An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:86–93
27:86Page 384
أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِيَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٨٦
Do they not see that We made the night that they may rest therein and the day giving sight? Indeed in that are signs for a people who believe.
﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَهارَ مُبْصِرًا﴾ حالٌ جَعَلَ الإبْصارَ لِلنَّهارِ وهو لِأهْلِهِ والتَقابُلُ مُراعًى مِن حَيْثُ المَعْنى:، لِأنَّ مَعْنى مُبْصِرًا (p-٦٢٣)لِيُبْصِرُوا فِيهِ طُرُقَ التَقَلُّبِ في المَكاسِبِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدِّقُونَ فَيَعْتَبِرُونَ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ، لِأنَّ مَعْناهُ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنّا جَعَلْنا اللَيْلَ والنَهارَ قَوامًا لِمَعاشِهِمْ في الدُنْيا لِيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ عَبَثًا بَلْ مِحْنَةً وابْتِلاءً ولابُدَّ عِنْدَ ذَلِكَ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ فَإذا لَمْ يَكُونا في هَذِهِ الدارِ فَلابُدَّ مِن دارٍ أُخْرى لِلثَّوابِ والعِقابِ.
27:87Page 384
وَيَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۚ وَكُلٌّ أَتَوۡهُ دَٰخِرِينَ ٨٧
And [warn of] the Day the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will be terrified except whom Allāh wills. And all will come to Him humbled.
﴿وَيَوْمَ﴾ واذْكُرْ يَوْمَ ﴿يُنْفَخُ في الصُورِ﴾ وهو قَرْنٌ أوْ جَمْعُ صُورَةٍ والنافِخُ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ اخْتِيرَ فَزِعَ عَلى يَفْزَعُ لِلْإشْعارِ بِتَحَقُّقِ الفَزَعِ وثُبُوتِهِ وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ والمُرادُ فَزَعُهم عِنْدَ النَفْخَةِ الأُولى حِينَ يُصْعَقُونَ ﴿إلا مَن شاءَ اللهُ﴾ إلّا مَن ثَبَّتَ اللهُ قَلْبَهُ مِنَ المَلائِكَةِ قالُوا:هم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقِيلَ: الشُهَداءُ وقِيلَ الحُورُ وخَزَنَةُ النارِ وحَمَلَةُ العَرْشِ، وعَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مِنهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ صُعِقَ مَرَّةً ومِثْلُهُ ﴿وَنُفِخَ في الصُورِ فَصَعِقَ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ﴾ حَمْزَةُ وحَفْصٌ وخَلَفٌ " آتُوهُ " غَيْرُهم، وأصْلُهُ آتِيُوهُ ﴿داخِرِينَ﴾ حالٌ أيْ: صاغِرِينَ ومَعْنى الإتْيانِ حُضُورُهُمُ المَوْقِفَ ورُجُوعُهم إلى أمْرِهِ تَعالى وانْقِيادِهِمْ لَهُ.
27:88Page 384
وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ ٨٨
And you see the mountains, thinking them motionless,1 while they will pass as the passing of clouds. [It is] the work of Allāh, who perfected all things. Indeed, He is Aware of that which you do.
﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها﴾ بِفَتْحِ السِينِ شامِيٌّ وحَمْزَةُ ويَزِيدُ وعاصِمٌ، وبِكَسْرِها غَيْرُهم حالٌ مِنَ المُخاطَبِ ﴿جامِدَةً﴾ واقِفَةً مُمْسِكَةً عَنِ الحَرَكَةِ مِن جَمُدَ في مَكانِهِ: إذا لَمْ يَبْرَحْ، وهي تَمُرُّ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ المَنصُوبِ في تَحْسَبُها ﴿مَرَّ السَحابِ﴾ أيْ:مَرًّا مِثْلَ مَرِّ السَحابِ، والمَعْنى: أنَّكَ إذا رَأيْتَ الجِبالَ وقْتَ النَفْخَةِ ظَنَنْتَها ثابِتَةً في مَكانٍ واحِدٍ لِعِظَمِها وهي تَسِيرُ سَيْرًا سَرِيعًا كالسَحابِ إذا ضَرَبَتْهُ الرِيحُ وهَكَذا الأجْرامُ العِظامُ المُتَكاثِرَةُ العَدَدِ إذا تَحَرَّكَتْ لا تَكادُ تُبَيَّنُ حَرَكَتُها كَما قالَ النابِغَةُ في صِفَةِ جَيْشٍ: (p-٦٢٤)
؎ بِأرْعَنَ مِثْلِ الطَوْدِ يَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفُ لِحاجٍ والرِكابُ تَهَمْلَجُ
﴿صُنْعَ اللهِ﴾ مَصْدَرٌ عَمِلَ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ مَرَّ، لِأنَّ مُرُورَها كَمَرِّ السَحابِ مِن صُنْعِ اللهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ صَنَعَ اللهُ ذَلِكَ صُنْعًا وذَكَرَ اسْمَ اللهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَبْلَ ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: أحْكَمَ خَلْقَهُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ مَكِّيٌّ بَصْرِيٌّ غَيْرَ سَهْلٍ وأبُو بَكْرٍ غَيْرَ يَحْيى وغَيْرُهم بِالتاءِ أيْ: أنَّهُ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ العِبادُ فَيُكافِئُهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ ثُمَّ لَخَّصَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ.
27:89Page 385
مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَا وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ ٨٩
Whoever comes [at Judgement] with a good deed will have better than it, and they, from the terror of that Day, will be safe.
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ أيْ: بِقَوْلِهِ لا إلَهَ إلّا اللهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ أيْ: فَلَهُ خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها وهو الجَنَّةُ وعَلى هَذا لا يَكُونُ خَيْرٌ بِمَعْنى أفْضَلَ ويَكُونُ "مِنها" في مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةِ الخَبَرِ أيْ: بِسَبَبِها وهم مِن فَزَعٍ كُوفِيٌّ أيْ مِن فَزَعٍ شَدِيدٍ مُفْرِطِ الشِدَّةِ هو خَوْفُ النارِ أوْ مِن فَزَعٍ ما وإنْ قَلَّ، وبِغَيْرِ تَنْوِينٍ: غَيْرُهم ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ كُوفِيٌّ ومَدَنِيٌّ وبِكَسْرِ المِيمِ غَيْرُهم والمُرادُ يَوْمُ القِيامَةِ آمِنُونَ أمِنَ يُعَدّى بِالجارِّ وبِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ [الأعراف: ٩٩]
27:90Page 385
وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٠
And whoever comes with an evil deed1 - their faces will be overturned into the Fire, [and it will be said], "Are you recompensed except for what you used to do?"
﴿وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ﴾ بِالشَرَكِ ﴿فَكُبَّتْ﴾ أُلْقِيَتْ ﴿وُجُوهُهم في النارِ﴾
يُقالُ كَبَبْتُ الرَجُلَ: ألْقَيْتُهُ عَلى وجْهِهِ أيْ: أُلْقُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ في النارِ أوْ عَبَّرَ عَنِ الجُمْلَةِ بِالوَجْهِ كَما يُعَبَّرُ بِالرَأْسِ والرَقَبَةِ عَنْها أيْ: أُلْقُوا في النارِ ويُقالُ لَهم تَبْكِيتًا عِنْدَ الكَبِّ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُنْيا مِنَ الشِرْكِ والمَعاصِي (p-٦٢٥)
27:91Page 385
إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩١
[Say, O Muḥammad], "I have only been commanded to worship the Lord of this city,1 who made it sacred and to whom [belongs] all things. And I am commanded to be of the Muslims [i.e., those who submit to Allāh]
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ مَكَّةَ ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ جَعَلَها حَرَمًا آمَنًا يَأْمَنُ فِيها اللاجِيءُ إلَيْها ولا يُخْتَلى خَلاها ولا يُعْضَدُ شَوْكُها ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مَعَ هَذِهِ البَلْدَةِ فَهو مالِكُ الدُنْيا والآخِرَةِ ﴿وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ المُنْقادِينَ لَهُ.
27:92Page 385
وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ٩٢
And to recite the Qur’ān." And whoever is guided is only guided for [the benefit of] himself; and whoever strays - say, "I am only [one] of the warners."
﴿وَأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ مِنَ التِلاوَةِ أوْ مِنَ التُلُوِّ كَقَوْلِهِ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [الأحزاب: ٢] أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يَقُولَ أُمِرْتُ أنَّ أخُصَّ اللهَ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ ولا أتَّخِذُ لَهُ شَرِيكًا كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ وأنْ أكُونَ مِنَ الحُنَفاءِ الثابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ لِأعْرِفَ الحَلالَ والحَرامَ وما يَقْتَضِيهِ الإسْلامُ وخَصَّ مَكَّةَ مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ بِإضافَةِ اسْمِهِ إلَيْها، لِأنَّها أحَبُّ بِلادِهِ إلَيْهِ وأعْظَمُها عِنْدَهُ وأشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ "هَذِهِ" إشارَةَ تَعْظِيمٍ لَها وتَقْرِيبٍ. دالًّا عَلى أنَّها مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ، ووَصَفَ ذاتَهُ بِالتَحْرِيمِ الَّذِي هو خاصُّ وصْفِها وجَعَلَ دُخُولَ كُلِّ شَيْءٍ تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ ومَلَكُوتِهِ كالتابِعِ لِدُخُولِها تَحْتَهُما ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ بِاتِّباعِهِ إيّايَ فِيما أنا بِصَدَدِهِ مِن تَوْحِيدِ اللهِ ونَفْيِ الشُرَكاءِ عَنْهُ والدُخُولِ في المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ واتِّباعِ ما أُنْزِلَ عَلَيَّ مِنَ الوَحْيِ ﴿فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ فَمَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ راجِعَةٌ إلَيْهِ لا إلَيَّ ﴿وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أيْ: ومَن ضَلَّ ولَمْ يَتَّبِعْنِي فَلا عَلَيَّ وما أنا إلّا رَسُولٌ مُنْذِرٌ وما عَلى الرَسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ.
27:93Page 385
وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٣
And say, "[All] praise is [due] to Allāh. He will show you His signs, and you will recognize them. And your Lord is not unaware of what you do."
﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَحْمَدَ اللهَ عَلى ما خَوَّلَهُ مِن نِعْمَةِ النُبُوَّةِ الَّتِي لا تُوازِيها نِعْمَةٌ وأنْ يُهَدِّدَ أعْداءَهُ بِما سَيُرِيهِمُ اللهُ مِن آياتِهِ في الآخِرَةِ فَسَيَسْتَيْقِنُونَ بِها وقِيلَ هو انْشِقاقُ القَمَرِ والدُخانُ وما حَلَّ بِهِمْ (p-٦٢٦)مِن نَقَماتِ اللهِ في الدُنْيا ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ بِالتاءِ مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ وبِالياءِ غَيْرُهم أيْ: كُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُونَهُ فَإنَّ اللهَ عالِمٌ بِهِ غَيْرُ غافِلٍ عَنْهُ،فالغَفْلَةُ والسَهْوُ لا يَجُوزانِ عَلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences