْمانَ ومَلَئِهِ عَطَفُوا عَلى كَلامِها قَوْلَهم وأُوتِينا العِلْمَ بِاللهِ وبِقُدْرَتِهِ وبِصِحَّةِ ما جاءَ مِن عِنْدِهِ قَبْلَ عِلْمِها، أوْ أُوتِينا العِلْمَ بِإسْلامِها ومَجِيئِها طائِعَةً مِن قَبْلِ مَجِيئِها ﴿وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ مُوَحِّدِينَ خاضِعِينَ.

27:43Page 380

وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعۡبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ إِنَّهَا كَانَتۡ مِن قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٤٣

And that which she was worshipping other than Allāh had averted her [from submission to Him]. Indeed, she was from a disbelieving people."

﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللهِ﴾ مُتَّصِلٌ بِكَلامِ سُلَيْمانَ أيْ: وصَدَّها (p-٦٠٩)عَنِ العِلْمِ بِما عَلِمْناهُ أوْ عَنِ التَقَدُّمِ إلى الإسْلامِ عِبادَةُ الشَمْسِ ونَشْؤُها بَيْنَ أظْهُرِ الكَفَرَةِ ثُمَّ بَيَّنَ نَشْأها بَيْنَ الكُفْرِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ أيْ: قالَ اللهُ تَعالى وصَدَّها قَبْلَ ذَلِكَ عَمّا دَخَلَتْ فِيهِ ضَلالُها عَنْ سَواءِ السَبِيلِ أوْ صَدَّها اللهُ أوْ سُلَيْمانُ عَمّا كانَتْ تَعْبُدُ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ.

27:44Page 380

قِيلَ لَهَا ٱدۡخُلِي ٱلصَّرۡحَۖ فَلَمَّا رَأَتۡهُ حَسِبَتۡهُ لُجَّةٗ وَكَشَفَتۡ عَن سَاقَيۡهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرۡحٞ مُّمَرَّدٞ مِّن قَوَارِيرَۗ قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَيۡمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٤

She was told, "Enter the palace." But when she saw it, she thought it was a body of water1 and uncovered her shins [to wade through]. He said, "Indeed, it is a palace [whose floor is] made smooth with glass." She said, "My Lord, indeed I have wronged myself, and I submit with Solomon to Allāh, Lord of the worlds."

﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَرْحَ﴾ أيِ القَصْرَ أوْ صَحْنَ الدارِ ﴿فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ ماءً عَظِيمًا ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها﴾ "سَأقَيْها" بِالهَمْزَةِ: مَكِّيٌّ، رُوِيَ: أنَّ سُلَيْمانَ أمَرَ قَبْلَ قُدُومِها فَبُنِيَ لَهُ عَلى طَرِيقِها قَصْرٌ مِن زُجاجٍ أبْيَضَ وأجْرى مِن تَحْتِهِ الماءَ وألْقى فِيهِ السَمَكَ وغَيْرَهُ ووَضَعَ سَرِيرَهُ في صَدْرِهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ وعَكَفَ عَلَيْهِ الطَيْرُ والجِنُّ والإنْسُ وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَزِيدَها اسْتِعْظامًا لِأمْرِهِ وتَحْقِيقًا لِنُبُوَّتِهِ وقِيلَ إنَّ الجِنَّ كَرِهُوا أنْ يَتَزَوَّجَها فَتُفْضِي إلَيْهِ بِأسْرارِهِمْ، لِأنَّها كانْتَ بِنْتَ جِنِّيَّةٍ، وقِيلَ خافُوا أنْ يُولَدَ لَهُ مِنها ولَدٌ يَجْمَعُ فِطْنَةَ الجِنِّ والإنْسِ فَيَخْرُجُونَ مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ إلى مُلْكٍ هو أشَدَّ فَقالُوا لَهُ إنَّ في عَقْلِها شَيْئًا وهي شَعْراءُ الساقَيْنِ ورِجْلُها كَحافِرِ الحِمارِ فاخْتَبَرَ عَقْلَها بِتَنْكِيرِ العَرْشِ واتَّخَذَ الصَرْحَ لِيَعْرِفَ ساقَها ورِجْلَها فَكَشَفَتْ عَنْهُما فَإذا هي أحْسَنُ الناسِ ساقًا وقَدَمًا إلّا أنَّها شَعْراءُ فَصَرَفَ بَصَرَهُ ﴿قالَ﴾ لَها ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ مُمَلَّسٌ مُسْتَوٍ ومِنهُ الأمْرَدُ ﴿مِن قَوارِيرَ﴾ مِنَ الزُجاجِ وأرادَ سُلَيْمانُ تَزَوُّجَها فَكَرِهَ شَعْرَها فَعَمَلَتْ لَها الشَياطِينُ النَوْرَةَ فَأزالَتْهُ فَنَكَحَها سُلَيْمانُ وأحَبَّها وأقَرَّها عَلى مُلْكِها وكانَ يَزُورُها في الشَهْرِ مَرَّةً فَيُقِيمُ عِنْدَها ثَلاثَةَ أيّامٍ ووَلَدَتْ لَهُ ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بِعِبادَةِ الشَمْسِ ﴿وَأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ المُحَقِّقُونَ لا يُحْتَمَلُ أنْ يَحْتالَ سُلَيْمانُ (p-٦١٠)- عَلَيْهِ السَلامُ - لِيَنْظُرَ إلى ساقَيْها وهي أجْنَبِيَّةٌ لا يَصِحُّ القَوْلُ بِمِثْلِهِ.

27:45Page 381

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمۡ فَرِيقَانِ يَخۡتَصِمُونَ ٤٥

And We had certainly sent to Thamūd their brother Ṣāliḥ, [saying], "Worship Allāh," and at once they were two parties conflicting.

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهُمْ﴾ في النَسَبِ ﴿صالِحًا﴾ بَدَلٌ.

﴿أنِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ بِكَسْرِ النُونِ في الوَصْلِ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وبَصْرِيٌّ، وبِضَمِّ النُونِ غَيْرُهُمُ إتْباعًا لِلْباءِ والمَعْنى: بِأنِ اعْبُدُوا اللهَ وحْدَهُ ﴿فَإذا﴾ لِلْمُفاجَأةِ ﴿هُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿فَرِيقانِ﴾ خَبَرٌ ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ صِفَةٌ وهي العامِلُ في إذا والمَعْنى: فَإذا قَوْمُ صالِحٍ فَرِيقانِ مُؤْمِنٌ بِهِ وكافِرٌ بِهِ يَخْتَصِمُونَ فَيَقُولُ كُلُّ فَرِيقٍ الحَقُّ مَعِي وهو مُبَيَّنٌ في قَوْلِهِ ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] وقالَ الفَرِيقُ الكافِرُ ﴿يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]

27:46Page 381

قَالَ يَٰقَوۡمِ لِمَ تَسۡتَعۡجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِۖ لَوۡلَا تَسۡتَغۡفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٦

He said, "O my people, why are you impatient for evil before [i.e., instead of] good?1 Why do you not seek forgiveness of Allāh that you may receive mercy?"

﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَيِّئَةِ﴾ بِالعَذابِ الَّذِي تُوعَدُونَ ﴿قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ قَبْلَ التَوْبَةِ ﴿لَوْلا﴾ هَلّا ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ﴾ تَطْلُبُونَ المَغْفِرَةَ مِن كُفْرِكم بِالتَوْبَةِ والإيمانِ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ بِكم ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ بِالإجابَةِ.

27:47Page 381

قَالُواْ ٱطَّيَّرۡنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَۚ قَالَ طَٰٓئِرُكُمۡ عِندَ ٱللَّهِۖ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تُفۡتَنُونَ ٤٧

They said, "We consider you a bad omen, you and those with you." He said, "Your omen [i.e., fate] is with Allāh. Rather, you are a people being tested."1

﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ تَشاءَمْنا بِكَ، لِأنَّهم قُحِطُوا عِنْدَ مَبْعَثِهِ لِتَكْذِيبِهِمْ فَنَسَبُوهُ إلى مَجِيئِهِ والأصْلُ "تَطَيَّرْنا" وقُرِئَ بِهِ، فَأُدْغِمَتِ التاءُ في الطاءِ وزِيدَتِ الألِفُ لِسُكُونِ الطاءِ ﴿وَبِمَن مَعَكَ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللهِ﴾ أيْ: سَبَبُكُمُ الَّذِي يَجِيءُ مِنهُ خَيْرُكم وشَرُّكم عِنْدَ اللهِ وهو قَدَرُهُ وقِسْمَتُهُ أوْ عَمَلُكم مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللهِ فَإنَّما نَزَلَ بِكم ما نَزَلَ عُقُوبَةً لَكم وفِتْنَةً، ومِنهُ ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] وأصْلُهُ أنَّ المُسافِرَ إذا مَرَّ بِطائِرٍ يَزْجُرُهُ فَإنْ مَرَّ سانِحًا تَيامَنَ وإذا مَرَّ (p-٦١١)بارِحًا تَشاءَمَ فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَرَّ إلى الطائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ سَبَبَهُما مِن قَدَرِ اللهِ وقِسْمَتِهِ أوْ مِن عَمَلِ العَبْدِ الَّذِي هو السَبَبُ في الرَحْمَةِ والنِقْمَةِ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ تُخْتَبَرُونَ أوْ تُعَذَّبُونَ بِذَنْبِكُمْ.

27:48Page 381

وَكَانَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ تِسۡعَةُ رَهۡطٖ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ ٤٨

And there were in the city nine family heads causing corruption in the land and not amending [its affairs].

﴿وَكانَ في المَدِينَةِ﴾ مَدِينَةِ ثَمُودَ وهي الحِجْرُ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ ولِذا جازَ تَمْيِيزُ التِسْعَةِ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ تِسْعَةُ أنْفُسٍ وهو مِنَ الثَلاثَةِ إلى العَشْرِ، وعَنْ أبِي دُرَيْدٍ رَأسُهم قُدارُ بْنُ سالِفٍ وهُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في عَقْرِ الناقَةِ وكانُوا أبْناءَ أشْرافِهِمْ ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّ شَأْنَهُمُ الإفْسادُ البَحْتُ لا يُخْلَطُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَلاحِ كَما تَرى بَعْضَ المُفْسِدِينَ قَدْ يَنْدُرُ مِنهُ بَعْضُ الصَلاحِ، وعَنِ الحَسَنِ: يَظْلِمُونَ الناسَ ولا يَمْنَعُونَ الظالِمِينَ مِنَ الظُلْمِ، وعَنِ ابْنِ عَطاءٍ يَتَّبِعُونَ مَعايِبَ الناسِ ولا يَسْتُرُونَ عَوْراتِهِمْ.

27:49Page 381

قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدۡنَا مَهۡلِكَ أَهۡلِهِۦ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٤٩

They said, "Take a mutual oath by Allāh that we will kill him by night, he and his family. Then we will say to his executor,1 'We did not witness the destruction of his family, and indeed, we are truthful.'"

﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ﴾ تَحالَفُوا خَبَرٌ في مَحَلِّ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، أيْ: قالُوا مُتَقاسِمِينَ، أوْ أمْرٌ أيْ: أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالقَسَمِ ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ لَنَقْتُلَنَّهُ بَياتًا أيْ: لَيْلًا ﴿وَأهْلَهُ﴾ ولَدَهُ وتَبَعَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ لِوَلِيِّ دَمِهِ "لِتُبَيِّتُنَّهُ" بِالتاءِ وبِضَمِّ التاءِ الثانِيَةِ "ثُمَّ لَتَقُولُنَّ" بِالتاءِ وضَمِّ اللامِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ ﴿ما شَهِدْنا﴾ ما حَضَرْنا ﴿مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ حَفْصٌ، "مَهْلَكَ" أبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ والمُفَضَّلُ مِن هَلَكَ، فالأوَّلُ مَوْضِعُ الهَلاكِ، والثانِي المَصْدَرُ، "مُهْلَكَ" غَيْرُهم، مِن أهْلَكَ وهو الإهْلاكُ أوْ مَكانُ الإهْلاكِ أيْ: لَمْ نَتَعَرَّضْ لِأهْلِهِ فَكَيْفَ تَعَرَّضْنا لَهُ؟ أوْ ما حَضَرْنا مَوْضِعَ هَلاكِهِ فَكَيْفَ تَوَلَّيْناهُ؟ ﴿وَإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما ذَكَرْنا (p-٦١٢)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском