An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
العنكبوت
Al-'Ankabut
The Spider · Meccan · 69 ayahs
29:1–2Page 396
الٓمٓ ١
Alif, Lām, Meem.1
أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ ٢
Do the people think that they will be left to say, "We believe" and they will not be tried?
(p-٦٦٣)سُورَةُ العَنْكَبُوتِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وسِتُّونَ آيَةً
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ الناسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ الحِسْبانُ: قُوَّةُ أحَدِ النَقِيضَيْنِ عَلى الآخَرِ كالظَنِّ بِخِلافِ الشَكِّ فَهو الوُقُوفُ بَيْنَهُما والعِلْمُ فَهو القَطْعُ عَلى أحَدِهِما ولا يَصِحُّ تَعْلِيقِهِما لِمَعانِي المُفْرَداتِ ولَكِنْ بِمَضامِينِ الجُمَلِ فَلَوْ قُلْتَ حَسِبْتُ زَيْدًا وظَنَنْتُ الفَرَسَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا حَتّى تَقُولَ حَسِبْتُ زَيْدًا عالِمًا وظَنَنْتُ الفَرَسَ جَوادًا، لِأنَّ قَوْلَكَ زَيْدٌ عالِمٌ والفَرَسٌ جَوادٌ كَلامٌ دالٌّ عَلى مَضْمُونٍ فَإذا أرَدْتَ الإخْبارَ عَنِ ذَلِكَ المَضْمُونِ ثابِتًا عِنْدَكَ عَلى وجْهِ الظَنِّ لا اليَقِينِ أدْخَلْتَ عَلى شَطْرَيِ الجُمْلَةِ فِعْلَ الحِسْبانِ حَتّى يَتِمَّ لَكَ غَرَضَكَ والكَلامُ الدالُّ عَلى المَضْمُونِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الحِسْبانُ هُنا ﴿أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ وذَلِكَ أنَّ تَقْدِيرَهُ أحَسِبُوا تَرْكَهم غَيْرَ مَفْتُونَيْنِ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا، فالتَرْكُ أوَّلُ مَفْعُولَيْ حَسِبَ ولِقَوْلِهِمْ آمَنّا هو الخَبَرُ وأمّا غَيْرَ مَفْتُونِينَ فَتَتِمَّةُ التَرْكِ، لِأنَّهُ مِنَ التَرْكِ الَّذِي هو بِمَعْنى التَصْيِيرِ كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ
؎ فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِباعِ يَنُشْنَهُ
(p-٦٦٤)ألا تَرى أنَّكَ قَبْلَ المَجِيءِ بالحِسْبانِ تَقْدِرُ أنْ تَقُولَ: تَرْكُهم غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِقَوْلِهِمْ آمَنّا عَلى تَقْدِيرِ "حاصِلٌ ومُسْتَقِرٌّ" قَبْلَ اللامِ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ والفِتْنَةُ الِامْتِحانُ بِشَدائِدِ التَكْلِيفِ مِن مُفارَقَةِ الأوْطانِ ومُجاهَدَةِ الأعْداءِ وسائِرِ الطاعاتِ الشاقَّةِ وهَجْرِ الشَهَواتِ وبِالفَقْرِ والقَحْطِ وأنْواعِ المَصائِبِ في الأنْفُسِ والأمْوالِ ومُصابَرَةِ الكُفّارِ عَلى أذاهم وكَيْدِهِمْ، ورُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَدْ جَزِعُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ أوْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وكانَ يُعَذَّبُ في اللهِ.
29:3Page 396
وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣
But We have certainly tried those before them, and Allāh will surely make evident those who are truthful, and He will surely make evident the liars.
﴿وَلَقَدْ فَتَنّا﴾ اخْتَبَرْنا وهو مَوْصُولٌ بِأحَسِبَ أوْ بِلا يُفْتَنُونَ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ بِأنْواعِ الفِتَنِ فَمِنهم مَن يُوضَعُ المِنشارُ عَلى رَأْسِهِ فَيُفْرَقُ فِرْقَتَيْنِ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ومِنهم مَن يُمَشَّطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ﴾ بِالِامْتِحانِ ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الإيمانِ ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ فِيهِ، ومَعْنى عِلْمِهِ تَعالى وهو عالِمٌ بِذَلِكَ فِيما لَمْ يَزَلْ أنْ يَعْلَمَهُ مَوْجُودًا عِنْدَ وُجُودِهِ كَما عَلِمَهُ قَبْلَ وُجُودِهِ أنَّهُ يُوجَدُ والمَعْنى: ولِيَتَمَيَّزَنَّ الصادِقُ مِنهم مِنَ الكاذِبِ قالَ ابْنُ عَطاءٍ يَتَبَيَّنُ صِدْقَ العَبْدِ مِن كَذِبِهِ في أوْقاتِ الرَخاءِ والبَلاءِ فَمَن شَكَرَ في أيّامِ الرَخاءِ وصَبَرَ في أيّامِ البَلاءِ فَهو مِنَ الصادِقِينَ ومَن بَطَرَ في أيّامِ الرَخاءِ وجَزِعَ في أيّامِ البَلاءِ فَهو مِنَ الكاذِبِينَ.
29:4Page 396
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسۡبِقُونَاۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٤
Or do those who do evil deeds think they can outrun [i.e., escape] Us? Evil is what they judge.
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ أنْ﴾
أيِ الشِرْكَ والمَعاصِيَ ﴿أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا يَعْنِي: أنَّ الجَزاءَ يَلْحَقُهم لا مَحالَةَ واشْتِمالُ صِلَةِ "أنْ" عَلى مُسْنَدٍ ومُسْنَدٍ إلَيْهِ سَدَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ حَسِبَ مَعْنى قَدَّرَ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الإضْرابِ فِيها أنَّ هَذا الحِسْبانَ أبْطَلُ مِنَ الحِسْبانِ الأوَّلِ، لِأنَّ ذَلِكَ يُقَدِّرُ أنَّهُ لا يُمْتَحَنُ لِإيمانِهِ وهَذا يَظُنُّ أنَّهُ لا يُجازى بِمَساوِيهِ وقالُوا الأوَّلُ في المُؤْمِنِينَ وهَذا في الكافِرِينَ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى (p-٦٦٥)مَعْنى ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم أوْ نَصْبٌ عَلى مَعْنى ساءَ حُكْمًا يَحْكُمُونَ والمَخْصُوصُ بِالذَمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: بِئْسَ حُكْمًا يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهُمْ.
29:5Page 396
مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأٓتٖۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٥
Whoever should hope for the meeting with Allāh - indeed, the term [decreed by] Allāh is coming. And He is the Hearing, the Knowing.
﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللهِ﴾ أيْ: يَأْمُلُ ثَوابَهُ أوْ يَخافُ حِسابَهُ فالرَجاءُ يَحْتَمِلُهُما ﴿فَإنَّ أجَلَ اللهِ﴾ المَضْرُوبَ لِلثَّوابِ والعِقابِ ﴿لآتٍ﴾ لا مَحالَةَ فَلْيُبادِرْ لِلْعَمَلِ الصالِحِ الَّذِي يُصَدِّقُ رَجاءَهُ ويُحَقِّقُ أمَلَهُ ﴿وَهُوَ السَمِيعُ﴾ لِما يَقُولُهُ عِبادُهُ ﴿العَلِيمُ﴾ بِما يَفْعَلُونَهُ فَلا يَفُوتُهُ شَيْءٌ ما، وقالَ الزَجّاجُ مَن لِلشَّرْطِ ويَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ وجَوابُ الشَرْطِ فَإنَّ أجَلَ اللهِ لَآتٍ كَقَوْلِكَ إنْ كانَ زَيْدٌ في الدارِ فَقَدْ صَدَقَ الوَعْدَ.
29:6Page 396
وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦
And whoever strives only strives for [the benefit of] himself. Indeed, Allāh is Free from need of the worlds.
﴿وَمَن جاهَدَ﴾ نَفْسَهُ بِالصَبْرِ عَلى طاعَةِ اللهِ أوِ الشَيْطانِ بِدَفْعِ وساوِسِهِ أوِ الكُفّارِ ﴿فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾، لِأنَّ مَنفَعَةَ ذَلِكَ تَرْجِعُ إلَيْها ﴿إنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ وعَنْ طاعَتِهِمْ ومُجاهَدَتِهِمْ وإنَّما أمَرَ ونَهى رَحْمَةً لِعِبادِهِ.
29:7Page 397
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٧
And those who believe and do righteous deeds - We will surely remove from them their misdeeds and will surely reward them according to the best of what they used to do.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ الشِرْكَ والمَعاصِيَ بِالإيمانِ والتَوْبَةِ ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ في الإسْلامِ.
29:8Page 397
وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨
And We have enjoined upon man goodness to parents. But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them. To Me is your return, and I will inform you about what you used to do.
﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ وصّى حُكْمُهُ حُكْمُ أمَرَ في مَعْناهُ وتَصَرُّفِهِ، يُقالُ: وصَّيْتُ زَيْدًا بِأنْ يَفْعَلَ خَيْرًا كَما تَقُولُ أمَرْتُهُ بِأنْ يَفْعَلَ ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢] أيْ: وصّاهم بِكَلِمَةِ التَوْحِيدِ وأمَرَهم بِها وقَوْلُكَ وصَّيْتُ زَيْدًا بِعَمْرٍو مَعْناهُ: وصَّيْتُهُ بِتَعَهُّدِ عَمْرٍوِ ومُراعاتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ وكَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ ووَصَّيْناهُ بِإيتاءِ والِدَيْهِ حُسْنًا أوْ بِإيلاءِ والِدَيْهِ حُسْنًا أيْ: فِعْلًا ذا حُسْنٍ أوْ ما هو في ذاتِهِ حَسَنٌ لِفَرْطِ حُسْنِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ حُسْنًا مِن بابِ قَوْلِكَ زَيْدًا بِإضْمارِ (p-٦٦٦)اضْرِبْ إذا رَأيْتَهُ مُتَهَيِّئًا لِلضَّرْبِ، فَتَنْصِبُهُ بِإضْمارِ: أوْلِهِما أوْ أعْطِهِما أوِ افْعَلْ بِهِما حُسْنًا، لِأنَّ التَوْصِيَةَ بِهِما دالَّةٌ عَلَيْهِ وما بَعْدَهُ مُطابِقٌ لَهُ كَأنَّهُ قالَ قُلْنا أوْلِهِما مَعْرُوفًا ولا تُطِعْهُما في الشِرْكِ إذا حَمَلاكَ عَلَيْهِ وعَلى هَذا التَفْسِيرَ إنْ وُقِفَ عَلى ﴿بِوالِدَيْهِ﴾ وابْتُدِئَ ﴿حُسْنًا﴾ حَسُنَ الوَقْفُ، وعَلى التَفْسِيرِ الأوَّلِ لابُدَّ مِن إضْمارِ القَوْلِ مَعْناهُ: وقُلْنا ﴿وَإنْ جاهَداكَ﴾ أيُّها الإنْسانُ ﴿لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا عِلْمَ بِإلَهِيَّتِهِ والمُرادُ بِنَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ كَأنَّهُ قالَ لِتُشْرِكَ بِي شَيْئًا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلَهًا ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ فَلا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ مَرْجِعُ مَن آمَنَ مِنكم ومَن أشْرَكَ ﴿فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَأُجازِيكم حَقَّ جَزائِكم وفي ذِكْرِ المَرْجِعِ والوَعِيدِ تَحْذِيرٌ مِن مُتابَعَتِهِما عَلى الشِرْكِ وحَثٌّ عَلى الثَباتِ والِاسْتِقامَةِ في الدِينِ رُوِيَ: «أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ لَمّا أسْلَمُ نَذَرَتْ أُمُّهُ أنْ لا تَأْكُلَ ولا تَشْرَبَ حَتّى يَرْتَدَّ فَشَكا إلى النَبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ » والَّتِي في لُقْمانَ والَّتِي في الأحْقافِ.
29:9Page 397
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِي ٱلصَّٰلِحِينَ ٩
And those who believe and do righteous deeds - We will surely admit them among the righteous [into Paradise].
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ هو مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصالِحِينَ﴾ في جُمْلَتِهِمْ والصَلاحُ مِن أبْلَغِ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ وهو مُتَمَنّى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿وَأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] أوْ في مَدْخَلِ الصالِحِينَ وهو الجَنَّةُ.
29:10Page 397
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠
And of the people are some who say, "We believe in Allāh," but when one [of them] is harmed for [the cause of] Allāh, he considers the trial [i.e., harm] of the people as [if it were] the punishment of Allāh. But if victory comes from your Lord, they say, "Indeed, We were with you." Is not Allāh most knowing of what is within the breasts of the worlds [i.e., all creatures]?
وَنَزَلَتْ في المُنافِقِينَ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ﴾ أيْ: إذا مَسَّهُ أذًى مِنَ الكُفّارِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ أيْ: (p-٦٦٧)جَزِعَ مِن ذَلِكَ كَما يَجْزَعُ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى ﴿وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ: وإذا نَصَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ وغَنَّمَهُمُ اعْتَرَضُوهم وقالُوا إنّا كُنّا مَعَكم أيْ: مُتابِعِينَ لَكم في دِينِكم ثابِتِينَ عَلَيْهِ بِثَباتِكم فَأعْطُونا نَصِيبَنا مِنَ الغُنْمِ ﴿أوَلَيْسَ اللهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: هو أعْلَمُ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ مِنَ العالَمِينَ بِما في صُدُورِهِمْ ومِن ذَلِكَ ما في صُدُورِ هَؤُلاءِ مِنَ النِفاقِ وما في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الإخْلاصِ ثُمَّ وعَدَ المُؤْمِنِينَ وأوْعَدَ المُنافِقِينَ بِقَوْلِهِ.
29:11Page 397
وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ ١١
And Allāh will surely make evident those who believe, and He will surely make evident the hypocrites.
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ أيْ: حالُهُما ظاهِرَةٌ عِنْدَ مَن يَمْلِكُ الجَزاءَ عَلَيْهِما.
29:12Page 397
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٢
And those who disbelieve say to those who believe, "Follow our way, and we will carry your sins."1 But they will not carry anything of their sins. Indeed, they are liars.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أمَرُوهم بِاتِّباعِ سَبِيلِهِمْ وهي طَرِيقَتُهُمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في دِينِهِمْ وأمَرُوا أنْفُسَهم بِحَمْلِ خَطاياهم فَعَطَفَ الأمْرَ عَلى الأمْرِ وأرادُوا لِيَجْتَمِعْ هَذانِ الأمْرانِ في الحُصُولِ: أنْ تَتَّبِعُوا سَبِيلَنا وأنْ نَحْمِلَ خَطاياكم، والمَعْنى: تَعْلِيقُ الحَمْلِ بِالِاتِّباعِ أيْ: إنْ تَتَّبِعُوا سَبِيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم وهَذا قَوْلُ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ كانُوا يَقُولُونَ لِمَن آمَنَ مِنهم لا نُبْعَثُ نَحْنُ ولا أنْتُمْ فَإنْ كانَ ذَلِكَ فَإنّا نَتَحَمَّلُ عَنْكُمُ الإثْمَ ﴿وَما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ وقُلُوبُهم عَلى خِلافِهِ كالكاذِبِينَ الَّذِينَ يَعِدُونَ الشَيْءَ وفي قُلُوبِهِمْ نِيَّةُ الخُلْفِ.
29:13Page 397
وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣
But they will surely carry their [own] burdens and [other] burdens along with their burdens,1 and they will surely be questioned on the Day of Resurrection about what they used to invent.
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ أيْ: أثْقالَ أنْفُسِهِمْ يَعْنِي: أوْزارَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ﴿وَأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ أيْ: أثْقالًا أُخَرَ غَيْرَ الخَطايا الَّتِي ضَمِنُوا لِلْمُؤْمِنِينَ حَمْلَها وهي أثْقالُ الَّذِينَ كانُوا سَبَبًا في ضَلالِهِمْ وهو كَما قالَ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] (p-٦٦٨)﴿وَلَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَخْتَلِقُونَ مِنَ الأكاذِيبِ والأباطِيلِ.
29:14Page 397
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٤
And We certainly sent Noah to his people, and he remained among them a thousand years minus fifty years, and the flood seized them while they were wrongdoers.
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا﴾ كانَ عُمْرُهُ ألْفًا وخَمْسِينَ سَنَةً بُعِثَ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ ولَبِثَ في قَوْمِهِ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً وعاشَ بَعْدَ الطُوفانِ سِتِّينَ، وعَنْ وهْبٍ أنَّهُ عاشَ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ فَقالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ يا أطْوَلَ الأنْبِياءِ عُمْرًا كَيْفَ وجَدْتَ الدُنْيا قالَ كَدارٍ لَها بابانِ دَخَلْتُ وخَرَجْتُ ولَمْ يَقُلْ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ كَذَلِكَ لَجازَ أنْ يُتَوَهَّمَ إطْلاقُ هَذا العَدَدِ عَلى أكْثَرِهِ وهَذا التَوَهُّمُ زائِلٌ هُنا فَكَأنَّهُ قِيلَ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً كامِلَةً وافِيَةَ العَدَدِ إلّا أنَّ ذَلِكَ أخْصَرُ وأعْذَبُ لَفْظًا وأمْلَأُ بِالفائِدَةِ ولِأنَّ القِصَّةَ سِيقَتْ لِما ابْتُلِيَ بِهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ مِن أُمَّتِهِ وما كابَدَهُ مِن طُولِ المُصابَرَةِ تَسْلِيَةً لِنَبِيِّنا ﷺ فَكانَ ذِكْرُ الألْفِ أفْخَمَ وأوْصَلَ إلى الغَرَضِ وجِيءَ بِالمُمَيِّزِ أوَّلًا بِالسَنَةِ ثُمَّ بِالعامِّ، لِأنَّ تَكْرارَ لَفْظٍ واحِدٍ في كَلامٍ واحِدٍ حَقِيقٌ بِالِاجْتِنابِ في البَلاغَةِ ﴿فَأخَذَهُمُ الطُوفانُ﴾ هو ما أطافَ وأحاطَ بِكَثْرَةٍ وغَلَبَةٍ مِن سَيْلٍ أوْ ظَلامِ لَيْلٍ أوْ نَحْوِهِما ﴿وَهم ظالِمُونَ﴾ أنْفُسَهم بِالكُفْرِ.
29:15Page 398
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٥
But We saved him and the companions of the ship, and We made it1 a sign for the worlds.
﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ أيْ: نُوحًا ﴿وَأصْحابَ السَفِينَةِ﴾ وكانُوا ثَمانِيَةً وسَبْعِينَ نَفْسًا نِصْفُهم ذُكُورٌ ونِصْفُهم إناثٌ مِنهم أوْلادُ نُوحٍ سامٌ وحامٌ ويافِثُ ونِساؤُهم ﴿وَجَعَلْناها﴾ أيِ السَفِينَةَ أوِ الحادِثَةَ أوِ القِصَّةَ ﴿آيَةً﴾ عِبْرَةً وعِظَةً ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ يَتَّعِظُونَ بِها.
29:16Page 398
وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٦
And [We sent] Abraham, when he said to his people, "Worship Allāh and fear Him. That is best for you, if you should know.
﴿وَإبْراهِيمَ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ وأُبْدِلَ عَنْهُ ﴿إذْ قالَ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ، لِأنَّ الأحْيانَ تَشْتَمِلُ عَلى ما فِيها أوْ مَعْطُوفٌ عَلى نُوحٍ أيْ: وأرْسَلْنا إبْراهِيمَ أوْ ظَرْفٌ لِأرْسَلْنا يَعْنِي: أرْسَلْناهُ حِينَ بَلَغَ مِنَ السِنِّ أوِ العِلْمِ مَبْلَغًا صَلَحَ فِيهِ لِأنْ يَعِظَ قَوْمَهُ ويَأْمُرَهم بِالعِبادَةِ (p-٦٦٩)والتَقْوى وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما – "وَإبْراهِيمُ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: ومِنَ المُرْسَلِينَ "إبْراهِيمُ" ﴿لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الكُفْرِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إنْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِما هو خَيْرٌ لَكم مِمّا هو شَرٌّ لَكُمْ.
29:17Page 398
إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١٧
You only worship, besides Allāh, idols, and you produce a falsehood. Indeed, those you worship besides Allāh do not possess for you [the power of] provision. So seek from Allāh provision and worship Him and be grateful to Him. To Him you will be returned."
﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أوْثانًا﴾ أصْنامًا ﴿وَتَخْلُقُونَ﴾ وتَكْذِبُونَ أوْ تَصْنَعُونَ وقَرَأ أبُو حُذَيْفَةَ والسُلَمِيُّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما – "وَتُخَلِّقُونَ" مِن خَلَّقَ بِمَعْنى التَكْثِيرِ في خَلَقَ ﴿إفْكًا﴾ وقُرِئَ "أفِكًا" وهو مَصْدَرٌ نَحْوُ كَذِبٍ ولَعِبٍ والإفْكُ مُخَفَّفٌ مِنهُ كالكِذْبِ واللِعْبِ مِن أصْلِهِما واخْتِلاقُهُمُ الإفْكَ تَسْمِيَتُهُمُ الأوْثانَ آلِهَةً وشُرَكاءَ لِلَّهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرْزُقُوكم شَيْئًا مِنَ الرِزْقِ ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِزْقَ﴾ كُلَّهُ فَإنَّهُ هو الرَزّاقُ وحْدَهُ لا يَرْزُقُ غَيْرُهُ ﴿واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فاسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ بِعِبادَتِهِ والشُكْرِ لَهُ عَلى أنْعُمِهِ، وبِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ يَعْقُوبُ.
29:18Page 398
وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٨
And if you [people] deny [the message] - already nations before you have denied. And there is not upon the Messenger except [the duty of] clear notification.1
﴿وَإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: وإنْ تُكَذِّبُونِي فَلا تَضُرُّونِي بِتَكْذِيبِكم فَإنَّ الرُسُلَ قَبَلِي قَدْ كَذَّبَتْهم أُمَمُهم وما ضَرُّوهم وإنَّما ضَرُّوا أنْفُسَهم حَيْثُ حَلَّ بِهِمُ العَذابُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ وأمّا الرَسُولُ فَقَدْ تَمَّ أمْرُهُ حَيْثُ بَلَّغَ البَلاغَ المُبِينَ الَّذِي زالَ مَعَهُ الشَكُّ وهو اقْتِرانُهُ بِآياتِ اللهِ ومُعْجِزاتِهِ أوْ وإنْ كُنْتُ مُكَذَّبًا فِيما بَيْنَكم فَلِي في سائِرِ الأنْبِياءِ أُسْوَةٌ حَيْثُ كُذِّبُوا وعَلى الرَسُولِ أنْ يُبَلِّغَ وما عَلَيْهِ أنْ يُصَدَّقَ ولا يُكَذَّبَ وهَذِهِ الآيَةُ والآياتُ الَّتِي بَعْدَها إلى قَوْلِهِ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: ٢٤] (p-٦٧٠)مُحْتَمِلَةٌ أنْ تَكُونَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِقَوْمِهِ والمُرادُ بِالأُمَمِ قَبْلَهُ قَوْمُ شِيثٍ وإدْرِيسَ ونُوحٍ وغَيْرُهم وأنْ تَكُونَ آياتٍ وقَعَتْ مُعْتَرِضَةً في شَأْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وشَأْنِ قُرَيْشٍ بَيْنَ أوَّلِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ وآخِرِها فَإنْ قُلْتَ فالجُمَلُ الِاعْتِراضِيَّةُ لا بُدَّ لَها مِنِ اتِّصالٍ بِما وقَعَتْ مُعْتَرِضَةً فِيهِ فَلا تَقُولُ: مَكَّةُ - وزَيْدٌ قائِمٌ- خَيْرُ بِلادِ اللهِ، قُلْتُ نَعَمْ وبَيانُهُ أنَّ إيرادَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَيْسَ إلّا إرادَةً لِلتَّنْفِيسِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وأنْ تَكُونَ مَسْلاةً لَهُ بِأنَّ أباهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ مُبْتَلًى نَحْوَ ما ابْتُلِيَ بِهِ مِن شِرْكِ قَوْمِهِ وعِبادَتِهِمُ الأوْثانَ فاعْتَرَضَ بِقَوْلِهِ وإنْ تُكَذِّبُوا عَلى مَعْنى "إنَّكم يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنْ تُكَذِّبُوا مُحَمَّدًا فَقَدْ كَذَّبَ إبْراهِيمُ قَوْمَهُ وكُلُّ أُمَّةٍ نَبِيَّها، لِأنَّ قَوْلَهُ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم لابُدَّ مِن تَناوُلِهِ لِأُمَّةِ إبْراهِيمَ وهو كَما تَرى اعْتِراضٌ مُتَّصِلٌ ثُمَّ سائِرُ الآياتِ بَعْدَها مِن تَوابِعِها لِكَوْنِها ناطِقَةً بِالتَوْحِيدِ ودَلائِلِهِ وهَدْمِ الشِرْكِ وتَوْهِينِ قَواعِدِهِ وصِفَةِ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى وسُلْطانِهِ ووُضُوحِ حُجَّتِهِ وبُرْهانِهِ.
29:19Page 398
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ كَيۡفَ يُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١٩
Have they not considered how Allāh begins creation and then repeats it? Indeed that, for Allāh, is easy.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ وبِالتاءِ كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الخَلْقَ﴾ أيْ: قَدْ رَأوْا ذَلِكَ وعَلِمُوهُ وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ عَلى يُبْدِئُ ولَيْسَتِ الرُؤْيَةُ واقِعَةً عَلَيْهِ وإنَّما هو إخْبارٌ عَلى حِيالِهِ بِالإعادَةِ بَعْدَ المَوْتِ كَما وقَعَ النَظَرُ في قَوْلِهِ ﴿كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَشْأةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] عَلى البَدْءِ دُونَ الإنْشاءِ بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الخَلْقَ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيِ الإعادَةَ ﴿عَلى اللهِ يَسِيرٌ﴾ سَهْلٌ.
29:20Page 398
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠
Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how He began creation. Then Allāh will produce the final creation [i.e., development]. Indeed Allāh, over all things, is competent."
﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ وإنْ كانَ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ فَتَقْدِيرُهُ: وأوْحَيْنا إلَيْهِ أنْ قُلْ ﴿سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ عَلى كَثْرَتِهِمْ واخْتِلافِ أحْوالِهِمْ لِتَعْرِفُوا عَجائِبَ فِطْرَةِ اللهِ بِالمُشاهَدَةِ، وبَدَأ وأبْدَأ بِمَعْنًى ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَشْأةَ الآخِرَةَ﴾ أيِ البَعْثَ، وبِالمَدِّ حَيْثُ كانَ: مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو وهَذا (p-٦٧١)دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما نَشْأتانِ وأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما إنْشاءٌ أيِ ابْتِداءٌ واخْتِراعٌ وإخْراجٌ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ غَيْرَ أنَّ الآخِرَةَ إنْشاءٌ بَعْدَ إنْشاءٍ مِثْلِهِ والأُولى لَيْسَتْ كَذِلَكَ والقِياسُ أنْ يُقالَ: كَيْفَ بَدَأ اللهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُنْشِئُ النَشْأةَ الآخِرَةَ وإنَّما قِيلَ "كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَشْأةَ الآخِرَةَ"، لِأنَّ الكَلامَ مَعَهم وقَعَ في الإعادَةِ فَلَمّا قَرَّرَهم في الإبْداءِ بِأنَّهُ مِنَ اللهِ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الإعادَةَ إنْشاءٌ مِثْلُ الإبْداءِ فَإذا لَمْ يُعْجِزْهُ الإبْداءُ وجَبَ أنْ لا تُعْجِزَهُ الإعادَةُ فَكَأنَّهُ قالَ ثُمَّ ذَلِكَ الَّذِي أنْشَأ النَشْأةَ الأُولى هو الَّذِي يُنْشِئُ النَشْأةَ الآخِرَةَ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلى هَذا المَعْنى: أبْرَزَ اسْمَهُ وأوْقَعَهُ مُبْتَدَأً ﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قادِرٌ.
29:21Page 398
يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ ٢١
He punishes whom He wills and has mercy upon whom He wills, and to Him you will be returned.
﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ بِالخِذْلانِ ﴿وَيَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ بِالهِدايَةِ أوْ بِالحِرْصِ والقَناعَةِ أوْ بِسُوءِ الخُلُقِ وحُسْنِهِ أوِ الإعْراضِ عَنِ اللهِ وبِالإقْبالِ عَلَيْهِ أوْ بِمُتابَعَةِ البِدَعِ وبِمُلازِمَةِ السُنَّةِ ﴿وَإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ تُرَدُّونَ وتُرْجَعُونَ.
29:22Page 398
وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٢٢
And you will not cause failure [to Allāh] upon the earth or in the heaven. And you have not other than Allāh any protector or any helper.
﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ رَبَّكم أيْ: لا تَفُوتُونَهُ إنْ هَرَبْتُمْ مِن حُكْمِهِ وقَضائِهِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ الفَسِيحَةِ ﴿وَلا في السَماءِ﴾ الَّتِي هي أفْسَحُ مِنها وأبْسَطُ لَوْ كُنْتُمْ فِيها ﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن ولِيٍّ﴾ يَتَوَلّى أُمُورَكم ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ ولا ناصِرَ يَمْنَعُكم مِن عَذابِي.
29:23Page 398
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٣
And the ones who disbelieve in the signs of Allāh and the meeting with Him - those have despaired of My mercy, and they will have a painful punishment.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ بِدَلائِلِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وكُتُبِهِ ومُعْجِزاتِهِ ﴿وَلِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾ جَنَّتِي ﴿وَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
29:24Page 399
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٤
And the answer of his [i.e., Abraham's] people was not but that they said, "Kill him or burn him," but Allāh saved him from the fire. Indeed in that are signs for a people who believe.
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ قَوْمِ إبْراهِيمَ حِينَ دَعاهم إلى الإيمانِ ﴿إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أوْ قالَهُ واحِدٌ مِنهم وكانَ الباقُونَ راضِينَ فَكانُوا جَمِيعًا في حُكْمِ القائِلِينَ فاتَّفَقُوا عَلى تَحْرِيقِهِ﴿فَأنْجاهُ اللهُ مِنَ النارِ﴾ (p-٦٧٢)حِينَ قَذَفُوهُ فِيها ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ فِيما فَعَلُوا بِهِ وفَعَلْنا ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يُنْتَفَعْ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِالنارِ يَعْنِي: يَوْمَ أُلْقِيَ إبْراهِيمُ في النارِ وذَلِكَ لِذَهابِ حَرِّها.
29:25Page 399
وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٥
And [Abraham] said, "You have only taken, other than Allāh, idols as [a bond of] affection among you in worldly life. Then on the Day of Resurrection you will deny one another and curse one another, and your refuge will be the Fire, and you will not have any helpers."
قالَ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُنْيا﴾ حَمْزَةُ وحَفْصٌ، "مَوَدَّةً بَيْنَكُمْ":مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وحَمّادٌ ويَحْيى وخَلَفٌ، "مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ": مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ وعَلِيٌّ، "مَوَدَّةٌ بَيْنَكُمُ" الشَمُونِيُّ والبَرْجَمِيُّ فالنَصْبُ عَلى وجْهَيْنِ عَلى التَعْلِيلِ أيْ: لِتَتَوادُّوا بَيْنَكم وتَتَواصَلُوا لِاجْتِماعِكم عَلى عِبادَتِها واتِّفاقِكم عَلَيْها كَما يَتَّفِقُ الناسُ عَلى مَذْهَبٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ تَحابِّهِمْ وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا كَقَوْلِهِ ﴿اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] وما كافَّةٌ أيِ اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ سَبَبَ المَوَدَّةِ بَيْنَكم عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ أوِ اتَّخَذْتُمُوها مَوَدَّةً بَيْنَكم أيْ: مَوْدُودَةً بَيْنَكم كَقَوْلِهِ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وفي الرَفْعِ وجْهانِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِإنَّ، وما مَوْصُولَةٌ وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي مَوَدَّةُ بَيْنِكم، والمَعْنى: أنَّ الأوْثانَ مَوَدَّةٌ بَيْنَكم أيْ: مَوْدُودَةٌ أوْ سَبَبُ مَوَدَّةٍ ومَن أضافَ المَوَدَّةَ جَعَلَ بَيْنَكُمُ اسْمًا لا ظَرْفًا كَقَوْلِهِ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] ومَن نَوَّنَ مَوَدَّةً ونَصَبَ بَيْنَكم فَعَلى الظَرْفِ ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ تَتَبَرَّأُ الأصْنامُ مِن عابِدِيها ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ يَقُومُ بَيْنَكُمُ التَلاعُنُ فَيَلْعَنُ الأتْباعُ القادَةَ ﴿وَمَأْواكُمُ النارُ﴾ أيْ: مَأْوى العابِدِ والمَعْبُودِ والتابِعِ والمَتْبُوعِ ﴿وَما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ثَمَّةَ.
29:26Page 399
۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٦
And Lot believed him. [Abraham] said, "Indeed, I will emigrate to [the service of] my Lord. Indeed, He is the Exalted in Might, the Wise."
﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿لُوطٌ﴾ هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ وهو أوَّلُ مَن آمَنَ لَهُ حِينَ رَأى النارَ لَمْ تَحْرِقْهُ ﴿وَقالَ﴾ إبْراهِيمُ (p-٦٧٣)﴿إنِّي مُهاجِرٌ﴾ مَن كَوْثى وهي مِن سَوادِ الكُوفَةِ إلى حَرّانَ ثُمَّ مِنها إلى فِلَسْطِينَ وهي مِن بَرِّيَّةِ الشامِ ومِن ثَمَّ قالُوا لِكُلِّ نَبِيٍّ هِجْرَةٌ ولِإبْراهِيمَ هِجْرَتانِ وكانَ مَعَهُ في هِجْرَتِهِ لُوطٌ وسارَّةُ وقَدْ تَزَوَّجَها إبْراهِيمُ ﴿إلى رَبِّي﴾ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْهِ ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ الَّذِي يَمْنَعُنِي مِن أعْدائِي ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَأْمُرُنِي إلّا بِما هو خَيْرٌ.
29:27Page 399
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧
And We gave to him Isaac and Jacob and placed in his descendants prophethood and scripture. And We gave him his reward in this world, and indeed, he is in the Hereafter among the righteous.
﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ ولَدًا ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ ولَدَ ولَدٍ ولَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلَ لِشُهْرَتِهِ ﴿وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُبُوَّةَ﴾ أيْ: في ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ فَإنَّهُ شَجَرَةُ الأنْبِياءِ ﴿والكِتابَ﴾ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ يَعْنِي: التَوْراةَ والإنْجِيلَ والزَبُورَ والفُرْقانَ ﴿وَآتَيْناهُ﴾ أيْ: إبْراهِيمَ ﴿أجْرَهُ﴾ الثَناءَ الحَسَنَ والصَلاةَ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَهْرِ ومَحَبَّةَ أهْلِ المِلَلِ لَهُ أوْ هو بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ ﴿فِي الدُنْيا﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يُعْطِي الأجْرَ في الدُنْيا ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ أيْ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ، عَنِ الحَسَنِ:
29:28Page 399
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨
And [mention] Lot, when he said to his people, "Indeed, you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds.
﴿وَلُوطًا﴾ أيْ: واذْكُرْ لُوطًا ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ الفِعْلَةَ البالِغَةَ في القُبْحِ وهي اللُواطَةُ ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِفاحِشَةِ تِلْكَ الفِعْلَةِ كَأنَّ قائِلًا قالَ لِمَ كانَتْ فاحِشَةً فَقِيلَ، لِأنَّ أحَدًا قَبْلَهم لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْها قالُوا لَمْ يَنْزِلْ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ.
29:29Page 399
أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٩
Indeed, you approach men and obstruct the road1 and commit in your meetings [every] evil." And the answer of his people was not but that they said, "Bring us the punishment of Allāh, if you should be of the truthful."
﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِجالَ وتَقْطَعُونَ السَبِيلَ﴾ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ كَما هو عَمَلُ قُطّاعِ الطَرِيقِ وقِيلَ اعْتِراضُهُمُ السابِلَةَ بِالفاحِشَةِ ﴿وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ﴾ مَجْلِسِكم ولا يُقالُ لِلْمَجْلِسِ نادٍ إلّا مادامَ فِيهِ أهْلُهُ ﴿المُنْكَرَ﴾ أيِ المُضارَطَةَ والمُجامَعَةَ والسُبابَ والفُحْشَ في المِزاحِ والحَذْفَ بِالحَصى (p-٦٧٤)وَمَضْغَ العَلْكِ والفَرْقَعَةَ والسِواكَ بَيْنَ الناسِ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾ فِيما تَعِدُنا مِن نُزُولِ العَذابِ "إنَّكُمْ" "أيِنَّكُمْ" شامِيٌّ وحَفْصٌ وهو المَوْجُودُ في الإمامِ، وكُلُّ واحِدَةٍ بِهَمْزَتَيْنِ كُوفِيٌّ غَيْرَ حَفْصٍ "آيِنَّكُمْ" بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ بَعْدَها ياءٌ مَكْسُورَةٌ أبُو عَمْرٍو "أيِنَّكُمْ" بِهَمْزَةٍ مَقْصُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ مَكْسُورَةٌ مَكِّيٌّ ونافِعٌ غَيْرَ قالُونَ وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ غَيْرَ زَيْدٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences