An-NasafiAli 'Imran · 3:171–192

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:171–192

3:171Page 72

۞ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٧١

They receive good tidings of favor from Allāh and bounty and [of the fact] that Allāh does not allow the reward of believers to be lost -

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ﴾ يُسَرُّونَ بِما أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ مِن زِيادَةِ الكَرامَةِ.

﴿وَأنَّ اللهَ﴾ عَطْفٌ عَلى النِعْمَةِ والفَضْلِ. و(إنَّ اللهَ) عَلِيٌّ، بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وعَلى أنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضٌ ﴿لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ بَلْ يُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ.

3:172Page 72

ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢

Those [believers] who responded to Allāh and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allāh is a great reward -

﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَسُولِ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ أوْ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ الجُرْحُ. رُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ لَمّا انْصَرَفُوا مِن أُحُدٍ، فَبَلَغُوا الرُوحاءَ نَدِمُوا، وهَمُّوا بِالرُجُوعِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأرادَ أنْ يُرْهِبَهُمْ، ويُرِيَهم مِن نَفْسِهِ وأصْحابِهِ قُوَّةً، فَنَدَبَ النَبِيُّ أصْحابَهُ لِلْخُرُوجِ في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ، فَخَرَجَ يَوْمَ الأحَدِ مِنَ المَدِينَةِ مَعَ سَبْعِينَ رَجُلًا حَتّى بَلَغُوا حَمْراءَ الأسَدِ، وهي مِنَ المَدِينَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ، وكانَ بِأصْحابِهِ القَرْحُ، فَألْقى اللهُ الرُعْبَ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ (p-٣١٢)فَذَهَبُوا. فَنَزَلَتْ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا﴾ » "مِن" لِلتَّبْيِينِ، ومِثْلُها في قَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً﴾ [الفَتْحُ: ٢٩]، لِأنَّ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَسُولِ قَدْ أحْسَنُوا كُلُّهم واتَّقَوْا، لا بَعْضُهم ﴿أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ.

3:173Page 72

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣

Those to whom people [i.e., hypocrites] said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allāh, and [He is] the best Disposer of affairs."1

﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴿إنَّ الناسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ رُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ نادى عِنْدَ انْصِرافِهِ مِن أُحُدٍ يا مُحَمَّدُ، مَوْعِدُنا مَوْسِمُ بَدْرٍ القابِلُ، فَقالَ ﷺ: "إنْ شاءَ اللهُ". فَلَمّا كانَ القابِلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ في أهْلِ مَكَّةَ، فَألْقى اللهُ الرُعْبَ في قَلْبِهِ، فَبَدا لَهُ أنْ يَرْجِعَ، فَلَقِيَ نَعِيمَ بْنَ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيَّ - وقَدْ قَدِمَ مُعْتَمِرًا- فَقالَ: يا نَعِيمُ، إنِّي واعَدْتُ مُحَمَّدًا أنْ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ، وقَدْ بَدا لِي أنْ أُسْلِمَ فالحَقْ بِالمَدِينَةِ، فَثَبِّطْهُمْ، ولَكَ عِنْدِي عَشَرَةٌ مِنَ الإبِلِ. فَخَرَجَ نَعِيمٌ، فَوَجَدَ المُسْلِمِينَ يَتَجَهَّزُونَ فَقالَ لَهُمْ: أتُرِيدُونَ أنْ تَخْرُجُوا وقَدْ جَمَعُوا لَكُمْ؟! فَواللهِ لا يُفْلِتُ مِنكم أحَدٌ، فَقالَ ﷺ: "واللهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي أحَدٌ". فَخَرَجَ في سَبْعِينَ راكِبًا، وهم يَقُولُونَ: ﴿حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ حَتّى وافَوْا بَدْرًا، وأقامُوا بِها ثَمانِيَ لَيالٍ. وكانَتْ مَعَهم تِجارَةٌ فَباعُوها، وأصابُوا خَيْرًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى المَدِينَةِ سالِمِينَ غانِمِينَ، ولَمْ يَكُنْ قِتالٌ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ إلى مَكَّةَ، » فَسَمّى أهْلُ مَكَّةَ جَيْشَهُ جَيْشَ السَوِيقِ، وقالُوا: إنَّما خَرَجْتُمْ لِتَأْكُلُوا السَوِيقَ، فالناسُ الأوَّلُ: نَعِيمٌ، وهو جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الواحِدُ، أوْ كانَ لَهُ أتْباعٌ يُثَبِّطُونَ مِثْلَ تَثْبِيطِهِ. والثانِي: أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ.

﴿فاخْشَوْهُمْ﴾ فَخافُوهم ﴿فَزادَهُمْ﴾ أيِ: المَقُولُ الَّذِي هو ﴿إنَّ الناسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ أوِ القَوْلُ، أوْ نَعِيمٌ.

﴿إيمانًا﴾ بَصِيرَةً، وإيقانًا.

﴿وَقالُوا حَسْبُنا اللهُ﴾ كافِينا اللهُ، أيِ: الَّذِي يَكْفِينا اللهُ. يُقالُ: أحْسَبَهُ الشَيْءُ إذا كَفاهُ، وهو بِمَعْنى المُحْسِبُ، بِدَلِيلِ أنَّكَ تَقُولُ: هَذا رَجُلٌ حَسَبُكَ، فَتَصِفُ بِهِ النَكِرَةَ (p-٣١٣)لِأنَّ إضافَتَهُ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ لِكَوْنِهِ في مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ ﴿وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ونِعْمَ المَوْكُولُ إلَيْهِ هو.

3:174Page 73

فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤

So they returned with favor from Allāh and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allāh, and Allāh is the possessor of great bounty.

﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ وهي السَلامَةُ، وحَذَرُ العَدُوِّ مِنهم.

﴿وَفَضْلٍ﴾ وهو الرِبْحُ في التِجارَةِ، فَأصابُوا بِالدِرْهَمِ دِرْهَمَيْنِ.

﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ لَمْ يَلْقَوْا ما يَسُوءُهم مِن كَيْدِ عَدُوٍّ، وهو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في " انْقَلَبُوا " وكَذا ﴿بِنِعْمَةٍ﴾ والتَقْدِيرُ: فَرَجَعُوا مِن بَدْرٍ مُنَعَّمِينَ بَرِيئِينَ مِن سُوءٍ.

﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ﴾ بِجَراءَتِهِمْ، وخُرُوجِهِمْ إلى وجْهِ العَدُوِّ عَلى إثْرِ تَثْبِيطِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى "انْقَلَبُوا" ﴿واللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالتَوْفِيقِ فِيما فَعَلُوا.

3:175Page 73

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥

That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.

﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَيْطانُ﴾ هو خَبَرُ "ذَلِكُمْ" أيْ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ﴾ المُثَبِّطُ هو ﴿الشَيْطانُ﴾ وهو نَعِيمٌ ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ أيِ: المُنافِقِينَ، وهو جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانٌ لِشَيْطَنَتِهِ. أوِ ﴿الشَيْطانُ﴾ صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ، و﴿يُخَوِّفُ﴾ الخَبَرُ ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ أيْ: أوْلِياءَهُ ﴿وَخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي أنْ يُؤْثِرَ العَبْدُ خَوْفَ اللهِ عَلى خَوْفِ غَيْرِهِ. وخافُونِي في الوَصْلِ والوَقْفِ، سَهْلٌ ويَعْقُوبُ، وافَقَهُما أبُو عَمْرٍو في الوَصْلِ.

3:176Page 73

وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦

And do not be grieved, [O Muḥammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allāh at all. Allāh intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.

﴿وَلا يَحْزُنْكَ﴾ (يُحْزِنُكَ) في كُلِّ القُرْآنِ نافِعٌ، إلّا في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنْبِياءُ: ١٠٣] ﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ يَعْنِي: لا يُحْزِنُوكَ لِخَوْفِ أنْ يَضُرُّوكَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا﴾ أيْ: أوْلِياءَ اللهِ، يَعْنِي: أنَّهم لا يَضُرُّونَ بِمُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ غَيْرَ أنْفُسِهِمْ، وما وبالُ ذَلِكَ عائِدًا عَلى غَيْرِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ يَعُودُ وبالُهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ﴾ أيْ: نَصِيبًا مِنَ الثَوابِ،

﴿وَلَهُمْ﴾ بَدَلَ الثَوابِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وذَلِكَ أبْلَغُ ما ضَرَّ بِهِ الإنْسانُ نَفْسَهُ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى إرادَةِ الكُفْرِ (p-٣١٤)والمَعاصِي، لِأنَّ إرادَتَهُ ألّا يَكُونَ لَهم ثَوابٌ في الآخِرَةِ لا تَكُونُ بِدُونِ إرادَةِ كُفْرِهِمْ، ومَعاصِيهِمْ.

3:177Page 73

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٧

Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allāh at all, and for them is a painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ أيِ: اسْتَبْدَلُوهُ بِهِ ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا﴾ هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَرَرِ، الآيَةُ الأُولى فِيمَن نافَقَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، أوِ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ، والثانِيَةُ: في جَمِيعِ الكُفّارِ، أوْ عَلى العَكْسِ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

3:178Page 73

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٧٨

And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.

﴿وَلا يَحْسَبَنَّ﴾ وثَلاثَةٌ بَعْدَها مَعَ ضَمِّ الباءِ في (يَحْسَبَنَّهُمْ) بِالياءِ، مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. وكُلُّها بِالتاءِ حَمْزَةُ، وكُلُّها بِالياءِ مَدَنِيٌّ، وشامِيٌّ. إلّا (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ) [آلِ عِمْرانَ: ١٨٨] فَإنَّها بِالتاءِ. الباقُونَ: الأوْلَيانِ بِالياءِ، والأُخْرَيانِ بِالتاءِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيمَن قَرَأ بِالياءِ رَفْعٌ، أيْ: ولا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ. وإنَّ مَعَ اسْمِهِ وخَبَرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ لِيَحْسَبَنَّ، والتَقْدِيرُ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إمْلاءَنا خَيْرًا لِأنْفُسِهِمْ. و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وكانَ حَقُّها في قِياسِ عِلْمِ الخَطِّ أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً، ولَكِنَّها وقَعَتْ في الإمامِ مُتَّصِلَةً، فَلا يُخالِفُ. وفِيمَن قَرَأ بِالتاءِ نَصْبٌ، أيْ: ولا تَحْسَبَنَّ الكافِرِينَ. و﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الكافِرِينَ، أيْ: ولا تَحْسَبَنَّ أنَّ ما نُمْلِي لِلْكافِرِينَ خَيْرٌ لَهم. وأنَّ مَعَ ما في حَيِّزِهِ يَنُوبُ عَنِ المَفْعُولَيْنِ، والإمْلاءُ لَهُمْ: إمْهالُهُمْ، وإطالَةُ عُمُرِهِمْ.

﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ "ما" هَذِهِ حَقُّها أنْ تُكْتَبَ مُتَّصِلَةً، لِأنَّها كافَّةٌ دُونَ الأُولى. وهَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهم لا يَحْسَبُونَ الإمْلاءَ خَيْرًا لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ والآيَةُ حُجَّةٌ لَنا عَلى المُعْتَزِلَةِ في مَسْألَتَيِ الأصْلَحِ، وإرادَةِ المَعاصِي ﴿وَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾

3:179Page 73

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩

Allāh would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allāh reveal to you the unseen. But [instead], Allāh chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allāh and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.

واللامُ في ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ مِنِ اخْتِلاطِ (p-٣١٥)المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ والمُنافِقِينَ، لِتَأْكِيدِ النَفْيِ ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَيِّبِ﴾ حَتّى يَعْزِلَ المُنافِقَ عَنِ المُخْلِصِ (يُمَيَّزَ) حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ. والخِطابُ في "أنْتُمْ" لِلْمُصَدِّقِينَ مِن أهْلِ الإخْلاصِ والنِفاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُخْلِصِينَ مِنكم عَلى الحالِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنِ اخْتِلاطِ بَعْضِكم بِبَعْضٍ، حَتّى يُمَيِّزَهم مِنكم بِالوَحْيِ إلى نَبِيِّهِ، وإخْبارِهِ بِأحْوالِكم.

﴿وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ وما كانَ اللهُ لِيُؤْتِيَ أحَدًا مِنكم عِلْمَ الغُيُوبِ، فَلا تَتَوَهَّمُوا عِنْدَ إخْبارِ الرَسُولِ بِنِفاقِ الرَجُلِ، وإخْلاصِ الآخَرِ، أنَّهُ يَطَّلِعُ عَلى ما في القُلُوبِ اطِّلاعَ اللهِ، فَيُخْبِرُ عَنْ كُفْرِها وإيمانِها ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: ولَكِنَّ اللهَ يُرْسِلُ الرَسُولَ فَيُوحِي إلَيْهِ، ويُخْبِرُهُ بِأنَّ في الغَيْبِ كَذا، وأنَّ فُلانًا في قَلْبِهِ النِفاقُ، وفُلانًا في قَلْبِهِ الإخْلاصُ، فَيَعْلَمُ ذَلِكَ مِن جِهَةِ إخْبارِ اللهِ لا مِن جِهَةِ نَفْسِهِ. والآيَةُ حُجَّةٌ عَلى الباطِنِيَّةِ، فَإنَّهم يَدَّعُونَ ذَلِكَ لِإمامِهِمْ، فَإنْ لَمْ يُثْبِتُوا النُبُوَّةَ لَهُ صارُوا مُخالِفِينَ لِلنَّصِّ، حَيْثُ أثْبَتُوا عِلْمَ الغَيْبِ لِغَيْرِ الرُسُلِ، وإنْ أثْبَتُوا النُبُوَّةَ لَهُ صارُوا مُخالِفِينَ لِنَصٍّ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَخاتَمَ النَبِيِّينَ﴾ [الأحْزابُ: ٤٠] ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ﴾ بِصِفَةِ الإخْلاصِ.

﴿وَإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ النِفاقَ ﴿فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ.

3:180Page 73

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٨٠

And let not those who [greedily] withhold what Allāh has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.

وَنَزَلَ في مانِعِي الزَكاةِ ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾ مَن قَرَأ بِالتاءِ قَدَّرَ مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ: ولا تَحْسَبَنَّ بُخْلَ الباخِلِينَ. و"هُوَ" فَصْلٌ. و﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ، وكَذا مَن قَرَأ بِالياءِ، وجَعَلَ فاعِلَ يَحْسَبَنَّ ضَمِيرَ رَسُولِ اللهِ، أوْ ضَمِيرَ أحَدٍ، ومَن جَعَلَ فاعِلَهُ "الَّذِينَ يَبْخَلُونَ" كانَ التَقْدِيرُ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بُخْلَهم ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وهو فَصْلٌ، وخَيْرًا لَهُمْ: مَفْعُولٌ ثانٍ،

﴿بَلْ هُوَ﴾ أيِ: البُخْلُ.

﴿شَرٌّ لَهُمْ﴾ لِأنَّ أمْوالَهم سَتَزُولُ عَنْهُمْ، ويَبْقى عَلَيْهِمْ وبالُ البُخْلِ ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ (p-٣١٦)القِيامَةِ﴾ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ أيْ: سَيَجْعَلُ مالَهُمُ الَّذِي مَنَعُوهُ عَنِ الحَقِّ طَوْقًا في أعْناقِهِمْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: « "مَن مَنَعَ زَكاةَ مالِهِ يَصِيرُ حَيَّةً ذَكَرًا أقْرَعَ لَهُ نابانِ فَيُطَوَّقُ في عُنُقِهِ فَيَنْهَشُهُ ويَدْفَعُهُ إلى النارِ". » و﴿وَلِلَّهِ مِيراثُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ ولَهُ ما فِيهِما مِمّا يَتَوارَثُهُ أهْلُهُما مِن مالٍ وغَيْرِهِ، فَما لَهم يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ بِمُلْكِهِ، ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ اللهِ؟! والأصْلُ في مِيراثٍ مِوْراثٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وبِالياءِ مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، فالتاءُ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وهو أبْلَغُ في الوَعِيدِ، والياءُ عَلى الظاهِرِ.

3:181Page 74

لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١

Allāh has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allāh is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ قالَ ذَلِكَ اليَهُودُ حِينَ سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البَقَرَةُ: ٢٤٥] وقالُوا: إنَّ إلَهَ مُحَمَّدٍ يَسْتَقْرِضُ مِنّا، فَنَحْنُ إذًا أغْنِياءٌ وهو فَقِيرٌ، ومَعْنى سَماعِ اللهِ لَهُ، أنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، وأنَّهُ أعَدَّ لَهُ كَفاءً مِنَ العِقابِ.

﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ سَنَأْمُرُ الحَفَظَةَ بِكِتابَةِ ما قالُوا في الصَحائِفِ، أوْ سَنَحْفَظُهُ إذِ الكِتابُ مِنَ الخَلْقِ لِيَحْفَظَ ما فِيهِ، فَسُمِّيَ بِهِ مَجازًا، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي،

﴿وَقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما، جَعَلَ قَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ قَرِينَةً لَهُ، إيذانًا بِأنَّهُما في العِظَمِ أخَوانِ، وأنَّ مَن قَتَلَ الأنْبِياءَ لَمْ يُسْتَبْعَدْ مِنهُ الِاجْتِراءُ عَلى مِثْلِ هَذا القَوْلِ ﴿وَنَقُولُ﴾ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ: عَذابَ النارِ كَما أذَقْتُمُ المُسْلِمِينَ الغُصَصَ. قالَ الضَحّاكُ: ويَقُولُ لَهم ذَلِكَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ. وإنَّما أُضِيفَ إلى اللهِ تَعالى، لِأنَّهُ بِأمْرِهِ كَما في قَوْلِهِ: "سَنَكْتُبُ". "سَيُكْتَبُ"، "وَقَتْلُهُمْ"، ويَقُولُ: حَمْزَةُ.

3:182Page 74

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٨٢

That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن عِقابِهِمْ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابُ بِما قَدَّمْتُمْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والإضافَةُ إلى اليَدِ، لِأنَّ أكْثَرَ (p-٣١٧)الأعْمالِ يَكُونُ بِالأيْدِي، فَجَعَلَ كُلَّ عَمَلٍ كالواقِعِ بِالأيْدِي عَلى سَبِيلِ التَغْلِيبِ، ولِأنَّهُ يُقالُ لِلْآمِرِ بِالشَيْءِ: فاعِلُهُ، فَذِكْرُ الأيْدِي لِلتَّحْقِيقِ، يَعْنِي: أنَّهُ فِعْلُ نَفْسِهِ لا غَيْرِهِ بِأمْرِهِ.

﴿وَأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وبِأنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ عِبادَهُ، فَلا يُعاقِبُهم بِغَيْرِ جُرْمٍ.

3:183Page 74

ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٨٣

[They are] those who said, "Indeed, Allāh has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"

﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِنَ ﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ أوْ نَصْبٍ بِإضْمارِ أعْنِي: أوْ رَفْعٍ بِإضْمارِ هم ﴿إنَّ اللهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ أمَرَنا في التَوْراةِ، وأوْصانا.

﴿ألا نُؤْمِنَ﴾ بِألّا نُؤْمِنَ.

﴿لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النارُ﴾ أيْ: يُقَرِّبَ قُرْبانًا فَتَنْزِلَ نارٌ مِنَ السَماءِ فَتَأْكُلَهُ، فَإنْ جِئْتَنا بِهِ صَدَّقْناكَ. وهَذِهِ دَعْوى باطِلَةٌ، وافْتِراءٌ عَلى اللهِ، لِأنَّ أكْلَ النارِ القُرْبانَ سَبَبُ الإيمانِ لِلرَّسُولِ الآتِي بِهِ، لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً، فَهو إذًا وسائِرُ المُعْجِزاتِ سَواءٌ ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ﴾ المُعْجِزاتِ سِوى القُرْبانِ ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أيْ: بِالقُرْبانِ. يَعْنِي: قَدْ جاءَ أسْلافُكُمُ الَّذِينَ أنْتُمْ عَلى مِلَّتِهِمْ، وراضُونَ بِفِعْلِهِمْ.

﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ امْتِناعُكم عَنِ الإيمانِ لِأجْلِ هَذا، فَلِمَ لَمْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِينِ أتَوْا بِهِ؟! ولِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ؟! ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في قَوْلِكُمْ: إنَّما نُؤَخِّرُ الإيمانَ لِهَذا.

3:184Page 74

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ١٨٤

Then if they deny you, [O Muḥammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.1

﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ، فَلا يَهُولَنَّكَ، فَقَدْ فَعَلَتِ الأُمَمُ بِأنْبِيائِها كَذَلِكَ ﴿جاءُوا بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الظاهِراتِ ﴿والزُبُرِ﴾ الكُتُبِ، جَمْعُ زَبُورٍ، مِنَ الزَبْرِ، وهو الكِتابَةُ (وَبِالزُبُرِ) شامِيٌّ.

﴿والكِتابِ﴾ جِنْسُهُ ﴿المُنِيرِ﴾ المُضِيءِ قِيلَ: هُما واحِدٌ في الأصْلِ. وإنَّما ذُكِرا لِاخْتِلافِ الوَصْفَيْنِ. فالزَبُورُ: كِتابٌ فِيهِ حِكَمٌ زاجِرَةٌ. والكِتابُ المُنِيرُ هُوَ: الكِتابُ الهادِي.

3:185Page 74

كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ١٨٥

Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.

(p-٣١٨)﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ ﴿ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ، والمَعْنى: لا يَحْزُنْكَ تَكْذِيبُهم إيّاكَ، فَمَرْجِعُ الخَلْقِ إلَيَّ، فَأُجازِيهِمْ عَلى التَكْذِيبِ، وأُجازِيكَ عَلى الصَبْرِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: تُعْطَوْنَ ثَوابَ أعْمالِكم عَلى الكَمالِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّ الدُنْيا لَيْسَتْ بِدارِ الجَزاءِ.

﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾ بَعُدَ، والزَحْزَحَةُ: الإبْعادُ.

﴿عَنِ النارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ ظَفِرَ بِالخَيْرِ. وقِيلَ: فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الفَوْزُ المُطْلَقُ، وقِيلَ: الفَوْزُ: نَيْلُ المَحْبُوبِ، والبُعْدُ عَنِ المَكْرُوهِ.

﴿وَما الحَياةُ الدُنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ شَبَّهَ الدُنْيا بِالمَتاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلى المُسْتامِ ويُغَرُّ، حَتّى يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ فَسادُهُ ورَداءَتُهُ. والشَيْطانُ: هو المُدَلِّسُ الغَرُورُ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّما هَذا لِمَن آثَرَها عَلى الآخِرَةِ، فَأمّا مَن طَلَبَ الآخِرَةَ فَإنَّها مَتاعُ بِلاغٍ، وعَنِ الحَسَنِ: كَخُضْرَةِ النَباتِ، ولَعِبِ البَناتِ، لا حاصِلَ لَها.

3:186Page 74

۞ لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٨٦

You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allāh much abuse. But if you are patient and fear Allāh - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.

﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ واللهِ لَتَبْلَوُنَّ، أيْ: لَتُخْتَبَرُنَّ ﴿فِي أمْوالِكُمْ﴾ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، وبِما يَقَعُ فِيها مِنَ الآفاتِ.

﴿وَأنْفُسِكُمْ﴾ بِالقَتْلِ، والأسْرِ، والجِراحِ، وما يَرِدُ عَلَيْها مِن أنْواعِ المَخاوِفِ والمَصائِبِ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النَفْسَ هي الجِسْمُ المُعايَنُ دُونَ ما فِيهِ مِنَ المَعْنى الباطِلِ، كَما قالَ بَعْضُ أهْلِ الكَلامِ والفَلاسِفَةُ، كَذا في "شَرْحِ التَأْوِيلاتِ" ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ والنَصارى.

﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ كالطَعْنِ في الدِينِ، وصَدِّ مَن أرادَ الإيمانَ، وتَخْطِئَةِ مَن آمَنَ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

﴿وَإنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى أذاهم ﴿وَتَتَّقُوا﴾ مُخالَفَةَ أمْرِ اللهِ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ فَإنَّ الصَبْرَ والتَقْوى ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ، أيْ: مِمّا يَجِبُ العَزْمُ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ. خُوطِبَ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ، لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى (p-٣١٩)احْتِمالِ ما سَيَلْقَوْنَ مِنَ الشَدائِدِ والصَبْرِ عَلَيْها، حَتّى إذا لَقُوها -وَهم مُسْتَعِدُّونَ- لا يُرْهِقُهم ما يُرْهِقُ مَن تُصِيبُهُ الشِدَّةُ بَغْتَةً، فَيُنْكِرُها، وتَشْمَئِزُّ مِنها نَفْسُهُ.

3:187Page 75

وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧

And [mention, O Muḥammad], when Allāh took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear [i.e., explain it] to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.

﴿وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ واذْكُرْ وقْتَ أخْذِ اللهِ مِيثاقَ أهْلِ الكِتابِ ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ عَنِ الناسِ، بِالتاءِ عَلى حِكايَةِ مُخاطَبَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ﴾ [الإسْراءُ: ٤]. وبِالياءِ مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ، لِأنَّهم غَيْبٌ، والضَمِيرُ لِلْكِتابِ، أكَّدَ عَلَيْهِمْ إيجابَ بَيانِ الكِتابِ واجْتِنابَ كِتْمانِهِ.

﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ فَنَبَذُوا المِيثاقَ، وتَأْكِيدَهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: لَمْ يُراعُوهُ، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، والنَبْذُ وراءَ الظَهْرِ مَثَلٌ في الطَرْحِ، وتَرْكِ الِاعْتِدادِ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى العُلَماءِ أنْ يُبَيِّنُوا الحَقَّ لِلنّاسِ، وما عَلِمُوهُ، وألّا يَكْتُمُوا مِنهُ شَيْئًا لِغَرَضٍ فاسِدٍ مِن تَسْهِيلٍ عَلى الظَلَمَةِ، وتَطْيِيبٍ لِنُفُوسِهِمْ، أوْ لِجَرِّ مَنفَعَةٍ، أوْ دَفْعِ أذِيَّةٍ، أوْ لِبُخْلٍ بِالعِلْمِ، وفي الحَدِيثِ: « "مِن كَتَمَ عِلْمًا عَنْ أهْلِهِ ألْجَمَهُ اللهُ بِلِجامٍ مِن نارٍ". »﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ عَرَضًا يَسِيرًا ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾

3:188Page 75

لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨

And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.

والخِطابُ في ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وأحَدُ المَفْعُولَيْنِ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ والثانِي ﴿بِمَفازَةٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ، تَقْدِيرُهُ: لا تَحْسَبَنَّهم فائِزِينَ ﴿بِما أتَوْا﴾ بِما فَعَلُوا، وهي قِراءَةُ أُبَيٍّ، وجاءَ وأتى يُسْتَعْمَلانِ بِمَعْنى فَعَلَ.

﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مَرْيَمُ: ٦١] ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مَرْيَمُ: ٢٧]. وقَرَأ النَخَعِيُّ: (بِما آتَوْا) أيْ: أعْطَوْا.

﴿وَيُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ بِمَنجاةِ مِنهُ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ. (p-٣٢٠)رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَألَ اليَهُودَ عَنْ شَيْءٍ مِمّا في التَوْراةِ، فَكَتَمُوا الحَقَّ، وأخْبَرُوهُ بِخِلافِهِ، وأرَوْهُ أنَّهم قَدْ صَدَقُوهُ، واسْتَحْمَدُوا إلَيْهِ، وفَرِحُوا بِما فَعَلُوا مِن تَدْلِيسِهِمْ فَأطْلَعَ اللهُ رَسُولَهُ عَلى ذَلِكَ، وسَلّاهُ بِما أنْزَلَ مِن وعِيدِهِمْ، » أيْ: لا تَحْسَبَنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِن تَدْلِيسِهِمْ عَلَيْكَ، ويُحِبُّونَ أنْ تَحْمَدَهم بِما لَمْ يَفْعَلُوا مِن إخْبارِكَ بِالصِدْقِ عَمّا سَألْتَهم عَنْهُ ناجِينَ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا مِن إظْهارِ الإيمانِ لِلْمُسْلِمِينَ، وتَوَصُّلِهِمْ بِذَلِكَ إلى أغْراضِهِمْ، ويَسْتَحْمِدُونَ إلَيْهِمْ بِالإيمانِ الَّذِي لَمْ يَفْعَلُوهُ عَلى الحَقِيقَةِ، وفِيهِ وعِيدٌ لِمَن يَأْتِي بِحَسَنَةٍ فَيَفْرَحُ بِها فَرَحَ إعْجابٍ، ويُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ الناسُ بِما لَيْسَ فِيهِ.

3:189Page 75

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allāh is over all things competent.

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو يَمْلِكُ أمْرَهُمْ، وفِيهِ تَكْذِيبٌ لِمَن قالَ: ﴿إنَّ اللهَ فَقِيرٌ﴾ [آلُ عِمْرانَ:١٨١] ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو يَقْدِرُ عَلى عِقابِهِمْ.

3:190Page 75

إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠

Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -

﴿إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ لآياتٍ﴾ لَأدِلَّةً واضِحَةً عَلى صانِعٍ قَدِيمٍ، عَلِيمٍ، حَكِيمٍ، قادِرٍ.

﴿لأُولِي الألْبابِ﴾ لِمَن خَلُصَ عَقْلُهُ عَنِ الهَوى خُلُوصَ اللُبِّ عَنِ القِشْرِ، فَيَرى أنَّ العَرَضَ المُحْدَثَ في الجَواهِرِ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ الجَواهِرِ، لِأنَّ جَوْهَرًا ما لا يَنْفَكُّ عَنْ عَرَضٍ حادِثٍ، وما لا يَخْلُو عَنِ الحادِثِ فَهو حادِثٌ، ثُمَّ حُدُوثُها يَدُلُّ عَلى مُحْدِثِها، وذا قَدِيمٌ، وإلّا لاحْتاجَ إلى مُحْدِثٍ آخَرَ إلى ما لا يَتَناهى، وحُسْنُ صُنْعِهِ يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ، وإتْقانُهُ يَدُلُّ عَلى حِكْمَتِهِ، وبَقاؤُهُ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ. قالَ ﷺ: « "وَيْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها". » وحُكِيَ فِيها أنَّهُ في بَنِي إسْرائِيلَ مَن إذا عَبَدَ اللهَ ثَلاثِينَ سَنَةً أظَلَّتْهُ سَحابَةٌ، فَعَبَدَهُ فَتًى فَلَمْ تُظِلَّهُ، فَقالَتْ لَهُ أُمُّهُ: لَعَلَّ فَرْطَةً فَرَطَتْ مِنكَ في (p-٣٢١)مُدِّتِكَ؟! قالَ: ما أذْكُرُ. قالَتْ: لَعَلَّكَ نَظَرْتَ مَرَّةً إلى السَماءِ ولَمْ تَعْتَبِرْ؟! قالَ، لَعَلَّ. قالَتْ: فَما أُوتِيتْ إلّا مِن ذاكَ.

3:191Page 75

ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١

Who remember Allāh while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.

﴿الَّذِينَ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ نَعْتٌ لِـ "أُولِي"، أوْ نَصْبٍ بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ رَفْعٍ بِإضْمارِ هم.

﴿يَذْكُرُونَ اللهَ﴾ يُصَلُّونَ ﴿قِيامًا﴾ قائِمَيْنِ عِنْدَ القُدْرَةِ ﴿وَقُعُودًا﴾ قاعِدِينَ،

﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: مُضْطَجِعِينَ عِنْدَ العَجْزِ، وقِيامًا وقُعُودًا حالانِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في " يَذْكُرُونَ "وَ " عَلى جُنُوبِهِمْ " حالٌ أيْضًا، أوِ المُرادُ: الذِكْرُ عَلى كُلِّ حالٍ، لِأنَّ الإنْسانَ لا يَخْلُو عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ، وفي الحَدِيثِ: « "مَن أحَبَّ أنْ يَرْتَعَ في رِياضِ الجَنَّةِ فَلْيَكْثُرْ ذِكْرَ اللهِ". »﴿وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ﴾ وما يَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِراعُ هَذِهِ الأجْرامِ العِظامِ، وإبْداعُ صَنْعَتِها، وما دُبِّرَ فِيها مِمّا تَكِلُّ الأفْهامُ عَنْ إدْراكِ بَعْضِ عَجائِبِهِ، عَلى عِظَمِ شَأْنِ الصانِعِ، وكِبْرِياءِ سُلْطانِهِ، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "بَيْنَما رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ عَلى فِراشِهِ إذْ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَنَظَرَ إلى النُجُومِ وإلى السَماءِ، فَقالَ: أشْهَدُ أنَّ لَكِ رَبًّا وخالِقًا، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي، فَنَظَرَ اللهُ إلَيْهِ فَغَفَرَ لَهُ". » وقالَ ﷺ: « "لا عِبادَةَ كالتَفَكُّرِ". » وقِيلَ: الفِكْرَةُ تُذْهِبُ الغَفْلَةَ، وتُحْدِثُ لِلْقَلْبِ الخَشْيَةَ، وما جُلِيَتِ القُلُوبُ بِمِثْلِ الأحْزانِ، ولا اسْتَنارَتْ بِمِثْلِ الفِكْرِ.

﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ، وهو في مَحَلِّ الحالِ، أيْ: يَتَفَكَّرُونَ قائِلِينَ، والمَعْنى: ما خَلَقْتَهُ خَلْقًا باطِلًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ، بَلْ خَلَقْتَهُ لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وهو أنْ تَجْعَلَها مَساكِنَ لِلْمُكَلَّفِينَ، وأدِلَّةً لَهم عَلى مَعْرِفَتِكَ، وهَذا إشارَةٌ إلى الخَلْقِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ المَخْلُوقُ، أوْ إلى السَمَواتِ والأرْضِ، لِأنَّها في مَعْنى المَخْلُوقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما خَلَقْتَ هَذا المَخْلُوقَ العَجِيبَ باطِلًا.

﴿سُبْحانَكَ﴾ تَنْزِيهًا لَكَ عَنِ الوَصْفِ بِخَلْقِ الباطِلِ، وهو اعْتِراضٌ.

﴿فَقِنا عَذابَ النارِ﴾ الفاءُ دَخَلَتْ لِمَعْنى الجَزاءِ، تَقْدِيرُهُ: إذا نَزَّهْناكَ فَقِنا.

(p-٣٢٢)

3:192Page 75

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢

Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.

﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ أهَنْتَهُ، أوْ أهْلَكْتَهُ، أوْ فَضَحْتَهُ، واحْتَجَّ أهْلُ الوَعِيدِ بِالآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التَحْرِيمُ: ٨] في أنَّ مَن يَدْخُلُ النارَ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا ويُخَلَّدُ، قُلْنا: قالَ جابِرٌ: إخْزاءُ المُؤْمِنِ تَأْدِيبُهُ، وإنَّ فَوْقَ ذَلِكَ لَخِزْيًا،

﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ اللامُ إشارَةٌ إلى مَن يَدْخُلُ النارَ، والمُرادُ: الكُفّارُ.

﴿مِن أنْصارٍ﴾ مِن أعْوانٍ وشُفَعاءَ يَشْفَعُونَ لَهم كالمُؤْمِنِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском