An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:26–53
28:26Page 388
قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ ٢٦
One of the women said, "O my father, hire him. Indeed, the best one you can hire is the strong and the trustworthy."
﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ اتَّخِذْهُ أجِيرًا لِرَعْيِ الغَنَمِ رُوِيَ: أنَّ كُبْراهُما كانَتْ تُسَمّى صَفْراءَ والصُغْرى صُفَيْراءَ، وصَفْراءُ هي الَّتِي ذَهَبَتْ بِهِ وطَلَبَتْ إلى أبِيها أنْ يَسْتَأْجِرَهُ وهي الَّتِي تَزَوَّجَها ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ فَقالَ وما عِلْمُكِ بِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ فَذَكَرَتْ نَزْعَ الدَلْوِ وأمْرَها بِالمَشْيِ خَلْفَهُ، ووَرَدَ الفِعْلُ بِلَفْظِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أمانَتَهُ وقُوَّتَهُ أمْرانِ مُتَحَقِّقانِ وقَوْلُها ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ كَلامٌ جامِعٌ، لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتْ هاتانِ الخَصْلَتانِ الكِفايَةُ والأمانَةُ في القائِمِ بِأمْرِكَ فَقَدْ فَرَغَ بالُكَ وتَمَّ مُرادُكَ وقِيلَ القَوِيُّ في دِينِهِ الأمِينُ في جَوارِحِهِ وقَدِ اسْتَغْنَتْ بِهَذا الكَلامِ الجارِي مَجْرى المَثَلِ عَنْ أنْ تَقُولَ اسْتَأْجِرْهُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أفَرَسُ الناسِ ثَلاثٌ بِنْتُ شُعَيْبٍ وصاحِبُ يُوسُفَ في قَوْلِهِ ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ [يوسف: ٢١] وأبُو بَكْرٍ في عُمَرَ.
28:27Page 388
قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧
He said, "Indeed, I wish to wed you one of these, my two daughters, on [the condition] that you serve me for eight years; but if you complete ten, it will be [as a favor] from you. And I do not wish to put you in difficulty. You will find me, if Allāh wills, from among the righteous."
﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ﴾ أُزَوِّجَكَ ﴿إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ قَوْلَهُ "هاتَيْنِ" يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُ غَيْرُهُما وهَذِهِ مُواعَدَةٌ مِنهُ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَقْدَ نِكاحٍ إذْ لَوْ كانَ عَقْدًا لَقالَ قَدْ أنَكَحْتُكَ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ تَكُونَ أجِيرًا لِي، مِن أجَرْتُهُ: إذا كُنْتَ لَهُ أجِيرًا ﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ والحَجَّةُ السَنَةُ وجَمْعُها حِجَجٌ والتَزَوُّجُ عَلى رَعْيِ الغَنَمِ جائِزٌ بِالإجْماعِ، لِأنَّهُ مِن بابِ القِيامِ بِأمْرِ الزَوْجِيَّةِ فَلا مُناقَضَةَ بِخِلافِ التَزَوُّجِ عَلى الخِدْمَةِ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ أيْ: عَمَلَ عَشْرِ حِجَجٍ ﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ فَذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنكَ لَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْكَ أوْ فَإتْمامُهُ مِن عِنْدِكَ ولا أُحَتِّمُهُ عَلَيْكَ ولَكِنَّكَ إنْ فَعَلْتَهُ فَهو مِنكَ (p-٦٣٩)تَفَضُّلٌ وتَبَرُّعٌ ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِ أتَمِّ الأجَلَيْنِ وحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ شَقَقْتُ عَلَيْهِ وشَقَّ عَلَيْهِ الأمْرُ أنَّ الأمْرَ إذا تَعاظَمَكَ فَكَأنَّهُ شَقَّ عَلَيْكَ ظَنَّكَ بِاثْنَيْنِ تَقُولُ تارَةً أُطِيقُهُ وطَوْرًا لا أُطِيقُهُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصالِحِينَ﴾ في حُسْنِ المُعامَلَةِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الصَلاحُ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ حُسْنُ المُعامَلَةِ، والمُرادُ بِاشْتِراطِهِ مَشِيئَةَ اللهِ فِيما وعَدَ مِنَ الصَلاحِ، الِاتِّكالُ عَلى تَوْفِيقِهِ فِيهِ ومَعُونَتِهِ، لِأنَّهُ إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ.
28:28Page 388
قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٢٨
[Moses] said, "That is [established] between me and you. Whichever of the two terms I complete - there is no injustice to me, and Allāh, over what we say, is Witness."
﴿قالَ﴾ مُوسى ﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأُ وهو إشارَةٌ إلى ما عاهَدَهُ عَلَيْهِ شُعَيْبٌ والخَبَرُ ﴿بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ يَعْنِي: ذَلِكَ الَّذِي قُلْتَهُ وعاهَدْتَنِي فِيهِ وشارَطْتَنِي عَلَيْهِ قائِمٌ بَيْنَنا جَمِيعًا لا يَخْرُجُ كِلانا عَنْهُ لا أنا فِيما شَرَطْتُ عَلَيَّ ولا أنْتَ فِيما شَرَطْتَ عَلى نَفْسِكَ ثُمَّ قالَ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ أيْ: أيَّ أجْلٍ قَضَيْتُ مِنَ الأجَلَيْنِ يَعْنِي: العَشْرَةَ أوِ الثَمانِيَةَ وأيَّ: نُصِبَ بِقَضَيْتُ وما زائِدَةٌ ومُؤَكِّدَةٌ لِإبْهامِ أيٍّ: وهي شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أيْ: لا يُعْتَدى عَلَيَّ في طَلَبِ الزِيادَةِ عَلَيْهِ قالَ المُبَرِّدُ: قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ في أيِّهِما ولَكِنْ جَمَعَهُما لِيَجْعَلَ الأقَلَّ كالأتَمِّ في الوَفاءِ وكَما أنَّ طَلَبَ الزِيادَةِ عَلى الأتَمِّ عُدْوانٌ فَكَذا طَلَبُ الزِيادَةِ عَلى الأقَلِّ ﴿واللهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ هو مِن وكَلَ إلَيْهِ الأمْرَ وعُدِّيَ بِعَلى، لِأنَّهُ اسْتُعْمِلَ في مَوْضِعِ الشاهِدِ والرَقِيبِ رُوِيَ: أنَّ شُعَيْبًا كانَتْ عِنْدَهُ عِصِيُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ فَقالَ لِمُوسى بِاللَيْلِ ادْخُلْ ذَلِكَ البَيْتَ فَخُذْ عَصًا مِن تِلْكَ العِصِيِّ فَأخَذَ عَصًا هَبَطَ بِها آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ ولَمْ يَزَلِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ يَتَوارَثُونَها حَتّى وقَعَتْ إلى شُعَيْبٍ فَمَسَّها وكانَ مَكْفُوفًا فَضَنَّ بِها فَقالَ خُذْ غَيْرَها فَما وقَعَ في يَدِهِ إلّا هي سَبْعَ مَرّاتٍ فَعَلِمَ أنَّ لَهُ شَأْنًا ولَمّا أصْبَحَ قالَ لَهُ شُعَيْبٌ إذا بَلَغْتَ مَفْرِقَ الطَرِيقِ فَلا تَأْخُذْ عَلى يَمِينِكَ فَإنَّ الكَلَأ وإنْ كانَ بِها أكْثَرَ إلّا أنَّ فِيها تِنِّينًا أخْشاهُ عَلَيْكَ وعَلى الغَنَمِ فَأخَذَتِ الغَنَمُ ذاتَ اليَمِينِ ولَمْ يَقْدِرْ (p-٦٤٠)عَلى كَفِّها فَمَشى عَلى أثَرِها فَإذا عُشْبٌ ورِيفٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ فَنامَ فَإذا التِنِّينُ قَدْ أقْبَلَ فَحارَبَتْهُ العَصا حَتّى قَتَلَتْهُ وعادَتْ إلى جَنْبِ مُوسى دامِيَةً فَلَمّا أبْصَرَها دامِيَةً والتِنِّينَ مَقْتُولًا ارْتاحَ لِذَلِكَ ولَمّا رَجَعَ إلى شُعَيْبٍ مَسَّ الغَنَمَ فَوَجَدَها مَلْأى البُطُونِ غَزِيرَةَ اللَبَنِ فَأخْبَرَهُ مُوسى فَفَرِحَ وعَلِمَ أنَّ لِمُوسى والعَصا شَأْنًا وقالَ لَهُ إنِّي وهَبْتُ لَكَ مِن نِتاجِ غَنَمِي هَذا العامُ كُلَّ أدْرَعَ ودَرْعاءَ فَأُوحِيَ إلَيْهِ في المَنامِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ مُسْتَقى الغَنَمِ فَفَعَلَ ثُمَّ سَقى فَوَضَعَتْ كُلُّهُنَّ أدْرَعَ ودَرْعاءَ فَوَفى لَهُ بِشَرْطِهِ.
28:29Page 389
۞ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗاۖ قَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ٢٩
And when Moses had completed the term and was traveling with his family, he perceived from the direction of the mount a fire. He said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire. Perhaps I will bring you from there [some] information or burning wood from the fire that you may warm yourselves."
﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ قالَ عَلَيْهِ السَلامُ قَضى أوْفاهُما وتَزَوَّجَ صُغْراهُما وهَذا بِخِلافِ الرِوايَةِ الَّتِي مَرَّتْ ﴿وَسارَ بِأهْلِهِ﴾ بِامْرَأتِهِ نَحْوَ مِصْرَ قالَ ابْنُ عَطاءٍ لَمّا أتَمَّ أجَلَ المِحْنَةِ ودَنا أيّامَ الزُلْفَةِ وظَهَرَتْ أنْوارُ النُبُوَّةِ سارَ بِأهْلِهِ لِيَشْتَرِكُوا مَعَهُ في لَطائِفِ صُنْعِ رَبِّهِ ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُورِ نارًا قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ عَنِ الطَرِيقِ، لِأنَّهُ قَدْ ضَلَّ الطَرِيقَ ﴿أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾
28:30Page 389
فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ مِن شَٰطِيِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَيۡمَنِ فِي ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّيٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٠
But when he came to it, he was called from the right side of the valley in a blessed spot - from the tree,1 "O Moses, indeed I am Allāh, Lord of the worlds."
﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ بِالنِسْبَةِ إلى مُوسى ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ بِتَكْلِيمِ اللهِ تَعالى فِيها ﴿مِنَ الشَجَرَةِ﴾ العُنّابِ أوِ العَوْسَجِ ﴿أنْ يا مُوسى﴾ أنْ مُفَسِّرَةٌ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ ﴿إنِّي أنا اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ قالَ جَعْفَرٌ أبْصَرَ نارًا دَلَّتْهُ عَلى الأنْوارِ، لِأنَّهُ رَأى النُورَ في هَيْئَةِ النارِ فَلَمّا دَنا مِنها شَمَلَتْهُ أنْوارُ القُدْسِ وأحاطَتْ بِهِ جَلابِيبُ الأُنْسِ فَخُوطِبَ بِألْطَفِ خِطابٍ واسْتَدْعى مِنهُ أحْسَنَ جَوابٍ فَصارَ بِذَلِكَ مُكَلَّمًا شَرِيفًا أُعْطِيَ ما سَألَ وأمِنَ مِمّا خافَ "الجَذْوَةُ" - بِاللُغاتِ الثَلاثِ وقُرِئَ بِهِنَّ فَعاصِمٌ فَتَحَ الجِيمَ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ بِضَمِّها (p-٦٤١)وَغَيْرُهم بِكَسْرِها-: العُودُ الغَلِيظُ كانَتْ في رَأْسِهِ نارًا أوْلَمْ تَكُنْ، "مِن" الأُولى والثانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ: أتاهُ النِداءُ مِن شاطِئِ الوادِي مِن قِبَلِ الشَجَرَةِ و"مِنَ الشَجَرَةِ" بَدَلٌ "مِن شاطِئِ الوادِي" بَدَلَ الِاشْتِمالِ، لِأنَّ الشَجَرَةَ كانَتْ نابِتَةً عَلى الشاطِئِ أيِ الجانِبِ.
28:31Page 389
وَأَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰٓ أَقۡبِلۡ وَلَا تَخَفۡۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡأٓمِنِينَ ٣١
And [he was told], "Throw down your staff." But when he saw it writhing as if it was a snake, he turned in flight and did not return.1 [Allāh said], "O Moses, approach and fear not. Indeed, you are of the secure.
﴿وَأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ ونُودِيَ أنْ ألْقِ عَصاكَ فَألْقاها فَقَلَبَها اللهُ ثُعْبانًا ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ تَتَحَرَّكُ ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ حَيَّةٌ في سَعْيِها وهي ثُعْبانٌ في جُثَّتِها ﴿وَلّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ يَرْجِعْ فَقِيلَ لَهُ ﴿يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ أيْ: أمِنتَ مِن أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ مِنَ الحَيَّةِ.
28:32Page 389
ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَٰنِكَ بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٣٢
Insert your hand into the opening of your garment; it will come out white, without disease. And draw in your arm close to you [as prevention] from fear, for those are two proofs from your Lord to Pharaoh and his establishment. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."
﴿اسْلُكْ﴾ أدْخِلْ ﴿يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ جَيْبِ قَمِيصِكَ ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ لَها شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَمْسِ ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ بَرَصٍ ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَهْبِ﴾ حِجازِيٌّ بِفَتْحَتَيْنِ وبَصْرِيٌّ "الرَهْبِ" حَفْصٌ، "الرُهْبِ" غَيْرُهم، ومَعْنى الكُلِّ الخَوْفُ والمَعْنى: واضْمُمْ يَدَكَ إلى صَدْرِكَ يَذْهَبْ ما بِكَ مِن فَرَقٍ أيْ: لِأجْلِ الحَيَّةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - كُلُّ خائِفٍ إذا وضَعَ يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ زالَ خَوْفُهُ، وقِيلَ مَعْنى ضَمِّ الجَناحِ أنَّ اللهَ تَعالى لَمّا قَلَبَ العَصا حَيَّةً فَزِعَ مُوسى واتَّقاها بِيَدِهِ كَما يَفْعَلُ الخائِفُ مِنَ الشَيْءِ فَقِيلَ لَهُ:إنَّ اتِّقاءَكَ بِيَدِكَ فِيهِ غَضاضَةٌ عِنْدَ الأعْداءِ فَإذا ألْقَيْتَها فَكَما تَنْقَلِبُ حَيَّةً فَأدْخِلْ يَدَكَ تَحْتَ عَضُدِكَ مَكانَ اتِّقائِكَ بِها ثُمَّ أخْرِجْها بَيْضاءَ لِيَحْصُلَ الأمْرانِ: اجْتِنابُ ما هو غَضاضَةٌ عَلَيْكَ وإظْهارُ مُعْجِزَةٍ أُخْرى، والمُرادُ بِالجَناحِ: اليَدُ، لِأنَّ يَدَيِ الإنْسانِ بِمَنزِلَةِ جَناحَيِ الطائِرِ وإذا أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنى تَحْتَ عَضُدِهِ اليُسْرى فَقَدْ ضَمَّ جَناحَهُ إلَيْهِ أوْ أُرِيدَ بِضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ تَجَلُّدُهُ وضَبْطُهُ نَفْسَهُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً حَتّى لا يَضْطَرِبَ ولا يَرْهَبَ، اسْتِعارَةٌ مِن فِعْلِ الطائِرِ، لِأنَّهُ إذا خافَ نَشَرَ جَناحَيْهِ وأرْخاهُما وإلّا فَجَناحاهُ مَضْمُومانِ إلَيْهِ مُشَمِّرانِ، ومَعْنى "مِنَ الرَهْبِ" مِن أجْلِ الرَهْبِ أيْ: إذا (p-٦٤٢)أصابَكَ الرَهْبُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الحَيَّةِ فاضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، جَعَلَ الرَهْبَ الَّذِي كانَ يُصِيبُهُ سَبَبًا أوْ عِلَّةً فِيما أُمِرَ بِهِ مِن ضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ ومَعْنى ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ عَلى أحَدِ التَفْسِيرَيْنِ واحِدٌ ولَكِنْ خُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ إذِ الغَرَضُ في أحَدِهِما خُرُوجُ اليَدِ بَيْضاءَ وفي الثانِي إخْفاءُ الرَهْبِ ومَعْنى واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ في طَهَ أدْخِلْ يُمْناكَ تَحْتَ يُسْراكَ ﴿فَذانِكَ﴾ مُخَفَّفًا مُثَنّى ذاكَ، ومُشَدَّدًا مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو مُثَنّى ذَلِكَ فَإحْدى النُونَيْنِ عِوَضٌ مِنَ اللامِ المَحْذُوفَةِ والمُرادُ اليَدُ والعَصا ﴿بُرْهانانِ﴾ حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ بَيِّنَتانِ وسُمِّيَتِ الحُجَّةُ بُرْهانًا لِإنارَتِها، مِن قَوْلِهِمْ لِلْمَرْأةِ البَيْضاءِ: بَرَهْرَهَةٌ ﴿مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ: أرْسَلْناكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ كافِرِينَ.
28:33Page 389
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ٣٣
He said, "My Lord, indeed I killed from among them someone, and I fear they will kill me.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ بِهِ. وبِالياءِ يَعْقُوبُ.
28:34Page 389
وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ٣٤
And my brother Aaron is more fluent than me in tongue, so send him with me as support, verifying me. Indeed, I fear that they will deny me."
﴿وَأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ حَفْصٌ "رِدْءًا" حالٌ أيْ: عَوْنًا يُقالُ رَدَأْتُهُ أعَنْتُهُ وبِلا هَمْزٍ مَدَنِيٌّ ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ عاصِمٌ وحَمْزَةُ صِفَةٌ أيْ: رِدْءًا مُصَدِّقًا لِي، وغَيْرُهُما بِالجَزْمِ جَوابٌ لِأرْسِلْهُ ومَعْنى تَصْدِيقِهِ مُوسى إعانَتُهُ إيّاهُ بِزِيادَةِ البَيانِ في مَظانِّ الجِدالِ إنِ احْتاجَ إلَيْهِ لِيُثْبِتَ دَعْواهُ لا أنْ يَقُولَ لَهُ صَدَقْتَ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿هُوَ أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ﴾ وفَضْلُ الفَصاحَةِ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ لِتَقْرِيرِ البُرْهانِ لا لِقَوْلِهِ صَدَقْتَ فَسَحْبانُ وباقِلٌ فِيهِ يَسْتَوِيانِ ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ يُكَذِّبُونِي في الحالَيْنِ: يَعْقُوبُ.
28:35Page 389
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ ٣٥
[Allāh] said, "We will strengthen your arm through your brother and grant you both supremacy so they will not reach you. [It will be] through Our signs; you and those who follow you will be the predominant."
﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ سَنُقَوِّيكَ بِهِ إذِ اليَدُ تَشْتَدُّ بِشِدَّةِ العَضُدِ، (p-٦٤٣)لِأنَّهُ قِوامُ اليَدِ والجُمْلَةُ تُقَوِّي بِشِدَّةِ اليَدِ عَلى مُزاوَلَةِ الأُمُورِ ﴿وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ غَلَبَةً وتَسَلُّطًا وهَيْبَةً في قُلُوبِ الأعْداءِ ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا﴾ الباُءُ تَتَعَلَّقُ بِيَصِلُونَ أيْ: لا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِسَبَبِ آياتِنا وتَمَّ الكَلامُ أوْ فَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا أيْ: نُسَلِّطُكُما بِآياتِنا أوْ بِمَحْذُوفٍ أيِ اذْهَبا بِآياتِنا أوْ هو بَيانٌ لَلْغالِبُونَ لا صِلَةٌ أوْ قَسَمٌ جَوابُهُ لا يَصِلُونَ مُقَدَّما عَلَيْهِ ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾
28:36Page 390
فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٦
But when Moses came to them with Our signs as clear evidences, they said, "This is not except invented magic, and we have not heard of this [religion] among our forefathers."
﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ﴾ واضِحاتٍ ﴿قالُوا ما هَذا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أيْ: سِحْرٌ تَعَمَلُهُ أنْتَ ثُمَّ تَفْتَرِيهِ عَلى اللهِ أوْ سِحْرٌ مَوْصُوفٌ بِالِافْتِراءِ كَسائِرِ أنْواعِ السِحْرِ ولَيْسَ بِمُعْجِزَةٍ مِن عِنْدِ اللهِ ﴿وَما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ "فِي آبائِنا" حالٌ مَنصُوبَةٌ عَنْ "هَذا" أيْ: كائِنًا في زَمانِهِمْ يَعْنِي: ما حُدِّثْنا بِكَوْنِهِ فِيهِمْ.
28:37Page 390
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٣٧
And Moses said, "My Lord is more knowing [than we or you] of who has come with guidance from Him and to whom will be succession in the home.1 Indeed, wrongdoers do not succeed."
﴿وَقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾ أيْ: رَبِّي أعْلَمُ مِنكم بِحالِ مَن أهَّلَهُ اللهُ لِلْفَلاحِ الأعْظَمِ حَيْثُ جَعَلَهُ نَبِيًّا وبَعَثَهُ بِالهُدى ووَعَدَهُ حُسْنَ العُقْبى يَعْنِي: نَفْسَهُ ولَوْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ ساحِرًا مُفْتَرِيًا لَما أهَّلَهُ لِذَلِكَ، لِأنَّهُ غَنِيٌّ حَكِيمٌ لا يُرْسِلُ الكاذِبِينَ ولا يُنَبِّئُ الساحِرِينَ ولا يُفْلِحُ عِنْدَهُ الظالِمُونَ وعاقِبَةُ الدارِ هي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدارِ﴾ [الرعد: ٢٢] جَنّاتُ عَدْنٍ" والمُرادُ بِالدارِ الدُنْيا وعاقِبَتُها أنْ يُخْتَمَ لِلْعَبْدِ بِالرَحْمَةِ والرِضْوانِ وتَلَقِّي المَلائِكَةِ بِالبُشْرى والغُفْرانِ، "قالَ مُوسى" بِغَيْرِ واوٍ:مَكِّيٌّ وهو حَسَنٌ، لِأنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ سُؤالٍ وبَحْثٍ عَمّا أجابَهم بِهِ مُوسى عِنْدَ تَسْمِيَتِهِمْ مِثْلَ تِلْكَ الآياتِ العِظامِ سِحْرًا مُفْتَرًى ووَجْهُ الأُخْرى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ وقالَ مُوسى هَذا لِيُوازِنَ الناظِرُ بَيْنَ القَوْلِ والقَوْلِ ويَتَبَصَّرَ فَسادَ أحَدِهِما وصِحَّةَ الآخَرِ (p-٦٤٤)"رَبِّي أعْلَمُ" حِجازِيٌّ وأبُو عَمْرٍو و"مَن يَكُونُ" حَمْزَةُ وعَلِيٌّ.
28:38Page 390
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣٨
And Pharaoh said, "O eminent ones, I have not known you to have a god other than me. Then ignite for me, O Hāmān, [a fire] upon the clay1 and make for me a tower that I may look at the God of Moses. And indeed, I do think he is among the liars."
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ قَصَدَ بِنَفْيِ عِلْمِهِ بِإلَهٍ غَيْرِهِ نَفْيَ وجُودِهِ أيْ: ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي أوْ هو عَلى ظاهِرِهِ وأنَّ إلَهًا غَيْرَهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ ﴿فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِينِ﴾ أيِ اطْبُخْ لِي الآجُرَّ واتَّخِذْهُ وإنَّما لَمْ يَقُلْ هَذا، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن عَمِلَ الآجُرَّ فَهو يُعَلِّمُهُ الصَنْعَةَ بِهَذِهِ العِبارَةِ ولِأنَّهُ أفْصَحُ وأشْبَهُ بِكَلامِ الجَبابِرَةِ إذْ أمْرُ هامانَ وهو وزِيرُهُ بِالإيقادِ عَلى الطِينِ مُنادًى بِاسْمِهِ بِ"يا" في وسَطَ الكَلامِ دَلِيلُ التَعَظُّمِ والتَجَبُّرُ ﴿فاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ قَصْرًا عالِيًا ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ﴾ أيْ: أصْعَدُ فالطُلُوعُ والِاطِّلاعُ الصُعُودُ ﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ حَسِبَ أنَّهُ تَعالى في مَكانٍ كَما كانَ هو في مَكانٍ ﴿وَإنِّي لأظُنُّهُ﴾ أيْ: مُوسى ﴿مِنَ الكاذِبِينَ﴾ في دَعْواهُ أنَّ لَهُ إلَهًا وأنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْنا رَسُولًا وقَدْ تَناقَضَ المَخْذُولُ فَإنَّهُ قالَ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي ثُمَّ أظْهَرَ حاجَتَهُ إلى هامانَ وأثْبَتَ لِمُوسى إلَهًا وأخْبَرَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ بِكَذِبِهِ وكَأنَّهُ تَحَصَّنَ مِن عَصا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ فَلَبَّسَ وقالَ لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى، رُوِيَ: أنَّ هامانَ جَمَعَ خَمْسِينَ ألْفَ بَنّاءٍ وبَنى صَرْحًا لَمْ يَبْلُغْهُ بِناءُ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ فَضَرَبَ الصَرْحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ بِجَناحِهِ فَقَطَّعَهُ ثَلاثَ قِطَعٍ، وقَعَتْ قِطْعَةٌ عَلى عَسْكَرِ فِرْعَوْنَ فَقَتَلَتْ ألْفَ ألْفِ رَجُلٍ وقِطْعَةٌ في البَحْرِ وقِطْعَةٌ في المَغْرِبِ ولَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِن عُمّالِهِ إلّا هَلَكَ.
28:39Page 390
وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ ٣٩
And he was arrogant, he and his soldiers, in the land, without right, and they thought that they would not be returned to Us.
﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ﴾ تَعَظَّمَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أرْضِ مِصْرَ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِالباطِلِ فالِاسْتِكْبارُ بِاللهِ تَعالى وهو المُتَكَبِّرُ عَلى الحَقِيقَةِ أيِ المُتَبالِغُ في كِبْرِياءِ الشَأْنِ كَما حَكى رَسُولُنا عَنْ رَبِّهِ « " الكِبْرِياءُ رِدائِي والعَظْمَةُ إزارِي فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما ألْقَيْتُهُ في النارِ" » وكُلُّ مُسْتَكْبِرٍ (p-٦٤٥)سِواهُ فاسْتِكْبارُهُ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴿وَظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ يَرْجِعُونَ نافِعٌ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وخَلَفٌ ويَعْقُوبُ.
28:40Page 390
فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠
So We took him and his soldiers and threw them into the sea.1 So see how was the end of the wrongdoers.
﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ مِنَ الكَلامِ المُفْحِمِ الَّذِي دَلَّ بِهِ عَلى عَظَمَةِ شَأْنِهِ شَبَّهَهُمُ اسْتِقْلالًا لِعَدَدِهِمْ وإنْ كانُوا الجَمَّ الغَفِيرَ بِحَصَياتٍ أخَذَهُنَّ آخِذٌ بِكَفِّهِ فَطَرَحَهُنَّ في البَحْرِ ﴿فانْظُرْ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظالِمِينَ﴾ وحَذِّرْ قَوْمَكَ فَإنَّكَ مَنصُورٌ عَلَيْهِمْ.
28:41Page 390
وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ٤١
And We made them leaders1 inviting to the Fire, and on the Day of Resurrection they will not be helped.
﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ قادَةً ﴿يَدْعُونَ إلى النارِ﴾ أيْ: عَمَلِ أهْلِ النارِ قالَ ابْنُ عَطاءٍ نَزَعَ عَنْ أسْرارِهِمُ التَوْفِيقَ وأنْوارَ التَحْقِيقِ فَهم في ظُلُماتِ نُفُوسِهِمْ لا يَدُلُّونَ عَلى سَبِيلِ الرَشادِ. وفِيهِ دَلالَةُ خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ مِنَ العَذابِ.
28:42Page 390
وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ ٤٢
And We caused to overtake them in this world a curse, and on the Day of Resurrection they will be of the despised.1
﴿وَأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً﴾ ألْزَمْناهم طَرْدًا وإبْعادًا عَنِ الرَحْمَةِ وقِيلَ هو ما يَلْحَقُهم مِن لَعْنِ الناسِ إيّاهم بِعَدِّهِمْ ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ المَطْرُودِينَ المُبْعَدِينَ أوِ المُهْلَكِينَ المُشَوَّهِينَ بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ العُيُونِ ويَوْمَ ظَرْفٌ لِلْمَقْبُوحِين.
28:43Page 390
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٣
And We gave Moses the Scripture, after We had destroyed the former generations, as enlightenment for the people and guidance and mercy that they might be reminded.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ التَوْراةَ ﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ قَوْمَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِمُ السَلامُ ﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ والبَصِيرَةُ نُورُ القَلْبِ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ الرُشْدَ والسَعادَةَ كَما أنَّ البَصَرَ نُورُ العَيْنِ الَّذِي تُبْصِرُ بِهِ. يُرِيدُ آتَيْناهُ التَوْراةَ أنْوارًا لِلْقُلُوبِ، لِأنَّها كانَتْ عُمْيًا لا تَسْتَبْصِرُ ولا تَعْرِفُ حَقًّا مِن باطِلٍ ﴿وَهُدًى﴾ وإرْشادًا، لِأنَّهم كانُوا يَخْبِطُونَ في ضَلالٍ ﴿وَرَحْمَةً﴾ لِمَنِ اتَّبَعَها، لِأنَّهم إذا عَمِلُوا بِها وصَلُوا إلى نَيْلِ الرَحْمَةِ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ (p-٦٤٦)
28:44Page 391
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٤٤
And you, [O Muḥammad], were not on the western side [of the mount] when We revealed to Moses the command, and you were not among the witnesses [to that].
﴿وَما كُنْتَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿بِجانِبِ﴾ الجَبَلِ ﴿الغَرْبِيِّ﴾ وهو المَكانُ الواقِعُ في شَقِّ الغَرْبِ وهو الَّذِي وقَعَ فِيهِ مِيقاتُ مُوسى ﴿إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ أيْ: كَلَّمْناهُ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا ﴿وَما كُنْتَ مِنَ الشاهِدِينَ﴾ مِن جُمْلَةِ الشاهِدَيْنِ لِلْوَحْيِ إلَيْهِ حَتّى تَقِفَ مِن جِهَةِ المُشاهَدَةِ عَلى ما جَرى مِن أمْرِ مُوسى في مِيقاتِهِ.
28:45Page 391
وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٤٥
But We produced [many] generations [after Moses], and prolonged was their duration.1 And you were not a resident among the people of Madyan, reciting to them Our verses, but We were senders [of this message].2
﴿وَلَكِنّا أنْشَأْنا﴾ بَعْدَ مُوسى ﴿قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ أيْ: طالَتْ أعْمارُهم وفَتَرَتِ النُبُوَّةُ وكادَتِ الأخْبارُ تَخْفى وانْدَرَسَتِ العُلُومُ ووَقَعَ التَحْرِيفُ في كَثِيرٍ مِنها فَأرْسَلْناكَ مُجَدِّدًا لِتِلْكَ الأخْبارِ مُبَيِّنًا ما وقَعَ فِيهِ مِن تَحْرِيفٍ وأعْطَيْناكَ العِلْمَ بِقَصَصِ الأنْبِياءِ وقِصَّةِ مُوسى كَأنَّهُ قالَ ما كُنْتَ شاهِدًا لِمُوسى وما جَرى عَلَيْهِ ولَكِنّا أوْحَيْناهُ إلَيْكَ فَذَكَرَ سَبَبَ الوَحْيِ الَّذِي هو إطالَةُ الفَتْرَةِ ودَلَّ بِهِ عَلى المُسَبَّبِ اخْتِصارًا فَإذا هَذا الِاسْتِدْراكُ شَبِيهُ الِاسْتِدَراكَيْنِ بَعْدَهُ ﴿وَما كُنْتَ ثاوِيًا﴾ مُقِيمًا ﴿فِي أهْلِ مَدْيَنَ﴾ وهو شُعَيْبٌ والمُؤْمِنُونَ بِهِ ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ تَقْرَؤُها عَلَيْهِمْ تَعَلُّمًا مِنهم يُرِيدُ الآياتِ الَّتِي فِيها قِصَّةُ شُعَيْبٍ وقَوْمِهِ وتَتْلُو في مَوْضِعِ نَصْبٍ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في ثاوِيًا ﴿وَلَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ولَكِنّا أرْسَلْناكَ وأخْبَرْناكَ بِها وعَلَّمْناكَه.
28:46Page 391
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٦
And you were not at the side of the mount when We called [Moses] but [were sent] as a mercy from your Lord to warn a people to whom no warner had come before you that they might be reminded.
﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُورِ إذْ نادَيْنا﴾ مُوسى أنْ خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةِ ﴿وَلَكِنْ﴾ أعْلَمْناكَ وأرْسَلْناكَ ﴿رَحْمَةً﴾ لِلرَّحْمَةِ ﴿مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ في زَمانِ الفَتْرَةِ بَيْنَكَ وبَيْنَ عِيسى وهو خَمْسُمِائَةٍ وخَمْسُونَ سَنَةً ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ (p-٦٤٧)
28:47Page 391
وَلَوۡلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
And if not that a disaster should strike them for what their hands put forth [of sins] and they would say, "Our Lord, why did You not send us a messenger so we could have followed Your verses and been among the believers?"...1
﴿وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ﴾ عُقُوبَةٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ الكُفْرِ والظُلْمِ ولَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأعْمالِ تُزاوَلُ بِالأيْدِي نُسِبَتِ الأعْمالُ إلى الأيْدِي وإنْ كانَتْ مِن أعْمالِ القُلُوبِ تَغْلِيبًا لِلْأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ ﴿فَيَقُولُوا﴾ عِنْدَ العَذابِ ﴿رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ لَوْلا الأُولى امْتِناعِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ والثانِيَةُ تَحْضِيضِيَّةُ والفاءُ الأُولى لِلْعِطْفِ والثانِيَةُ جَوابُ لَوْلا لِكَوْنِها في حُكْمِ الأمْرِ إذِ الأمْرُ باعِثٌ عَلى الفِعْلِ والباعِثُ والمُحَضِّضُ مِن وادٍ واحِدٍ والفاءُ تَدْخُلُ في جَوابِ الأمْرِ والمَعْنى: لَوْلا أنَّهم قائِلُونَ إذا عُوقِبُوا بِما قَدَّمُوا مِنَ الشِرْكِ والمَعاصِي هَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا مُحْتَجِّينَ عَلَيْنا بِذَلِكَ لَما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ يَعْنِي: أنَّ إرْسالَ الرَسُولِ إلَيْهِمْ إنَّما هو لِيُلْزَمُوا الحُجَّةَ ولا يُلْزِمُوها كَقَوْلِهِ ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] فَإنْ قُلْتَ كَيْفَ اسْتَقامَ هَذا المَعْنى؟ وقَدْ جُعِلَتِ العُقُوبَةُ هي السَبَبَ في الإرْسالِ لا القَوْلُ لِدُخُولِ لَوْلا الِامْتِناعِيَّةِ عَلَيْها دُونَهُ قُلْتُ القَوْلُ هو المَقْصُودُ بِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْإرْسالِ ولَكِنَّ العُقُوبَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْقَوْلِ وكانَ وُجُودُهُ بِوُجُودِها جُعِلَتِ العُقُوبَةُ كَأنَّها سَبَبُ الإرْسالِ فَأُدْخِلَتْ عَلَيْها لَوْلا وجِيءَ بِالقَوْلِ مَعْطُوفًا عَلَيْها بِالفاءِ المُعْطِيَةِ مَعْنى السَبَبِيَّةِ ويَؤُولُ مَعْناهُ: إلى قَوْلِكَ:وَلَوْلا قَوْلُهم هَذا إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ لَما أرْسَلْنا.
28:48Page 391
فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ لَوۡلَآ أُوتِيَ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰٓۚ أَوَلَمۡ يَكۡفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّٖ كَٰفِرُونَ ٤٨
But when the truth came to them from Us, they said, "Why was he not given like that which was given to Moses?" Did they not disbelieve in that which was given to Moses before? They said, "[They are but] two works of magic supporting each other,1 and indeed we are, in both, disbelievers."
﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا﴾ أيِ القُرْآنُ أوِ الرَسُولُ المُصَدِّقُ بِالكِتابِ المُعْجِزِ ﴿قالُوا﴾ أيْ: كُفّارُ مَكَّةَ ﴿لَوْلا أُوتِيَ﴾ هَلّا أُعْطِيَ ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ مِنَ الكِتابِ المُنَزَّلِ جُمْلَةً واحِدَةً ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ يَعْنِي: أبْناءَ جِنْسِهِمْ ومَن مَذْهَبُهم مَذْهَبُهم وعِنادُهم عِنادُهم وهُمُ الكَفَرَةُ في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ﴿بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ القُرْآنِ ﴿قالُوا﴾ في مُوسى وهارُونَ (p-٦٤٨)﴿سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ تَعاوَنا "سِحْرانِ" كُوفِيٌّ أيْ: ذَوا سِحْرٍ أوْ جَعَلُوهُما سِحْرَيْنِ مُبالَغَةً في وصْفِهِما بِالسِحْرِ ﴿وَقالُوا إنّا بِكُلٍّ﴾ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿كافِرُونَ﴾ وقِيلَ إنَّ أهْلَ مَكَّةَ كَما كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِالقُرْآنِ فَقَدْ كَفَرُوا بِمُوسى والتَوْراةِ وقالُوا في مُوسى ومُحَمَّدٍ ساحِرانِ تَظاهَرا أوْ في التَوْراةِ والقُرْآنِ سِحْرانِ تَظاهَرا وذَلِكَ حِينَ بَعَثُوا الرَهْطَ إلى رُؤَساءِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ يَسْألُونَهم عَنْ مُحَمَّدٍ فَأخْبَرَهم أنَّهُ في كِتابِهِمْ فَرَجَعَ الرَهْطُ إلى قُرَيْشٍ فَأخْبَرَهم بِقَوْلِ اليَهُودِ فَقالُوا عِنْدَ ذَلِكَ ساحِرانِ تَظاهَرا.
28:49Page 391
قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٩
Say, "Then bring a scripture from Allāh which is more guiding than either of them that I may follow it, if you should be truthful."
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ مِمّا أُنْزِلَ عَلى مُوسى ومِمّا أُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿أتَّبِعْهُ﴾ جَوابُ فَأْتُوا ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنَّهُما سِحْرانِ.
28:50Page 391
فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٠
But if they do not respond to you - then know that they only follow their [own] desires. And who is more astray than one who follows his desire without guidance from Allāh? Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people.
﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا دُعاءَكَ إلى الإتْيانِ بِالكِتابِ الأهْدى فاعْلَمْ أنَّهم قَدْ أُلْزِمُوا ولَمْ يَبْقَ لَهم حُجَّةٌ إلّا اتِّباعَ الهَوى ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ﴾ أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ في الدِينِ هَواهُ وبِغَيْرِ هُدًى حالٌ أيْ: مَخْذُولًا ولا مُخْلًى بَيْنَهُ وبَيْنَ هَواهُ ﴿إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾
28:51Page 392
۞ وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٥١
And We have [repeatedly] conveyed to them the word [i.e., the Qur’ān] that they might be reminded.
﴿وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ التَوْصِيلُ تَكْثِيرُ الوَصْلِ وتَكْرِيرُهُ يَعْنِي: أنَّ القُرْآنَ أتاهم مُتَتابِعًا مُتَواصِلًا وعْدًا ووَعِيدًا وقَصَصًا وعِبَرًا ومَواعِظَ لِيَذْكُرُوا فَيُفْلِحُوا (p-٦٤٩)
28:52Page 392
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ٥٢
Those to whom We gave the Scripture before it - they1 are believers in it.
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ مِن قَبْلِ القُرْآنِ وخَبَرُ الَّذِينَ ﴿هم بِهِ﴾ بِالقُرْآنِ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ نَزَلَتْ في مُؤْمِنِيِ أهْلِ الكِتابِ.
28:53Page 392
وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ ٥٣
And when it is recited to them, they say, "We have believed in it; indeed, it is the truth from our Lord. Indeed we were, [even] before it, Muslims [i.e., submitting to Allāh]."
﴿وَإذا يُتْلى﴾ القُرْآنُ ﴿عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ﴾ مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ ﴿مُسْلِمِينَ﴾ كائِنَيْنِ عَلى دِينِ الإسْلامِ مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُ إنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ بِهِ، لِأنَّ كَوْنَهُ حَقًّا مِنَ اللهِ حَقِيقٌ بِأنْ يُؤْمِنَ بِهِ وقَوْلُهُ إنّا بَيانٌ لِقَوْلِهِ آمَنّا، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إيمانًا قَرِيبَ العَهْدِ وبِعِيدَهُ فَأخْبَرُوا بِأنَّ إيمانَهم بِهِ مُتَقادِمٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences