An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
الروم
Ar-Rum
The Romans · Meccan · 60 ayahs
(p-٦٨٩)سُورَةُ الرُومِ مَكِّيَّةٌ وهي سِتُّونَ أوْ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً والِاخْتِلافُ في بِضْعِ سِنِينَ
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُومُ﴾ أيْ: غَلَبَتْ فارِسُ الرُومَ.
30:3Page 404
فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ ٣
In the nearest land.1 But they, after their defeat, will overcome
﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ أيْ: أقْرَبِ أرْضِ العَرَبِ، لِأنَّ الأرْضَ المَعْهُودَةَ عِنْدَ العَرَبِ أرْضُهم والمَعْنى: غُلِبُوا في أدْنى أرْضِ العَرَبِ مِنهم وهي أطْرافُ الشامِ أوْ أرادَ أرْضَهم عَلى إنابَةِ اللامِ مَنابَ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: في أدْنى أرْضِهِمْ إلى عَدُوِّهِمْ ﴿وَهُمْ﴾ أيِ الرُومُ ﴿مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أيْ: غَلْبَةِ فارِسَ إيّاهم وقُرِئَ بِسُكُونِ اللامِ فالغَلَبُ والغَلْبِ مَصْدَرانِ وقَدْ أُضِيفَ المَصْدَرُ إلى المَفْعُولِ ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارِسَ ولا وقْفَ عَلَيْهِ لِتَعَلُّقِ.
30:4Page 404
فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤
Within three to nine years. To Allāh belongs the command [i.e., decree] before and after. And that day the believers will rejoice
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ بِهِ وهو ما بَيْنَ الثَلاثِ إلى العَشْرَةِ قِيلَ «احْتَرَبَتْ فارِسُ والرُومُ بَيْنَ أذْرِعاتٍ وبُصْرى فَغَلَبَتْ فارِسُ الرُومَ والمَلِكُ بِفارِسَ يَوْمَئِذٍ كِسْرى أبْرَوِيزَ فَبَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ فَشَقَّ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، لِأنَّ فارِسَ (p-٦٩٠)مَجُوسٌ لا كِتابَ لَهم والرُومُ أهْلُ كِتابٍ وفَرِحَ المُشْرِكُونَ وشَمِتُوا وقالُوا أنْتُمْ والنَصارى أهْلُ كِتابٍ ونَحْنُ وفارِسُ أُمِّيُّونَ وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكم ولَنَظْهَرَنَّ نَحْنُ عَلَيْكم فَنَزَلَتْ فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ واللهِ لَيَظْهَرَنَّ الرُومُ عَلى فارِسَ بَعْدَ بِضْعِ سِنِينَ فَقالَ لَهُ أُبَيُّ ابْنُ خَلَفٍ كَذَبْتَ فَناحَبَهُ عَلى عَشْرِ قَلائِصَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وجَعَلَ الأجَلَ ثَلاثَ سِنِينَ فَأخْبَرَ أبُو بَكْرٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقالَ ﷺ زِدْ في الخَطْرِ وأبْعِدْ في الأجَلِ" فَجَعَلاها مِائَةَ قَلُوصٍ إلى تِسْعِ سِنِينَ وماتَ أُبَيٌّ مِن جُرْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وظَهَرَتِ الرُومُ عَلى فارِسَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أوْ يَوْمَ بَدْرٍ فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ الخَطْرَ مِن ذُرِّيَّةِ أُبَيٍّ فَقالَ ﷺ تَصَدَّقَ بِهِ »
وَهَذِهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللهِ، لِأنَّها إنْباءٌ عَنْ عِلْمِ الغَيْبِ وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ، عَنْ قَتادَةَ ومِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ أنَّ العُقُودَ الفاسِدَةَ كَعَقْدِ الرِبا وغَيْرِهِ جائِزَةٌ في دارِ الحَرْبِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ وقَدِ احْتَجّا عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ بِهَذِهِ القِصَّةِ ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ كُلِّ شَيْءٍ ومِن بَعْدِ كُلِّ شَيْءٍ أوْ حِينَ غُلِبُوا وحِينَ يَغْلِبُونَ كَأنَّهُ قِيلَ مِن قَبْلِ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ ومِن بَعْدِ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ يَعْنِي: أنَّ كَوْنَهم مَغْلُوبِينَ أوَّلًا وغالِبِينَ آخِرًا لَيْسَ إلّا بِأمْرِ اللهِ وقَضائِهِ ﴿وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ الناسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ ويَوْمَ تَغْلِبُ الرُومُ عَلى فارِسَ ويَحُلُّ ما وعَدَ اللهُ مِن غَلَبَتِهِمْ ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾
30:5Page 404
بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥
In the victory of Allāh.1 He gives victory to whom He wills, and He is the Exalted in Might, the Merciful.
﴿بِنَصْرِ اللهِ﴾ وتَغْلِيبِهِ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ وغَيْظِ مَن شَمِتَ بِهِمْ مِن كُفّارِ مَكَّةَ وقِيلَ نَصْرُ اللهِ هو إظْهارُ صِدْقِ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ مِن غَلَبَةِ الرُومِ والباءُ يَتَّصِلُ بِيَفْرَحُ فَيُوقَفُ عَلى "اللهِ" (p-٦٩١)لا عَلى "المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ" ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى أعْدائِهِ ﴿الرَحِيمُ﴾ العاطِفُ عَلى أوْلِيائِهِ.
30:6Page 405
وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦
[It is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in His promise, but most of the people do not know.
﴿وَعْدَ اللهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ وعْدٌ مِنَ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَوْلُهُ ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ بِمَنزِلَةِ وعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ وعْدًا ﴿لا يُخْلِفُ اللهُ وعْدَهُ﴾ بِنَصْرِ الرُومِ عَلى فارِسَ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ.
30:7Page 405
يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ ٧
They know what is apparent of the worldly life, but they, of the Hereafter, are unaware.
﴿يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦] بَدَلٌ مِن ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦] وفِيهِ بَيانٌ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ عَدَمِ العِلْمِ الَّذِي هو الجَهْلُ وبَيْنَ وُجُودِ العِلْمِ الَّذِي لا يَتَجاوَزُ تَحْصِيلَ الدُنْيا وقَوْلُهُ ﴿ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُنْيا﴾ يُفِيدُ أنَّ لِلدُّنْيا ظاهِرًا وباطِنًا فَظاهِرُها ما يَعْرِفُهُ الجُهّالُ مِنَ التَمَتُّعِ بِزَخارِفِها وباطِنُها أنَّها مَجازٌ إلى الآخِرَةِ يَتَزَوَّدُ مِنها إلَيْها بِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ وتَنْكِيرُ الظاهِرِ يُفِيدُ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا واحِدًا مِن جُمْلَةِ ظَواهِرِها ﴿وَهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ هُمُ الثانِيَةُ مُبْتَدَأٌ وغافِلُونَ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ "هُمْ" الأُولى وفِيهِ بَيانٌ أنَّهم مَعْدِنُ الغَفْلَةِ عَنِ الآخِرَةِ ومَقَرُّها.
30:8Page 405
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ ٨
Do they not contemplate within themselves?1 Allāh has not created the heavens and the earth and what is between them except in truth and for a specified term. And indeed, many of the people, in the meeting with their Lord, are disbelievers.
﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا كَأنَّهُ قِيلَ أوْ لَمْ يُثْبِتُوا التَفَكُّرَ في أنْفُسِهِمْ أيْ: في قُلُوبِهِمُ الفارِغَةِ مِنَ الفِكْرِ، والتَفَكُّرُ لا يَكُونُ إلّا في القُلُوبِ ولَكِنَّهُ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِحالِ المُتَفَكِّرِينَ كَقَوْلِكَ اعْتَقِدْهُ في قَلْبِكَ وأنْ يَكُونَ صِلَةً لِلتَّفَكُّرِ نَحْوُ تَفَكَّرَ في الأمْرِ وأجالَ فِيهِ فِكْرَهَ ومَعْناهُ: عَلى هَذا أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمُ الَّتِي هي أقْرَبُ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِها مِنَ المَخْلُوقاتِ وهم أعْلَمُ بِأحْوالِها مِنهم بِأحْوالِ ما عَداها فَيَتَدَبَّرُوا ما أوْدَعَها اللهُ ظاهِرًا وباطِنًا مِن غَرائِبِ الحِكْمَةِ الدالَّةِ عَلى التَدْبِيرِ دُونَ الإهْمالِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَها مِنَ الِانْتِهاءِ إلى وقْتٍ تُجازى فِيهِ عَلى الإحْسانِ إحْسانًا وعَلى الإساءَةِ مِثْلَها حَتّى يَعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أنَّ سائِرَ الخَلائِقِ كَذَلِكَ أمْرُها جارٍ عَلى الحِكْمَةِ في التَدْبِيرِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَها مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿ما خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ المَحْذُوفِ ومَعْناهُ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فَيَقُولُوا هَذا القَوْلَ وقِيلَ مَعْناهُ: (p-٦٩٢)فَيَعْلَمُوا، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ ﴿إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ: ما خَلَقَهُما باطِلًا وعَبَثًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ بالِغَةٍ ولا لِتَبْقى خالِدَةً إنَّما خَلَقَها مَقْرُونَةً بِالحَقِّ مَصْحُوبَةً بِالحِكْمَةِ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى لا بُدَّ لَها مِن أنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِ وهو قِيامُ الساعَةِ ووَقْتُ الحِسابِ والثَوابِ والعِقابِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] كَيْفَ سَمّى تَرْكَهم غَيْرَ راجِعِينَ إلَيْهِ عَبَثًا ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ بِالبَعْثِ والجَزاءِ ﴿لَكافِرُونَ﴾ لَجاحِدُونَ وقالَ الزَجّاجُ أيْ: لَكافِرُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ.
30:9Page 405
أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٩
Have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? They were greater than them in power, and they plowed [or excavated] the earth and built it up more than they [i.e., the Makkans] have built it up, and their messengers came to them with clear evidences. And Allāh would not ever have wronged them, but they were wronging themselves.
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ هو تَقْرِيرٌ لِسَيْرِهِمْ في البِلادِ ونَظَرِهِمْ إلى آثارِ المُدَمَّرِينَ مِن عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ العاتِيَةِ ثُمَّ وصَفَ حالَهم فَقالَ ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ﴾ وحَرَثُوها ﴿وَعَمَرُوها﴾ أيِ المُدَمَّرُونَ ﴿أكْثَرَ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وما مَصْدَرِيَّةٌ في ﴿مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ: مِن عِمارَةِ أهْلِ مَكَّةَ ﴿وَجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ وتَقِفُ عَلَيْها لِحَقِّ الحَذْفِ أيْ: فَلَمْ يُؤْمِنُوا فَأُهْلِكُوا ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فَما كانَ تَدْمِيرُهُ إيّاهم ظُلْمًا لَهم ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ عَمِلُوا ما أوْجَبَ تَدْمِيرَهُمْ.
30:10Page 405
ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠
Then the end of those who did evil was the worst [consequence] because they denied the signs of Allāh and used to ridicule them.
﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ﴾ بِالنَصْبِ شامِيٌّ وكُوفِيٌّ ﴿الَّذِينَ أساءُوا السُوأى﴾ تَأْنِيثُ الأسْوَأِ وهو الأقْبَحُ كَما أنَّ الحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ ومَحَلُّها رَفْعٌ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ عِنْدَ مَن نَصَبَ عاقِبَةً عَلى الخَبَرِ ونَصْبٌ عِنْدَ مَن رَفَعَها والمَعْنى: أنَّهم عُوقِبُوا في الدُنْيا بِالدَمارِ ثُمَّ كانَتْ عاقِبَتَهُمُ السُوأى إلّا أنَّهُ وضَعَ المُظْهَرِ وهو الَّذِينَ أساءُوا مَوْضِعَ المُضْمَرِ أيِ العُقُوبَةَ الَّتِي هي أسْوَأُ العَقُوباتِ في الآخِرَةِ وهي النارُ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴿أنْ كَذَّبُوا﴾، لِأنْ (p-٦٩٣)كَذَّبُوا أوْ بِأنْ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى أساءُوا كَفَرُوا ﴿بِآياتِ اللهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَعْنِي: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الكافِرِينَ النارُ لِتَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللهِ واسْتِهْزائِهِمْ بِها.
30:11Page 405
ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١١
Allāh begins creation; then He will repeat it; then to Him you will be returned.
﴿اللهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ يُنْشِئُهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ المَوْتِ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وبِالياءِ أبُو عَمْرٍو وسَهْلٌ.
30:12Page 405
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٢
And the Day the Hour appears the criminals will be in despair.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يُبْلِسُ﴾ يَيْأسُ ويَتَحَيَّرُ يُقالُ ناظَرْتُهُ فَأبْلَسَ إذا لَمْ يَنْبِسْ ويَئِسَ مِن أنْ يَحْتَجَّ ﴿المُجْرِمُونَ﴾ المُشْرِكُونَ.
30:13Page 405
وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمۡ شُفَعَٰٓؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ كَٰفِرِينَ ١٣
And there will not be for them among their [alleged] partners any intercessors, and they will [then] be disbelievers in their partners.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ﴾ مِنَ الَّذِينَ عَبَدُوهم " مِن دُونِ اللهِ " وكُتِبَ شُفَعَؤُا في المُصْحَفِ بِواوٍ قَبْلَ الألْفِ كَما كُتِبَ عُلَمَؤُا بِنِي إسْرائِيلَ وكَذَلِكَ كُتِبَتِ السُوأى بِالألِفِ قَبْلَ الياءِ إثْباتًا لِلْهَمْزَةِ عَلى صُورَةِ الحَرْفِ الَّذِي مِنهُ حَرَكَتُها ﴿وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ: يَكْفُرُونَ بِآلِهَتِهِمْ ويَجْحَدُونَها أوْ وكانُوا في الدُنْيا كافِرِينَ بِسَبَبِهِمْ.
30:14Page 405
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَتَفَرَّقُونَ ١٤
And the Day the Hour appears - that Day they will become separated.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ الضَمِيرُ في يَتَفَرَّقُونَ لِلْمُسْلِمِينَ والكافِرِينَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ حَيْثُ قالَ.
30:15Page 405
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمۡ فِي رَوۡضَةٖ يُحۡبَرُونَ ١٥
And as for those who had believed and done righteous deeds, they will be in a garden [of Paradise], delighted.
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ﴾ أيْ: بُسْتانٍ وهي الجَنَّةُ والتَنْكِيرُ لِإبْهامِ أمْرِها وتَفْخِيمِهِ ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُسَرُّونَ يُقالُ حَبَرَهُ إذا سَرَّهُ سُرُورًا تَهَلَّلَ لَهُ وجْهُهُ وظَهَرَ فِيهِ أثَرُهُ ثُمَّ اخْتُلِفَ فِيهِ لِاحْتِمالِ وُجُوهِ المَسارِّ فَقِيلَ يُكْرَمُونَ وقِيلَ يُحَلَّوْنَ وقِيلَ هو السَماعُ في الجَنَّةِ.
30:16Page 406
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآيِٕ ٱلۡأٓخِرَةِ فَأُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ١٦
But as for those who disbelieved and denied Our verses and the meeting of the Hereafter, those will be brought into the punishment [to remain].
﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيِ البَعْثِ ﴿فَأُولَئِكَ في (p-٦٩٤)العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ مُقِيمُونَ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ ولا يُخَفَّفُ عَنْهم كَقَوْلِهِ ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ [المائدة: ٣٧]
30:17Page 406
فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ ١٧
So exalted is Allāh when you reach the evening and when you reach the morning.
لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ أتْبَعَهُ ذِكْرَ ما يُوصِلُ إلى الوَعْدِ ويُنْجِي مِنَ الوَعِيدِ فَقالَ ﴿فَسُبْحانَ اللهِ﴾ والمُرادُ بِالتَسْبِيحِ ظاهِرُهُ الَّذِي هو تَنْزِيهُ اللهِ مِنَ السُوءِ والثَناءُ عَلَيْهِ بِالخَيْرِ في هَذِهِ الأوْقاتِ لِما يَتَجَدَّدُ فِيها مِن نِعْمَةِ اللهِ الظاهِرَةِ أوِ الصَلاةِ فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ هَلْ تَجِدُ الصَلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ فَقالَ نَعَمْ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ وهو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ والمَعْنى: نَزِّهُوهُ عَمّا لا يَلِيقُ أوْ صَلُّوا لِلَّهِ ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ صَلاةَ المَغْرِبِ والعِشاءِ ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صَلاةَ الفَجْرِ.
30:18Page 406
وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ ١٨
And to Him is [due all] praise throughout the heavens and the earth. And [exalted is He] at night and when you are at noon.
﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَماواتِ والأرْضِ﴾ اعْتِراضٌ ومَعْناهُ: أنَّ عَلى المُمَيِّزِينَ كُلِّهِمْ مِن أهْلِ السَمَواتِ والأرْضِ أنْ يَحْمَدُوهُ وفى السَمَواتِ حالٌ مِنَ الحَمْدِ ﴿وَعَشِيًّا﴾ صَلاةُ العَصْرِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صَلاةُ الظُهْرِ. أظْهَرَ أيْ:دَخَلَ في وقْتِ الظُهْرِ والقَوْلُ الأكَثْرُ أنَّ الصَلَواتِ الخَمْسَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ.
30:19Page 406
يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَيُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ وَكَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١٩
He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and brings to life the earth after its lifelessness. And thus will you be brought out.1
﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الطائِرَ مِنَ البَيْضَةِ أوِ الإنْسانَ مِنَ النُطْفَةِ أوِ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ ﴿وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيِ البَيْضَةَ مِنَ الطائِرِ أوِ النُطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ أوِ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ "والمَيْتَ" بِالتَخْفِيفِ فِيهِما مَكِّيٌّ وشامِيٌّ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ وحَمّادٌ، بِالتَشْدِيدِ غَيْرُهم ﴿وَيُحْيِي الأرْضَ﴾ بِالنَباتِ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ يَبَسِها ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ تَخْرُجُونَ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وخَلَفٌ أيْ: ومِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ تُخْرَجُونَ مِن قُبُورِكم والكافُ في مَحَلِّ النَصْبِ بِتُخْرَجُونَ والمَعْنى: أنَّ الإبْداءَ والإعادَةَ يَتَساوَيانِ في قُدْرَةِ مَن هو قادِرٌ عَلى إخْراجِ المَيِّتِ (p-٦٩٥)مِنَ الحَيِّ وعَكْسِهِ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ «مَن قَرَأ ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] إلى الثَلاثِ وآخِرَ سُورَةِ والصافّاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ كُتِبَ لَهُ مِنَ الحَسَناتِ عَدَدُ نُجُومِ السَماءِ وقَطْرِ الأمْطارِ ووَرَقِ الأشْجارِ وتُرابِ الأرْضِ فَإذا ماتَ أُجْرِيَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ في قَبْرِهِ" » وعَنْهُﷺ قالَ « " مَن قَرَأ حِينَ يُصْبِحُ ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] إلى قَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ في لَيْلَتِهِ »
30:20Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ ٢٠
And of His signs is that He created you from dust; then, suddenly you were human beings dispersing [throughout the earth].
﴿وَمِن آياتِهِ﴾ ومِن عَلاماتِ رُبُوبِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ ﴿أنْ خَلَقَكُمْ﴾ أيْ: أباكم ﴿مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ﴾ أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ تَنْصَرِفُونَ فِيما فِيهِ مَعاشُكم وإذا لِلْمُفاجَأةِ وتَقْدِيرُهُ: ثُمَّ فاجَأْتُمْ وقْتَ كَوْنِكم بَشَرًا مُنْتَشِرِينَ في الأرْضِ.
30:21Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١
And of His signs is that He created for you from yourselves mates that you may find tranquility in them; and He placed between you affection and mercy. Indeed in that are signs for a people who give thought.
﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ أيْ: حَوّاءَ خُلِقَتْ مِن ضِلَعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ والنِساءُ بَعْدَها خُلِقْنَ مِن أصْلابِ الرِجالِ أوْ مِن شَكْلِ أنْفُسِكم وجِنْسِها لا مِن جِنْسٍ آخَرَ وذَلِكَ لِما بَيْنَ الِاثْنَيْنِ مَن جِنْسٍ واحِدٍ مِنَ الإلْفِ والسُكُونِ وما بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ مِنَ التَنافُرِ يُقالُ سَكَنَ إلَيْهِ إذا مالَ إلَيْهِ ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ أيْ: جَعَلَ بَيْنَكُمُ التَوادَّ والتَراحُمَ بِسَبَبِ الزَواجِ، وعَنِ الحَسَنِ: المَوَدَّةُ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ والرَحْمَةُ عَنِ الوَلَدِ وقِيلَ المَوَدَّةُ لِلشّابَّةِ والرَحْمَةُ لِلْعَجُوزِ وقِيلَ المَوَدَّةُ والرَحْمَةُ مِنَ اللهِ والفَرْكُ مِنَ الشَيْطانِ أيْ: بُغْضُ المَرْأةِ زَوْجَها وبُغْضُ الزَوْجِ المَرْأةَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَيَعْلَمُونَ أنَّ قِوامَ الدُنْيا بِوُجُودِ التَناسُلِ (p-٦٩٦)
30:22Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ ٢٢
And of His signs is the creation of the heavens and the earth and the diversity of your languages and your colors. Indeed in that are signs for those of knowledge.
﴿وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيِ اللُغاتِ أوْ أجْناسِ النُطْقِ وأشْكالِهِ ﴿وَألْوانِكُمْ﴾ كالسَوادِ والبَياضِ وغَيْرِهِما ولِاخْتِلافِ ذَلِكَ وقَعَ التَعارُفُ وإلّا فَلَوْ تَشاكَلَتْ واتَّفَقَتْ لَوَقَعَ التَجاهُلُ والِالتِباسُ ولَتَعَطَّلَتِ المَصالِحُ وفي ذَلِكَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ حَيْثُ وُلِدُوا مِن أبٍ واحِدٍ وهم عَلى الكَثْرَةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللهُ مُتَفاوِتُونَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ جَمْعُ عالَمٍ، وبِكَسْرِ اللامِ حَفْصٌ جَمْعُ عالِمٍ ويَشْهَدُ لِلْكَسْرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]
30:23Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٢٣
And of His signs is your sleep by night and day and your seeking of His bounty. Indeed in that are signs for a people who listen.
﴿وَمِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَيْلِ والنَهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ هَذا مِن بابِ اللَفِّ، وتَرْتِيبُهُ: ومِن آياتِهِ مَنامُكم وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ بِاللَيْلِ والنَهارِ إلّا أنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ القَرِينَيْنِ الأوَّلَيْنِ بِالقَرِينَيْنِ الآخَرَيْنِ أوِ المُرادُ مَنامُكم في الزَمانَيْنِ وابْتِغاؤُكم فِيهِما والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ لِتَكَرُّرِهِ في القُرْآنِ وأسَدُّ المَعانِي ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: يَسْمَعُونَ سَماعَ تَدَبُّرٍ بِآذانٍ واعِيَةٍ.
30:24Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٤
And of His signs is [that] He shows you the lightning [causing] fear and aspiration, and He sends down rain from the sky by which He brings to life the earth after its lifelessness. Indeed in that are signs for a people who use reason.
﴿وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ في يُرِيكم وجْهانِ: إضْمارُ أنْ كَما في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وإنْزالُ الفِعْلِ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ وبِهِما فُسِّرَ المَثَلُ "تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ" أيْ: أنْ تَسْمَعَ أوْ سَماعُكَ ﴿خَوْفًا﴾ مِنَ الصاعِقَةِ أوْ مِنَ الإخْلافِ ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغَيْثِ أوْ خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْحاضِرِ وهُما مَنصُوبانِ عَلى المَفْعُولِ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ أيْ: إرادَةَ خَوْفٍ وإرادَةَ طَمَعٍ أوْ عَلى الحالِ أيْ: خائِفِينَ وطامِعِينَ ﴿وَيُنَـزِّلُ مِنَ السَماءِ﴾ وبِالتَّخْفِيفِ مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ (p-٦٩٧)﴿ماءً﴾ مَطَرًا ﴿فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَتَفَكَّرُونَ بِعُقُولِهِمْ.
30:25Page 407
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ ٢٥
And of His signs is that the heaven and earth stand [i.e., remain] by His command. Then when He calls you with a [single] call from the earth, immediately you will come forth.
﴿وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ﴾ تَثْبُتُ بِلا عَمَدٍ ﴿السَماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: بِإقامَتِهِ وتَدْبِيرِهِ وحِكْمَتِهِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكُمْ﴾ لِلْبَعْثِ ﴿دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم هَذا كَقَوْلِهِ ﴿يُرِيكُمُ﴾ [الروم: ٢٤] في إيقاعِ الجُمْلَةِ مَوْقِعَ المُفْرَدِ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قالَ:وَمِن آياتِهِ قِيامُ السَمَواتِ والأرْضِ واسْتِمْساكِها بِغَيْرِ عَمَدٍ ثُمَّ خُرُوجُ المَوْتى مِنَ القُبُورِ إذا دَعاهم دَعْوَةً واحِدَةً يا أهْلَ القُبُورِ اخْرُجُوا والمُرادُ سُرْعَةُ وُجُودِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ وإنَّما عَطَفَ هَذا عَلى قِيامِ السَمَواتِ والأرْضِ بِثُمَّ بَيانًا لِعِظَمِ ما يَكُونُ مِن ذَلِكَ الأمْرِ واقْتِدارِهِ عَلى مِثْلِهِ وهو أنْ يَقُولَ يا أهْلَ القُبُورِ قُومُوا فَلا تَبْقى نَسَمَةٌ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ إلّا قامَتْ تَنْظُرُ كَما قالَ ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] وإذا الأُولى لِلشَّرْطِ والثانِيَةُ لِلْمُفاجَأةِ وهي تَنُوبُ مَنابَ الفاءِ في جَوابِ الشَرْطِ ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ لا بِالمَصْدَرِ وقَوْلُكَ دَعَوْتُهُ مِن مَكانِ كَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَكانَكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَكانَ صاحِبِكَ.
30:26Page 407
وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ٢٦
And to Him belongs whoever is in the heavens and earth. All are to Him devoutly obedient.
﴿وَلَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِوُجُودِ أفْعالِهِ فِيهِمْ لا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ أوْ مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّ.
30:27Page 407
وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧
And it is He who begins creation; then He repeats it, and that is [even] easier for Him. To Him belongs the highest description [i.e., attribute] in the heavens and earth. And He is the Exalted in Might, the Wise.
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ أيْ: يُنْشِئُهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لِلْبَعْثِ ﴿وَهُوَ﴾ أيِ البَعْثُ ﴿أهْوَنُ﴾ أيْسَرُ ﴿عَلَيْهِ﴾ عِنْدَكم، لِأنَّ الإعادَةَ عِنْدَكم أسْهَلُ مِنَ الإنْشاءِ فَلِمَ أنْكَرْتُمُ الإعادَةَ؟، وأُخِّرَتِ الصِلَةُ في قَوْلِهِ ﴿وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وقُدِّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] لِقَصْدِ الِاخْتِصاصِ هُناكَ وأمّا هُنا فَلا مَعْنى لِلِاخْتِصاصِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَجّاجُ وغَيْرُهُما: الأهْوَنُ (p-٦٩٨)بِمَعْنى الهَيِّنِ فَيُوصَفُ بِهِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا كَما قالُوا اللهُ أكْبَرُ أيْ كَبِيرٌ والإعادَةُ في نَفْسِها عَظِيمَةٌ ولَكِنَّها هُوِّنَتْ بِالقِياسِ إلى الإنْشاءِ أوْ هو أهْوَنُ عَلى الخَلْقِ مِنَ الإنْشاءِ، لِأنَّ قِيامَهم بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ أسْهَلُ مِن كَوْنِهِمْ نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا إلى تَكْمِيلِ خَلْقِهِمْ ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ الوَصْفُ الأعَلى الَّذِي لَيْسَ لِغَيْرِهِ وقَدْ عُرِفَ بِهِ ووُصِفَ في السَمَواتِ والأرْضِ عَلى ألْسِنَةِ الخَلائِقِ وألْسِنَةِ الدَلائِلِ وهو أنَّهُ القادِرُ الَّذِي لا يَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ مِن إنْشاءٍ وإعادَةٍ وغَيْرِهِما مِنَ المَقْدُوراتِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ أيِ القاهِرُ لِكُلِّ مَقْدُورٍ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَجْرِي كُلُّ فِعْلٍ عَلى قَضايا حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما المَثَلُ الأعْلى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَمِيعُ البَصِيرُ، وعَنْ مُجاهِدٍ هو قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللهُ ومَعْناهُ: ولَهُ الوَصْفُ الأرْفَعُ الَّذِي هو الوَصْفُ بِالوَحْدانِيَّةِ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ.
30:28Page 407
ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٨
He presents to you an example from yourselves. Do you have among those whom your right hands possess [i.e., slaves] any partners in what We have provided for you so that you are equal therein [and] would fear them as your fear of one another [within a partnership]?1 Thus do We detail the verses for a people who use reason.
﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لِمَن جَعَلَ لَهُ شَرِيكًا مِن خَلْقِهِ "مِن" لِلِابْتِداءِ كَأنَّهُ قالَ أخَذَ مَثَلًا وانْتَزَعَهُ مِن أقْرَبِ شَيْءٍ مِنكم وهي أنْفُسُكم ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ مَعاشِرَ الأحْرارِ ﴿مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النور: ٣٣] عَبِيدِكم ومِن لِلتَّبْعِيضِ ﴿مِن شُرَكاءَ﴾ مِن مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِفْهامِ الجارِي مَجْرى النَفْيِ ومَعْناهُ: هَلْ تَرْضَوْنَ لِأنْفُسِكم - وعَبِيدُكم أمْثالُكم بَشَرٌ كَبَشَرٍ وعَبِيدٌ كَعَبِيدٍ – أنْ يُشارِكَكم بَعْضُهم ﴿فِي ما رَزَقْناكُمْ﴾ مِنَ الأمْوالِ وغَيْرِها ﴿فَأنْتُمْ﴾ مَعاشِرَ الأحْرارِ والعَبِيدِ ﴿فِيهِ﴾ في ذَلِكَ الرِزْقِ ﴿سَواءٌ﴾ مِن غَيْرِ تَفْضِلَةٍ بَيْنَ حُرٍّ وعَبْدٍ يَحْكُمُ مَمالِيكُكم في أمْوالِكم كَحُكْمِكم ﴿تَخافُونَهُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في سَواءٍ أيْ: مُتَساوُونَ خائِفًا بَعْضُكم بَعْضًا مُشارَكَتَهُ في المالِ والمَعْنى: تَخافُونَ مَعاشِرَ السادَةِ عَبِيدَكم فِيها فَلا تُمْضُونَ فِيها حُكْمًا دُونَ إذْنِهِمْ خَوْفًا مِن لائِمَةٍ تَلْحَقُكم مِن جِهَتِهِمْ ﴿كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ يَعْنِي: كَما يَخافُ بَعْضُ (p-٦٩٩)الأحْرارِ بَعْضًا فِيما هو مُشْتَرِكٌ بَيْنَهم فَإذا لَمْ تَرْضَوْا بِذَلِكَ لِأنْفُسِكم فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِرَبِّ الأرْبابِ ومالِكِ الأحْرارِ والعَبِيدِ أنْ تَجْعَلُوا بَعْضَ عَبِيدِهِ لَهُ شُرَكاءَ؟! ﴿كَذَلِكَ﴾ مَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ أيْ: مِثْلَ هَذا التَفْصِيلِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ نُبَيِّنُها لِأنَّ التَمْثِيلَ مِمّا يَكْشِفُ المَعانِيَ ويُوَضِّحُها ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَتَدَبَّرُونَ في ضَرْبِ الأمْثالِ فَلَمّا لَمْ يَنَزَجِرُوا أضْرَبَ عَنْهم فَقالَ.
30:29Page 407
بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٩
But those who wrong follow their [own] desires without knowledge. Then who can guide one whom Allāh has sent astray? And for them there are no helpers.
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنْفُسَهم بِما أشْرَكُوا كَما قالَ اللهُ تَعالى ﴿إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ﴿أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيِ اتَّبَعُوا أهْواءَهم جاهِلِينَ ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللهُ﴾ أيْ: أضَلَّهُ اللهُ تَعالى ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ مِنَ العَذابِ.
30:30Page 407
فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٠
So direct your face [i.e., self] toward the religion, inclining to truth. [Adhere to] the fiṭrah1 of Allāh upon which He has created [all] people. No change should there be in the creation of Allāh.2 That is the correct religion, but most of the people do not know.
﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ فَقَوِّمْ وجْهَكَ لَهُ وعُدْ لَهُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ عَنْهُ يَمِينًا ولا شِمالًا وهو تَمْثِيلٌ لِإقْبالِهِ عَلى الدِينِ واسْتِقامَتِهِ عَلَيْهِ واهْتِمامِهِ بِأسْبابِهِ فَإنَّ مَنِ اهْتَمَّ بِالشَيْءِ عَقَدَ عَلَيْهِ طَرْفَهُ وسَدَّدَ إلَيْهِ نَظَرَهُ وقَوَّمَ لَهُ وجْهَهُ ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِنَ المَأْمُورِ أوْ مِنَ الدِينِ ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ أيِ الزَمُوا فِطْرَةَ اللهِ والفِطْرَةُ الخِلْقَةُ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ فالمَعْنى: أنَّهُ خَلَقَهم قابِلَيْنِ لِلتَّوْحِيدِ والإسْلامِ غَيْرَ نائِينَ عَنْهُ ولا مُنْكِرِينَ لَهُ لِكَوْنِهِ مُجاوِبًا لِلْعَقْلِ مُساوِقًا لِلنَّظَرِ الصَحِيحِ حَتّى لَوْ تُرِكُوا لَما اخْتارُوا عَلَيْهِ دِينًا آخَرَ ومَن غَوى مِنهم فَبِإغْواءِ شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ « "كُلُّ عِبادِي خَلَقْتُ حُنَفاءَ فاجْتالَتْهُمُ الشَياطِينُ عَنْ دِينِهِمْ وأمَرُوهم أنْ يُشْرِكُوا بِي غَيْرِي" » وقَوْلُهُ ﷺ « " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ حَتّى يَكُونَ أبَواهُ هُما اللَذانِ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ" » وقالَ الزَجّاجُ مَعْناهُ: أنَّ اللهَ تَعالى فَطَرَ الخَلْقَ (p-٧٠٠)عَلى الإيمانِ بِهِ عَلى ما جاءَ في الحَدِيثِ « "إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أخْرَجَ مِن صُلْبِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ كالذَرِّ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ خالِقُهم فَقالَ ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] إلى قَوْلِهِ ﴿قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] » وكُلُّ مَوْلُودٍ هو مِن تِلْكَ الذُرِّيَّةِ الَّتِي شَهِدَتْ بِأنَّ اللهَ تَعالى خالِقُها فَمَعْنى ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ دِينُ اللهِ ﴿الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها﴾ أيْ: خَلَقَ ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ أيْ: ما يَنْبَغِي أنْ تُبَدَّلَ تِلْكَ الفِطْرَةُ أوْ تُغَيَّرَ وقالَ الزَجّاجُ مَعْناهُ: لا تَبْدِيلَ لِدِينِ اللهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ﴾ أيِ المُسْتَقِيمُ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ حَقِيقَةَ ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences