An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
لقمان
Luqman
Luqman · Meccan · 34 ayahs
31:1–2Page 411
الٓمٓ ١
Alif, Lām, Meem.1
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ٢
These are verses of the wise1 Book,
(p-٧١٠)سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثٌ أوْ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ذِي الحِكْمَةِ أوْ وُصِفَ بِصِفَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ.
﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ حالانِ مِنَ الآياتِ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ في تِلْكَ حَمْزَةُ بِالرَفْعِ عَلى أنَّ تِلْكَ مُبْتَدَأٌ وآياتُ الكِتابِ خَبَرُهُ وهَدًى خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ:هُوَ، أوْ: هي هُدًى ورَحْمَةٌ ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ الحَسَناتِ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ.
31:4Page 411
ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤
Who establish prayer and give zakāh, and they, of the Hereafter, are certain [in faith].
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُ أوْسٍ:
؎ الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَنَّ كَأنْ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا
أوْ لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ جَمِيعَ ما يَحْسُنُ ثُمَّ خَصَّ مِنهُمُ القائِمِينَ بِهَذِهِ الثَلاثَةِ لِفَضْلِها (p-٧١١)
31:5Page 411
أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥
Those are on [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.
﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ صِفَةٌ لِهُدًى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ.
31:6Page 411
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٦
And of the people is he who buys the amusement of speech1 to mislead [others] from the way of Allāh without knowledge and who takes it [i.e., His way] in ridicule. Those will have a humiliating punishment.
﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ وكانَ يَشْتَرِي أخْبارَ الأكاسِرَةِ مِن فارِسَ ويَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا يَقُصُّ طَرَفًا مِن قِصَّةِ عادٍ وثَمُودَ فَأنا أُحَدِّثُكم بِأحادِيثِ الأكاسِرَةِ فَيَمِيلُونَ إلى حَدِيثِهِ ويَتْرُكُونَ اسْتِماعَ القُرْآنِ، واللهْوُ: كُلُّ باطِلٍ ألْهى عَنِ الخَيْرِ وعَمّا يَعْنِي، ولَهْوُ الحَدِيثِ نَحْوُ السَمَرِ بِالأساطِيرِ الَّتِي لا أصْلَ لَها والغِناءِ وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - يَحْلِفانِ أنَّهُ الغِناءُ وقِيلَ الغِناءُ مَفْسَدَةٌ لِلْقَلْبِ مَنفَدَةٌ لِلْمالِ مَسْخَطَةٌ لِلرَّبِّ، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ «ما مِن رَجُلٍ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالغِناءِ إلّا بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِ شَيْطانَيْنِ أحَدُهُما عَلى هَذا المَنكِبِ والآخَرُ عَلى هَذا المَنكِبِ فَلا يَزالانِ يَضْرِبانِهِ بِأرْجُلِهِما حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَسْكُتُ » والِاشْتِراءُ مِنَ الشِراءِ كَما رُوِيَ: عَنِ النَضْرِ أوْ مِن قَوْلِهِ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ أيِ اسْتَبْدَلُوهُ مِنهُ واخْتارُوهُ عَلَيْهِ أيْ: يَخْتارُونَ حَدِيثَ الباطِلِ عَلى حَدِيثِ الحَقِّ وإضافَةُ اللهْوِ إلى الحَدِيثِ لِلتَّبْيِينِ بِمَعْنى مِن لَأنَّ اللهْوَ يَكُونُ مِنَ الحَدِيثِ ومِن غَيْرِهِ فَبُيِّنَ بِالحَدِيثِ والمُرادُ بِالحَدِيثِ الحَدِيثُ المُنْكَرُ كَما جاءَ في الحَدِيثِ:" «الحَدِيثُ في المَسْجِدِ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ البَهِيمَةُ الحَشِيشَ » "أوْ لِلتَّبْعِيضِ كَأنَّهُ قِيلَ "وَمِنَ الناسِ مَن يَشْتَرِي بَعْضَ الحَدِيثِ الَّذِي هو اللهْوُ مِنهُ ﴿لِيُضِلَّ﴾ أيْ: لِيَصُدَّ الناسَ عَنِ الدُخُولِ في الإسْلامِ واسْتِماعِ القُرْآنِ "لِيَضِلَّ" مَكِّيٌّ وأبُو عَمْرٍو أيْ لِيَثْبُتَ عَلى ضَلالِهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ ويَزِيدَ فِيهِ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ عَنْ دِينِ الإسْلامِ والقُرْآنِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: جَهْلًا مِنهُ بِما عَلَيْهِ مِنَ الوِزْرِ بِهِ ﴿وَيَتَّخِذَها﴾ أيِ السَبِيلَ بِالنَصْبِ كُوفِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ (p-٧١٢)عَطْفًا عَلى لِيُضِلَّ ومَن رَفَعَ عَطَفَهُ عَلى يَشْتَرِي ﴿هُزُوًا﴾ بِسُكُونِ الزايِ والهَمْزَةِ حَمْزَةُ وبِضَمِّ الزايِ بِلا هَمْزٍ حَفْصٌ وغَيْرُهم بِضَمِّ الزايِ والهَمْزَةِ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ: يُهِينُهم ومَن لِإبْهامِهِ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ أيِ النَضِرِ وأمْثالِهِ.
31:7Page 411
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا وَلَّىٰ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا كَأَنَّ فِيٓ أُذُنَيۡهِ وَقۡرٗاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٧
And when Our verses are recited to him, he turns away arrogantly as if he had not heard them, as if there was in his ears deafness. So give him tidings of a painful punishment.
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ أعْرَضَ عَنْ تَدَبُّرِها مُتَكَبِّرًا رافِعًا نَفْسَهُ عَنِ الإصْغاءِ إلى القُرْآنِ ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ يُشْبِهُ حالُهُ في ذَلِكَ حالَ مَن لَمْ يَسْمَعْها وهو حالٌ مِن مُسْتَكْبِرًا والأصْلُ كَأنَّهُ والضَمِيرُ ضَمِيرُ الشَأْنِ ﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ ثِقْلًا وهو حالٌ مِن لَمْ يَسْمَعْها "أُذْنَيْهِ" نافِعٌ ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾
31:8Page 411
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلنَّعِيمِ ٨
Indeed, those who believe and do righteous deeds - for them are the Gardens of Pleasure,
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَعِيمِ﴾ ولا وقْفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ.
31:9Page 411
خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٩
Wherein they abide eternally; [it is] the promise of Allāh [which is] truth. And He is the Exalted in Might, the Wise.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في لَهم ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ الأوَّلُ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ والثانِي مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ إذْ لَهم جَنّاتُ النَعِيمِ في مَعْنى وعَدَهُمُ اللهُ جَنّاتِ النَعِيمِ فَأكَّدَ مَعْنى الوَعْدِ بِالوَعْدِ و"حَقًّا" يَدُلُّ عَلى مَعْنى الثَباتِ فَأُكِّدَ بِهِ مَعْنى الوَعْدِ ومُؤَكَّدُهُما ﴿لَهم جَنّاتُ النَعِيمِ﴾ [لقمان: ٨] ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ فَيُهِينُ أعْداءَهُ بِالعَذابِ المُهِينِ ﴿الحَكِيمُ﴾ بِما يَفْعَلُ فَيُثِيبُ أوْلِياءَهُ بِالنَعِيمِ المُقِيمِ.
31:10Page 411
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ١٠
He created the heavens without pillars that you see and has cast into the earth firmly set mountains, lest it should shift with you, and dispersed therein from every creature. And We sent down rain from the sky and made grow therein [plants] of every noble kind.
﴿خَلَقَ السَماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ جَمْعُ عِمادٍ ﴿تَرَوْنَها﴾ الضَمِيرُ لِلسَّمَواتِ وهو اسْتِشْهادٌ بِرُؤْيَتِهِمْ لَها غَيْرَ مَعْمُودَةٍ عَلى قَوْلِهِ بِغَيْرِ عَمَدٍ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ أنا بِلا سَيْفٍ ولا رُمْحٍ تَرانِي ولا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ في مَحَلِّ الجَرِّ صِفَةٌ لَعَمَدٍ أيْ: بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ يَعْنِي: أنَّهُ (p-٧١٣)عَمَدَها بِعَمَدٍ لا تُرى وهو إمْساكُها بِقُدْرَتِهِ ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ جِبالًا ثَوابِتَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ لِئَلّا تَضْطَرِبَ بِكم ﴿وَبَثَّ﴾ ونَشَرَ ﴿فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْـزَلْنا مِنَ السَماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ صِنْفٍ ﴿كَرِيمٍ﴾ حَسَنٍ.
31:11Page 411
هَٰذَا خَلۡقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ بَلِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ١١
This is the creation of Allāh. So show Me what those other than Him have created. Rather, the wrongdoers are in clear error.
﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن مَخْلُوقاتِهِ ﴿خَلْقُ اللهِ﴾ أيْ: مَخْلُوقُهُ ﴿فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي: آلِهَتَهم بَكَّتَهم بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ العَظِيمَةَ مِمّا خَلَقَهُ اللهُ فَأرُونِي ما خَلَقَتْهُ آلِهَتُكم حَتّى اسْتَوْجَبُوا عِنْدَكُمُ العِبادَةَ ﴿بَلِ الظالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أضْرَبَ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ إلى التَسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالتَوَرُّطِ في ضَلالٍ لَيْسَ بَعْدَهُ ضَلالٌ.
31:12Page 412
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِۚ وَمَن يَشۡكُرۡ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٞ ١٢
And We had certainly given Luqmān wisdom [and said], "Be grateful to Allāh." And whoever is grateful is grateful for [the benefit of] himself. And whoever denies [His favor] - then indeed, Allāh is Free of need and Praiseworthy.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ وهو لُقْمانُ بْنُ باعُوراءَ، ابْنُ أُخْتِ أيُّوبَ أوِ ابْنُ خالَتِهِ وقِيلَ كانَ مِن أوْلادِ آزَرَ وعاشَ ألْفَ سَنَةٍ وأدْرَكَ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ وأخَذَ مِنهُ العِلْمَ وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ فَلَمّا بُعِثَ قَطَعَ الفَتْوى فَقِيلَ لَهُ فَقالَ ألا أكْتَفِي إذا كُفِيتُ وقِيلَ كانَ خَيّاطًا وقِيلَ نَجّارًا وقِيلَ راعِيًا وقِيلَ كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ عِكْرِمَةُ والشَعْبِيُّ كانَ نَبِيًّا، والجُمْهُورُ: عَلى أنَّهُ كانَ حَكِيمًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وقِيلَ خُيِّرَ بَيْنَ النُبُوَّةِ والحِكْمَةِ فاخْتارَ الحِكْمَةَ وهي الإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ وقِيلَ تَتَلْمَذَ لِألْفِ نَبِيٍّ وتَتَلْمَذَ لَهُ ألْفُ نَبِيٍّ، وأنْ في ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ مُفَسِّرَةٌ والمَعْنى: أيِ اشْكُرْ لِلَّهِ، لِأنَّ إيتاءَ الحِكْمَةِ في مَعْنى القَوْلِ وقَدْ نَبَّهَ اللهُ تَعالى عَلى أنَّ الحِكْمَةَ الأصْلِيَّةَ والعِلْمَ الحَقِيقِيَّ هو العَمَلُ بِهِما وعِبادَةُ اللهِ والشُكْرُ لَهُ حَيْثُ فَسَّرَ إيتاءَ الحِكْمَةِ بِالحَثِّ عَلى الشُكْرِ وقِيلَ لا يَكُونُ الرَجُلُ حَكِيمًا حَتّى يَكُونَ حَكِيمًا في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ ومُعاشَرَتِهِ وصْحْبَتِهِ وقالَ السَرِيُّ السَقْطِيُّ:الشُكْرُ ألّا (p-٧١٤)تَعْصِيَ اللهَ بِنِعَمِهِ وقالَ الجُنَيْدُ أنْ لا تَرى مَعَهُ شَرِيكًا في نِعَمِهِ وقِيلَ هو الإقْرارُ بِالعَجُزِ عَنِ الشُكْرِ والحاصِلُ أنَّ شُكْرَ القَلْبِ المَعْرِفَةُ وشُكْرَ اللِسانِ الحَمْدُ وشُكْرَ الأرْكانِ الطاعَةُ ورُؤْيَةُ العَجْزِ في الكُلِّ دَلِيلُ قَبُولِ الكُلِّ ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، لِأنَّ مَنفَعَتَهُ تَعُودُ إلَيْهِ فَهو يُرِيدُ المَزِيدَ ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ النِعْمَةَ ﴿فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ﴾ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى الشُكْرِ ﴿حَمِيدٌ﴾ حَقِيقٌ بِأنْ يُحْمَدَ وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ.
31:13Page 412
وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ ١٣
And [mention, O Muḥammad], when Luqmān said to his son while he was instructing him, "O my son, do not associate [anything] with Allāh. Indeed, association [with Him] is great injustice."
﴿وَإذْ﴾ أيْ: واذْكُرْ إذْ ﴿قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ﴾ أنْعَمَ أوْ أشْكَمَ ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ﴾ بِالإسْكانِ مَكِّيٌّ ﴿يا بُنَيَّ﴾ حَفْصٌ بِفَتْحِهِ في كُلِّ القُرْآنِ ﴿لا تُشْرِكْ بِاللهِ إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، لِأنَّهُ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ مَن لا نِعْمَةَ إلّا وهي مِنهُ ومَن لا نِعْمَةَ لَهُ أصْلًا.
31:14Page 412
وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ١٤
And We have enjoined upon man [care] for his parents. His mother carried him, [increasing her] in weakness upon weakness, and his weaning is in two years. Be grateful to Me and to your parents; to Me is the [final] destination.
﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ أيْ: حَمَلَتْهُ تَهِنُ وهْنًا عَلى وهْنٍ أيْ: تَضْعُفُ ضَعْفًا فَوْقَ ضَعْفٍ أيْ: يَتَزايَدُ ضَعْفُها ويَتَضاعَفُ، لِأنَّ الحَمْلَ كُلَّما ازْدادَ أوْ عَظُمَ ازْدادَتْ ثِقْلًا وضَعْفًا ﴿وَفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ أيْ: فِطامُهُ عَنِ الرَضاعِ لِتَمامِ عامَيْنِ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ هو تَفْسِيرٌ لِوَصَّيْنا أيْ: وصَّيْناهُ بِشُكْرِنا وبِشُكْرِ والِدَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ وفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُفَسَّرِ والمُفَسِّرِ، لِأنَّهُ لَمّا وصّى بِالوالِدَيْنِ ذَكَرَ ما تُكابِدُهُ الأُمُّ وتُعانِيهِ مِنَ المَشاقِّ في حَمْلِهِ وفِصالِهِ هَذِهِ المُدَّةَ الطَوِيلَةَ تَذْكِيرًا بِحَقِّها العَظِيمِ مُفْرَدًا، وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: مَن صَلّى الصَلَواتِ الخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللهَ ومَن دَعا لِلْوالِدَيْنِ في أدْبارِ الصَلَواتِ الخَمْسِ فَقَدْ شَكَرَهُما ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ أيْ: مَصِيرُكَ إلَيَّ وحِسابُكَ عَلَيَّ (p-٧١٥)
31:15Page 412
وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٥
But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them but accompany them in [this] world with appropriate kindness and follow the way of those who turn back to Me [in repentance]. Then to Me will be your return, and I will inform you about what you used to do.
﴿وَإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أرادَ بِنَفْيِ العِلْمِ بِهِ نَفْيَهُ أيْ: لا تُشْرِكْ بِي ما لَيْسَ بِشَيْءٍ يُرِيدُ الأصْنامَ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في الشِرْكِ ﴿وَصاحِبْهُما في الدُنْيا مَعْرُوفًا﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: صِحابًا مَعْرُوفًا حَسَنًا بِخُلُقٍ جَمِيلٍ وحِلْمٍ واحْتِمالٍ وبِرٍّ وصِلَةٍ ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ أيْ: سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ في دِينِكَ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَهُما فِيهِ وإنْ كُنْتَ مَأْمُورًا بِحُسْنِ مُصاحَبَتِهِما في الدُنْيا وقالَ ابْنُ عَطاءٍ صاحِبْ مَن تَرى عَلَيْهِ أنْوارَ خِدْمَتِي ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: مَرْجِعُكَ ومَرْجِعُهُما ﴿فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَأُجازِيكَ عَلى إيمانِكَ وأُجازِيهِما عَلى كُفْرِهِما وقَدِ اعْتَرَضَ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى سَبِيلِّ الِاسْتِطْرادِ تَأْكِيدًا لِما في وصِيَّةِ لُقْمانَ مِنَ النَهْيِ عَنِ الشِرْكِ يَعْنِي: إنّا وصَّيْناهُ بِوالِدَيْهِ وأمَرْناهُ أنْ لا يُطِيعَهُما في الشِرْكِ وإنْ جَهِدا كُلَّ الجَهْدِ لِقُبْحِهِ.
31:16Page 412
يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ١٦
[And Luqmān said], "O my son, indeed if it [i.e., a wrong] should be the weight of a mustard seed and should be within a rock or [anywhere] in the heavens or in the earth, Allāh will bring it forth. Indeed, Allāh is Subtle1 and Aware.
﴿يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ بِالرَفْعِ مَدَنِيٌّ والضَمِيرُ لِلْقِصَّةِ وأنَّثَ المِثْقالَ لِإضافَتِهِ إلى الحَبَّةِ كَما قالَ
كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَمِ
وَكانَ تامَّةٌ والباقُونَ بِالنَصْبِ والضَمِيرُ لِلْهَيْئَةِ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ أيْ: إنْ كانَتْ مَثَلًا في الصِغَرِ كَحَبَّةِ خَرْدَلٍ ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ: فَكانَتْ مَعَ صِغَرِها في أخْفى مَوْضِعٍ وأحْرَزِهِ كَجَوْفِ الصَخْرَةِ (p-٧١٦)أوْ حَيْثُ كانَتْ في العالَمِ العُلْوِيِّ أوِ السُفْلِيِّ والأكْثَرُ عَلى أنَّها الصَخْرَةُ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ وهي السِجِّينُ تُكْتَبُ فِيها أعْمالُ الفُجّارِ ولَيْسَتْ مِنَ الأرْضِ ﴿يَأْتِ بِها اللهُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُحاسِبُ بِها عامِلَها ﴿إنَّ اللهَ لَطِيفٌ﴾ بِتَوَصُّلِ عِلْمِهِ إلى كُلِّ خَفِيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ عالِمٌ بِكُنْهِهِ أوْ لَطَيْفٌ بِاسْتِخْراجِها خَبِيرٌ بِمُسْتَقَرِّهَ.
31:17Page 412
يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٧
O my son, establish prayer, enjoin what is right, forbid what is wrong, and be patient over what befalls you. Indeed, [all] that is of the matters [requiring] resolve.1
﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَلاةَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ في ذاتِ اللهِ تَعالى إذا أمَرْتَ بِالمَعْرُوفِ ونَهَيْتَ عَنِ المُنْكَرِ أوْ عَلى ما أصابَكَ مِنَ المِحَنِ فَإنَّها تُورِثُ المِنَحَ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ الَّذِي وصَّيْتُكَ بِهِ ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: مِمّا عَزَمَهُ اللهُ مِنَ الأُمُورِ أيْ: قَطَعَهُ قَطْعَ إيجابٍ وإلْزامٍ أيْ: أمَرَ بِهِ أمْرًا حَتْمًا وهو مِن تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ وأصْلُهُ مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ أيْ: مَقْطُوعاتِها ومَفْرُوضاتِها وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الطاعاتِ كانَتْ مَأْمُورًا بِها في سائِرِ الأُمَمِ.
31:18Page 412
وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ ١٨
And do not turn your cheek [in contempt] toward people1 and do not walk through the earth exultantly. Indeed, Allāh does not like everyone self-deluded and boastful.
﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: ولا تُعْرِضْ عَنْهم تَكَبُّرًا "تُصاعِرْ" أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وهو بِمَعْنى تُصَعِّرُ، والصَعْرُ: داءٌ يُصِيبُ البَعِيرَ يَلْوِي مِنهُ عُنُقَهُ والمَعْنى: أقْبِلْ عَلى الناسِ بِوَجْهِكَ تَواضُعًا ولا تُولِهِمْ شِقَّ وجْهِكَ وصَفْحَتَهُ كَما يَفْعَلُهُ المُتَكَبِّرُونَ ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ: تَمْرَحُ مَرَحًا أوْ أوْقَعَ المَصْدَرَ مَوْقِعَ الحالِ أيْ: مَرِحًا أوْ لا تَمْشِ لِأجْلِ المَرَحِ والأشَرِ ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ﴾ مُتَكَبِّرٍ ﴿فَخُورٍ﴾ مَن يُعَدِّدُ مَناقِبَهُ تَطاوُلًا.
31:19Page 412
وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ ١٩
And be moderate in your pace and lower your voice; indeed, the most disagreeable of sounds is the voice of donkeys."
﴿واقْصِدْ﴾ القَصْدُ التَوَسُّطُ بَيْنَ العُلُوِّ والتَقْصِيرِ ﴿فِي مَشْيِكَ﴾ أيِ اعْلُ فِيهِ حَتّى يَكُونَ مَشْيًا بَيْنَ مَشْيَيْنِ لا تَدِبُّ دَبِيبَ المُتَماوِتِينَ ولا تَثِبُ وُثُوبَ الشُطّارِ قالَ ﷺ «سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بِهاءَ (p-٧١٧)المُؤْمِنِ » وأمّا قَوْلُ عائِشَةَ في عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ كانَ إذا مَشى أسْرَعَ فَإنَّما أرادَتِ السُرْعَةَ المُرْتَفِعَةَ عَنْ دَبِيبِ المُتَماوِتِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - كانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ خَبَبِ اليَهُودِ ودَبِيبِ النَصارى ولَكِنْ مَشْيًا بَيْنَ ذَلِكَ وقِيلَ مَعْناهُ: وانْظُرْ مَوْضِعَ قَدَمَيْكَ مُتَواضِعًا ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ وانْقُصْ مِنهُ أيِ اخْفِضْ صَوْتَكَ ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ﴾ أيْ: أوْحَشَها ﴿لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾، لِأنَّ أوَّلَهُ زَفِيرٌ وآخِرَهُ شَهِيقٌ كَصَوْتِ أهْلِ النارِ، وعَنِ الثَوْرِيِّ صِياحُ كُلِّ شَيْءٍ تَسْبِيحٌ إلّا الحِمارَ فَإنَّهُ يَصِيحُ لِرُؤْيَةِ الشَيْطانِ ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللهُ مُنْكَرًا وفي تَشْبِيهِ الرافِعِينَ أصْواتَهم بِالحَمِيرِ وتَمْثِيلِ أصْواتِهِمْ بِالنِهاقِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ رَفْعَ الصَوْتِ في غايَةِ الكَراهَةِ يُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ: «أنَّهُ ﷺ كانَ يُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ الرَجُلُ خَفِيضَ الصَوْتِ ويَكْرَهُ أنْ يَكُونَ مَجْهُورَ الصَوْتِ » وإنَّما وحَّدَ صَوْتَ الحَمِيرِ ولَمْ يَجْمَعْ، لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنْ يَذْكُرَ صَوْتَ كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ هَذا الجِنْسِ حَتّى يَجْمَعَ بَلِ المُرادُ أنَّ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ لَهُ صَوْتٌ وأنْكَرُ أصْواتِ هَذِهِ الأجْناسِ صَوْتُ هَذا الجِنْسِ فَوَجَبَ تَوْحِيدُهُ.
31:20Page 413
أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٢٠
Do you not see that Allāh has made subject to you whatever is in the heavens and whatever is in the earth and amply bestowed upon you His favors, [both] apparent and unapparent? But of the people is he who disputes about Allāh without knowledge or guidance or an enlightening Book [from Him].
﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَماواتِ﴾ يَعْنِي: الشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومَ والسَحابَ وغَيْرَ ذَلِكَ ﴿وَما في الأرْضِ﴾ يَعْنِي: البِحارَ والأنْهارَ والمَعادِنَ والدَوابَّ وغَيْرَ ذَلِكَ ﴿وَأسْبَغَ﴾ وأتَمَّ ﴿عَلَيْكم نِعَمَهُ﴾ مَدَنِيٌّ وأبُو عَمْرٍو وسَهْلٌ وحَفْصٌ، "نِعْمَةً":غَيْرُهم،والنِعْمَةُ كُلُّ نَفْعٍ قُصِدَ بِهِ الإحْسانُ ﴿ظاهِرَةً﴾ بِالمُشاهَدَةِ ﴿وَباطِنَةً﴾ ما لا يُعْلَمُ إلّا بِدَلِيلٍ ثُمَّ قِيلَ الظاهِرَةُ البَصَرُ والسَمْعُ واللِسانُ وسائِرُ الجَوارِحِ الظاهِرَةِ، والباطِنَةُ القَلْبُ والعَقْلُ والفَهْمُ وما أشْبَهَ ذَلِكَ ويُرْوى في دُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلَهِي دُلَّنِي عَلى أخْفى نِعْمَتِكَ عَلى عِبادِكَ فَقالَ أخْفى نِعْمَتِي عَلَيْهِمُ النَفَسُ وقِيلَ: تَخْفِيفُ الشَرائِعِ وتَضْعِيفُ الذَرائِعِ والخَلْقُ والخُلُقُ ونَيْلُ العَطايا وصَرْفُ البَلايا وقَبُولُ الخَلْقِ ورِضا الرَبِّ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ (p-٧١٨)الظاهِرَةُ: ما سَوّى مِن خَلْقِكَ والباطِنَةُ: ما سَتَرَ مِن عُيُوبِكَ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يُجادِلُ في اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ وقَدْ مَرَّ في الحَجِّ.
31:21Page 413
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ يَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ٢١
And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that upon which we found our fathers." Even if Satan was inviting them to the punishment of the Blaze?
﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَعِيرِ﴾ مَعْناهُ: أيَتِّبُعُونَهم ولَوْ كانَ الشَيْطانُ يَدْعُوهم أيْ: في حالِ دُعاءِ الشَيْطانِ إيّاهم إلى العَذابِ.
31:22Page 413
۞ وَمَن يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰۗ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٢٢
And whoever submits his face [i.e., self] to Allāh while he is a doer of good - then he has grasped the most trustworthy handhold. And to Allāh will be the outcome of [all] matters.
﴿وَمَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللهِ﴾ عُدِّي هُنا بِإلى وفي ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] بِاللامِ، فَمَعْناهُ مَعَ اللامِ: أنَّهُ جَعَلَ وجْهَهُ وهو ذاتَهُ ونَفْسَهُ سالِمًا لِلَّهِ أيْ: خالِصًا لَهُ، ومَعْناهُ مَعَ إلى" أنَّهُ سَلَّمَ إلَيْهِ نَفْسَهُ كَما يُسَلِّمُ المَتاعَ إلى الرَجُلِ إذا دُفِعَ إلَيْهِ والمُرادُ التَوَكُّلُ عَلَيْهِ والتَفْوِيضُ إلَيْهِ ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ فِيما يَعْمَلُ ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ تَمَسَّكَ وتَعَلَّقَ ﴿بِالعُرْوَةِ﴾ هي ما يُعَلَّقُ بِهِ الشَيْءُ ﴿الوُثْقى﴾ تَأْنِيثُ الأوْثَقِ، مَثَّلَ حالَ المُتَوَكِّلِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَدَلّى مِن شاهِقٍ فاحْتاطَ لِنَفْسِهِ بِأنِ اسْتَمْسَكَ بِأوْثَقِ عُرْوَةٍ مِن حَبْلٍ مَتِينٍ مَأْمُونٍ انْقِطاعُهُ ﴿وَإلى اللهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أيْ: هي صائِرَةٌ إلَيْهِ فَيُجازِي عَلَيْها.
31:23Page 413
وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحۡزُنكَ كُفۡرُهُۥٓۚ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٢٣
And whoever has disbelieved - let not his disbelief grieve you. To Us is their return, and We will inform them of what they did. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts.
﴿وَمَن كَفَرَ﴾ ولَمْ يُسْلِمْ وجْهَهُ لِلَّهِ ﴿فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ مِن حَزَنَ، "يُحْزِنْكَ" نافِعٌ مِن أحْزَنَ أيْ: لا يَهُمَّنَّكَ كُفْرُ مَن كَفَرَ ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ فَنُعاقِبُهم عَلى أعْمالِهِمْ ﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في صُدُورِ عِبادِهِ فَيَفْعَلُ بِهِمْ عَلى حَسَبِهِ.
31:24Page 413
نُمَتِّعُهُمۡ قَلِيلٗا ثُمَّ نَضۡطَرُّهُمۡ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٢٤
We grant them enjoyment for a little; then We will force them to a massive punishment.
﴿نُمَتِّعُهُمْ﴾ زَمانًا ﴿قَلِيلا﴾ بِدُنْياهم ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ نُلْجِئُهم ﴿إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ شَدِيدٍ شَبَّهَ إلْزامَهُمُ التَعْذِيبَ وإرْهاقَهم إيّاهُ بِاضْطِرارِ المُضْطَرِّ (p-٧١٩)إلى الشَيْءِ والغِلْظُ مُسْتَعارٌ مِنَ الأجْرامِ الغَلِيظَةِ والمُرادُ الشِدَّةُ والثِقَلُ عَلى المُعَذَّبِ.
31:25Page 413
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٥
And if you asked them, "Who created the heavens and earth?" they would surely say, "Allāh." Say, "[All] praise is [due] to Allāh"; but most of them do not know.
﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلْزامٌ لَهم عَلى إقْرارِهِمْ بِأنَّ الَّذِي خَلَقَ السَمَواتِ والأرْضَ هو اللهُ وحْدَهُ وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ الحَمْدُ والشُكْرُ وأنْ لا يُعْبَدَ مَعَهُ غَيْرُهُ ثُمَّ قالَ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهم وإذا نُبِّهُوا عَلَيْهِ لَمْ يَتَنَبَّهُوا.
31:26Page 413
لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٦
To Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. Indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
﴿لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ إنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ حَمْدِ الحامِدِينَ ﴿الحَمِيدُ﴾ المُسْتَحِقِّ لِلْحَمْدِ وإنْ لَمْ يَحْمَدُوهُ.
31:27Page 413
وَلَوۡ أَنَّمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن شَجَرَةٍ أَقۡلَٰمٞ وَٱلۡبَحۡرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦ سَبۡعَةُ أَبۡحُرٖ مَّا نَفِدَتۡ كَلِمَٰتُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٧
And if whatever trees upon the earth were pens and the sea [was ink], replenished thereafter by seven [more] seas, the words1 of Allāh would not be exhausted. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
قالَ المُشْرِكُونَ إنَّ هَذا أيِ الوَحْيَ كَلامٌ سَيَنْفَدُ فَأعْلَمَ اللهُ أنَّ كَلامَهُ لا يَنْفَدُ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ﴾ "والبَحْرَ" بِالنَصْبِ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ عَطْفًا عَلى اسْمٍ أنَّ وهو "ما" والرَفْعُ عَلى مَحَلِّ أنَّ ومَعْمُولِها أيْ: ولَوْ ثَبَتَ كَوْنُ الأشْجارِ أقْلامًا وثَبَتَ البَحْرُ مَمْدُودًا بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ أوْ عَلى الِابْتِداءِ والواوُ لِلْحالِ عَلى مَعْنى: ولَوْ أنَّ الأشْجارَ أقْلامٌ في حالِ كَوْنِ البَحْرِ مَمْدُودًا، وقُرِئَ "يُمِدُّهُ" وكانَ مُقْتَضى الكَلامِ أنْ يُقالَ ولَوْ أنَّ الشَجَرَ أقْلامٌ والبَحْرَ مِدادٌ لَكِنْ أغْنى عَنْ ذِكْرِ المِدادِ قَوْلُهُ "يَمُدُّهُ"، لِأنَّهُ مِن قَوْلِكَ مَدَّ الدَواةَ وأمَدَّها، جَعَلَ البَحْرَ الأعْظَمَ بِمَنزِلَةِ الدَواةِ وجَعَلَ الأبْحُرَ السَبْعَةَ مَمْلُوءَةً مِدادًا فَهي تَصُبُّ فِيهِ مِدادَها أبَدًا صَبًّا لا يَنْقَطِعُ والمَعْنى: ولَوْ أنَّ أشْجارَ الأرْضِ أقْلامٌ والبَحْرُ مَمْدُودٌ بِسَبْعَةِ أبْحُرٍ وكُتِبَتْ بِتِلْكَ الأقْلامِ وبِذَلِكَ المِدادِ كَلِماتُ اللهِ لَما نَفِدَتْ كَلِماتُهُ ونَفِدَتِ الأقْلامُ والمِدادُ كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] فَإنْ قُلْتَ زَعَمْتَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ حالٌ في أحَدِ وجْهَيِ الرَفْعِ ولَيْسَ فِيهِ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى ذِي (p-٧٢٠)الحالِ قُلْتُ: هو كَقَوْلِكَ: جِئْتُ والجَيْشُ مُصْطَفٌّ وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي حُكْمُها حُكْمُ الظُرُوفِ وإنَّما ذَكَرَ شَجَرَةً عَلى التَوْحِيدِ، لِأنَّهُ أُرِيدَ تَفْصِيلُ الشَجَرِ وتَقَصِّيها شَجَرَةً شَجَرَةً حَتّى لا يَبْقى مِن جِنْسِ الشَجَرِ ولا واحِدَةٌ إلّا وقَدْ بُرِيَتْ أقْلامًا وأُوثِرَ الكَلِماتُ وهي جَمْعُ قِلَّةٍ عَلى الكَلِمِ وهي جَمْعُ كَثِيرَةٌ، لِأنَّ مَعْناهُ: أنَّ كَلِماتِهِ لا تَفِي بِكِتْبَتِها البِحارُ فَكَيْفَ بِكَلِمِهِ؟! " أنَّ اللهَ عَزِيزٌ" لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَخْرُجُ مِن عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ شَيْءٌ فَلا تَنْفَدُ كَلِماتُهُ وحِكَمُهُ.
31:28Page 413
مَّا خَلۡقُكُمۡ وَلَا بَعۡثُكُمۡ إِلَّا كَنَفۡسٖ وَٰحِدَةٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ٢٨
Your creation and your resurrection will not be but as that of a single soul.1 Indeed, Allāh is Hearing and Seeing.
﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ: سَواءٌ في قُدْرَتِهِ القَلِيلُ والكَثِيرُ فَلا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ ﴿إنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ إنَّهُ لا بَعْثَ ﴿بَصِيرٌ﴾ بِأعْمالِهِمْ فَيُجازِيهِمْ.
31:29Page 414
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٩
Do you not see [i.e., know] that Allāh causes the night to enter the day and causes the day to enter the night and has subjected the sun and the moon, each running [its course] for a specified term, and that Allāh, of whatever you do, is Aware?
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ﴾ يُدْخِلُ ظُلْمَةَ اللَيْلِ في ضَوْءِ النَهارِ إذا أقْبَلَ اللَيْلُ ﴿وَيُولِجُ النَهارَ في اللَيْلِ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ﴾ لِمَنافِعِ العِبادِ ﴿كُلٌّ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَمْسِ والقَمَرِ ﴿يَجْرِي﴾ في فَلَكِهِ ويَقْطَعُهُ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أوْ إلى وقْتٍ مَعْلُومٍ الشَمْسُ إلى آخِرِ السَنَةِ والقَمَرُ إلى آخِرِ الشَهْرِ ﴿وَأنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وبِالياءِ عَيّاشٌ
دَلَّ أيْضًا بِتَعاقُبِ اللَيْلِ والنَهارِ وزِيادَتِهِما ونُقْصانِهِما وجَرْيِ النَيِّرَيْنِ في فَلَكَيْهِما عَلى تَقْدِيرٍ وحِسابٍ وبِإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ أعْمالِ الخَلْقِ عَلى عِظَمِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ.
31:30Page 414
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٣٠
That is because Allāh is the True Reality, and that what they call upon1 other than Him is falsehood, and because Allāh is the Most High, the Grand.
﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ﴾ بِالياءِ عِراقِيٌّ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ ﴿مِن دُونِهِ الباطِلُ وأنَّ اللهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَصْفُ الَّذِي وُصِفَ بِهِ مِن عَجائِبِ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْها الأحْياءُ القادِرُونَ العالِمُونَ فَكَيْفَ بِالجَمادِ الَّذِي يَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللهِ؟! إنَّما هو بِسَبَبِ أنَّهُ هو الحَقُّ الثابِتُ الإلَهِيَّةِ وأنَّ مَن دُونَهُ باطِلُ الإلَهِيَّةِ وأنَّهُ هو العَلِيُّ الشَأْنِ الكَبِيرُ السُلْطانِ.
31:31Page 414
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنۡ ءَايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٣١
Do you not see that ships sail through the sea by the favor of Allāh that He may show you of His signs? Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
(p-٧٢١)﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ﴾ وقُرِئَ "الفُلُكَ" وكُلُّ فُعْلٍ يَجُوزُ فِيهِ فُعُلٌ كَما يَجُوزُ في كُلِّ فُعُلٍ فُعْلٌ ﴿تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ﴾ بِإحْسانِهِ ورَحْمَتِهِ أوْ بِالرِيحِ، لِأنَّ الرِيحَ مِن نِعَمِ اللهِ ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ عَجائِبَ قُدْرَتِهِ في البَحْرِ إذا رَكِبْتُمُوها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلائِهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِنَعْمائِهِ وهُما صِفَتا المُؤْمِنِ فالإيمانُ نِصْفانِ نِصْفُهُ شُكْرٌ ونِصْفُهُ صَبْرٌ فَكَأنَّهُ قالَ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ.
31:32Page 414
وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ ٣٢
And when waves come over them like canopies, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith]. But when He delivers them to the land, there are [some] of them who are moderate [in faith]. And none rejects Our signs except everyone treacherous and ungrateful.
﴿وَإذا غَشِيَهُمْ﴾ أيِ الكُفّارَ ﴿مَوْجٌ كالظُلَلِ﴾ المَوْجُ يَرْتَفِعُ فَيَعُودُ مِثْلَ الظُلَلِ والظُلَّةُ كُلُّ ما أظَلَّكَ مِن جَبَلٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ أيْ: باقٍ عَلى الإيمانِ والإخْلاصِ الَّذِي كانَ مِنهُ ولَمْ يَعُدْ إلى الكُفْرِ أوْ مُتَوَسِّطٌ في الكُفْرِ والظُلْمِ، انْزَجَرَ بَعْضَ الِانْزِجارِ ولا يَغْلُو في كُفْرِهِ أوْ مُقْتَصِدٌ في الإخْلاصِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ في البَحْرِ يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ الإخْلاصَ الحادِثَ عِنْدَ الخَوْفِ لا يَبْقى لِأحَدٍ قَطُّ والمُقْتَصِدُ قَلِيلٌ نادِرٌ ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ أيْ: بِحَقِيقَتِها ﴿إلا كُلُّ خَتّارٍ﴾ غَدّارٍ والخَتْرُ أقْبَحُ الغَدْرِ ﴿كَفُورٍ﴾ لِرَبِّهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences