An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:49–77
3:49Page 56
وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٤٩
And [make him] a messenger to the Children of Israel, [who will say], 'Indeed I have come to you with a sign from your Lord in that I design for you from clay [that which is] like the form of a bird, then I breathe into it and it becomes a bird by permission of Allāh. And I cure the blind [from birth] and the leper, and I give life to the dead - by permission of Allāh. And I inform you of what you eat and what you store in your houses. Indeed in that is a sign for you, if you are believers.
﴿وَرَسُولا﴾ أيْ: ونَجْعَلُهُ رَسُولًا، أوْ يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: وجِيهًا في الدُنْيا والآخِرَةِ ورَسُولًا ﴿إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي﴾ بِأنِّي ﴿قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن (p-٢٥٧)رَبِّكُمْ﴾ بِدَلالَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِي فِيما أدَّعِيهِ مِنَ النُبُوَّةِ ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكُمْ﴾ نَصْبٌ بَدَلٌ مِن ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أوْ جَرٌّ بَدَلٌ مِن "آيَةٍ" أوْ رَفْعٌ عَلى هي ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكُمْ﴾ (إنِّيَ) نافِعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ ﴿مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ﴾ أيْ: أُقَدِّرُ لَكم شَيْئًا مِثْلَ صُورَةِ الطَيْرِ ﴿فَأنْفُخُ فِيهِ﴾ الضَمِيرُ لِلْكافِ، أيْ: في ذَلِكَ الشَيْءِ المُماثِلِ لِهَيْئَةِ الطَيْرِ ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ فَيَصِيرُ طَيْرًا كَسائِرِ الطُيُورِ، طائِرًا، مَدَنِيٌّ،
﴿بِإذْنِ اللهِ﴾ بِأمْرِهِ، قِيلَ: لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا غَيْرَ الخُفّاشِ ﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ الَّذِي وُلِدَ أعْمى ﴿والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللهِ﴾ كَرَّرَ بِإذْنِ اللهِ دَفْعًا لِوَهْمِ مَن يَتَوَهَّمُ فِيهِ اللاهُوتِيَّةَ، رُوِيَ أنَّهُ أحْيا سامَ بْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ، فَأرِنا آيَةً، فَقالَ: يا فُلانُ، أكَلْتَ كَذا، ويا فُلانُ خُبِّئَ لَكَ كَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ و َ"ما" فِيهِما بِمَعْنى الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ،
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ فِيما سَبَقَ،
﴿لآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
3:50Page 56
وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠
And [I have come] confirming what was before me of the Torah and to make lawful for you some of what was forbidden to you. And I have come to you with a sign from your Lord, so fear Allāh and obey me.
﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْراةِ﴾ أيْ: قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ، وجِئْتُكم مُصَدِّقًا ﴿وَلأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ، ولِأُحِلَّ لَكُمْ، وما حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الشُحُومُ، ولُحُومُ الإبِلِ، والسَمَكُ، وكُلُّ ذِي ظُفُرٍ، فَأحَلَّ لَهم عِيسى بَعْضَ ذَلِكَ ﴿وَجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ ﴿فاتَّقُوا اللهَ﴾ في تَكْذِيبِي وخِلافِي ﴿وَأطِيعُونِ﴾ في أمْرِي.
3:51Page 56
إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٥١
Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is the straight path.'"
﴿إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ إقْرارٌ بِالعُبُودِيَّةِ، ونَفْيٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ عَنْ نَفْسِهِ، (p-٢٥٨)بِخِلافِ ما يَزْعُمُ النَصارى ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ دُونِي ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ يُؤَدِّي صاحِبَهُ إلى النَعِيمِ المُقِيمِ.
3:52Page 56
۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٥٢
But when Jesus felt [persistence in] disbelief from them, he said, "Who are my supporters for [the cause of] Allāh?" The disciples said, "We are supporters for Allāh. We have believed in Allāh and testify that we are Muslims [submitting to Him].
﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ عَلِمَ مِنَ اليَهُودِ كُفْرًا، عِلْمًا لا شُبْهَةَ فِيهِ، كَعِلْمِ ما يُدْرَكُ بِالحَواسِّ، (قالَ مَن أنْصارِي) مَدَنِيٌّ، هو جَمْعُ ناصِرٍ كَأصْحابٍ، أوْ جَمْعُ نَصِيرٍ كَأشْرافٍ ﴿إلى اللهِ﴾ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ حالٌ مِنَ الياءِ، أيْ: مَن أنَصارِي ذاهِبًا إلى اللهِ، مُلْتَجِئًا إلَيْهِ،
﴿قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ حَوارِيُّ الرَجُلِ: صَفْوَتُهُ، وخاصَّتُهُ،
﴿نَحْنُ أنْصارُ اللهِ﴾ أعْوانُ دِينِهِ،
﴿آمَنّا بِاللهِ واشْهَدْ﴾ يا عِيسى ﴿بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ إنَّما طَلَبُوا شَهادَتَهُ بِإسْلامِهِمْ تَأْكِيدًا لِإيمانِهِمْ، لِأنَّ الرُسُلَ يَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ لِقَوْمِهِمْ وعَلَيْهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ والإسْلامَ واحِدٌ.
3:53Page 57
رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٣
Our Lord, we have believed in what You revealed and have followed the messenger [i.e., Jesus], so register us among the witnesses [to truth]."
﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْـزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَسُولَ﴾ أيْ: رَسُولَكَ عِيسى،
﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ﴾ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأُمَمِهِمْ، أوْ مَعَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لَكَ بِالوَحْدانِيَّةِ، أوْ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لِأنَّهم شُهَداءُ عَلى الناسِ.
3:54Page 57
وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٥٤
And they [i.e., the disbelievers] planned, but Allāh planned. And Allāh is the best of planners.
﴿وَمَكَرُوا﴾ أيْ: كُفّارُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ حِينَ أرادُوا قَتْلَهُ، وصَلْبَهُ ﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ أيْ: جازاهم عَلى مَكْرِهِمْ بِأنْ رَفَعَ عِيسى إلى السَماءِ، وألْقى شَبَهَهُ عَلى مَن أرادَ اغْتِيالَهُ حَتّى قُتِلَ، ولا يَجُوزُ إضافَةُ المَكْرِ إلى اللهِ تَعالى إلّا عَلى مَعْنى الجَزاءِ، لِأنَّهُ مَذْمُومٌ عِنْدَ الخَلْقِ، وعَلى هَذا الخِداعُ والِاسْتِهْزاءُ، كَذا في "شَرْحِ التَأْوِيلاتِ" ﴿واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أقْوى المُجازِينِ، وأقْدَرُهم عَلى العِقابِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ المُعاقَبُ.
(p-٢٥٩)
3:55Page 57
إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٥٥
[Mention] when Allāh said, "O Jesus, indeed I will take you and raise you to Myself and purify [i.e., free] you from those who disbelieve and make those who follow you [in submission to Allāh alone] superior to those who disbelieve until the Day of Resurrection. Then to Me is your return, and I will judge between you concerning that in which you used to differ.
﴿إذْ قالَ اللهُ﴾ ظَرْفٌ لِمَكْرِ اللهِ ﴿يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أيْ: مُسْتَوْفٍ أجْلَكَ، ومَعْناهُ: أنِّي عاصِمُكَ مِن أنْ يَقْتُلَكَ الكُفّارُ، ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنْفِكَ، لا قَتْلًا بِأيْدِيهِمْ،
﴿وَرافِعُكَ إلَيَّ﴾ إلى سَمائِي ومَقَرِّ مَلائِكَتِي،
﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن سُوءِ جِوارِهِمْ، وخُبْثِ صُحْبَتِهِمْ، وقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ: قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ، مَن تَوَفَّيْتُ مالِي عَلى فُلانٍ إذا اسْتَوْفَيْتَهُ، أوْ مُمِيتُكَ في وقْتِكَ بَعْدَ النُزُولِ مِنَ السَماءِ ورافِعُكَ الآنَ، إذِ الواوُ لا تُوجِبُ التَرْتِيبَ. قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "يَنْزِلُ عِيسى خَلِيفَةً عَلى أُمَّتِي، يَدُقُّ الصَلِيبَ، ويَقْتُلُ الخَنازِيرَ، ويَلْبَثُ أرْبَعِينَ سَنَةً، ويَتَزَوَّجُ، ويُولَدُ لَهُ، ثُمَّ يُتَوَفّى، وكَيْفَ تَهْلَكُ أمَةٌ أنا في أوَّلِها وعِيسى في آخِرِها، والمَهْدِيُّ مِن أهْلِ بَيْتِي في وسَطِها؟"، » أوْ مُتَوَفِّي نَفْسِكَ بِالنَوْمِ، ورافِعُكَ وأنْتَ نائِمٌ، حَتّى لا يَلْحَقَكَ خَوْفٌ، وتَسْتَيْقِظَ وأنْتَ في السَماءِ آمِنٌ، مُقَرَّبٌ.
﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ أيِ: المُسْلِمِينَ -لِأنَّهم مُتَّبِعُوهُ في أصْلِ الإسْلامِ وإنِ اخْتَلَفَتِ الشَرائِعُ- دُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وكَذَبُوا عَلَيْهِ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِكَ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ يُعْلِمُونَهم بِالحُجَّةِ، وفي أكْثَرِ الأحْوالِ بِها وبِالسَيْفِ ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
3:56–57Page 57
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٥٦
And as for those who disbelieved, I will punish them with a severe punishment in this world and the Hereafter, and they will have no helpers."
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٧
But as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards, and Allāh does not like the wrongdoers.
﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ﴾ وتَفْسِيرُ الحُكْمِ هاتانِ الآيَتانِ. (فَيُوَفِّيهِمْ) حَفْصٌ.
(p-٢٦٠)
3:58Page 57
ذَٰلِكَ نَتۡلُوهُ عَلَيۡكَ مِنَ ٱلۡأٓيَٰتِ وَٱلذِّكۡرِ ٱلۡحَكِيمِ ٥٨
This is what We recite to you, [O Muḥammad], of [Our] verses and the precise [and wise] message [i.e., the Qur’ān].
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةُ إلى ما سَبَقَ مِن نَبَأِ عِيسى وغَيْرِهِ، وهو مُبْتَدَأٌ ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرُهُ ﴿مِنَ الآياتِ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿والذِكْرِ الحَكِيمِ﴾ القُرْآنُ: يَعْنِي: المُحْكَمُ، أوْ كَأنَّهُ يَنْطِقُ بِالحِكْمَةِ لِكَثْرَةِ حِكَمِهِ.
3:59Page 57
إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٥٩
Indeed, the example of Jesus to Allāh1 is like that of Adam. He created him from dust; then He said to him, "Be," and he was.
نَزَلَ لَمّا قالَ وفْدُ بَنِي نَجْرانَ: هَلْ رَأيْتَ ولَدًا بِلا أبٍ؟ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ أيْ: إنَّ شَأْنَ عِيسى وحالَهُ الغَرِيبَةَ كَشَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ قَدَّرَهُ جَسَدًا مِن طِينٍ، وهي جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِحالَةِ شِبْهِ عِيسى بِآدَمَ ولا مَوْضِعَ لَها، أيْ: خَلَقَ آدَمَ مِن تُرابٍ، ولَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ أبٌ ولا أُمٌّ، فَكَذَلِكَ حالَ عِيسى مَعَ أنَّ الوُجُودَ مِن غَيْرِ أبٍ وأُمٍّ أغْرَبُ، وأخْرَقُ لِلْعادَةِ مِنَ الوُجُودِ مِن غَيْرِ أبٍ، فَشَبَّهَ الغَرِيبِ بِالأغْرابِ لِيَكُونَ أقْطَعَ لِلْخَصْمِ، وأحْسِمَ لِمادَّةِ شُبْهَتِهِ إذا نَظَرَ فِيما هو أغْرَبُ مِمّا اسْتَغْرَبَهُ، وعَنْ بَعْضِ العُلَماءِ: أنَّهُ أُسِرَ بِالرُومِ، فَقالَ لَهُمْ: لِمَ تَعْبُدُونَ عِيسى؟ قالُوا: لِأنَّهُ لا أبَ لَهُ، قالَ: فَآدَمُ أوْلى، لِأنَّهُ لا أبَوَيْنِ لَهُ، قالُوا: كانَ يُحْيِي المَوْتى، قالَ: فَحِزْقِيلُ أوْلى، لِأنَّ عِيسى أحْيا أرْبَعَةَ نَفَرٍ، وحِزْقِيلُ ثَمانِيَةَ آلافٍ، فَقالُوا: كانَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، قالَ: فَجِرْجِيسُ أوْلى، لِأنَّهُ طُبِخَ وأُحْرِقَ ثُمَّ قامَ سالِمًا ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ: أنْشَأهُ بَشَرًا ﴿فَيَكُونُ﴾ أيْ: فَكانَ، وهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، و"ثُمَّ" لِتَرْتِيبِ الخَبَرِ عَلى الخَبَرِ، لا لِتَرْتِيبِ المُخْبَرِ عَنْهُ.
3:60Page 57
ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٦٠
The truth is from your Lord, so do not be among the doubters.
﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو الحَقُّ ﴿فَلا تَكُنْ﴾ أيُّها السامِعُ ﴿مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ الشاكِّينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَكُونُ مِن بابِ التَهْيِيجِ لِزِيادَةِ الثَباتِ، لِأنَّهُ ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ الِامْتِراءِ.
3:61Page 57
فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦١
Then whoever argues with you about it after [this] knowledge has come to you - say, "Come, let us call our sons and your sons, our women and your women, ourselves and yourselves, then supplicate earnestly [together] and invoke the curse of Allāh upon the liars [among us]."
﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ مِنَ النَصارى ﴿فِيهِ﴾ في عِيسى ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ مِنَ البَيِّناتِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ، و"ما" بِمَعْنى الَّذِي ﴿فَقُلْ تَعالَوْا﴾ هَلُمُّوا، والمُرادُ: المَجِيءُ بِالعَزْمِ والرَأْيِ، كَما تَقُولُ: تَعالَ لِنُفَكِّرَ في هَذِهِ المَسْألَةِ (p-٢٦١)﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: يَدْعُ كُلٌّ مِنّا ومِنكم أبْناءَهُ ونِساءَهُ ونَفْسَهُ إلى المُباهَلَةِ ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ ثُمَّ نَتَباهَلْ بِأنْ نَقُولَ: بَهْلَةُ اللهِ عَلى الكاذِبِ مِنّا ومِنكم. والبَهْلَةُ -بِالفَتْحِ والضَمِّ-: اللَعْنَةُ، وبَهَلَهُ اللهُ: لَعَنَهُ وأبْعَدَهُ مِن رَحْمَتِهِ، وأصْلُ الِابْتِهالِ هَذا، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ دُعاءٍ يُجْتَهَدُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ التِعانًا، ورُوِي «أنَّهُ ﷺ لَمّا دَعاهم إلى المُباهَلَةِ قالُوا: حَتّى نَنْظُرَ، فَقالَ العاقِبُ -وَكانَ ذا رَأْيِهِمْ-: واللهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ يا مَعْشَرَ النَصارى أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وما باهَلَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ فَعاشَ كَبِيرُهُمْ، ولا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، ولَئِنْ فَعَلْتُمْ لَتَهْلِكُنَّ، فَإنْ أبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكُمْ، فَوادِعُوا الرَجُلَ وانْصَرِفُوا إلى بِلادِكُمْ، فَأتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وقَدْ غَدا مُحْتَضِنًالِلْحُسَيْنِ، آخِذًا بِيَدِ الحَسَنِ، وفاطِمَةُ تَمِشِي خَلْفَهُ، وعَلِيٌّ خَلْفَها، وهو يَقُولُ: "إذا أنا دَعَوْتُ فَأمِّنُوا"، فَقالَ أُسْقُفُ نَجْرانَ: يا مَعْشَرَ النَصارى، إنِّي لَأرى وُجُوهًا لَوْ سَألُوا اللهَ أنْ يُزِيلَ جَبَلًا مِن مَكانِهِ لَأزالَهُ بِها، فَلا تُباهِلُوا، فَتَهْلَكُوا، ولا يَبْقى عَلى وجْهِ الأرْضِ نَصْرانِيٌّ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، رَأيْنا أنْ لا نُباهِلَكَ، فَصالَحَهُمُ النَبِيُّ عَلى ألْفِ حُلَّةٍ كُلَّ سَنَةٍ، فَقالَ ﷺ: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الهَلاكَ قَدْ تَدَلّى عَلى أهْلِ نَجْرانَ، ولَوْ لاعَنُوا لَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ". » وإنَّما ضَمَّ الأبْناءَ والنِساءَ، وإنْ كانَتِ المُباهَلَةُ مُخْتَصَّةً بَهِ وبِمَن يُكاذِبُهُ، لِأنَّ ذَلِكَ آكَدُ في الدَلالَةِ عَلى ثِقَتِهِ بِحالِهِ، واسْتِيقانِهِ بِصِدْقِهِ، حَيْثُ اسْتَجْرَأ عَلى تَعْرِيضِ أعِزَّتِهِ وأفْلاذِ كَبِدِهِ لِذَلِكَ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لَهُ، وعَلى ثِقَتِهِ بِكَذِبِ خَصْمِهِ حَتّى يَهْلَكَ خَصْمُهُ مَعَ أحِبَّتِهِ وأعِزَّتِهِ إنْ تَمَّتِ المُباهَلَةُ، وخَصَّ الأبْناءَ والنِساءَ، لِأنَّهم أعَزُّ الأهْلِ، وألْصَقُهم بِالقُلُوبِ، وقَدَّمَهم في الذِكْرِ عَلى الأنْفُسِ لِيُنَبِّهَ عَلى قُرْبِ مَكانِهِمْ ومَنزِلَتِهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَبِيِّ ﷺ، لِأنَّهُ لَمْ (p-٢٦٢)يَرْوِ أحَدٌ مِن مُوافِقٍ أوْ مُخالِفٍ أنَّهم أجابُوا إلى ذَلِكَ ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ مِنّا ومِنكم في شَأْنِ عِيسى، ونَبْتَهِلْ، ونَجْعَلْ: مَعْطُوفانِ عَلى نَدْعُ.
3:62Page 58
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٢
Indeed, this is the true narration. And there is no deity except Allāh. And indeed, Allāh is the Exalted in Might, the Wise.
﴿إنَّ هَذا﴾ الَّذِي قَصَّ عَلَيْكَ مِن نَبَأِ عِيسى،
﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ هو فَصْلٌ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها، أوْ مُبْتَدَأٌ، و﴿القَصَصُ الحَقُّ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ: خَبَرُ إنَّ، وجازَ دُخُولُ اللامِ عَلى الفَصْلِ، لِأنَّهُ إذا جازَ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ، كانَ دُخُولُها عَلى الفَصْلِ أجْوَزَ، لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ مِنهُ، وأصْلُها أنْ تَدْخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ، و"مِن" في ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا اللهُ﴾ بِمَنزِلَةِ البِناءِ عَلى الفَتْحِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ" في إفادَةِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ، والمُرادُ: الرَدُّ عَلى النَصارى في تَثْلِيثِهِمْ،
﴿وَإنَّ اللهَ لَهو العَزِيزُ﴾ في الِانْتِقامِ،
﴿الحَكِيمُ﴾ في تَدْبِيرِ الأحْكامِ.
3:63Page 58
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٣
But if they turn away, then indeed - Allāh is Knowing of the corrupters.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أعْرَضُوا، ولَمْ يَقْبَلُوا،
﴿فَإنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النَحْلُ: ٨٨].
3:64Page 58
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٦٤
Say, "O People of the Scripture, come to a word that is equitable between us and you - that we will not worship except Allāh and not associate anything with Him and not take one another as lords instead of Allāh."1 But if they turn away, then say, "Bear witness that we are Muslims [submitting to Him]."
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ هم أهْلُ الكِتابَيْنِ، أوْ وفْدُ نَجْرانَ، أوْ يَهُودُ المَدِينَةِ،
﴿تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ أيْ: مُسْتَوِيَةٍ،
﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ لا يَخْتَلِفُ فِيها القُرْآنُ والتَوْراةُ والإنْجِيلُ، وتَفْسِيرُ الكَلِمَةِ قَوْلُهُ: ﴿ألا نَعْبُدَ إلا اللهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ﴾ يَعْنِي: تَعالَوْا إلَيْها حَتّى لا نَقُولَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، ولا المَسِيحُ ابْنُ اللهِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بَعْضُنا بَشَرٌ مِثْلُنا، ولا نُطِيعُ أحْبارَنا فِيما أحْدَثُوا مِنَ التَحْرِيمِ والتَحْلِيلِ مِن غَيْرِ رُجُوعٍ إلى ما شَرَعَ اللهُ، «وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: ما كُنّا نَعْبُدُهم يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "ألَيْسَ كانُوا (p-٢٦٣)يُحِلُّونَ لَكُمْ، ويُحَرِّمُونَ، فَتَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِمْ؟" قالَ: نَعَمْ، قالَ: "هُوَ ذاكَ" »﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ التَوْحِيدِ ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ فَوَجَبَ عَلَيْكم أنْ تَعْتَرِفُوا، وتُسَلِّمُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ دُونَكُمْ، كَما يَقُولُ الغالِبِ لِلْمَغْلُوبِ في جِدالٍ أوْ صِراعٍ: اعْتَرِفْ بِأنِّي أنا الغالِبُ، وسَلِّمَ إلَيَّ الغَلَبَةَ.
3:65Page 58
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٥
O People of the Scripture, why do you argue about Abraham while the Torah and the Gospel were not revealed until after him? Then will you not reason?
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْـزِلَتِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾ زَعَمَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى أنَّ إبْراهِيمَ كانَ مِنهُمْ، وجادَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ فِيهِ، فَقِيلَ: إنَّ اليَهُودِيَّةَ إنَّما حَدَثَتْ بَعْدَ نُزُولِ التَوْراةِ، والنَصْرانِيَّةَ بَعْدَ نُزُولِ الإنْجِيلِ، وبَيْنَ إبْراهِيمَ ومُوسى ألْفُ سَنَةٍ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ عِيسى ألْفانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ إبْراهِيمُ عَلى دِينٍ لَمْ يَحْدُثْ إلّا بَعْدَ عَهْدِهِ بِأزْمِنَةٍ مُتَطاوِلَةٍ؟! ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ حَتّى لا تُجادِلُوا مِثْلَ هَذا الجِدالِ المُحالِ.
3:66Page 58
هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجۡتُمۡ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٦٦
Here you are - those who have argued about that of which you have [some] knowledge, but why do you argue about that of which you have no knowledge? And Allāh knows, while you know not.
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ "ها" لِلتَّنْبِيهِ، و"أنْتُمْ" مُبْتَدَأٌ، و"هَؤُلاءِ" خَبَرُهُ،
﴿حاجَجْتُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، يَعْنِي: أنْتُمْ هَؤُلاءِ الأشْخاصُ الحَمْقى، وبَيانُ حَماقَتِكم وقِلَّةِ عُقُولِكم أنَّكم جادَلْتُمْ ﴿فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ مِمّا نَطَقَ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ ولا ذِكْرَ لَهُ في كِتابَيْكم مِن دِينِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: "هَؤُلاءِ" بِمَعْنى الَّذِينَ، وحاجَجْتُمْ: صِلَتُهُ، (ها أنْتُمْ) بِالمَدِّ وغَيْرِ الهَمْزِ حَيْثُ كانَ، مَدَنِيٌّ، وأبُو عَمْرٍو،
﴿واللهُ يَعْلَمُ﴾ عِلْمَ ما تَحاجَجْتُمْ فِيهِ ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وأنْتُمْ جاهِلُونَ بِهِ ثُمَّ أعْلَمَهم بِأنَّهُ بَرِيءٌ مِن دِينِهِمْ فَقالَ:
3:67Page 58
مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٦٧
Abraham was neither a Jew nor a Christian, but he was one inclining toward truth, a Muslim [submitting to Allāh]. And he was not of the polytheists.1
﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ (p-٢٦٤)كَأنَّهُ أرادَ بِالمُشْرِكِينَ اليَهُودَ والنَصارى، لِإشْراكِهِمْ بِهِ عُزَيْرًا والمَسِيحَ، أوْ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ كَما لَمْ يَكُنْ مِنهم.
3:68Page 58
إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٨
Indeed, the most worthy of Abraham among the people are those who followed him [in submission to Allāh] and this prophet [i.e., Muḥammad (ﷺ)] and those who believe [in his message]. And Allāh is the Ally1 of the believers.
﴿إنَّ أوْلى الناسِ بِإبْراهِيمَ﴾ إنَّ أخَصَّهم بِهِ، وأقْرَبَهم مِنهُ، مِنَ الوَلْيِ، وهو القُرْبُ،
﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ في زَمانِهِ وبَعْدِهِ ﴿وَهَذا النَبِيُّ﴾ خُصُوصًا خُصَّ بِالذِكْرِ لِخُصُوصِيَّتِهِ بِالفَضْلِ، والمُرادُ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ مِن أُمَّتِهِ ﴿واللهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ ناصِرُهم.
3:69Page 58
وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٦٩
A faction of the People of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.
﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ هُمُ اليَهُودُ، دَعَوْا حُذَيْفَةَ وعَمّارًا ومُعاذًا إلى اليَهُودِيَّةِ،
﴿وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ وما يَعُودُ وبالُ الإضْلالِ إلّا عَلَيْهِمْ، لِأنَّ العَذابَ يُضاعَفُ لَهم بِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ،
﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ بِذَلِكَ.
3:70Page 58
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٧٠
O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh1 while you witness [to their truth]?
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ بِالتَوْراةِ والإنْجِيلِ، وكُفْرُهم بِها: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِما نَطَقَتْ بِهِ مِن صِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وغَيْرِها.
﴿وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ تَعْتَرِفُونَ بِأنَّها آياتُ اللهِ، أوْ تَكْفُرُونَ بِالقُرْآنِ، ودَلائِلِ نُبُوَّةِ الرَسُولِ، وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ نَعْتَهُ في الكِتابَيْنِ، أوْ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ جَمِيعًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها حَقٌّ.
3:71Page 59
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٧١
O People of the Scripture, why do you mix [i.e., confuse] the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ تَخْلِطُونَ الإيمانَ بِمُوسى وعِيسى بِالكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ،
﴿وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ نَعْتُ مُحَمَّدٍ صَلّى الهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ حَقٌّ.
3:72Page 59
وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٧٢
And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will return [i.e., abandon their religion],
﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ فِيما بَيْنَهم ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: القُرْآنِ،
﴿وَجْهَ النَهارِ﴾ ظَرْفٌ أيْ: أوَّلَهُ، يَعْنِي: أظْهِرُوا الإيمانَ (p-٢٦٥)بِما أُنْزِلَ عَلى المُسْلِمِينَ في أوَّلِ النَهارِ،
﴿واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ واكْفُرُوا بِهِ آخِرَهُ،
﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لَعَلَّ المُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: ما رَجَعُوا وهم أهْلُ كِتابٍ وعِلْمٍ إلّا لِأمْرٍ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُمْ، فَيَرْجِعُونَ بِرُجُوعِكم.
3:73Page 59
وَلَا تُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمۡ قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤۡتَىٰٓ أَحَدٞ مِّثۡلَ مَآ أُوتِيتُمۡ أَوۡ يُحَآجُّوكُمۡ عِندَ رَبِّكُمۡۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٧٣
And do not trust except those who follow your religion." Say, "Indeed, the [true] guidance is the guidance of Allāh. [Do you fear] lest someone be given [knowledge] like you were given or that they would [thereby] argue with you before your Lord?" Say, "Indeed, [all] bounty is in the hand1 of Allāh - He grants it to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Wise."
﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ﴾ "وَلا تُؤْمِنُوا" مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أيْ: ولا تُظْهِرُوا إيمانَكم بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِأهْلِ دِينِكم دُونَ غَيْرِهِمْ، أرادُوا: أسِرُّوا تَصْدِيقَكم بِأنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ أُوتُوا مِن كُتُبِ اللهِ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ولا تُفْشُوهُ إلّا إلى أشْياعِكم وحْدَهُمْ، دُونَ المُسْلِمِينَ، لِئَلّا يَزِيدَهم ثَباتًا، ودُونَ المُشْرِكِينَ، لِئَلّا يَدْعُوَهم إلى الإسْلامِ ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى أنْ "يُؤْتى"، والضَمِيرُ في "يُحاجُّوكُمْ" لِأحَدٍ، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ بِمَعْنى: ولا تُؤْمِنُوا لِغَيْرِ أتْباعِكم أنَّ المُسْلِمِينَ يُحاجُّونَكم يَوْمَ القِيامَةِ بِالحَقِّ، ويُغالِبُونَكم عِنْدَ اللهِ بِالحُجَّةِ، ومَعْنى الِاعْتِراضِ أنَّ الهُدى هُدى اللهِ، مَن شاءَ هَداهُ حَتّى أسْلَمَ أوْ ثَبَتَ عَلى الإسْلامِ، كانَ ذَلِكَ، ولَمْ يَنْفَعْ كَيْدُكُمْ، وحِيَلُكُمْ، وذَبُّكم تَصْدِيقَكم عَنِ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ يُرِيدُ: الهِدايَةَ والتَوْفِيقَ، أوْ يَتِمُّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أيْ: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا﴾ هَذا الإيمانَ الظاهِرَ، وهو إيمانُهم وجْهَ النَهارِ ﴿إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ إلّا لِمَن كانُوا تابِعِينَ لِدِينِكم مِمَّنْ أسْلَمُوا مِنكُمْ، لِأنَّ رُجُوعَهم كانَ أرْجى عِنْدَهم مِن رُجُوعِ مَن سِواهُمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُؤْتى﴾ لِأنْ يُؤْتى ﴿أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ قُلْتُمْ ذَلِكَ، ودَبَّرْتُمُوهُ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، يَعْنِي: أنَّ ما بِكم مِنَ الحَسَدِ والبَغْيِ،
﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ مِنَ العِلْمِ والكِتابِ، دَعاكم إلى أنْ قُلْتُمْ ما قُلْتُمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ (آنْ) (p-٢٦٦)بِالمَدِّ والِاسْتِفْهامِ يَعْنِي: ألِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الكِتابِ تَحْسُدُونَهُمْ؟ وقَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكُمْ﴾ عَلى هَذا مَعْناهُ: دَبَّرْتُمْ ما دَبَّرْتُمْ، لِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أوْ لِما يَتَّصِلُ بِهِ عِنْدَ كُفْرِكم بِهِ مِن مُحاجَّتِهِمْ لَكم عِنْدَ رَبِّكم ﴿واللهُ واسِعٌ﴾ أيْ: واسِعُ الرَحْمَةِ،
﴿عَلِيمٌ﴾ بِالمَصْلَحَةِ.
3:74Page 59
يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤
He selects for His mercy whom He wills. And Allāh is the possessor of great bounty.
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ بِالنُبُوَّةِ، أوْ بِالإسْلامِ ﴿مَن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
3:75Page 59
۞ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥
And among the People of the Scripture is he who, if you entrust him with a great amount [of wealth], he will return it to you. And among them is he who, if you entrust him with a [single] coin, he will not return it to you unless you are constantly standing over him [demanding it]. That is because they say, "There is no blame upon us concerning the unlearned."1 And they speak untruth about Allāh while they know [it].
﴿وَمِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ هو عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ ذَهَبًا، فَأدّاهُ إلَيْهِ ﴿وَمِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ هو فُنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ دِينارًا، فَجَحَدَهُ، وخانَهُ، وقِيلَ: المَأْمُونُونَ عَلى الكَثِيرِ النَصارى لِغَلَبَةِ الأمانَةِ عَلَيْهِمْ، والخائِنُونَ في القَلِيلِ اليَهُودُ لِغَلَبَةِ الخِيانَةِ عَلَيْهِمْ،
﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ إلّا مُدَّةَ دَوامِكَ عَلَيْهِ يا صاحِبَ الحَقِّ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ، مُلازِمًا لَهُ، (يُؤَدِّهِ) و(لا يُؤَدِّهِ) بِكَسْرِ الهاءِ مُشْبَعَةٌ مَكِّيٌّ، وشامِيٌّ، ونافِعٌ، وعَلِيٌّ، وحَفْصٌ. واخْتَلَسَ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ غَيْرِهِمْ بِسُكُونِ الهاءِ،
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى تَرْكِ الأداءِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لا يُؤَدِّهِ،
﴿بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أيْ: تَرْكُهم أداءِ الحُقُوقِ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أيْ: لا يَتَطَرَّقُ عَلَيْنا إثْمٌ وذَمٌّ في شَأْنِ الأُمِّيِّينَ، يَعْنُونَ: الَّذِينَ لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، وما فَعَلْنا بِهِمْ مِن حَبْسِ أمْوالِهِمْ، والإضْرارِ بِهِمْ، لِأنَّهم لَيْسُوا عَلى دِينِنا، وكانُوا يَسْتَحِلُّونَ ظُلْمَ مَن خالَفَهُمْ، وكانُوا يَقُولُونَ: لَمْ يُجْعَلْ لَهم في كِتابِنا حُرْمَةٌ، وقِيلَ: بايَعَ اليَهُودُ رِجالًا مِن قُرَيْشٍ، فَلَمّا أسْلَمُوا تَقاضَوْهُمْ، فَقالُوا: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا حَقٌّ حَيْثُ تَرَكْتُمْ دِينَكُمْ، وادَّعَوْا أنَّهم وجَدُوا ذَلِكَ في (p-٢٦٧)كِتابِهِمْ ﴿وَيَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ﴾ بِادِّعائِهِمْ أنَّ ذَلِكَ في كِتابِهِمْ ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم كاذِبُونَ.
3:76Page 59
بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧٦
But yes, whoever fulfills his commitment and fears Allāh - then indeed, Allāh loves those who fear Him.
﴿بَلى﴾ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِنَ السَبِيلِ عَلَيْهِمْ في الأُمِّيِّينَ، أيْ: بَلى عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ فِيهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، مُقَرِّرَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي سَدَّتْ بَلى مَسَدَّها، والضَمِيرُ في ﴿بِعَهْدِهِ﴾ يَرْجِعُ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: كُلُّ مَن أوْفى بِعَهْدِ اللهِ واتَّقاهُ ﴿فَإنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: يُحِبُّهُمْ، فَوَضَعَ الظاهِرَ مَوْضِعَ الضَمِيرِ، وعُمُومُ المُتَّقِينَ قامَ مَقامَ الضَمِيرِ الراجِعِ مِنَ الجَزاءِ إلى مَن، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الإيمانُ وغَيْرُهُ مِنَ الصالِحاتِ وما وجَبَ اتِّقاؤُهُ مِنَ الكُفْرِ، وأعْمالِ السُوءِ، قِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ ونَحْوِهِ مِن مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَمِيرُ إلى مَن أوْفى، أيْ: كُلُّ مَن أوْفى بِما عاهَدَ اللهَ عَلَيْهِ، واتَّقى اللهَ في تَرْكِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، فَإنَّ اللهَ يُحِبُّهُ.
3:77Page 59
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٧
Indeed, those who exchange the covenant of Allāh and their [own] oaths for a small price will have no share in the Hereafter, and Allāh will not speak to them or look at them on the Day of Resurrection, nor will He purify them; and they will have a painful punishment.
وَنَزَلَ فِيمَن حَرَّفَ التَوْراةَ، وبَدَّلَ نَعْتَهُ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، وأخَذَ الرِشْوَةَ عَلى ذَلِكَ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ يَسْتَبْدِلُونَ ﴿بِعَهْدِ اللهِ﴾ بِما عاهَدُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِالرَسُولِ المُصَدِّقِ لِما مَعَهم ﴿وَأيْمانِهِمْ﴾ وبِما حَلَفُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: واللهِ لِنُؤْمِنُنَّ بِهِ، ولَنَنْصُرَنَّهُ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ مَتاعَ الدُنْيا مِنَ التَرَؤُّسِ، والِارْتِشاءِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَهْدِ اللهِ﴾ يُقَوِّي رُجُوعَ الضَمِيرِ في "بِعَهْدِهِ" إلى اللهِ ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ﴾ أيْ: لا نَصِيبَ ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ﴾ بِما يَسُرُّهم ﴿وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ نَظَرَ رَحْمَةٍ ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences