An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:64–69
29:64Page 404
وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٦٤
And this worldly life is not but diversion and amusement. And indeed, the home of the Hereafter - that is the [eternal] life, if only they knew.
﴿وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُنْيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ أيْ: وما هي لِسُرْعَةِ زَوالِها عَنْ أهْلِها ومَوْتِهِمْ عَنْها إلّا كَما يَلْعَبُ الصِبْيانُ ساعَةً ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ وفِيهِ ازْدِراءٌ بِالدُنْيا وتَصْغِيرٌ لِأمْرِها وكَيْفَ لا يُصَغِّرُها وهي لا تَزِنُ عِنْدَهُ جَناحَ بَعُوضَةٍ واللهْوُ ما يَتَلَذَّذُ بِهِ الإنْسانُ فَيُلْهِيهِ ساعَةً ثُمَّ يَنْقَضِي ﴿وَإنَّ الدارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ أيِ الحَياةُ، أيْ: لَيْسَ فِيها إلّا حَياةٌ مُسْتَمِرَّةٌ دائِمَةٌ لا مَوْتَ فِيها، فَكَأنَّها في ذاتِها حَياةٌ، والحَيَوانُ مَصْدَرُ حَيَّ وقِياسُهُ حَيَيانِ فَقُلِبَتِ الياءُ الثانِيَةُ (p-٦٨٦)واوًا ولَمْ يَقُلْ لَهي الحَياةُ لِما في بِناءِ فَعَلانٍ مِن مَعْنى الحَرَكَةِ والِاضْطِرابِ، والحَياةُ حَرَكَةٌ والمَوْتُ سُكُونٌ فَمَجِيئُهُ عَلى بِناءٍ دالٍّ عَلى مَعْنى الحَرَكَةِ مُبالَغَةٌ في مَعْنى الحَياةِ، ويُوقَفُ عَلى الحَيَوانِ، لِأنَّ التَقْدِيرَ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ حَقِيقَةَ الدارَيْنِ لَما اخْتارُوا اللهْوَ الفانِيَ عَلى الحَيَوانِ الباقِي ولَوْ وصَلَ لَصارَ وصْفُ الحَيَوانِ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ عِلْمِهِمْ ذَلِكَ ولَيْسَ كَذَلِكَ.
29:65Page 404
فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ ٦٥
And when they board a ship, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith and hope]. But when He delivers them to the land, at once they associate others with Him
﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ هو مُتَّصِلٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما وصَفَهم بِهِ وشَرَحَ مِن أمْرِهِمْ مَعْناهُ: هم عَلى ما وُصِفُوا بِهِ مِنَ الشِرْكِ والعِنادِ فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ﴾ كائِنِينَ في صُورَةِ مَن يُخْلِصُ الدِينَ لِلَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ لا يَذْكُرُونَ إلّا اللهَ ولا يَدْعُونَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ﴾ وأمِنُوا ﴿إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ عادُوا إلى حالِ الشِرْكِ.
29:66Page 404
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ وَلِيَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٦٦
So that they will deny what We have granted them, and they will enjoy themselves. But they are going to know.1
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ مِنَ النِعْمَةِ قِيلَ هي لامُ كَيْ وكَذا في ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ فِيمَن قَرَأها بِالكَسْرِ أيْ: لِكَيْ يَكْفُرُوا وكَيْ يَتَمَتَّعُوا والمَعْنى: يَعُودُونَ إلى شِرْكِهِمْ لِيَكُونُوا بِالعَوْدِ إلى شِرْكِهِمْ كافِرِينَ بِنِعْمَةِ النَجاةِ قاصِدِينَ التَمَتُّعَ بِها والتَلَذُّذَ لا غَيْرُ عَلى خِلافِ عادَةِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ عَلى الحَقِيقَةِ فَإنَّهم يَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللهِ إذا أنْجاهم ويَجْعَلُونَ نِعْمَةَ النَجاةِ ذَرِيعَةً إلى ازْدِيادِ الطاعَةِ لا إلى التَلَذُّذِ والتَمَتُّعِ وعَلى هَذا لا وقْفَ عَلى يُشْرِكُونَ ومَن جَعَلَهُ لامَ الأمْرِ مُتَثَبِّتًا بِقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وحَمْزَةَ وعَلِيٍّ "وَلْيَتَمَتَّعُوا" بِسُكُونِ اللامِ عَلى وجْهِ التَهْدِيدِ كَقَوْلِهِ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وتَحْقِيقُهُ في أُصُولِ الفِقْهِ تَقِفُ عَلَيْهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ سُوءَ تَدْبِيرِهِمْ عِنْدَ تَدْمِيرِهِمْ.
29:67Page 404
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنٗا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَكۡفُرُونَ ٦٧
Have they not seen that We made [Makkah] a safe sanctuary, while people are being taken away1 all around them? Then in falsehood do they believe, and in the favor of Allāh they disbelieve?
﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ " إنّا جَعَلْنا" بَلَدَهم ﴿حَرَمًا﴾ مَمْنُوعًا مَصُونًا ﴿آمِنًا﴾ يَأْمَنُ داخِلُهُ ﴿وَيُتَخَطَّفُ الناسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ يُسْتَلَبُونَ قَتْلًا وسَبْيًا (p-٦٨٧)﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بِالشَيْطانِ والأصْنامِ ﴿وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: بِمُحَمَّدٍ ﷺ والإسْلامِ ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨]
29:68Page 404
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٦٨
And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a [sufficient] residence for the disbelievers?
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ جَعَلَ لَهُ شَرِيكًا ﴿أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ﴾ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ والكِتابِ ﴿لَمّا جاءَهُ﴾ أيْ: لَمْ يَتَلَعْثَمُوا في تَكْذِيبِهِ حِينَ سَمِعُوهُ ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ هَذا تَقْرِيرٌ لِثَوائِهِمْ في جَهَنَّمَ، لِأنَّ هَمْزَةَ الإنْكارِ إذا أدْخَلَتْ عَلى النَفْيِ صارَ إيجابًا يَعْنِي: ألا يَثْوُونَ فِيها وقَدِ افْتَرَوْا مِثْلَ هَذا التَكْذِيبِ عَلى اللهِ وكَذَّبُوا بِالحَقِّ مِثْلَ هَذا التَكْذِيبِ أوْ ألَمْ يَصِحَّ عِنْدَهم أنَّ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ حِينَ اجْتَرَءُوا مِثْلَ هَذِهِ الجَرْأةِ وذِكْرُ المَثْوى في مُقابَلَةِ لَنُبَوِّئِنَّهم يُؤَيِّدُ قِراءَةَ الثانِي.
29:69Page 404
وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٦٩
And those who strive for Us - We will surely guide them to Our ways.1 And indeed, Allāh is with the doers of good.
﴿والَّذِينَ جاهَدُوا﴾ أطْلَقَ المُجاهَدَةَ ولَمْ يُقَيِّدْها بِمَفْعُولٍ لِيَتَناوَلَ كُلَّ ما تَجِبُ مُجاهَدَتُهُ مِنَ النَفْسِ والشَيْطانِ وأعْداءِ الدِينِ ﴿فِينا﴾ في حَقِّنا ومِن أجْلِنا ولِوَجْهِنا خالِصًا ﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ سُبْلَنا أبُو عَمْرٍو أيْ: لَنَزِيدَنَّهم هِدايَةً إلى سُبُلِ الخَيْرِ وتَوْفِيقًا، وعَنِ الدارانِي والَّذِينَ جاهَدُوا فِيما عَلِمُوا لَنَهْدِيَنَّهم إلى ما لَمْ يَعْلَمُوا فَقَدْ قِيلَ مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ وُفِّقَ لِما لا يَعْلَمُ، وقِيلَ إنَّ الَّذِي تَرى مِن جَهْلِنا بِما لا نَعْلَمُ إنَّما هو لِتَقْصِيرِنا فِيما نَعْلَمُ، وعَنْ فُضَيْلٍ:والَّذِينَ جاهَدُوا في طَلَبِ العِلْمِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَ العَمَلِ بِهِ، وعَنْ سَهْلٍ والَّذِينَ جاهَدُوا في إقامَةِ السُنَّةِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَ الجَنَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَطاءٍ: جاهَدُوا في رِضانا لَنَهْدِيَنَّهُمُ الوُصُولَ إلى مَحَلِّ الرِضْوانِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جاهَدُوا في طاعَتِنا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَ ثَوابِنا، وعَنِ الجُنَيْدِ جاهَدُوا في التَوْبَةِ لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَ الإخْلاصِ أوْ جاهَدُوا في خِدْمَتِنا لَنَفْتَحَنَّ عَلَيْهِمْ سُبُلَ المُناجاةِ مَعَنا (p-٦٨٨)والأُنْسِ بِنا أوْ جاهَدُوا في طَلَبِنا تَحَرِّيًا لِرِضانا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَ الوُصُولِ إلَيْنا ﴿وَإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ بِالنُصْرَةِ والمَعُونَةِ في الدُنْيا وبِالثَوابِ والمَغْفِرَةِ في العُقْبى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences