An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:31–60
30:31Page 407
۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١
[Adhere to it], turning in repentance to Him, and fear Him and establish prayer and do not be of those who associate others with Allāh
﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ راجِعِينَ إلَيْهِ وهو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في الزَمُوا وقَوْلُهُ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا وتَكُونُوا مَعْطُوفٌ عَلى هَذا المُضْمَرِ أوْ مِن قَوْلِهِ فَأقِمْ وجْهَكَ، لِأنَّ الأمْرَ لَهُ ﷺ أمْرٌ لِأُمَّتِهِ فَكَأنَّهُ قالَ فَأقِيمُوا وُجُوهَكم مُنِيبِينَ إلَيْهِ أوِ التَقْدِيرُ كُونُوا مُنِيبِينَ دَلِيلُهُ قَوْلُهُ ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ واتَّقُوهُ ﴿أقِيمُوا الصَلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] أيْ: أدُّوها في أوْقاتِها ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مِمَّنْ يُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ.
30:32Page 407
مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢
[Or] of those who have divided their religion and become sects, every faction rejoicing in what it has.1
﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ بَدَلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بِإعادَةِ الجارِّ ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ جَعَلُوهُ أدْيانًا مُخْتَلِفَةً لِاخْتِلافِ أهْوائِهِمْ "فارَقُوا" حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أيْ: تَرَكُوا دِينَ الإسْلامِ ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ فِرَقًا كُلُّ واحِدَةٍ تُشايِعُ إمامَها الَّذِي أضَلَّها ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ مِنهم ﴿بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ فَرِحٌ بِمَذْهَبِهِ مَسْرُورٌ يَحْسَبُ باطِلَهُ حَقًّا.
30:33Page 408
وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٣٣
And when adversity touches the people, they call upon their Lord, turning in repentance to Him. Then when He lets them taste mercy from Him, at once a party of them associate others with their Lord,
﴿وَإذا مَسَّ الناسَ ضُرٌّ﴾ شِدَّةٌ مِن هُزالٍ أوْ مَرَضٍ أوْ قَحْطٍ أوْ (p-٧٠١)غَيْرِ ذَلِكَ ﴿دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً﴾ أيْ: خَلاصًا مِنَ الشِدَّةِ ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ في العِبادَةِ.
30:34Page 408
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٤
So that they will deny what We have granted them.1 Then enjoy yourselves, for you are going to know.
﴿لِيَكْفُرُوا﴾ هَذِهِ لامُ كَيْ وقِيلَ لامُ الأمْرِ لِلْوَعِيدِ ﴿بِما آتَيْناهُمْ﴾ مِنَ النِعَمِ ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ بِكُفْرِكم قَلِيلًا أمْرَ وعِيدٍ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبالَ تَمَتُّعِكُمْ.
30:35Page 408
أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ ٣٥
Or have We sent down to them an authority [i.e., a proof or scripture], and it speaks of what they have been associating with Him?
﴿أمْ أنْـزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ حُجَّةً ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ وتَكَلُّمُهُ مَجازٌ كَما تَقُولُ كِتابُهُ ناطِقٌ بِكَذا وهَذا مِمّا نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ ومَعْناهُ: الشَهادَةُ كَأنَّهُ قالَ فَهو يَشْهَدُ بِشِرْكِهِمْ وبِصِحَّتِهِ ﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: بِكَوْنِهِمْ بِاللهِ يُشْرِكُونَ أوْ مَوْصُولَةٌ ويَرْجِعُ الضَمِيرُ إلَيْها أيْ: فَهو يَتَكَلَّمُ بِالأمْرِ الَّذِي بِسَبَبِهِ يُشْرِكُونَ أوْ مَعْنى الآيَةِ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ ذا سُلْطانٍ أيْ: مَلَكًا مَعَهُ بُرْهانٌ فَذَلِكَ المَلَكُ يَتَكَلَّمُ بِالبُرْهانِ الَّذِي بِسَبَبِهِ يُشْرِكُونَ.
30:36Page 408
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ ٣٦
And when We let the people taste mercy, they rejoice therein, but if evil afflicts them for what their hands have put forth, immediately they despair.
﴿وَإذا أذَقْنا الناسَ رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً مِن مَطَرٍ أوْ سَعَةٍ أوْ صِحَّةٍ ﴿فَرِحُوا بِها﴾ بَطَرُوا بِسَبَبِها ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ مِن جَدْبٍ أوْ ضِيقٍ أوْ مَرَضٍ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بِسَبَبِ شُؤْمِ مَعاصِيهِمْ ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ مِنَ الرَحْمَةِ، إذا لِلْمُفاجَأةِ جَوابُ الشَرْطِ نابَتْ عَنِ الفاءِ لِتَآخِيهِما في التَعْقِيبِ.
30:37Page 408
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣٧
Do they not see that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا بِأنَّهُ القابِضُ الباسِطُ فَما لَهم يَقْنَطُونَ مِن رَحْمَتِهِ وما لَهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ تائِبِينَ عَنِ المَعاصِي الَّتِي عُوقِبُوا بِالشِدَّةِ مِن أجْلِها حَتّى يُعِيدَ إلَيْهِمْ رَحْمَتَهُ.
30:38Page 408
فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٣٨
So give the relative his right, as well as the needy and the traveler. That is best for those who desire the face [i.e., approval] of Allāh, and it is they who will be the successful.
وَلَمّا ذَكَرَ أنَّ السَيِّئَةَ أصابَتْهم بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ أتْبَعَهُ ذِكْرَ ما يَجِبُ أنْ (p-٧٠٢)يَفْعَلَ وما يَجِبُ أنْ يَتْرَكَ فَقالَ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى﴾ أعْطِ قَرِيبَكَ ﴿حَقَّهُ﴾ مِنَ البَرِّ والصِلَةِ ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَبِيلِ﴾ نَصِيبَهُما مِنَ الصَدَقَةِ المُسَمّاةِ لَهُما وفِيهِ دَلِيلُ وُجُوبِ النَفَقَةِ لِلْمَحارِمِ كَما هو مَذْهَبُنا ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: إيتاءُ حُقُوقِهِمْ ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللهِ﴾ أيْ: ذاتَهُ أيْ: يَقْصِدُونَ بِمَعْرُوفِهِمْ إيّاهُ خالِصًا ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
30:39Page 408
وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ ٣٩
And whatever you give for interest [i.e., advantage] to increase within the wealth of people1 will not increase with Allāh. But what you give in zakāh,2 desiring the face [i.e., approval] of Allāh - those are the multipliers.3
﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ﴾ يُرِيدُ وما أعْطَيْتُمْ أكَلَةَ الرِبا مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِهِمْ ﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ﴾ فَلا يَزْكُو عِنْدَ اللهِ ولا يُبارَكُ فِيهِ وقِيلَ هو مِنَ الرِبا الحَلالِ أيْ: وما تُعْطُونَهُ مِنَ الهَدِيَّةِ لِتَأْخُذُوا أكْثَرَ مِنها فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ، لِأنَّكم لَمْ تُرِيدُوا بِذَلِكَ وجْهَ اللهِ ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ﴾ صَدَقَةٍ ﴿تُرِيدُونَ وجْهَ اللهِ﴾ تَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَهُ خالِصًا لا تَطْلُبُونَ بِهِ مُكافَأةً ولا رِياءً وسُمْعَةً ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ ذَوُو الإضْعافِ مِنَ الحَسَناتِ ونَظِيرُ المُضْعِفِ المُقْوِي والمُوسِرُ لِذِي القُوَّةِ واليَسارِ، "أتَيْتُمْ مِن رِبًا" بِلا مَدٍّ مَكِّيٌّ، أيْ: وما غَشِيتُمُوهُ مِن إعْطاءِ رِبًا "لِتُرْبُوا" مَدَنِيٌّ، أيْ: لِتَزِيدُوا في أمْوالِهِمْ، وقَوْلُهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ التِفاتٌ حَسَنٌ، لِأنَّهُ يُفِيدُ التَعْمِيمَ كَأنَّهُ قِيلَ:مَن فَعَلَ هَذا فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ المُخاطَبِينَ والمَعْنى: المُضْعِفُونَ بِهِ، لِأنَّهُ لابُدَّ لَهُ مِن ضَمِيرٍ يَرْجِعُ إلى ما المَوْصُولَةِ وقالَ الزَجّاجُ في قَوْلِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ أيْ: فَأهْلُها هُمُ المُضْعِفُونَ أيْ: هُمُ الَّذِينَ يُضاعَفُ لَهُمُ الثَوابُ يُعْطَوْنَ بِالحَسَنَةِ عَشْرَ أمْثالِها ثُمَّ أشارَ إلى عَجْزِ آلِهَتِهِمْ فَقالَ.
30:40Page 408
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٠
Allāh is the one who created you, then provided for you, then will cause you to die, and then will give you life. Are there any of your "partners" who does anything of that? Exalted is He and high above what they associate with Him.
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [الروم: ٥٤] مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أيْ: هو المُخْتَصُّ بِالخَلْقِ والرِزْقِ والإماتَةِ والإحْياءِ ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ﴾ أيْ: أصْنامِكُمُ الَّتِي زَعَمْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ ﴿مَن (p-٧٠٣)يَفْعَلُ مَن ذَلِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الخَلْقِ والرِزْقِ والإماتَةِ والإحْياءِ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: شَيْئًا مِن تِلْكَ الأفْعالِ، فَلَمْ يُجِيبُوا عَجْزًا فَقالَ اسْتِبْعادًا ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ و"مِن" الأوْلى والثانِيَةُ والثالِثَةُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ مُسْتَقِلَّةٌ بِتَأْكِيدٍ لِتَعْجِيزِ شُرَكائِهِمْ وتَجْهِيلِ عَبَدَتِهِمْ.
30:41Page 408
ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١
Corruption has appeared throughout the land and sea by [reason of] what the hands of people have earned so He [i.e., Allāh] may let them taste part of [the consequence of] what they have done that perhaps they will return [to righteousness].
﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ نَحْوُ القَحْطِ وقِلَّةِ الأمْطارِ والرِيعِ في الزِراعاتِ والرِبْحِ في التِجاراتِ ووُقُوعِ المَوَتانِ في الناسِ والدَوابِّ وكَثْرَةِ الحَرْقِ والغَرَقِ ومَحْقِ البَرَكاتِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي الناسِ﴾ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وشِرْكِهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أيْ: لِيُذِيقَهم وبالَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ في الدُنْيا قَبْلَ أنْ يُعاقِبَهم بِجَمِيعِها في الآخِرَةِ وبِالنُونِ عَنْ قُنْبُلٍ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي ثُمَّ أكَّدَ تَسْبِيبَ المَعاصِي لِغَضَبِ اللهِ ونَكالِهِ بِقَوْلِهِ.
30:42Page 409
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ ٤٢
Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how was the end of those before. Most of them were associators [of others with Allāh].
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ حَيْثُ أمَرَهم بِأنْ يَسِيرُوا فَيَنْظُرُوا كَيْفَ أهْلَكَ اللهُ الأُمَمَ وأذاقَهم سُوءَ العاقِبَةِ بِمَعاصِيهِمْ.
30:43Page 409
فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ ٤٣
So direct your face [i.e., self] toward the correct religion before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. That Day, they will be divided.1
﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ البَلِيغِ الِاسْتِقامَةِ الَّذِي لا يَتَأتّى فِيهِ عِوَجٌ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ﴾ هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرَدِّ ﴿مِنَ اللهِ﴾ يَتَعَلَّقُ بِيَأتِيَ والمَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ [الأنبياء: ٤٠] أوْ بِ"مَرَدَّ" عَلى مَعْنى لا يَرُدُّهُ هو بَعْدَ أنْ يَجِيءَ بِهِ ولا رَدَّ لَهُ مِن جِهَتِهِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ يَتَصَدَّعُونَ أيْ: يَتَفَرَّقُونَ (p-٧٠٤)
30:44Page 409
مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ ٤٤
Whoever disbelieves - upon him is [the consequence of] his disbelief. And whoever does righteousness - they are for themselves preparing,
ثُمَّ أشارَ إلى غِناهُ فَقالَ ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ: وبالُ كُفْرِهِ ﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أيْ: يُسَوُّونَ لِأنْفُسِهِمْ ما يُسَوِّيهِ لِنَفَسِهِ الَّذِي يُمَهِّدُ لِنَفْسِهِ فِراشَهُ ويُوَطِّئُهُ لِئَلّا يُصِيبَهُ في مَضْجَعَهِ ما يُنَغِّصُ عَلَيْهِ مَرْقَدَهُ مِن نُتُوءٍ وغَيْرِهِ والمَعْنى: أنَّهُ يُمَهِّدُ لَهُمُ الجَنَّةَ بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ فَأُضِيفَ إلَيْهِمْ وتَقْدِيمُ الظَرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ضَرَرَ الكُفْرِ لا يَعُودُ إلّا عَلى الكافِرِ ومَنفَعَةَ الإيمانِ والعَمَلِ الصالِحِ يَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِ لا تُجاوِزُهُ.
30:45Page 409
لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٥
That He may reward those who have believed and done righteous deeds out of His bounty. Indeed, He does not like the disbelievers.
﴿لِيَجْزِيَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَمْهَدُونَ تَعْلِيلٌ لَهُ وتَكْرِيرٌ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ وتُرِكَ الضَمِيرُ إلى الصَرِيحِ لِتَقْدِيرِ أنَّهُ لا يُفْلِحُ عِنْدَهُ إلّا المُؤْمِنُ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَطائِهِ وقَوْلُهُ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ تَقْرِيرٌ بَعْدَ تَقْرِيرٍ عَلى الطَرْدِ والعَكْسِ.
30:46Page 409
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦
And of His signs is that He sends the winds as bringers of good tidings and to let you taste His mercy [i.e., rain] and so the ships may sail at His command and so you may seek of His bounty, and perhaps you will be grateful.
﴿وَمِن آياتِهِ﴾ أيْ: ومِن آياتِ قُدْرَتِهِ ﴿أنْ يُرْسِلَ الرِياحَ﴾ هي الجَنُوبُ والشَمالُ والصَبا وهي رِياحُ الرَحْمَةِ وأمّا الدَبُورُ فَرِيحُ العَذابِ ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ «اللهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا » وقَدْ عَدَّدَ الفَوائِدَ في إرْسالِها فَقالَ ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ أيْ: أرْسَلَها لِلْبِشارَةِ بِالغَيْثِ ﴿وَلِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ ولِإذاقَةِ الرَحْمَةِ وهي نُزُولُ المَطَرِ وحُصُولُ الخِصْبِ الَّذِي يَتْبَعُهُ والرَوْحُ الَّذِي مَعَ هُبُوبِ الرِيحِ وزَكاءُ الأرْضِ وغَيْرُ ذَلِكَ ولِيُذِيقَكم مَعْطُوفٌ عَلى مُبَشِّراتٍ عَلى المَعْنى: كَأنَّهُ قِيلَ لِيُبَشِّرَكم ولِيُذِيقَكم ﴿وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ﴾ في البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِها ﴿بِأمْرِهِ﴾ أيْ: بِتَدْبِيرِهِ أوْ تَكْوِينِهِ كَقَوْلِهِ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا﴾ [يس: ٨٢] الآيَةُ ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ يُرِيدُ تِجارَةَ البَحْرِ ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ولِتَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ فِيها (p-٧٠٥)
30:47Page 409
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
And We have already sent messengers before you to their peoples, and they came to them with clear evidences; then We took retribution from those who committed crimes, and incumbent upon Us was support1 of the believers.
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: فَآمَنَ بِهِمْ قَوْمٌ وكَفَرَ بِهِمْ قَوْمٌ ويَدُلُّ عَلى هَذا الإضْمارِ قَوْلُهُ ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: كَفَرُوا بِالإهْلاكِ في الدُنْيا ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وكانَ نَصْرُ المُؤْمِنِينَ حَقًّا عَلَيْنا بِإنْجائِهِمْ مَعَ الرُسُلِ وقَدْ يُوقَفُ عَلى حَقًّا ومَعْناهُ: وكانَ الِانْتِقامُ مِنهم حَقًّا ثُمَّ تَبْتَدِئُ ﴿عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ والأوَّلُ أصَحُّ.
30:48Page 409
ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٨
It is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds and spread them in the sky however He wills, and He makes them fragments so you see the rain emerge from within them. And when He causes it to fall upon whom He wills of His servants, immediately they rejoice
﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ﴾ الرِيحَ مَكِّيٌّ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ﴾ أيِ السَحابَ ﴿فِي السَماءِ﴾ أيْ: في سَمْتِ السَماءِ وشَقِّها كَقَوْلِهِ ﴿وَفَرْعُها في السَماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ مِن ناحِيَةِ الشَمالِ أوِ الجَنُوبِ أوِ الدَبُورِ أوِ الصَبا ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قِطَعًا جَمْعُ كْسْفَةٍ أيْ: يَجْعَلُهُ مُنْبَسِطًا يَأْخُذُ وجْهَ السَماءِ مَرَّةً ويَجْعَلُهُ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً غَيْرَ مُنْبَسِطَةٍ مَرَّةً "كِسْفًا":يَزِيدُ وابْنُ ذَكْوانَ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ المَطَرَ ﴿يَخْرُجُ﴾ في التارَتَيْنِ جَمِيعًا ﴿مِن خِلالِهِ﴾ وسَطِهِ ﴿فَإذا أصابَ بِهِ﴾ بِالوَدْقِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ يُرِيدُ إصابَةَ بِلادِهِمْ وأراضِيهِمْ ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يَفْرَحُونَ.
30:49Page 409
وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ ٤٩
Although they were, before it was sent down upon them - before that, in despair.
﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ المَطَرُ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ [الحشر: ١٧] ومَعْنى التَوْكِيدِ فِيها الدَلالَةُ عَلى أنَّ عَهْدَهم بِالمَطَرِ قَدْ تَطاوَلَ فاسْتَحْكَمَ يَأْسُهم فَكانَ الِاسْتِبْشارُ عَلى قَدْرِ اغْتِمامِهِمْ بِذَلِكَ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ آيِسِينَ.
30:50Page 409
فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٥٠
So observe the effects of the mercy of Allāh - how He gives life to the earth after its lifelessness. Indeed, that [same one] will give life to the dead, and He is over all things competent.
﴿فانْظُرْ إلى آثارِ﴾ شامِيٌّ وكُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، وغَيْرُهم "أثَرِ" ﴿رَحْمَتِ اللهِ﴾ أيِ المَطَرِ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ﴾ بِالنَباتِ وأنْواعِ الثِمارِ ﴿بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ﴾ أيِ اللهَ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ القادِرَ الَّذِي يُحْيِي (p-٧٠٦)الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها هو الَّذِي يُحْيِي الناسَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ فَهَذا اسْتِدْلالٌ بِإحْياءِ المَواتِ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ المَقْدُوراتِ قادِرٌ وهَذا مِن جُمْلَةِ المَقْدُوراتِ بِدَلِيلِ الإنْشاءِ.
30:51Page 410
وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ ٥١
But if We should send a [bad] wind and they saw [their crops] turned yellow, they would remain thereafter disbelievers.1
﴿وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ أيِ الدَبُورَ ﴿فَرَأوْهُ﴾ أيْ: أثَرَ رَحْمَةِ اللهِ، لِأنَّ رَحْمَةَ اللهِ هي الغَيْثُ وأثَرُها النَباتُ ومَن قَرَأ بِالجَمْعِ رَجَعَ الضَمِيرُ إلى مَعْناهُ:، لِأنَّ مَعْنى آثارِ الرَحْمَةِ النَباتُ واسْمُ النَباتِ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يَنْبُتُ ﴿مُصْفَرًّا﴾ بَعْدَ اخْضِرارِهِ وقالَ مُصْفَرًّا، لِأنَّ تِلْكَ صُفْرَةٌ حادِثَةٌ وقِيلَ فَرَأوُا السَحابَ مُصْفَرًّا، لِأنَّ السَحابَ الأصْفَرَ لا يُمْطِرُ واللامُ في لَئِنْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ الشَرْطِ وسَدَّ مَسَدَّ جَوابَيِ القَسَمِ والشَرْطِ ﴿لَظَلُّوا﴾ ومَعْناهُ: لَيَظَلُّنَّ ﴿مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِهِ أوْ مِن بَعْدِ الِاسْتِبْشارِ ذَمَّهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ إذا حَبَسَ عَنْهُمُ المَطَرَ قَنِطُوا مَن رَحْمَتِهِ وضَرَبُوا أذْقانَهم عَلى صُدُورِهِمْ مُبْلِسِينَ فَإذا أصابَهم بِرَحْمَتِهِ ورَزَقَهُمُ المَطَرَ اسْتَبْشَرُوا فَإذا أرْسَلَ رِيحًا فَضَرَبَ زُرُوعَهم بِالصَفارِ ضَجُّوا وكَفَرُوا بِنِعْمَةِ اللهِ فَهم في جَمِيعِ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى الصِفَةِ المَذْمُومَةِ وكانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى اللهِ وفَضْلِهِ فَقَنِطُوا وأنْ يَشْكُرُوا نِعْمَتَهُ ويَحْمَدُوهُ عَلَيْها فَفَرِحُوا وأنْ يَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ فَكَفَرُوا.
30:52Page 410
فَإِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٥٢
So indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they turn their backs, retreating.
﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ أيْ: مَوْتى القُلُوبِ أوْ هَؤُلاءِ في حُكْمِ المَوْتى فَلا تَطْمَعْ أنْ يَقْبَلُوا مِنكَ ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُمَّ الدُعاءَ﴾ ولا يَسْمَعُ الصُمُّ: مَكِّيٌّ ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ فَإنْ قُلْتَ الأصَمُّ لا يَسْمَعُ مُقْبِلًا أوْ مُدْبِرًا فَما فائِدَةُ هَذا التَخْصِيصِ قُلْتُ هو إذا كانَ مُقْبِلًا يَفْهَمُ بِالرَمْزِ والإشارَةِ فَإذا ولّى لا يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ بِالإشارَةِ.
30:53Page 410
وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٥٣
And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [in submission to Allāh].
﴿وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ [النمل: ٨١] أيْ: عُمْيُ القُلُوبِ "وَما أنْتَ تَهْدِي العُمْيَ":حَمْزَةُ ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: لا يُمْكِنُكَ أنْ تَهْدِيَ الأعْمى إلى طَرِيقٍ قَدْ ضَلَّ (p-٧٠٧)عَنْهُ بِإشارَةٍ مِنكَ لَهُ إلَيْهِ ﴿إنْ تُسْمِعُ﴾ ما تُسْمِعُ ﴿إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِأوامِرِ اللهِ تَعالى.
30:54Page 410
۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ ٥٤
Allāh is the one who created you from weakness, then made after weakness strength, then made after strength weakness and white hair. He creates what He wills, and He is the Knowing, the Competent.
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ مِنَ النُطَفِ كَقَوْلِهِ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ يَعْنِي: حالَ الشَبابِ وبُلُوغِ الأشُدِّ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ يَعْنِي: حالَ الشَيْخُوخَةِ والهَرَمِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِن ضَعْفٍ وقُوَّةٍ وشَبابٍ وشَيْبَةٍ ﴿وَهُوَ العَلِيمُ﴾ بِأحْوالِهِمْ ﴿القَدِيرُ﴾ عَلى تَغْيِيرِهِمْ وهَذا التَرْدِيدُ في الأحْوالِ أبْيَنُ دَلِيلٍ عَلى الصانِعِ العَلِيمِ القَدِيرِ، فَتَحَ الضادَ في الكُلِّ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وضَمَّ غَيْرُهُما وهو اخْتِيارٌ حَفْصٍ وهُما لُغَتانِ والضَمُّ أقْوى في القِراءَةِ لِما رُوِيَ: «عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ قَرَأْتُها عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ضَعْفٍ فَأقْرَأنِي مِن ضُعْفٍ »
30:55Page 410
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ ٥٥
And the Day the Hour appears the criminals will swear they had remained but an hour. Thus they were deluded.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ﴾ أيِ القِيامَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُنْيا، أوْ لِأنَّها تَقَعُ بَغْتَةً كَما تَقُولُ" في ساعَةٍ" لِمَن تَسْتَعْجِلُهُ وجَرَتْ عَلَمًا لَها كالنَجْمِ لِلثُّرَيّا ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ﴾ يَحْلِفُ الكافِرُونَ ولا وقْفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ ﴿ما لَبِثُوا﴾ في القُبُورِ أوْ في الدُنْيا ﴿غَيْرَ ساعَةٍ﴾ جَوابُ القَسَمِ اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في القُبُورِ أوْ في الدُنْيا لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ وطُولِ مُقامِهِمْ في شَدائِدِها أوْ يَنْسَوْنَ أوْ يَكْذِبُونَ ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الصَرْفِ كانُوا يُصْرَفُونَ عَنِ الصِدْقِ إلى الكَذِبِ في الدُنْيا ويَقُولُونَ ما هي إلّا حَياتُنا الدُنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ.
30:56Page 410
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٥٦
But those who were given knowledge and faith will say, "You remained the extent of Allāh's decree until the Day of Resurrection, and this is the Day of Resurrection, but you did not used to know."1
﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ (p-٧٠٨)﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللهِ﴾ في عِلْمِ اللهِ المُثْبَتِ في اللَوْحِ أوْ في حُكْمِ اللهِ وقَضائِهِ ﴿إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ رَدُّوا ما قالُوهُ وحَلَفُوا عَلَيْهِ وأطْلَعُوهم عَلى الحَقِيقَةِ ثُمَّ وصَلُوا ذَلِكَ بِتَقْرِيعِهِمْ عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِقَوْلِهِمْ ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ﴾ في الدُنْيا" لا يَعْلَمُونَ " أنَّهُ حَقٌّ لِتَفْرِيطِكم في طَلَبِ الحَقِّ واتِّباعِهِ، والفاءُ لِجَوابِ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُنْكِرِينَ البَعْثَ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ.
30:57Page 410
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٥٧
So that Day, their excuse will not benefit those who wronged, nor will they be asked to appease [Allāh].
﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ﴾ بِالياءِ كُوفِيٌّ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كَفَرُوا ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ عُذْرُهم ﴿وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ: لا يُقالُ لَهم أرْضُوا رَبَّكم بِتَوْبَةٍ، مِن قَوْلِكَ: اسْتَعْتَبَنِي فُلانٌ فَأعْتَبْتُهُ أيِ اسْتَرْضانِي فَأرْضَيْتُهُ.
30:58Page 410
وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَلَئِن جِئۡتَهُم بِـَٔايَةٖ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُبۡطِلُونَ ٥٨
And We have certainly presented to the people in this Qur’ān from every [kind of] example. But, [O Muḥammad], if you should bring them a sign, the disbelievers will surely say, "You [believers] are but falsifiers."
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ﴾ أيْ: ولَقَدْ وصَفْنا لَهم كُلَّ صِفَةٍ كَأنَّها مَثَلٌ في غَرابَتِها وقَصَصْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ قِصَّةٍ عَجِيبَةِ الشَأْنِ كَصِفَةِ المَبْعُوثِينَ يَوْمَ القِيامَةِ وقِصَّتُهم وما يَقُولُونَ وما يُقالُ لَهم وما لا يَنْفَعُ مِنِ اعْتِذارِهِمْ ولا يُسْمَعُ مِنِ اسْتِعْتابِهِمْ ولَكِنَّهم لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ إذا جِئْتَهم بِآيَةٍ مِن آياتِ القُرْآنِ قالُوا جِئْتَنا بِزُورٍ وباطِلٍ.
30:59Page 410
كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٩
Thus does Allāh seal the hearts of those who do not know.1
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَبْعِ وهو الخَتْمُ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الجَهَلَةِ الَّذِينَ عَلِمَ اللهُ مِنهُمُ اخْتِيارَ الضَلالِ حَتّى يُسَمُّوا المُحِقِّينَ مُبْطِلِينَ وهم أعْرَقُ خَلْقِ اللهِ في تِلْكَ الصِفَةِ.
30:60Page 410
فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ٦٠
So be patient. Indeed, the promise of Allāh is truth. And let them not disquiet you who are not certain [in faith].
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى أذاهم أوْ عَداوَتِهِمْ ﴿إنَّ وعْدَ اللهِ﴾ بِنُصْرَتِكَ عَلى أعْدائِكَ وإظْهارِ دِينِ الإسْلامِ عَلى كُلِّ دِينٍ ﴿حَقٌّ﴾ لا بُدَّ مِن إنْجازِهِ (p-٧٠٩)والوَفاءِ بِهِ ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ عَلى الخِفَّةِ والعَجَلَةِ في الدُعاءِ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ أوْ لا يَحْمِلَنَّكَ عَلى الخِفَّةِ والقَلَقِ جَزَعًا مِمّا يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ فَإنَّهم ضُلّالٌ شاكُّونَ لا يُسْتَبْدَعُ مِنهم ذَلِكَ "وَلا يَسْتَخِفَّنْكَ" بِسُكُونِ النُونِ عَنْ يَعْقُوبَ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences