An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:26–48
3:26Page 53
قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٦
Say, "O Allāh, Owner of Sovereignty, You give sovereignty to whom You will and You take sovereignty away from whom You will. You honor whom You will and You humble whom You will. In Your hand1 is [all] good. Indeed, You are over all things competent.
﴿قُلِ اللهُمَّ﴾ المِيمُ عِوَضٌ مِن يا، ولِذا لا يَجْتَمِعانِ. وهَذا بَعْضُ خَصائِصِ هَذا الِاسْمِ، كَما اخْتَصَّ بِالتاءِ في القَسَمِ، وبِدُخُولِ حَرْفِ النِداءِ عَلَيْهِ، وفِيهِ لامُ التَعْرِيفِ، وبِقَطْعِ هَمْزَتِهِ في يا اللهُ، وبِالتَفْخِيمِ.
﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ تَمْلِكُ جِنْسَ المُلْكِ، فَتَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلّاكِ فِيما يَمْلِكُونَ، وهو نِداءٌ ثانٍ، أيْ: يا مالِكَ المُلْكِ.
﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ تُعْطِي مَن تَشاءُ النَصِيبَ الَّذِي قَسَمْتَ لَهُ مِنَ المُلْكِ.
﴿وَتَنْـزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ أيْ: تَنْزِعُهُ. فالمُلْكُ الأوَّلُ عامٌّ، والمَلَكانِ الآخَرانِ خاصّانِ بَعْضانِ مِنَ الكُلِّ، رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ حِينَ فَتَحَ مَكَّةَ وعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فارِسَ والرُومِ، فَقالَتِ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ: هَيْهاتَ! هَيْهاتَ! مِن أيْنَ لِمُحَمَّدٍ مُلْكُ فارِسَ والرُومِ، هم أعَزُّ وأمْنَعُ مِن ذَلِكَ؟! فَنَزَلَتْ ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ » بِالمَلِكِ ﴿وَتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ بِنَزْعِهِ مِنهُ ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ أيِ:الخَيْرُ والشَرُّ فاكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِ الضِدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ، أوْ لِأنَّ الكَلامَ وقَعَ في الخَيْرِ الَّذِي يَسُوقُهُ إلى المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي أنْكَرَتْهُ الكَفَرَةُ، فَقالَ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ تُؤْتِيهِ أوْلِياءَكَ عَلى رَغْمٍ مِن أعْدائِكَ.
﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ أحَدٌ غَيْرُكَ إلّا بِإقْدارِكَ.
وَقِيلَ: المُرادُ بِـ "المُلْكِ": مُلْكُ العافِيَةِ، أوْ مُلْكُ القَناعَةِ. قالَ ﷺ: « "مُلُوكُ الجَنَّةِ مِن أُمَّتِي القانِعُونَ بِالقُوتِ يَوْمًا فَيَوْمًا". » أوْ مُلْكُ قِيامِ اللَيْلِ. وعَنِ (p-٢٤٧)الشِبْلِيِّ: الِاسْتِغْناءُ بِالمُكَوِّنِ عَنِ الكَوْنَيْنِ. " تَعِزُّ " بِالمَعْرِفَةِ أوْ بِالِاسْتِغْناءِ بِالمُكَوَّنِ أوْ بِالقَناعَةِ و" تُذِلُّ " بِأضْدادِها. ثُمَّ ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ بِذِكْرِ حالِ اللَيْلِ والنَهارِ في المُعاقَبَةِ بَيْنَهُما، وحالَ الحَيِّ والمَيِّتِ فى إخْراجِ أحَدِهِما مِنَ الآخَرِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ بِغَيْرِ حِسابٍ بِقَوْلِهِ:
3:27Page 53
تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢٧
You cause the night to enter the day, and You cause the day to enter the night; and You bring the living out of the dead, and You bring the dead out of the living. And You give provision to whom You will without account [i.e., limit or measure]."
﴿تُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ وتُولِجُ النَهارَ في اللَيْلِ﴾ فالإيلاجُ: إدْخالُ الشَيْءِ فى الشَيْءِ، وهو مَجازٌ هُنا، أيْ: تَنْقُصُ مِن ساعاتِ اللَيْلِ، وتَزِيدُ في النَهارِ، وتَنْقُصُ مِن ساعاتِ النَهارِ وتَزِيدُ في اللَيْلِ.
﴿وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الحَيَوانُ مِنَ النُطْفَةِ، أوِ الفَرْخَ مِنَ البَيْضَةِ، أوِ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ.
﴿وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ النُطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ، أوِ البَيْضَ مِنَ الدَجاجِ، أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ.
﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لا يَعْرِفُ الخَلْقُ عَدَدَهُ ومِقْدارَهُ، وإنْ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَ اللهِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى تِلْكَ الأفْعالِ العَظِيمَةِ المُحَيِّرَةِ لِلْأفْهامِ، ثُمَّ قَدَرَ أنْ يَرْزُقَ بِغَيْرِ حِسابٍ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَنْزِعَ المُلْكَ مِنَ العَجَمِ ويُذِلَّهُمْ، ويُؤْتِيَهُ العَرَبَ ويُعِزَّهم. وفي بَعْضِ الكُتُبِ: أنا اللهُ مَلِكُ المُلُوكِ، قُلُوبُ المُلُوكِ ونَواصِيهِمْ بِيَدَيَّ. فَإنِ العِبادُ أطاعُونِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِمُ رَحْمَةً، وإنِ العِبادُ عَصَوْنِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً. فَلا تَشْتَغِلُوا بِسَبَبِ المُلُوكِ، ولَكِنْ تُوبُوا إلَيَّ أُعَطِّفْهم عَلَيْكم. وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: « "كَما تَكُونُوا يُوَلّى عَلَيْكُمْ". » (الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ) و(المَيِّتَ مَنَّ الحَيِّ) بِالتَشْدِيدِ حَيْثُ كانَ مَدَنِيٌّ، وكُوفِيٌّ، غَيْرَ أبِي بَكْرٍ.
3:28Page 53
لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨
Let not believers take disbelievers as allies [i.e., supporters or protectors] rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing [i.e., no association] with Allāh, except when taking precaution against them in prudence.1 And Allāh warns you of Himself, and to Allāh is the [final] destination.
﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ نُهُوا أنْ يُوالُوا الكافِرِينَ لِقَرابَةٍ بَيْنَهُمْ، (p-٢٤٨)أوْ لِصَداقَةٍ قَبْلَ الإسْلامِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ قُرِّرَ ذَلِكَ في القُرْآنِ. والمَحَبَّةُ في اللهِ والبُغْضُ في اللهِ بابٌ عَظِيمٌ في الإيمانِ.
﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: أنَّ لَكم مُوالاةَ المُؤْمِنِينَ مَندُوحَةً عَنْ مُوالاةِ الكافِرِينَ، فَلا تُؤْثِرُوهم عَلَيْهِمْ.
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيْءٍ﴾ أيْ: ومَن يُوالِ الكَفَرَةَ، فَلَيْسَ مِن وِلايَةِ اللهِ في شَيْءٍ، لِأنَّ مُوالاةَ الوَلِيِّ ومُوالاةَ عَدُوِّهِ مُتَنافِيانِ.
﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ إلّا أنْ تَخافُوا مِن جِهَتِهِمْ أمْرًا يَجِبُ اتِّقاؤُهُ. أيْ: إلّا أنْ يَكُونَ لِلْكافِرِ عَلَيْكَ سُلْطانٌ فَتَخافُهُ عَلى نَفْسِكَ ومالِكَ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَكَ إظْهارُ المُوالاةِ، وإبْطالُ المُعاداةِ.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ أيْ: ذاتَهُ، فَلا تَتَعَرَّضُوا لِسُخْطِهِ بِمُوالاةِ أعْدائِهِ، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ.
﴿وَإلى اللهِ المَصِيرُ﴾ أيْ: مَصِيرُكم إلَيْهِ، والعَذابُ مُعَدٌّ لَدَيْهِ، وهو وعِيدٌ آخَرُ.
3:29Page 53
قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩
Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allāh knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allāh is over all things competent.
﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ﴾ مِن وِلايَةِ الكُفّارِ، أوْ غَيْرِها، مِمّا لا يُرْضِي اللهَ.
﴿يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ ولَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، وهو أبْلَغُ وعِيدٍ.
﴿وَيَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ، ولَيْسَ بِمَعْطُوفٍ عَلى جَوابِ الشَرْطِ، أيْ: هو الَّذِي يَعْلَمُ ما في السَمَواتِ وما في الأرْضِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سِرُّكم وعَلَنُكم.
﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَكُونُ قادِرًا عَلى عُقُوبَتِكم.
3:30Page 54
يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠
The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allāh warns you of Himself, and Allāh is Kind to [His] servants."
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ "يَوْمَ": مَنصُوبٌ بِـ "تَوَدُّ". الضَمِيرُ في "بَيْنَهُ" لِلْيَوْمِ، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ خَيْرَها وشَرَّها حاضِرِينَ، تَتَمَنّى لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ وهو لَهُ أمَدًا بَعِيدًا، أيْ: مَسافَةً بَعِيدَةً، أوْ بِاذْكُرْ. ويَقَعُ عَلى " ما عَمِلَتْ " وحْدَهُ. ويَرْتَفِعُ ﴿وَما عَمِلَتْ﴾ عَلى الِابْتِداءِ و﴿تَوَدُّ﴾ خَبَرُهُ، أيْ: والذِي عَمِلَتْهُ مِن سُوءٍ تَوَدُّ هي لَوْ تَباعَدَ ما بَيْنَها وبَيْنَهُ. ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" شَرْطِيَّةً، لِارْتِفاعِ "تَوَدُّ". نَعَمْ، الرَفْعُ جائِزٌ إذا كانَ الشَرْطُ ماضِيًا، لَكِنَّ الجَزْمَ هو (p-٢٤٩)الكَثِيرُ، وعَنِ المُبَرِّدِ: أنَّ الرَفْعَ شاذٌّ، وكَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ لِيَكُونَ عَلى بالٍ مِنهُمْ، لا يَغْفُلُونَ عَنْهُ.
﴿واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ ومِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ أنْ حَذَّرَهم نَفْسَهُ حَتّى لا يَتَعَرَّضُوا لِسُخْطِهِ، ويَجُوزَ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَحْذُورًا لِكَمالِ قُدْرَتِهِ، مَرْجُوٌّ لِسَعَةِ رَحْمَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٣].
3:31Page 54
قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١
Say, [O Muḥammad], "If you should love Allāh, then follow me, [so] Allāh will love you and forgive you your sins. And Allāh is Forgiving and Merciful."
وَنَزَلَ حِينَ قالَ اليَهُودُ: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ.
﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ مَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ: إيثارُ طاعَتِهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، ومَحَبَّةُ اللهِ العَبْدَ: أنْ يَرْضى عَنْهُ، ويَحْمَدَ فِعْلَهُ. وعَنِ الحَسَنِ: زَعَمَ أقْوامٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهم يُحِبُّونَ اللهَ، فَأرادَ أنْ يَجْعَلَ لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِن عَمَلٍ، فَمَنِ ادَّعى مَحَبَّتَهُ، وخالَفَ سُنَّةَ رَسُولِهِ، فَهو كَذّابٌ، وكِتابُ اللهِ يُكَذِّبُهُ. وقِيلَ: مَحَبَّةُ اللهِ: مَعْرِفَتُهُ، ودَوامُ خَشْيَتِهِ، ودَوامُ اشْتِغالِ القَلْبِ بِهِ وبِذِكْرِهِ، ودَوامُ الأُنْسِ بِهِ. وقِيلَ: هي اتِّباعُ النَبِيِّ ﷺ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وأحْوالِهِ إلّا ما خُصَّ بِهِ. وقِيلَ: عَلامَةُ المَحَبَّةِ أنْ يَكُونَ دائِمَ التَفْكِيرِ، كَثِيرَ الخَلْوَةِ، دائِمَ الصَمْتِ، لا يُبْصِرُ إذا نَظَرَ، ولا يَسْمَعُ إذا نُودِيَ، ولا يَحْزَنُ إذا أُصِيبَ، ولا يَفْرَحُ إذا أصابَ، ولا يَخْشى أحَدًا ولا يَرْجُوهُ.
﴿وَيَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
3:32Page 54
قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢
Say, "Obey Allāh and the Messenger. But if you turn away - then indeed, Allāh does not like the disbelievers."
﴿قُلْ أطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ﴾ قِيلَ: هي عَلامَةُ المَحَبَّةِ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الطاعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا، أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا.
﴿فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ أيْ: لا يُحِبُّهم.
3:33Page 54
۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣
Indeed, Allāh chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of ʿImrān over the worlds -
﴿إنَّ اللهَ اصْطَفى﴾ اخْتارَ ﴿آدَمَ﴾ أبا البَشَرِ ﴿وَنُوحًا﴾ شَيْخَ المُرْسَلِينَ ﴿وَآلَ إبْراهِيمَ﴾ إسْماعِيلَ وإسْحَقَ وأوْلادَهُما ﴿وَآلَ عِمْرانَ﴾ مُوسى وهارُونَ هُما ابْنا عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ. وقِيلَ: عِيسى ومَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ بْنِ ماثانِ، وبَيْنَ العُمْرانَيْنِ ألْفٌ وثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ.
﴿عَلى العالَمِينَ﴾ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ.
(p-٢٥٠)
3:34Page 54
ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤
Descendants, some of them from others. And Allāh is Hearing and Knowing.
﴿ذُرِّيَّةً﴾ بَدَلٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ ﴿بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ في مَوْضِعِ النَصْبِ صِفَةٌ لِذُرِّيَّةً، يَعْنِي: أنَّ الآلِينَ ذُرِّيَّةٌ واحِدَةٌ مُتَسَلْسِلَةٌ، بَعْضُها مُتَشَعِّبٌ مِن بَعْضٍ: مُوسى وهارُونَ مِن عِمْرانَ، وعِمْرانُ مِن يَصْهَرَ، ويَصْهَرُ مِن قاهَثَ، وقاهَثُ مِن لاوِي، ولاوِي مِن يَعْقُوبَ، ويَعْقُوبُ مِن إسْحاقَ، وكَذَلِكَ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ بْنِ ماثانِ، وهو يَتَّصِلُ بِيَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَقَ. وقَدْ دَخَلَ في آلِ إبْراهِيمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وقِيلَ: بَعْضُها مِن بَعْضٍ في الدِينِ.
﴿واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يَعْلَمُ مَن يَصْلُحُ لِلِاصْطِفاءِ، أوْ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لِقَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ ونِيَّتِها.
3:35Page 54
إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٥
[Mention, O Muḥammad], when the wife of ʿImrān said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."
﴿إذْ قالَتِ﴾ و"إذْ": مَنصُوبٌ بِهِ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ.
﴿امْرَأتُ عِمْرانَ﴾ هي امْرَأةُ عِمْرانَ بْنِ ماثانِ، أمُّ مَرْيَمَ، جَدَّةُ عِيسى، وهِيَ: حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذا.
﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ﴾ أوْجَبْتُ ﴿ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ هو حالٌ مِن ما، وهي بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: مُعْتَقًا لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، لا يَدَ لِي عَلَيْهِ، ولا أسْتَخْدِمُهُ. وكانَ هَذا النَوْعُ مِنَ النَذْرِ مَشْرُوعًا عِنْدَهُمْ، أوْ مُخْلَصًا لِلْعِبادَةِ، يُقالُ: طِينٌ حُرٌّ، أيْ: خالِصٌ.
﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ (مِنِّي) مَدَنِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. والتَقَبُّلُ: أخْذُ الشَيْءِ عَلى الرِضا بِهِ.
﴿إنَّكَ أنْتَ السَمِيعُ العَلِيمُ﴾
3:36Page 54
فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٣٦
But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allāh was most knowing of what she delivered, and the male is not like the female. "And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allāh]."
﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ الضَمِيرُ لِـ ﴿ما في بَطْنِي﴾ وإنَّما أنَّثَ عَلى تَأْوِيلِ الحَبْلَةِ، أوِ النَفْسِ، أوِ النَسَمَةِ.
﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ أُنْثى حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في وضَعْتُها، أيْ: وضَعْتُ الحَبْلَةَ، أوِ النَفْسَ، أوِ النَسَمَةَ أُنْثى. وإنَّما قالَتْ هَذا القَوْلَ، لِأنَّ التَحْرِيرَ لَمْ يَكُنْ إلّا لِلْغِلْمانِ، فاعْتَذَرَتْ عَمّا نَذَرَتْ، وتَحَزَّنَتْ إلى رَبِّها، ولِتَكَلُّمِها بِذَلِكَ عَلى وجْهِ التَحَزُّنِ والتَحَسُّرِ، قالَ اللهُ: ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ تَعْظِيمًا لِمَوْضُوعِها، أيْ: واللهُ أعْلَمُ بِالشَيْءِ الَّذِي وضَعَتْ، وما عَلَّقَ بِهِ مِن عَزائِمِ الأُمُورِ. (وَضَعْتُ) شامِيٌّ، وأبُو بَكْرٍ، بِمَعْنى: ولَعَلَّ لِلَّهِ فِيهِ سِرًّا (p-٢٥١)وَحِكْمَةً. وعَلى هَذا يَكُونُ داخِلًا في القَوْلِ، وعَلى الأوَّلِ يُوقَفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أُنْثى﴾ وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ ابْتِداءُ إخْبارٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
﴿وَلَيْسَ الذَكَرُ﴾ الَّذِي طَلَبَتْ ﴿كالأُنْثى﴾ الَّتِي وُهِبَتْ لَها، واللامُ فِيهِما لِلْعَهْدِ.
﴿وَإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ وما بَيْنَهُما جُمْلَتانِ مُعْتَرِضَتانِ، وإنَّما ذُكِرَتْ حَنَّةُ تَسْمِيَتَها مَرْيَمَ لِرَبِّها، لِأنَّ مَرْيَمَ في لُغَتِهِمِ:العابِدَةُ، فَأرادَتْ بِذَلِكَ التَقَرُّبَ، والطَلَبَ إلَيْهِ أنْ يَعْصِمَها، حَتّى يَكُونَ فِعْلُها مُطابِقًا لِاسْمِها، وأنْ يُصَدِّقَ فِيها ظَنَّها بِها، ألا تَرى كَيْفَ أتْبَعَتْهُ طَلَبَ الإعاذَةِ لَها ولِوَلَدِها مِنَ الشَيْطانِ بِقَوْلِهِ: (وَإنِّيَ) مَدَنِيٌّ ﴿أُعِيذُها بِكَ﴾ أُجِيرُها ﴿وَذُرِّيَّتَها﴾ أوْلادَها ﴿مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ﴾ المَلْعُونِ. في الحَدِيثِ: « "ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَيْطانِ إيّاهُ، إلّا مَرْيَمَ وابْنَها". »
3:37Page 54
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ ٣٧
So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allāh. Indeed, Allāh provides for whom He wills without account."
﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها﴾ قَبِلَ اللهُ مَرْيَمَ، ورَضِيَ بِها في النَذْرِ مَكانَ الذَكَرِ.
﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ قِيلَ: القَبُولُ: اسْمُ ما يُقْبَلُ بِهِ الشَيْءُ، كالسَعُوطِ: بِما يُسْعَطُ بِهِ. وهو اخْتِصاصُهُ لَها بِإقامَتِها مَقامَ الذَكَرِ في النَذْرِ، ولَمْ تُقْبَلْ قَبْلَها أُنْثى في ذَلِكَ، أوْ بِأنْ تَسَلَّمَها مِن أُمِّها عَقِيبَ الوِلادَةِ قَبْلَ أنْ تَنْشَأ، وتَصْلُحَ لِلسَّدانَةِ. رُوِيَ أنَّ حَنَّةَ لَمّا ولَدَتْ مَرْيَمَ لَفَّتْها في خِرْقَةٍ، وحَمَلَتْها إلى المَسْجِدِ، ووَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ أبْناءِ هارُونَ، وهم في بَيْتِ المَقْدِسِ، كالحَجَبَةِ في الكَعْبَةِ، فَقالَتْ لَهُمْ: دُونَكم هَذِهِ النَذِيرَةُ. فَتَنافَسُوا فِيها، لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ، وصاحِبِ قُرْبانِهِمْ، وكانَتْ بَنُو ماثانِ رُءُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ وأحْبارَهُمْ، فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها، عِنْدِي أُخْتُها، فَقالُوا: لا، حَتّى نَقْتَرِعَ عَلَيْها. فانْطَلَقُوا -وَكانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ- إلى نَهْرٍ، فَألْقَوْا فِيهِ أقْلامَهُمْ، فارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيّا فَوْقَ الماءِ، ورَسَبَتْ أقْلامُهُمْ، فَتَكَفَّلَها. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ، عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، أيْ: فَتَقَبَّلَها (p-٢٥٢)بِذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، أيْ: بِأمْرٍ ذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، وهو الِاخْتِصاصُ ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ مَجازٌ عَنِ التَرْبِيَةِ الحَسَنَةِ. قالَ ابْنُ عَطاءٍ: ما كانَتْ ثَمَرَتُهُ مِثْلَ عِيسى، فَذاكَ أحْسَنُ النَباتِ. ونَباتًا: مَصْدَرٌ عَلى خِلافِ الصَدْرِ، أوِ التَقْدِيرُ: فَنَبَتَتْ نَباتًا.
﴿وَكَفَّلَها﴾ قَبِلَها، أوْ ضَمِنَ القِيامَ بِأمْرِها. (وَكَفَّلَها) كُوفِيٌّ، أيْ: كَفَّلَها اللهُ زَكَرِيّا، يَعْنِي: جَعَلَهُ كافِلًا لَها، وضامِنًا لِمَصالِحِها. (زَكَرِيّا) بِالقَصْرِ كُوفِيٌّ، غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، في كُلِّ القُرْآنِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالمَدِّ والنَصْبِ هُنا. غَيْرُهم بِالمَدِّ والرَفْعِ كالثانِيَةِ والثالِثَةِ. ومَعْناهُ في العِبْرِيِّ: دائِمُ الذَكَرِ والتَسْبِيحِ.
﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ قِيلَ: بَنى لَها زَكَرِيّا مِحْرابًا فى المَسْجِدِ، أيْ: غُرْفَةً تَصْعَدُ إلَيْها بِسُلَّمٍ. وقِيلَ: المِحْرابُ أشْرَفُ المَجالِسِ ومُقَدَّمُها. كَأنَّها وضَعَتْ في أشْرَفِ مَوْضِعٍ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ. وقِيلَ: كانَتْ مَساجِدُهم تُسَمّى المَحارِيبَ. وكانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها إلّا هو وحْدَهُ ﴿وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ كانَ رِزْقُها يَنْزِلُ عَلَيْها مِنَ الجَنَّةِ. ولَمْ تَرْضَعْ ثَدْيًا قَطُّ، فَكانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِتاءِ في الصَيْفِ، وفاكِهَةَ الصَيْفِ فى الشِتاءِ.
﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا﴾ مِن أيْنَ لَكِ هَذا الرِزْقُ الَّذِي لا يُشْبِهُ أرْزاقَ الدُنْيا، وهو آتٍ في غَيْرِ حِينِهِ؟! ﴿قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللهِ﴾ فَلا تَسْتَبْعِدْ. قِيلَ: تَكَلَّمَتْ وهي صَغِيرَةٌ، كَما تَكَلَّمَ عِيسى وهو في المَهْدِ.
﴿إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ مِن جُمْلَةِ كَلامِ مَرْيَمَ، أوْ مِن كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ لِكَثْرَتِهِ، أوْ تَفَضُّلًا بِغَيْرِ مُحاسَبَةٍ، ومُجازاةٍ عَلى عَمَلٍ.
3:38Page 55
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨
At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."
﴿هُنالِكَ﴾ في ذَلِكَ المَكانِ حَيْثُ هو قاعِدٌ عِنْدَ مَرْيَمَ في المِحْرابِ، أوْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَقَدْ يُسْتَعارُ هُنا، وحَيْثُ، وثَمَّ: لِلزَّمانِ. لَمّا رَأى حالَ (p-٢٥٣)مَرْيَمَ في كَرامَتِها عَلى اللهِ ومَنزِلَتِها، رَغِبَ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن إيشاعَ ولَدٌ مِثْلُ ولَدِ أُمِّها حَنَّةَ في الكَرامَةِ عَلى اللهِ، وإنْ كانَتْ عاقِرًا عَجُوزًا، فَقَدْ كانَتْ أُمُّها كَذَلِكَ. وقِيلَ: لَمّا رَأى الفاكِهَةَ في غَيْرِ وقْتِها انْتَبَهَ عَلى جَوازِ وِلادَةِ العاقِرِ ﴿دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً﴾ ولَدًا، والذُرِّيَّةَ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ ﴿طَيِّبَةً﴾ مُبارَكَةً. والتَأْنِيثُ لِلَفْظِ الذَرِّيَّةِ ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُعاءِ﴾ مُجِيبُهُ.
3:39Page 55
فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٣٩
So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allāh gives you good tidings of John, confirming a word1 from Allāh and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."
﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ: ناداهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ. وإنَّما قِيلَ: المَلائِكَةُ، لِأنَّ المَعْنى: أتاهُ النِداءُ مِن هَذا الجِنْسِ، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ. (فَنادِيهُ) بِالياءِ والإمالَةِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ،
﴿وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُراداتِ تُطْلَبُ بِالصَلَواتِ، وفِيها إجابَةُ الدَعَواتِ، وقَضاءُ الحاجاتِ. وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: ما فَتَحَ اللهُ تَعالى عَلى عَبْدٍ حالَةً سَنِيَّةً إلّا بِاتِّباعِ الأوامِرِ، وإخْلاصِ الطاعاتِ، ولُزُومِ المَحارِيبِ. (إنَّ اللهَ) بِكَسْرِ الألْفِ شامِيٌّ، وحَمْزَةُ، عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ لِأنَّ النِداءَ قَوْلٌ، الباقُونَ بِالفَتْحِ، أيْ: بِأنَّ اللهَ ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ يَبْشُرُكَ وما بَعْدَهُ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ، مِن بَشَرَهُ والتَخْفِيفُ والتَشْدِيدُ لُغَتانِ ﴿بِيَحْيى﴾ هو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، إنْ كانَ عَجَمِيًّا، وهو الظاهِرُ فَلِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ، كَمُوسى وعِيسى. وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فَلِلتَّعْرِيفِ ووَزْنِ الفِعْلِ، كَيَعْمُرَ.
﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ مِنهُ ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ أيْ: مُصَدِّقًا بِعِيسى، مُؤْمِنًا بِهِ، فَهو أوَّلُ مَن آمَنَ بِهِ، وسَمّى عِيسى كَلِمَةَ اللهِ، لِأنَّ تَكَوُّنَهُ بِكُنْ بِلا أبٍ، أوْ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ، مُؤْمِنًا بِكِتابٍ مِنهُ.
﴿وَسَيِّدًا﴾ هو الَّذِي يَسُودُ قَوْمَهُ، أيْ: يَفُوقُهم في الشَرَفِ، وكانَ يَحْيى فائِقًا عَلى قَوْمِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَرْكَبْ سَيِّئَةً قَطُّ، ويا لَها مِن سِيادَةٍ! وقالَ الجُنَيْدُ: هو الَّذِي جادَ بِالكَوْنَيْنِ عِوَضًا عَنِ المُكَوَّنِ ﴿وَحَصُورًا﴾ هو الَّذِي لا يَقْرَبُ النِساءَ مَعَ القُدْرَةِ حَصْرًا لِنَفْسِهِ، أيْ: مَنعًا لَها مِنَ الشَهَواتِ ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ﴾ ناشِئًا مِنَ الصالِحِينَ، لِأنَّهُ كانَ مِن أصْلابِ (p-٢٥٤)الأنْبِياءِ، أوْ كائِنًا مِن جُمْلَةِ الصالِحِينَ.
3:40Page 55
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠
He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" He [the angel] said, "Such is Allāh; He does what He wills."
﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ اسْتِبْعادٌ مِن حَيْثُ العادَةُ، واسْتِعْظامٌ لِلْقُدْرَةِ، لا تَشَكُّكٌ،
﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ كَقَوْلِهِمْ: أدْرَكَتْهُ السِنُّ العالِيَةُ، أيْ: أثَّرَ فِيَّ الكِبَرُ، وأضْعَفَنِي، وكانَ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سَنَةً، ولِامْرَأتِهِ ثَمانٍ وتِسْعُونَ،
﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ لَمْ تَلِدْ ﴿قالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأفْعالِ العَجِيبَةِ.
3:41Page 55
قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٤١
He said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."
﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي﴾ مَدَنِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو ﴿آيَةً﴾ عَلامَةً أعْرِفُ بِها الحَبَلَ لِأتَلَقّى النِعْمَةَ بِالشُكْرِ إذا جاءَتْ ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ الناسَ﴾ أيْ: لا تَقْدِرُ عَلى تَكْلِيمِ الناسِ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا﴾ إلّا إشارَةً بِيَدٍ، أوْ رَأْسٍ، أوْ عَيْنٍ، أوْ حاجِبٍ. وأصْلُهُ: التَحَرُّكُ، يُقالُ: ارْتَمَزَ: إذا تَحَرَّكَ، واسْتَثْنى الرَمْزَ وهو لَيْسَ مِن جِنْسِ الكَلامِ، لِأنَّهُ لَمّا أدّى مُؤَدّى الكَلامِ، وفُهِمَ مِنهُ ما يُفْهَمُ مِنهُ سُمِّيَ كَلامًا، أوْ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وإنَّما خَصَّ تَكْلِيمَ الناسِ لِيَعْلَمَ أنَّهُ يَحْبِسُ لِسانَهُ عَنِ القُدْرَةِ عَلى تَكْلِيمِهِمْ خاصَّةً، مَعَ إبْقاءِ قُدْرَتِهِ عَلى التَكَلُّمِ بِذِكْرِ اللهِ، ولِذا قالَ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ أيْ: في أيّامِ عَجْزِكَ عَنْ تَكْلِيمِ الناسِ، وهي مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، والأدِلَّةِ الظاهِرَةِ، وإنَّما حَبَسَ لِسانَهُ عَنْ كَلامِ الناسِ لِيُخْلِصَ المُدَّةَ لِذِكْرِ اللهِ، لا يَشْغَلُ لِسانَهُ بِغَيْرِهِ، كَأنَّهُ لَمّا طَلَبَ الآيَةَ مِن أجْلِ الشُكْرِ قِيلَ لَهُ: آيَتُكَ أنْ تَحْبِسَ لِسانَكَ إلّا عَنِ الشُكْرِ، وأحْسَنُ الجَوابِ ما كانَ مُنْتَزَعًا مِنَ السُؤالِ. والعَشِيُّ: مِن حِينِ الزَوالِ إلى الغُرُوبِ، والإبْكارُ: مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ الضُحى.
3:42Page 55
وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٢
And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.
﴿وَإذْ﴾ عَطْفٌ عَلى إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، أوِ التَقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ ﴿قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ﴾ رُوِيَ أنَّهم كَلَّمُوها شِفاهًا ﴿إنَّ اللهَ اصْطَفاكِ﴾ أوَّلًا حِينَ تَقَبَّلَكِ مِن أُمِّكِ، ورَبّاكِ، واخْتَصَّكِ بِالكَرامَةِ السَنِيَّةِ ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ (p-٢٥٥)الأفْعالِ ﴿واصْطَفاكِ﴾ آخِرًا ﴿عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ بِأنْ وهَبَ لَكِ عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ النِساءِ.
3:43Page 55
يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣
O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."
﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أدِيمِي الطاعَةَ، أوْ أطِيلِي قِيامَ الصَلاةِ ﴿واسْجُدِي﴾ وقِيلَ: أُمِرَتْ بِالصَلاةِ بِذِكْرِ القُنُوتِ والسُجُودِ، لِكَوْنِهِما مِن هَيْئاتِ الصَلاةِ، ثُمَّ قِيلَ لَها: ﴿وارْكَعِي مَعَ الراكِعِينَ﴾ أيْ: ولْتَكُنْ صَلاتُكِ مَعَ المُصَلِّينَ، أيْ: في الجَماعَةِ، أوْ وانْظِمِي نَفْسَكِ في جُمْلَةِ المُصَلِّينَ، وكُونِي في عِدادِهِمْ، ولا تَكُونِي في عِدادِ غَيْرِهِمْ.
3:44Page 55
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٤٤
That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. And you were not with them when they cast their pens1 as to which of them should be responsible for Mary. Nor were you with them when they disputed.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن قِصَّةِ حَنَّةَ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، ومَرْيَمَ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْها إلّا بِالوَحْيِ،
﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ أزْلامَهُمْ، وهي قِداحُهُمُ الَّتِي طَرَحُوها في النَهْرِ مُقْتَرِعِينَ، أوْ هي الأقْلامُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ التَوْراةَ بِها، اخْتارُوها لِلْقُرْعَةِ تَبَرُّكًا بِها ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ يُلْقُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُلْقُونَها يَنْظُرُونَ أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ، أوْ لِيَعْلَمُوا، أوْ يَقُولُونَ،
﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شَأْنِها تَنافُسًا في التَكَفُّلِ بِها.
3:45Page 55
إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٥
[And mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh gives you good tidings of a word1 from Him, whose name will be the Messiah, Jesus, the son of Mary - distinguished in this world and the Hereafter and among those brought near [to Allāh].
﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ أيِ: اذْكُرْ ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ أيْ: بِعِيسى ﴿مِنهُ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِكَلِمَةٍ ﴿اسْمُهُ﴾ مُبْتَدَأٌ، وذَكَّرَ ضَمِيرَ الكَلِمَةِ، لِأنَّ المُسَمّى بِها مُذَكَّرٌ ﴿المَسِيحُ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِكَلِمَةٍ. والمَسِيحُ لَقَبٌ مِنَ الألْقابِ المُشَرَّفَةِ، كالصِدِّيقِ، والفارُوقِ، وأصْلُهُ: مَشِيحا بِالعِبْرانِيَّةِ، ومَعْناهُ: المُبارَكُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ [مَرْيَمُ: ٣١] وقِيلَ: سُمِّيَ مَسِيحًا، لِأنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ ذا عاهَةٍ إلّا بَرَأ، أوْ لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ الأرْضَ بِالسِياحَةِ، لا يَسْتَوْطِنُ مَكانًا " عِيسى " بَدَلٌ مِنَ " المَسِيح ابْن (p-٢٥٦)مَرْيَمَ " خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو ابْنُ مَرْيَمَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِعِيسى، لِأنَّ اسْمَهُ عِيسى فَحَسْبُ ولَيْسَ اسْمُهُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وإنَّما قالَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إعْلامًا لَها أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ، فَلا يُنْسَبُ إلّا إلى أُمِّهِ،
﴿وَجِيهًا﴾ ذا جاهٍ وقَدْرٍ ﴿فِي الدُنْيا﴾ بِالنُبُوَّةِ، والطاعَةِ ﴿والآخِرَةِ﴾ بِعُلُوِّ الدَرَجَةِ، والشَفاعَةِ ﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ يَرْفَعُهُ إلى السَماءِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَجِيهًا﴾ حالٌ مِن "كَلِمَةٍ"، لِكَوْنِها مَوْصُوفَةً، وكَذا ﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ: وثابِتًا مِنَ المُقَرَّبِينَ.
3:46Page 56
وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٤٦
He will speak to the people in the cradle and in maturity and will be of the righteous."
وَكَذا ﴿وَيُكَلِّمُ الناسَ﴾ أيْ: ومُكَلِّمًا الناسَ ﴿فِي المَهْدِ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في يُكَلِّمُ، أيْ: ثابِتًا في المَهْدِ، وهو ما يُمَهَّدُ لِلصَّبِيِّ مِن مَضْجَعِهِ، سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ ﴿وَكَهْلا﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، أيْ: ويُكَلِّمُ الناسَ طِفْلًا وكَهْلًا، أيْ: يُكَلِّمُ الناسَ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَ حالِ الطُفُولَةِ وحالِ الكُهُولَةِ، الَّتِي يَسْتَحْكِمُ فِيها العَقْلُ، ويُسْتَنْبَأُ فِيها الأنْبِياءُ ﴿وَمِنَ الصالِحِينَ﴾ حالٌ أيْضًا، والتَقْدِيرُ: يُبَشِّرُكِ بِهِ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِفاتِ.
3:47Page 56
قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٧
She said, "My Lord, how will I have a child when no man has touched me?" [The angel] said, "Such is Allāh; He creates what He wills. When He decrees a matter, He only says to it, 'Be,' and it is.
﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَدَّرَ تَكَوُّنَ شَيْءٍ كَوَّنَهُ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، لَكِنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: "كُنْ" إخْبارًا عَنْ سُرْعَةِ تَكَوُّنِ الأشْياءِ بِتَكْوِينِهِ.
3:48Page 56
وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٤٨
And He will teach him writing and wisdom1 and the Torah and the Gospel
﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾
) ٤٨ (وَيُعَلِّمُهُ) مَدَنِيٌّ، وعاصِمٌ، ومَوْضِعُهُ حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى وجِيهًا، الباقُونَ بِالنُونِ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ﴿الكِتابَ﴾ أيِ: الكِتابَةَ، وكانَ أحْسَنَ الناسِ خَطًّا في زَمانِهِ، وقِيلَ: كُتُبَ اللهِ ﴿والحِكْمَةَ﴾ بَيانَ الحَلالِ والحَرامِ، أوِ الكِتابُ: الخَطُّ بِاليَدِ، والحِكْمَةُ: البَيانُ بِاللِسانِ ﴿والتَوْراةَ والإنْجِيلَ﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences