An-NasafiAli 'Imran · 3:124–149

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:124–149

3:124Page 66

إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ١٢٤

[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?

﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ظَرْفٌ لِنَصَرَكم عَلى أنْ تَقُولَ لَهم ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، أيْ: نَصَرَكُمُ اللهُ وقْتَ مَقالَتِكم هَذِهِ، أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِن "إذْ غَدَوْتَ"، عَلى أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ﴾ (مُنَزَّلِينَ) شامِيٌّ، (مُنْزَلِينَ) أبُو حَيَوَةَ، أيْ: لِلنُّصْرَةِ. ومَعْنى ألَنْ يَكْفِيَكُمْ: إنْكارٌ ألّا يَكْفِيَهُمُ الإمْدادُ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وجِيءَ بِلَنِ الَّذِي هو لِتَأْكِيدِ النَفْيِ، لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا لِقِلَّتِهِمْ، وضَعْفِهِمْ، وكَثْرَةِ عَدُوُّهِمْ وشَوْكَتِهِ كالآيِسِينَ مِنَ النَصْرِ.

3:125Page 66

بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥

Yes, if you remain patient and conscious of Allāh and they [i.e., the enemy] come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]."

﴿بَلى﴾ إيجابٌ لِما بَعْدَ لَنْ، أيْ: يَكْفِيكُمُ الإمْدادُ بِهِمْ، فَأوْجَبَ الكِفايَةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى القِتالِ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ خِلافَ الرَسُولِ ﷺ ﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ،

﴿مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ هو مَن فارَتِ القِدْرُ: إذا غَلَتْ، فاسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ، ثُمَّ سُمِّيَتْ بِها الحالَةُ الَّتِي لا رَيْثَ بِها، ولا تَعْرِيجَ عَلى شَيْءٍ مِن صاحِبِها، فَقِيلَ: خَرَجَ مِن فَوْرِهِ، كَما تَقُولُ: مِن ساعَتِهِ لَمْ يَلْبَثْ، ومِنهُ قَوْلُ الكَرْخِيِّ: الأمْرُ المُطْلَقُ عَلى الفَوْرِ لا عَلى التَراخِي، والمَعْنى: إنْ يَأْتُوكم مِن ساعَتِهِمْ هَذِهِ ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ في حالِ إتْيانِهِمْ لا يَتَأخَّرُ نُزُولُهم عَنْ إتْيانِهِمْ، يَعْنِي: أنَّ اللهَ تَعالى يُعَجِّلُ نُصْرَتَكُمْ، ويُيَسِّرُ فَتْحْكَمْ إنْ (p-٢٩٠)صَبَرْتُمْ واتَّقَيْتُمْ (مُسَوِّمِينَ) بِكَسْرِ الواوِ، مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وسَهْلٌ، أيْ: مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم أوْ خَيْلَهم بِعَلّامَةٍ يُعْرَفُ بِها في الحَرْبِ. والسُومَةُ: العَلامَةُ، عَنِ الضَحّاكِ: مُعَلِّمِينَ بِالصُوفِ الأبْيَضِ في نَواصِي الدَوابِّ وأذْنابِها، غَيْرِهِمْ بِفَتْحِ الواوِ، أيْ: مُعَلَّمِينَ، قالَ الكَلْبِيُّ: مُعَلَّمِينَ بِعَمائِمَ صُفْرٍ مُرْخاةٍ عَلى أكْتافِهِمْ، وكانَتْ عِمامَةُ الزُبَيْرِ يَوْمَ بَدْرٍ صَفْراءَ، فَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ كَذَلِكَ، قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ ألْفًا فَصارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، ثُمَّ خَمْسَةَ آلافٍ.

3:126Page 66

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١٢٦

And Allāh made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allāh, the Exalted in Might, the Wise -

﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ﴾ الضَمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإمْدادِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أنْ يُمِدَّكُمْ﴾ ﴿إلا بُشْرى لَكُمْ﴾ أيْ: وما جَعَلَ اللهُ إمْدادَكم بِالمَلائِكَةِ إلّا بِشارَةً لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ كَما كانَتِ السَكِينَةُ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِشارَةً بِالنَصْرِ، وطُمَأْنِينَةً لِقُلُوبِهِمْ.

﴿وَما النَصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللهِ﴾ لا مِن عِنْدِ المُقاتِلَةِ، ولا مِن عِنْدِ المَلائِكَةِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ مِمّا يُقَوِّي بِهِ اللهُ رَجاءَ النُصْرَةِ والطَمَعِ في الرَحْمَةِ،

﴿العَزِيزِ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ في أحْكامِهِ،

﴿الحَكِيمِ﴾ الَّذِي يُعْطِي النَصْرَ لِأوْلِيائِهِ، ويَبْتَلِيهِمْ بِجِهادِ أعْدائِهِ.

3:127Page 66

لِيَقۡطَعَ طَرَفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡ يَكۡبِتَهُمۡ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ ١٢٧

That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.

واللامُ في ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِيَهْلِكَ طائِفَةٌ مِنهم بِالقَتْلِ والأسْرِ، وهو ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ وأسْرِ سَبْعِينَ مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ، مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما النَصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللهِ﴾ أوْ بِـ ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكُمْ﴾ ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أوْ يُخْزِيَهُمْ، ويَغِيظَهم بِالهَزِيمَةِ، وحَقِيقَةُ الكَبْتِ: شِدَّةُ وهَنٍ تَقَعُ في القَلْبِ، فَيُصْرَعُ في الوَجْهِ لِأجْلِهِ ﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ فَيَرْجِعُوا غَيْرَ ظافِرِينَ بِمُبْتَغاهم.

3:128Page 66

لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٢٨

Not for you, [O Muḥammad, but for Allāh], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ اسْمُ لَيْسَ "شَيْءٌ" والخَبَرُ "لَكَ" "وَمِنَ الأمْرِ" حالٌ مِن شَيْءٍ، لِأنَّها صِفَةٌ مُقَدَّمَةٌ.

﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ و﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى مالِكٌ أمْرَهُمْ، فَإمّا أنْ (p-٢٩١)يُهْلِكَهُمْ، أوْ يَهْزِمَهُمْ، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ أسْلَمُوا،

﴿أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ إنْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، ولَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ، إنَّما أنْتَ عَبْدٌ مَبْعُوثٌ لِإنْذارِهِمْ ومُجاهَدَتِهِمْ، وعَنِ الفَرّاءِ "أوْ" بِمَعْنى: حَتّى، وعَنِ ابْنِ عِيسى بِمَعْنى: إلّا أنْ، كَقَوْلِكَ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تُعْطِيَنِي حَقِّي، أيْ: لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إلّا أنْ يَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَتَفْرَحَ بِحالِهِمْ، أوْ يُعَذِّبَهم فَتَتَشَفّى مِنهُمْ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَنَهاهُ اللهُ تَعالى، لِعِلْمِهِ أنَّ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ مُسْتَحِقُّونَ لِلتَّعْذِيبِ.

3:129Page 66

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢٩

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيِ: الأمْرُ لَهُ لا لَكَ، لِأنَّ ما في السَمَواتِ وما في الأرْضِ مِلْكُهُ ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ الكافِرِينَ ﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

3:130Page 66

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٣٠

O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allāh that you may be successful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ (مُضَعَّفَةً) مَكِّيٌّ، وشامِيٌّ. هَذا نَهْيٌ عَنِ الرِبا مَعَ التَوْبِيخِ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَضْعِيفِهِ، كانَ الرَجُلُ مِنهم إذا بَلَغَ الدَيْنُ مَحِلَّهُ يَقُولُ: إمّا أنْ تَقْضِيَ حَقِّي، أوْ تُرْبِيَ، وتَزِيدَ في الأجَلِ ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ في أكْلِهِ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

3:131Page 66

وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ١٣١

And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.

﴿واتَّقُوا النارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ كانَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: هي أخْوَفُ آيَةٍ في القُرْآنِ، حَيْثُ أوْعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالنارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ إنْ لَمْ يَتَّقُوهُ في اجْتِنابِ مَحارِمِهِ، وقَدْ أمَدَّ ذَلِكَ بِما اتَّبَعَهُ مِن تَعْلِيقِ رَجاءِ المُؤْمِنِينَ لِرَحْمَتِهِ بِتَوَفُّرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ بِقَوْلِهِ:

3:132Page 66

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٣٢

And obey Allāh and the Messenger that you may obtain mercy.

﴿وَأطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ وفِيهِ رَدٌّ عَلى المُرْجِئَةِ في قَوْلِهِمْ: لا يَضُرُّ مَعَ الإيمانِ ذَنْبٌ ولا يُعَذَّبُ بِالنارِ أصْلًا، وعِنْدَنا: غَيْرُ الكافِرِينَ (p-٢٩٢)مِنَ العُصاةِ قَدْ يَدْخُلُها، ولَكِنْ عاقِبَةُ أمْرِهِ الجَنَّةُ، وفي ذِكْرِهِ تَعالى: "لَعَلَّ" و"عَسى" في نَحْوِ هَذِهِ المَواضِعِ -وَإنْ قالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: إنَّ لَعَلَّ وعَسى مِنَ اللهِ لِلتَّحْقِيقِ- ما لا يَخْفى عَلى العارِفِ مِن دِقَّةِ مَسْلَكِ التَقْوى، وصُعُوبَةِ إصابَةِ رِضا اللهِ تَعالى، وعَزَّةِ التَوَصُّلِ إلى رَحْمَتِهِ وثَوابِهِ.

3:133–134Page 67

۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣

And hasten to forgiveness from your Lord and a garden [i.e., Paradise] as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤

Who spend [in the cause of Allāh] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allāh loves the doers of good;

(سارِعُوا) مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ. فَمَن أثْبَتَ الواوَ عَطَفَها عَلى ما قَبْلَها، ومَن حَذَفَها اسْتَأْنَفَها، ومَعْنى المُسارَعَةِ إلى المَغْفِرَةِ، والجَنَّةِ: الإقْبالُ عَلى ما يُوَصِّلُ إلَيْهِما، ثُمَّ قِيلَ: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ، أوِ التَكْبِيرَةُ الأُولى، أوِ الطاعَةُ، أوِ الإخْلاصُ، أوِ التَوْبَةُ، أوِ الجُمْعَةُ، والجَماعاتُ.

﴿عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ﴾ أيْ: عَرْضُها عَرْضُ السَمَواتِ والأرْضِ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَرْضُها كَعَرْضِ السَماءِ والأرْضِ﴾ [الحَدِيدُ: ٢١] والمُرادُ: وصْفُها بِالسَعَةِ والبَسْطِ، فَشُبِّهَتْ بِأوْسَعِ ما عَلِمَهُ الناسُ مِن خَلْقِهِ وبَسْطِهِ، وخَصَّ العَرْضَ، لِأنَّهُ في العادَةِ أدْنى مِنَ الطُولِ لِلْمُبالَغَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: كَسَبْعِ سَمَواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ لَوْ وصَلَ بَعْضَها بِبَعْضٍ. وما رُوِيَ: أنَّ الجَنَّةَ في السَماءِ السابِعَةِ، أوْ في السَماءِ الرابِعَةِ، فَمَعْناهُ أنَّها في جِهَتِها، لا أنَّها فِيها، أوْ في بَعْضِها، كَما يُقالُ: في الدارِ بُسْتانٌ، وإنْ كانَ يَزِيدُ عَلَيْها، لِأنَّ المُرادَ: أنَّ بابَهُ إلَيْها " أُعِدَّتْ " في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لَجْنَةٍ أيْضًا، أيْ: جَنَّةٌ واسِعَةٌ مُعَدَّةٌ، " لّلْمُتَّقِينَ " ودَلَّتِ الآيَتانِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ والنارَ مَخْلُوقَتانِ ثُمَّ المُتَّقِي: مَن يَتَّقِي الشِرْكَ، كَما قالَ: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ﴾ [الحَدِيدُ: ٢١] أوْ مَن يَتَّقِي المَعاصِيَ، فَإنْ كانَ المُرادُ الثانِيَ فَهي لَهم بِغَيْرِ عُقُوبَةٍ، وإنْ كانَ الأوَّلُ فَهي لَهم أيْضًا في العاقِبَةِ، ويُوقَفُ عَلَيْهِ إنْ جُعِلَ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَرّاءِ والضَرّاءِ﴾ في حالِ اليُسْرِ والعُسْرِ، مُبْتَدَأً، وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ وجُعِلَ الخَبَرُ "أُولَئِكَ" وإنْ جُعِلَ وصْفًا لِلْمُتَّقِينَ، وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ أيْ: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ والتائِبِينَ فَلا وقْفَ، فَإنْ قُلْتَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مُعَدَّةٌ لِلْمُتَّقِينَ والتائِبِينَ (p-٢٩٣)دُونَ المُصِرِّينَ، قُلْتُ: جازَ أنْ تَكُونَ مُعَدَّةً لَهُما، ثُمَّ يَدْخُلُها بِفَضْلِ اللهِ وعَفْوِهِ غَيْرُهُما، كَما يُقالُ: أُعِدَّتْ هَذِهِ المائِدَةُ لِلْأمِيرِ، ثُمَّ قَدْ يَأْكُلُها أتْباعُهُ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿واتَّقُوا النارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [آلُ عِمْرانَ: ١٣١] ثُمَّ قَدْ يَدْخُلُها غَيْرُ الكافِرِينَ بِالِاتِّفاقِ؟! وافْتُتِحَ بِذِكْرِ الإنْفاقِ، لِأنَّهُ أشَقُّ شَيْءٍ عَلى النَفْسِ، وأدَلُّهُ عَلى الإخْلاصِ، ولِأنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أعْظَمَ الأعْمالِ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ في مُجاهَدَةِ العَدُوِّ، ومُواساةِ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ. وقِيلَ: المُرادُ: الإنْفاقُ في جَمِيعِ الأحْوالِ، لِأنَّها لا تَخْلُو مِن حالِ مَسَرَّةٍ ومَضَرَّةٍ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ والمُمْسِكِينَ الغَيْظَ عَنِ الإمْضاءِ. يُقالُ: كَظَمَ القِرْبَةَ إذا مَلَأها، وشَدَّ فاها، ومِنهُ كَظْمُ الغَيْظِ: وهو أنْ يُمْسِكَ عَلى ما في نَفْسِهِ مِنهُ بِالصَبْرِ، ولا يَظْهَرُ لَهُ أثَرًا، والغَيْظُ: تَوَقُّدُ حَرارَةِ القَلْبِ مِنَ الغَضَبِ. وعَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللهُ قَلْبَهُ أُمْنًا وإيمانًا". »﴿والعافِينَ عَنِ الناسِ﴾ أيْ: إذا جَنى عَلَيْهِمْ أحَدٌ لَمْ يُؤاخِذُوهُ. ورُوِيَ: « "يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ أُجُورُهم عَلى اللهِ؟ فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا". » وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: أنَّهُ رَواهُ لِلرَّشِيدِ -وَقَدْ غَضِبَ عَلى رَجُلٍ- فَخَلّاهُ ﴿واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ اللامُ لِلْجِنْسِ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مُحْسِنٍ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ، أوْ لِلْعَهْدِ، فَيَكُونُ إشارَةً إلى هَؤُلاءِ. عَنِ الثَوْرِيِّ: الإحْسانُ: أنْ تُحْسِنَ إلى المُسِيءِ فَإنَّ الإحْسانَ إلى المُحْسِنِ مُتاجَرَةٌ.

3:135Page 67

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٣٥

And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allāh and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allāh? - and [who] do not persist in what they have done while they know.

﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ فِعْلَةً مُتَزايِدَةَ القُبْحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ و"الَّذِينَ" مُبْتَدَأً، خَبَرُهُ: "أُولَئِكَ" ﴿أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ قِيلَ: الفاحِشَةُ، الكَبِيرَةُ، وظُلْمُ النَفْسِ: الصَغِيرَةُ، أوِ الفاحِشَةُ: الزِنا، وظُلْمُ النَفْسِ: القُبْلَةُ، واللَمْسَةُ، ونَحْوُهُما.

﴿ذَكَرُوا اللهَ﴾ بِلِسانِهِمْ، أوْ بِقُلُوبِهِمْ لِيَبْعَثَهم عَلى التَوْبَةِ ﴿فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ فَتابُوا عَنْها لِقُبْحِها نادِمِينَ، قِيلَ: بَكى إبْلِيسُ حِينَ نَزَلَتْ (p-٢٩٤)هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلا اللهُ﴾ "مَن" مُبْتَدَأٌ، و"يَغْفِرُ" خَبَرُهُ، وفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى مَن. و" إلّا الله " بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يَغْفِرُ"، والتَقْدِيرُ: ولا أحَدَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلّا اللهُ، وهَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَطْيِيبٌ لِنُفُوسِ العِبادِ، وتَنْشِيطٌ لِلتَّوْبَةِ، وبَعْثٌ عَلَيْها، ورَدْعٌ عَنِ اليَأْسِ والقُنُوطِ، وبَيانٌ لِسَعَةِ رَحْمَتِهِ وقُرْبِ مَغْفِرَتِهِ مِنَ التائِبِ، وإشْعارٌ بِأنَّ الذُنُوبَ -وَإنْ جَلَّتْ- فَإنَّ عَفْوَهُ أجَلُّ، وكَرَمَهُ أعْظَمُ ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ ولَمْ يُقِيمُوا عَلى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ، والإصْرارُ: الإقامَةُ. قالَ ﷺ: « "ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، وإنْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً". » ورُوِيَ: « "لا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ، ولا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ". »﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ أيْ: " وهَمّ يَعْلَمُونَ " أنَّهم أساءُوا، أوْ ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ لا يَغْفِرُ ذُنُوبَهم إلّا اللهُ.

3:136Page 67

أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ١٣٦

Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ،

﴿جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ بِتَوْبَتِهِ ﴿وَجَنّاتٌ﴾ بِرَحْمَتِهِ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ذَلِكَ، يَعْنِي: المَغْفِرَةُ والجَنّاتُ. نَزَلَتْ في تَمّارٍ قالَ لِامْرَأةٍ تُرِيدُ التَمْرَ: في بَيْتِي تَمْرٌ أجْوَدُ، فَأدْخَلَها بَيْتَهُ وضَمَّها إلى نَفْسِهِ، وقَبَّلَها، فَنَدِمَ. أوْ في أنْصارِيٍّ اسْتَخْلَفَهُ ثَقَفِيٌّ -وَقَدْ آخى بَيْنَهُما النَبِيُّ ﷺ- في غَيْبَةِ غَزْوَةٍ، فَأتى أهْلَهُ لِكِفايَةِ حاجَةٍ فَرَآها فَقَبَّلَها، فَنَدِمَ، فَساحَ في الأرْضِ صارِخًا، فاسْتَعْتَبَهُ اللهُ تَعالى.

3:137Page 67

قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١٣٧

Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.

﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ يُرِيدُ: ما سَنَّهُ اللهُ تَعالى في (p-٢٩٥)الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ مِن وقائِعِهِ ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ فَتَعْتَبِرُوا بِها.

3:138Page 67

هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ١٣٨

This [Qur’ān] is a clear statement to [all] the people and a guidance and instruction for those conscious of Allāh.

﴿هَذا﴾ أيِ: القُرْآنُ، أوْ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى﴾ أيْ: إرْشادٌ ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَنِ الشِرْكِ.

3:139Page 67

وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩

So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.

﴿وَلا تَهِنُوا﴾ ولا تَضْعُفُوا عَنِ الجِهادِ لِما أصابَكم مِنَ الهَزِيمَةِ.

﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ عَلى ما فاتَكم مِنَ الغَنِيمَةِ، أوْ عَلى مَن قُتِلَ مِنكُمْ، أوْ جُرِحَ. وهو تَسْلِيَةٌ مِنَ اللهِ لِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَمّا أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وتَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِهِمْ.

﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ وحالُكم أنَّكم أعْلى مِنهم وأغْلَبُ، لِأنَّكم أصَبْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ أكْثَرَ مِمّا أصابُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ، أوْ " أنْتُمُ الأعْلَوْنَ " بِالنَصْرِ والظَفَرِ في العاقِبَةِ. وهي بِشارَةٌ لَهم بِالعُلُوِّ والغَلَبَةِ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافّاتُ: ١٧٣]. أوْ ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ شَأْنًا، لِأنَّ قِتالَكم لِلَّهِ، ولِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، وقِتالِهِمْ لِلشَّيْطانِ ولِإعْلاءِ كَلِمَةِ الكُفْرِ، أوْ لِأنَّ قَتْلاكم في الجَنَّةِ وقَتْلاهم في النارِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَهْيِ، أيْ: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ إنْ صَحَّ إيمانُكُمْ، يَعْنِي: أنَّ صِحَّةَ الإيمانِ تُوجِبُ قُوَّةَ القَلْبِ، والثِقَةَ بِوَعْدِ اللهِ، وقِلَّةَ المُبالاةِ بِأعْدائِهِ. أوْ بِالأعْلَوْنَ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِما يَعِدُكُمُ اللهُ بِهِ، ويُبَشِّرُكم بِهِ مِنَ الغَلَبَةِ.

3:140Page 67

إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٠

If a wound should touch you - there has already touched the [opposing] people a wound similar to it. And these days [of varying conditions] We alternate among the people so that Allāh may make evident those who believe and [may] take to Himself from among you martyrs - and Allāh does not like the wrongdoers -

﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ الناسِ ولِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ﴾

١٤٠ ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ بِضَمِّ القافِ حَيْثُ كانَ كَوْفِيٌّ، غَيْرَ حَفْصٍ. وبِفَتْحِ القافِ غَيْرُهم. وهُما لُغَتانِ كالضَعْفِ والضُعْفِ. وقِيلَ: بِالفَتْحِ الجِراحَةُ، وبِالضَمِّ: ألَمُها.

﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أيْ: إنْ نالُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ نِلْتُمْ مِنهُ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ لَمْ يُضْعِفْ ذَلِكَ قُلُوبَهُمْ، ولَمْ يَمْنَعْهم عَنْ (p-٢٩٦)مُعاوَدَتِكم إلى القِتالِ، فَأنْتُمْ أوْلى ألّا تَضْعُفُوا ﴿وَتِلْكَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿الأيّامُ﴾ صِفَتُهُ، والخَبَرُ ﴿نُداوِلُها﴾ ﴿نُداوِلُها﴾ نُصَرِّفُها،

﴿بَيْنَ الناسِ﴾ أيْ: نُصَرِّفُ ما فِيها مِنَ النِعَمِ والنِقَمِ، نُعْطِي لِهَؤُلاءِ تارَةً، وطَوْرًا لِهَؤُلاءِ، كَبَيْتِ الكِتابِ:

؎ فَيَوْمًا عَلَيْنا ويَوْمًا لَنا ∗∗∗ ويَوْمًا نُساءُ ويَوْمًا نُسَرُّ

﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: نُداوِلُها لِضُرُوبٍ مِنَ التَدْبِيرِ، ولِيَعْلَمَ اللهُ المُؤْمِنِينَ مُمَيَّزِينَ بِالصَبْرِ والإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ، كَما عَلِمَهم قَبْلَ الوُجُودِ ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ ولِيُكْرِمَ ناسًا مِنكم بِالشَهادَةِ، يُرِيدَ لِلْمُسْتَشْهِدِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، أوْ لِيَتَّخِذَ مِنكم مَن يَصْلُحُ لِلشَّهادَةِ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ﴾ [البَقَرَةُ: ١٤٣] ﴿واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ بَعْضِ التَعْلِيلِ وبَعْضٍ، ومَعْناهُ: واللهُ لا يُحِبُّ مَن لَيْسَ مِن هَؤُلاءِ الثابِتِينَ عَلى الإيمانِ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ، وهُمُ المُنافِقُونَ والكافِرُونَ.

3:141Page 68

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤١

And that Allāh may purify the believers [through trials] and destroy the disbelievers.

﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ التَمْحِيصُ: التَطْهِيرُ، والتَصْفِيَةُ.

﴿وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ ويُهْلِكَهُمْ، يَعْنِي: إنْ كانَتِ الدَوْلَةُ عَلى المُؤْمِنِينَ فَلِلتَّمْيِيزِ، والِاسْتِشْهادِ، والتَمْحِيصِ، وإنْ كانَتْ عَلى الكافِرِينَ فَلِمَحْقِهِمْ، ومَحْوِ آثارِهِمْ.

3:142Page 68

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٢

Or do you think that you will enter Paradise while Allāh has not yet made evident those of you who fight in His cause and made evident those who are steadfast?

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها الإنْكارُ، أيْ: لا تَحْسَبُوا.

﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ أيْ: ولَمّا تُجاهِدُوا، لِأنَّ العِلْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْلُومِ، فَنُزِّلَ نَفْيُ العِلْمِ مَنزِلَةَ نَفْيِ مُتَعَلِّقِهِ، لِأنَّهُ مُنْتَفٍ بِانْتِفائِهِ، تَقُولُ: ما عَلِمَ اللهُ في فُلانٍ خَيْرًا، أيْ: ما فِيهِ خَيْرٌ حَتّى يُعْلَمَهُ، ولَمّا بِمَعْنى لَمْ، إلّا أنَّ فِيهِ ضَرْبًا مِنَ التَوَقُّعِ، فَدَلَّ عَلى نَفْيِ الجِهادِ فِيما مَضى، وعَلى تَوَقُّعِهِ فِيما يُسْتَقْبَلُ ﴿وَيَعْلَمَ الصابِرِينَ﴾ نَصْبٌ بِإضْمارِ أنْ، والواوُ بِمَعْنى الجَمْعِ، نَحْوُ لا تَأْكُلِ السَمَكَ وتَشْرَبَ اللَبَنَ، أوْ جَزْمٌ لِلْعَطْفِ عَلى يَعْلَمِ اللهُ، وإنَّما (p-٢٩٧)حُرِّكَتِ المِيمُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، واخْتِيرَتِ الفَتْحَةُ لِفَتْحَةِ ما قَبْلَها.

3:143Page 68

وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ١٤٣

And you had certainly wished for death [i.e., martyrdom] before you encountered it, and you have [now] seen it [before you] while you were looking on.

﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ خُوطِبَ بِهِ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ أنْ يَحْضُرُوا مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَنالُوا كَرامَةَ الشَهادَةِ، وهُمُ الَّذِينَ ألَحُّوا عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في الخُرُوجِ إلى المُشْرِكِينَ، وكانَ رَأْيُهُ في الإقامَةِ بِالمَدِينَةِ، يَعْنِي: وكُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ قَبْلَ أنْ تُشاهِدُوهُ، وتَعْرِفُوا شِدَّتَهُ.

﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أيْ: رَأيْتُمُوهُ مُعايِنِينَ، مُشاهِدِينَ لَهُ حِينَ قُتِلَ إخْوانُكم بَيْنَ أيْدِيكُمْ، وشارَفْتُمْ أنْ تُقْتَلُوا، وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم عَلى تَمَنِّيهِمُ المَوْتَ، وعَلى ما تَسَبَّبُوا لَهُ مِن خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِإلْحاحِهِمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْهِزامِهِمْ عَنْهُ، وإنَّما تَمَنَّوُا الشَهادَةَ لِيَنالُوا كَرامَةَ الشُهَداءِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى ما يَتَضَمَّنُهُ مِن غَلَبَةِ الكُفّارِ، كَمَن شَرِبَ الدَواءَ مِن طَبِيبٍ نَصْرانِيٍّ، فَإنَّ قَصْدَهُ حُصُولُ الشِفاءِ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّ فِيهِ جَرَّ مَنفَعَةٍ إلى عَدُوِّ اللهِ، وتَنْفِيقًا لِصِناعَتِهِ.

3:144Page 68

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤

Muḥammad is not but a messenger. [Other] messengers have passed on before him. So if he was to die or be killed, would you turn back on your heels [to unbelief]? And he who turns back on his heels will never harm Allāh at all; but Allāh will reward the grateful.

«لَمّا رَمى ابْنُ قَمِيئَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِحَجَرٍ فَكَسَرَ رُباعِيَّتَهُ، أقْبَلَ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَذَبَّ عَنْهُ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، وهو صاحِبُ الرايَةِ، حَتّى قَتَلَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ، وهو يَرى أنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقالَ: قَتَلْتُ مُحَمَّدًا، وخَرَجَ صارِخًا -قِيلَ: هو الشَيْطانُ-: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَفَشا في الناسِ خَبَرُ قَتْلِهِ، فانْكَفَئُوا، وجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو: "إلَيَّ عِبادَ اللهِ" حَتّى انْحازَتْ إلَيْهِ طائِفَةٌ مِن أصْحابِهِ، فَلامَهم عَلى هَرَبِهِمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، فَدَيْناكَ بِآبائِنا وأُمَّهاتِنا، أتانا خَبَرُ قَتْلِكَ فَوَلَّيْنا مُدْبِرِينَ، فَنَزَلَ ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ﴾ » مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِهِ الرُسُلُ﴾ سَيَخْلُو كَما خَلَوْا. وكَما أنَّ أتْباعَهم بَقُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ بَعْدَ خُلُوِّهِمْ، فَعَلَيْكم أنْ تَتَمَسَّكُوا بِدِينِهِ بَعْدَ خُلُوِّهِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن بَعْثَةِ الرُسُلِ تَبْلِيغُ الرِسالَةِ، وإلْزامُ الحُجَّةِ، لا وُجُودُهُ بَيْنَ أظْهُرِ قَوْمِهِ ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ الفاءُ مُعَلَّةٌ لِلْجُمْلَةِ الشَرْطِيَّةِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها عَلى مَعْنى (p-٢٩٨)التَسْبِيبِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ يَجْعَلُوا خُلُوَّ الرُسُلِ قَبْلَهُ سَبَبًا لِانْقِلابِهِمْ عَلى أعْقابِهِمْ بَعْدَ هَلاكِهِ بِمَوْتٍ، أوْ قَتْلٍ، مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّ خُلُوَّ الرُسُلِ قَبْلَهُ، وبَقاءَ دِينِهِمْ مُتَمَسَّكًا بِهِ يَجِبُ أنْ يُجْعَلَ سَبَبًا لِلتَّمَسُّكِ بِدِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ لا لِلِانْقِلابِ عَنْهُ. والِانْقِلابُ عَلى العَقِبَيْنِ مَجازٌ عَلى الِارْتِدادِ، أوْ عَنِ الِانْهِزامِ ﴿وَمَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا﴾ وإنَّما ضَرَّ نَفْسَهُ ﴿وَسَيَجْزِي اللهُ الشاكِرِينَ﴾ الَّذِينَ لَمْ يَنْقَلِبُوا، وسَمّاهم شاكِرِينَ، لِأنَّهم شَكَرُوا نِعْمَةَ الإسْلامِ فِيما فَعَلُوا.

3:145Page 68

وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٥

And it is not [possible] for one to die except by permission of Allāh at a decree determined. And whoever desires the reward of this world - We will give him thereof; and whoever desires the reward of the Hereafter - We will give him thereof. And We will reward the grateful.

﴿وَما كانَ﴾ وما جازَ ﴿لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللهِ﴾ أيْ: بِعِلْمِهِ، أوْ بِأنْ يَأْذَنَ لِمَلَكِ المَوْتِ في قَبْضِ رُوحِهِ، والمَعْنى: أنَّ مَوْتَ الأنْفُسِ مُحالٌ أنْ يَكُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللهِ، وفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلى الجِهادِ، وتَشْجِيعٌ عَلى لِقاءِ العَدُوِّ، وإعْلامٌ بِأنَّ الحَذَرَ لا يَنْفَعُ، وأنَّ أحَدًا لا يَمُوتُ قَبْلَ بُلُوغِ أجَلِهِ وإنْ خاضَ المَهالِكَ، واقْتَحَمَ المَعارِكَ ﴿كِتابًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ المَعْنى: كَتَبَ المَوْتَ كِتابًا ﴿مُؤَجَّلا﴾ مُؤَقَّتًا لَهُ أجَلٌ مَعْلُومٌ لا يَتَقَدَّمُ، ولا يَتَأخَّرُ ﴿وَمَن يُرِدْ﴾ بِقِتالِهِ ﴿ثَوابَ الدُنْيا﴾ أيِ: الغَنِيمَةَ، وهو تَعْرِيضٌ بِالَّذِينِ شَغَلَتْهُمُ الغَنائِمُ يَوْمَ أُحُدٍ.

﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ مِن ثَوابِها ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ﴾ أيْ: إعْلاءَ كَلِمَةِ اللهِ، والدَرَجَةَ في الآخِرَةِ.

﴿نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشاكِرِينَ﴾ وسَنَجْزِي الجَزاءَ المُبْهَمَ الَّذِينَ شَكَرُوا نِعْمَةَ اللهِ، فَلَمْ يَشْغَلْهم شَيْءٌ عَنِ الجِهادِ.

3:146Page 68

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦

And how many a prophet [fought in battle and] with him fought many religious scholars. But they never lost assurance due to what afflicted them in the cause of Allāh, nor did they weaken or submit. And Allāh loves the steadfast.

﴿وَكَأيِّنْ﴾ أصْلُهُ: أيٍّ دَخَلَ عَلَيْهِ كافُ التَشْبِيهِ، وصارَ في مَعْنى كَمِ الَّتِي لِلتَّكْثِيرِ. وكائِنٌ بِوَزْنِ كاعٍ حَيْثُ كانَ، مَكِّيٌّ.

﴿مِن نَبِيٍّ قاتَلَ﴾ (قُتِلَ) مَكِّيٌّ، وبَصْرِيٌّ، ونافِعٌ.

﴿مَعَهُ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في قُتِلَ، أيْ: قُتِلَ كائِنًا مَعَهُ ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ والرِبِّيُّونَ، الرَبّانِيُّونَ. وعَنِ الحَسَنِ بِضَمِّ الراءِ، وعَنِ البَعْضِ بِفَتْحِها، فالفَتْحُ عَلى القِياسِ، لِأنَّهُ مَنسُوبٌ إلى الرَبِّ، والضَمُّ والكَسْرُ مِن تَغْيِيراتِ النَسَبِ.

﴿فَما وهَنُوا﴾ فَما فَتَرَوْا عِنْدَ قَتْلِ نَبِيِّهِمْ ﴿لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللهِ وما (p-٢٩٩)ضَعُفُوا﴾ عَنِ الجِهادِ بَعْدَهُ ﴿وَما اسْتَكانُوا﴾ وما خَضَعُوا لِعَدُوِّهِمْ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِما أصابَهم مِنَ الوَهَنِ عِنْدَ الإرْجافِ بِقَتْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، واسْتِكانَتِهِمْ لَهم حَيْثُ أرادُوا أنْ يَعْتَضِدُوا بِابْنِ أُبَيٍّ في طَلَبِ الأمانِ مِن أبِي سُفْيانَ.

﴿واللهُ يُحِبُّ الصابِرِينَ﴾ عَلى جِهادِ الكافِرِينَ.

3:147Page 68

وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧

And their words were not but that they said, "Our Lord, forgive us our sins and the excess [committed] in our affairs and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

﴿وَما كانَ قَوْلَهم إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ أيْ: وما كانَ قَوْلَهم إلّا هَذا القَوْلُ، وهو إضافَةُ الذُنُوبِ إلى أنْفُسِهِمْ، مَعَ كَوْنِهِمْ رَبّانِيِّينَ، هَضْمًا لَها ﴿وَإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ تَجاوُزَنا حَدَّ العُبُودِيَّةِ،

﴿وَثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ في القِتالِ.

﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ بِالغَلَبَةِ، وقَدَّمَ الدُعاءَ بِالِاسْتِغْفارِ مِنَ الذُنُوبِ عَلى طَلَبِ تَثْبِيتِ الأقْدامِ في مَواطِنِ الحَرْبِ والنُصْرَةِ عَلى الأعْداءِ، لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى الإجابَةِ، لِما فِيهِ مِنَ الخُضُوعِ والِاسْتِكانَةِ.

3:148Page 68

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤٨

So Allāh gave them the reward of this world and the good reward of the Hereafter. And Allāh loves the doers of good.

﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُنْيا﴾ أيِ: النُصْرَةَ، والظَفَرَ، والغَنِيمَةَ.

﴿وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ المَغْفِرَةَ والجَنَّةَ. وخُصَّ بِالحُسْنِ دَلالَةً عَلى فَضْلِهِ، وتَقَدُّمِهِ، وأنَّهُ هو المُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَهُ.

﴿واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: هم مُحْسِنُونَ، واللهُ يُحِبُّهم.

3:149Page 69

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ١٤٩

O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ يُرْجِعُوكم إلى الشَرِّ ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ قِيلَ: هو عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ، وعَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يُجانِبُوهُمْ، ولا يُطِيعُوهم في شَيْءٍ حَتّى لا يَسْتَجِرُّوهم إلى مُوافَقَتِهِمْ. وعَنِ السُدِّيِّ: إنْ تَسْتَكِينُوا لِأبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، وتَسْتَأْمِنُوهُمْ، يَرُدُّوكم إلى دِينِهِمْ. وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: نَزَلَتْ في قَوْلِ المُنافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الهَزِيمَةِ: ارْجِعُوا إلى إخْوانِكُمْ، وادْخُلُوا في دِينِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском