An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
السجدة
As-Sajdah
The Prostration · Meccan · 30 ayahs
32:1–3Page 415
الٓمٓ ١
Alif, Lām, Meem.1
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢
[This is] the revelation of the Book about which there is no doubt from the Lord of the worlds.
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣
Or do they say, "He invented it"? Rather, it is the truth from your Lord, [O Muḥammad], that you may warn a people to whom no warner has come before you [so] perhaps they will be guided.
(p-٥)سُورَةُ "اَلسَّجْدَةِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
الـم، عَلى أنَّها اسْمُ السُورَةِ، مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ﴾، وإنْ جَعَلْتَها تَعْدِيدًا لِلْحُرُوفِ ارْتَفَعَ "تَنْزِيلُ"، بِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، أوْ يَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾، و"لا رَيْبَ فِيهِ"، اِعْتِراضٌ لا مَحَلَّ لَهُ، والضَمِيرُ في "فِيهِ"، راجِعٌ إلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قالَ: "لا رَيْبَ في ذَلِكَ"، أيْ: في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ"، لِأنَّهُ مُعْجِزٌ لِلْبَشَرِ، ومِثْلُهُ أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الرَيْبِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ:
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أيْ: اِخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ، لِأنَّ "أمْ"، هي المُنْقَطِعَةُ الكائِنَةُ بِمَعْنى "بَلْ"، والهَمْزَةِ، مَعْناهُ: "بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ؟!"، إنْكارًا لِقَوْلِهِمْ، وتَعْجِيبًا مِنهُمْ، لِظُهُورِ أمْرِهِ في عَجْزِ بُلَغائِهِمْ عَنْ مِثْلِ ثَلاثِ آياتٍ مِنهُ،
﴿بَلْ هو الحَقُّ﴾، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ إلى إثْباتِ أنَّهُ الحَقُّ،
﴿مِن رَبِّكَ﴾، ولَمْ يَفْتَرِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ كَما قالُوا، تَعَنُّتًا وجَهْلًا،
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ أيْ: اَلْعَرَبَ،
﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾، "ما"، لِلنَّفْيِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِـ "قَوْمًا"،
﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾، عَلى (p-٦)التَرَجِّي مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَما كانَ "لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ"، عَلى التَرَجِّي مِن مُوسى وهارُونَ.
32:4Page 415
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٤
It is Allāh who created the heavens and the earth and whatever is between them in six days; then He established Himself above the Throne.1 You have not besides Him any protector or any intercessor; so will you not be reminded?
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾، اِسْتَوْلى عَلَيْهِ بِإحْداثِهِ،
﴿ما لَكم مِن دُونِهِ﴾، مِن دُونِ اللهِ،
﴿مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: إذا جاوَزْتُمْ رِضاهُ، لَمْ تَجِدُوا لِأنْفُسِكم ولِيًّا، أيْ: ناصِرًا يَنْصُرُكُمْ، ولا شَفِيعًا يَشْفَعُ لَكُمْ،
﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾، تَتَّعِظُونَ بِمَواعِظِ اللهِ.
32:5Page 415
يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٥
He arranges [each] matter from the heaven to the earth; then it will ascend to Him in a Day, the extent of which is a thousand years of those which you count.
﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ: أمْرَ الدُنْيا،
﴿مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ﴾، إلى أنْ تَقُومَ الساعَةُ،
﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾، ذَلِكَ الأمْرُ كُلُّهُ، أيْ: يَصِيرُ إلَيْهِ لِيَحْكُمَ فِيهِ،
﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾، وهو يَوْمُ القِيامَةِ،
﴿مِمّا تَعُدُّونَ﴾، مِن أيّامِ الدُنْيا، ولا تَمَسُّكَ لِلْمُشَبِّهَةِ بِقَوْلِهِ: "إلَيْهِ"، في إثْباتِ الجِهَةِ، لِأنَّ مَعْناهُ: "إلى حَيْثُ يَرْضاهُ"، أوْ "أمْرُهُ"، كَما لا تَشَبُّثَ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] ﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللهِ﴾ [النساء: ١٠٠]
32:6Page 415
ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦
That is the Knower of the unseen and the witnessed, the Exalted in Might, the Merciful,
﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ﴾ أيْ: اَلْمَوُصُوفُ بِما مَرَّ، عالِمُ ما غابَ عَنِ الخَلْقِ، وما شاهَدُوهُ،
﴿العَزِيزُ﴾، اَلْغالِبُ أمْرُهُ،
﴿الرَحِيمُ﴾، البالِغُ لُطْفُهُ، وتَيْسِيرُهُ، وقِيلَ: لا وقْفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ.
32:7Page 415
ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧
Who perfected everything which He created and began the creation of man from clay.
﴿الَّذِي﴾ صِفَتُهُ،
﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: حَسَّنَهُ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُرَتَّبٌ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ،
﴿خَلَقَهُ﴾، كُوفِيٌّ ونافِعٌ وسَهْلٌ عَلى الوَصْفِ، أيْ: "كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَقَدْ أحْسَنَ خَلْقَهُ"، غَيْرُهم عَلى البَدَلِ أيْ: "أحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ"،
﴿وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾، آدَمَ،
﴿مِن طِينٍ﴾
32:8Page 415
ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٨
Then He made his posterity out of the extract of a liquid disdained.
(p-٧)﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾، ذُرِّيَّتَهُ،
﴿مِن سُلالَةٍ﴾، مِن نُطْفَةٍ،
﴿مِن ماءٍ﴾ أيْ: مَنِيٍّ، وهو بَدَلٌ مِن "سُلالَةٍ"،
﴿مَهِينٍ﴾، ضَعِيفٍ، حَقِيرٍ.
32:9Page 415
ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٩
Then He proportioned him and breathed into him from His [created] soul1 and made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.
﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾، قَوَّمَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ﴿وَنَفَخَ﴾، أدْخَلَ،
﴿فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾، اَلْإضافَةُ لِلِاخْتِصاصِ، كَأنَّهُ قالَ: "وَنَفَخَ فِيهِ مِنَ الشَيْءِ الَّذِي اخْتُصَّ هو بِهِ، وبِعِلْمِهِ"،
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾، لِتَسْمَعُوا، وتُبْصِرُوا، وتَعْقِلُوا،
﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: تَشْكُرُونَ قَلِيلًا.
32:10Page 415
وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ ١٠
And they say, "When we are lost [i.e., disintegrated] within the earth, will we indeed be [recreated] in a new creation?" Rather, they are, in the meeting with their Lord, disbelievers.
﴿وَقالُوا﴾، اَلْقائِلُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، ولِرِضاهم بِقَوْلِهِ أُسْنِدَ إلَيْهِمْ،
﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ أيْ: صِرْنا تُرابًا، وذَهَبْنا مُخْتَلِطِينَ بِتُرابِ الأرْضِ، لا نَتَمَيَّزُ مِنهُ، كَما يَضِلُّ الماءُ في اللَبَنِ، أوْ غِبْنا في الأرْضِ بِالدَفْنِ فِيها، وقَرَأ عَلِيٌّ: "ضَلِلْنا"، بِكَسْرِ اللامِ، يُقالُ: "ضَلَّ، يَضِلُّ"، و"ضَلَّ، يَضَلُّ"، وانْتَصَبَ الظَرْفُ في "أإذا ضَلَلْنا"، بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، وهو "نُبْعَثُ"،
﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾، جاحِدُونَ، لَمّا ذَكَرَ كُفْرَهم بِالبَعْثِ أضْرَبَ عَنْهُ إلى ما هو أبْلَغُ، وهو أنَّهم كافِرُونَ بِجَمِيعِ ما يَكُونُ في العاقِبَةِ، لا بِالبَعْثِ وحْدَهُ.
32:11Page 415
۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١١
Say, "The angel of death who has been entrusted with you will take you. Then to your Lord you will be returned."
﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِقَبْضِ أرْواحِكُمْ، ثُمَّ تُرْجِعُونَ إلى رَبِّكم بَعْدَ ذَلِكَ، مَبْعُوثِينَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وهَذا مَعْنى لِقاءِ اللهِ، و"اَلتَّوَفِّي": اِسْتِيفاءُ النَفْسِ - وهي الرُوحُ -، أيْ: يَقْبِضُ أرْواحَكم أجْمَعِينَ، مِن قَوْلِكَ: "تَوَفَّيْتُ حَقِّي مِن فُلانٍ"، إذا أخَذْتَهُ وافِيًا، كَمَلًا، مِن غَيْرِ نُقْصانٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: "حُوِّيَتْ لِمَلَكِ المَوْتِ الأرْضُ، وجُعِلَتْ لَهُ مِثْلَ الطَسْتِ، يَتَناوَلُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ"، وقِيلَ: مَلَكُ المَوْتِ يَدْعُو الأرْواحَ فَتُجِيبُهُ، ثُمَّ يَأْمُرُ أعْوانَهُ بِقَبْضِها، واللهُ (تَعالى) هو الآمِرُ لِذَلِكَ كُلِّهِ، وهو الخالِقُ لِأفْعالِ المَخْلُوقاتِ، وهَذا وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ (p-٨)الآيَةِ، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١]، وقَوْلِهِ: ﴿اللهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢]
32:12Page 416
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ١٢
If you could but see when the criminals are hanging their heads before their Lord, [saying], "Our Lord, we have seen and heard, so return us [to the world]; we will work righteousness. Indeed, we are [now] certain."
﴿وَلَوْ تَرى﴾، اَلْخِطابُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ، و"لَوْ"، اِمْتِناعِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: "لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا"،
﴿إذِ المُجْرِمُونَ﴾، هُمُ الَّذِينَ قالُوا: "أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ"، و"لَوْ"، و"إذْ"، لِلْمُضِيِّ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ المُتَرَقَّبَ مِنَ اللهِ بِمَنزِلَةِ المَوْجُودِ، ولا يُقَدَّرُ لِـ "تَرى"، ما يَتَناوَلُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: "وَلَوْ تَكُونُ مِنكَ الرُؤْيَةُ"، و"إذْ"، ظَرْفٌ لَهُ،
﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾، مِنَ الذُلِّ، والحَياءِ، والنَدَمِ،
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، عِنْدَ حِسابِ رَبِّهِمْ، ويُوقَفُ عَلَيْهِ، لِحَقِّ الحَذْفِ، إذِ التَقْدِيرُ: يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا﴾، صَدَقَ وعْدُكَ، ووَعِيدُكَ، وسَمِعْنا مِنكَ تَصْدِيقَ رُسُلِكَ، أوْ: كُنّا عُمْيًا، وصُمًّا، فَأبْصَرْنا، وسَمِعْنا،
﴿فارْجِعْنا﴾، إلى الدُنْيا،
﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾ أيْ: اَلْإيمانَ والطاعَةَ،
﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾، بِالبَعْثِ والحِسابِ الآنَ.
32:13Page 416
وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٣
And if We had willed, We could have given every soul its guidance, but the word1 from Me will come into effect [that] "I will surely fill Hell with jinn and people all together.
﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾، في الدُنْيا، أيْ: لَوْ شِئْنا أعْطَيْنا كُلَّ نَفْسٍ ما عِنْدَنا مِنَ اللُطْفِ الَّذِي لَوْ كانَ مِنهُمُ اخْتِيارُ ذَلِكَ لاهْتَدَوْا، لَكِنْ لَمْ نُعْطِهِمْ ذَلِكَ اللُطْفَ لَمّا عَلِمْنا مِنهُمُ اخْتِيارَ الكُفْرِ وإيثارَهُ، وهو حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّ عِنْدَهم شاءَ اللهُ أنْ يُعْطِيَ كُلَّ نَفْسٍ ما بِهِ اهْتَدَتْ، وقَدْ أعْطاها، لَكِنَّها لَمْ تَهْتَدِ، وهم أوَّلُوا الآيَةَ بِمَشِيئَةِ الجَبْرِ، وهو تَأْوِيلٌ فاسِدٌ، لِما عُرِفَ في تَبْصِرَةِ الأدِلَّةِ،
﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والناسِ أجْمَعِينَ﴾، ولَكِنْ وجَبَ القَوْلُ مِنِّي بِما عَلِمْتُ أنَّهُ يَكُونُ مِنهم ما يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ جَهَنَّمَ، وهو ما عَلِمَ مِنهم أنَّهم يَخْتارُونَ الرَدَّ، والتَكْذِيبَ، وفي تَخْصِيصِ الإنْسِ، والجِنِّ إشارَةٌ إلى أنَّهُ عَصَمَ مَلائِكَتَهُ عَنْ عَمَلٍ يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ جَهَنَّمَ.
32:14Page 416
فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٤
So taste [punishment] because you forgot the meeting of this, your Day; indeed, We have [accordingly] forgotten you. And taste the punishment of eternity for what you used to do."
﴿فَذُوقُوا﴾، اَلْعَذابَ،
﴿بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ﴾، بِما تَرَكْتُمْ مِن عِلْمِ لِقاءِ ﴿يَوْمِكم (p-٩)هَذا﴾، وهو الإيمانُ بِهِ،
﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾، تَرَكْناكم في العَذابِ كالمَنسِيِّ،
﴿وَذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ أيْ: اَلْعَذابَ الدائِمَ الَّذِي لا انْقِطاعَ لَهُ،
﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
32:15Page 416
إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ ١٥
Only those believe in Our verses who, when they are reminded by them, fall down in prostration and exalt [Allāh] with praise of their Lord, and they are not arrogant.
﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾ أيْ: وُعِظُوا بِها،
﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾، سَجَدُوا لِلَّهِ تَواضُعًا، وخُشُوعًا، وشُكْرًا عَلى ما رَزَقَهم مِنَ الإسْلامِ،
﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، ونَزَّهُوا اللهَ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، وأثْنَوْا عَلَيْهِ حامِدِينَ لَهُ،
﴿وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، عَنِ الإيمانِ بِهِ، والسُجُودِ لَهُ.
32:16Page 416
تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ١٦
Their sides part [i.e., they arise] from [their] beds; they supplicate their Lord in fear and aspiration, and from what We have provided them, they spend.1
﴿تَتَجافى﴾، تَرْتَفِعُ، وتَتَنَحّى،
﴿جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾، عَنِ الفُرُشِ، ومَضاجِعِ النَوْمِ، قالَ سَهْلٌ: وهَبَ لِقَوْمٍ هِبَةً، وهو أنْ أذِنَ لَهم في مُناجاتِهِ، وجَعَلَهم مِن أهْلِ وسِيلَتِهِ، ثُمَّ مَدَحَهم عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ﴾، داعِينَ،
﴿رَبَّهُمْ﴾، عابِدِينَ لَهُ،
﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾، مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: "لِأجْلِ خَوْفِهِمْ مِن سُخْطِهِ، وطَمَعِهِمْ في رَحْمَتِهِ"، وهُمُ المُتَهَجِّدُونَ، وعَنِ النَبِيِّ ﷺ في تَفْسِيرِها -: « "قِيامُ العَبْدِ مِنَ اللَيْلِ"، » وعَنِ ابْنِ عَطاءٍ: "أبَتْ جَنُوبُهم أنْ تَسْكُنَ عَلى بِساطِ الغَفْلَةِ، وطَلَبَتْ بِساطَ القُرْبَةِ"، يَعْنِي صَلاةَ اللَيْلِ، وعَنْ أنَسٍ: كانَ أُناسٌ مِن أصْحابٍ النَبِيِّ ﷺ يُصَلُّونَ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى صَلاةِ العِشاءِ الأخِيرَةِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلاةَ العَتَمَةِ، لا يَنامُونَ عَنْها،
﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾، في طاعَةِ اللهِ (تَعالى).
32:17Page 416
فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٧
And no soul knows what has been hidden for them of comfort for eyes [i.e., satisfaction] as reward for what they used to do.
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾، "ما"، بِمَعْنى "اَلَّذِي"، "أُخْفِي"، عَلى حِكايَةِ النَفْسِ، "حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ"،
﴿مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ ما أُعِدَّ لِهَؤُلاءِ مِنَ (p-١٠)الكَرامَةِ،
﴿جَزاءً﴾، مَصْدَرٌ، أيْ: جُوزُوا جَزاءً،
﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، عَنِ الحَسَنِ - رَحِمَهُ اللهُ -: "أخْفى القَوْمُ أعْمالًا في الدُنْيا، فَأخْفى اللهُ لَهم ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ"، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ الصَلاةُ في جَوْفِ اللَيْلِ، لِيَكُونَ الجَزاءُ وِفاقًا،
32:18Page 416
أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨
Then is one who was a believer like one who was defiantly disobedient? They are not equal.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَن كانَ في نُورِ الطاعَةِ والإيمانِ يَسْتَوِي مَعَ مَن هو في ظُلْمَةِ الكُفْرِ، والعِصْيانِ، بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ أيْ: كافِرًا، وهُما مَحْمُولانِ عَلى لَفْظِ "مَن"، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾، عَلى المَعْنى، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:
32:19Page 416
أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٩
As for those who believed and did righteous deeds, for them will be the Gardens of Refuge as accommodation for what they used to do.
﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾، هي نَوْعٌ مِنَ الجِنانِ، تَأْوِي إلَيْها أرْواحُ الشُهَداءِ، وقِيلَ: هي عَنْ يَمِينِ العَرْشِ،
﴿نُـزُلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، عَطاءً بِأعْمالِهِمْ، و"اَلنُّزُلُ": عَطاءُ النازِلِ، ثُمَّ صارَ عامًّا.
32:20Page 416
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٠
But as for those who defiantly disobeyed, their refuge is the Fire. Every time they wish to emerge from it, they will be returned to it while it is said to them, "Taste the punishment of the Fire which you used to deny."
﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النارُ﴾ أيْ: مَلْجَؤُهُمْ، ومَنزِلُهُمْ،
﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ: تَقُولُ: لَهم خَزَنَةُ النارِ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفاسِقِ الكافِرُ، إذِ التَكْذِيبُ يُقابِلُ الإيمانَ.
32:21Page 417
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢١
And We will surely let them taste the nearer punishment1 short of the greater punishment that perhaps they will return [i.e., repent].
﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ أيْ: عَذابِ الدُنْيا، مِنَ الأسْرِ، وما مُحِنُوا بِهِ مِنَ السَنَةِ سَبْعَ سِنِينَ،
﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ أيْ: عَذابِ الآخِرَةِ، أيْ: نُذِيقُهم عَذابَ الدُنْيا قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلى الآخِرَةِ، عَنِ الدارانِيِّ: "اَلْعَذابُ الأدْنى الخُذْلانُ، والعَذابُ الأكْبَرُ الخُلُودُ في النِيرانِ"، وقِيلَ: اَلْعَذابُ الأدْنى عَذابُ القَبْرِ،
﴿لَعَلَّهُمْ﴾، لَعَلَّ المُعَذَّبِينَ بِالعَذابِ الأدْنى ﴿يَرْجِعُونَ﴾، يَتُوبُونَ عَنِ الكُفْرِ.
32:22Page 417
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ٢٢
And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord; then he turns away from them? Indeed We, from the criminals, will take retribution.
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ﴾، وعْظٌ ﴿بِآياتِ رَبِّهِ﴾ أيْ: بِالقُرْآنِ،
﴿ثُمَّ أعْرَضَ (p-١١)عَنْها﴾ أيْ: فَتَوَلّى عَنْها، ولَمْ يَتَدَبَّرْ فِيها، و"ثُمَّ"، لِلِاسْتِبْعادِ، أيْ: إنَّ الإعْراضَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الآياتِ في وُضُوحِها، وإنارَتِها، وإرْشادِها إلى سَواءِ السَبِيلِ، والفَوْزِ بِالسَعادَةِ العُظْمى، بَعْدَ التَذْكِيرِ بِها، مُسْتَبْعَدٌ في العَقْلِ، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: "وَجَدْتُ مِثْلَ تِلْكَ الفُرْصَةِ ثُمَّ لَمْ تَنْتَهِزْها؟!"، اِسْتِبْعادًا لِتَرْكِهِ الِانْتِهازَ،
﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ: "مِنهُ"، لِأنَّهُ إذا جَعَلَهُ أظَلَمَ كُلِّ ظالِمٍ ثُمَّ تَوَعَّدَ المُجْرِمِينَ عامَّةً بِالِانْتِقامِ مِنهُمْ، فَقَدْ دَلَّ عَلى إصابَةِ الأظْلَمِ النَصِيبَ الأوْفَرَ مِنَ الِانْتِقامِ، ولَوْ قالَهُ بِالضَمِيرِ، لَمْ يُفِدْ هَذِهِ الفائِدَةَ.
32:23Page 417
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٣
And We certainly gave Moses the Scripture, so do not be in doubt over his meeting.1 And We made it [i.e., the Torah] guidance for the Children of Israel.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾، اَلتَّوْراةَ،
﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ﴾، شَكٍّ،
﴿مِن لِقائِهِ﴾، مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ، أوْ مِن لِقائِكَ مُوسى لَيْلَةَ المِعْراجِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ مِن لِقاءِ مُوسى رَبَّهُ في الآخِرَةِ، كَذا عَنِ النَبِيِّ ﷺ،
﴿وَجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾، وجَعَلْنا الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلى مُوسى لِقَوْمِهِ هُدًى.
32:24Page 417
وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤
And We made from among them leaders guiding by Our command when they were patient and [when] they were certain of Our signs.
﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً﴾، بِهَمْزَتَيْنِ، "كُوفِيٌّ، وشامِيٌّ"،
﴿يَهْدُونَ﴾، بِذَلِكَ الناسَ، ويَدْعُونَهم إلى ما في التَوْراةِ مِن دِينِ اللهِ، وشَرائِعِهِ،
﴿بِأمْرِنا﴾، إيّاهم بِذَلِكَ،
﴿لَمّا صَبَرُوا﴾، حِينَ صَبَرُوا عَلى الحَقِّ بِطاعَةِ اللهِ، أوْ عَنِ المَعاصِي، "لِما صَبَرُوا"، "حَمْزَةُ وعَلِيٌّ"، أيْ: لِصَبْرِهِمْ عَلى الدُنْيا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَبْرَ ثَمَرَتُهُ إمامَةُ الناسِ،
﴿وَكانُوا بِآياتِنا﴾، اَلتَّوْراةِ،
﴿يُوقِنُونَ﴾، يَعْلَمُونَ عِلْمًا لا يُخالِجُهُ شَكٌّ.
32:25Page 417
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٢٥
Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ﴾، يَقْضِي،
﴿بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾، بَيْنَ الأنْبِياءِ، وأُمَمِهِمْ، أوْ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، والمُشْرِكِينَ،
﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، فَيَظْهَرُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ.
32:26Page 417
أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ ٢٦
Has it not become clear to them how many generations We destroyed before them, [as] they walk among their dwellings? Indeed in that are signs; then do they not hear?
﴿أوَلَمْ﴾، اَلْواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ مَنوِيٍّ، مِن جِنْسِ المَعْطُوفِ، أيْ: "أوَلَمْ يَدْعُ"،
﴿يَهْدِ﴾، يُبَيِّنْ، والفاعِلُ اللهُ، بِدَلِيلِ قِراءَةِ زَيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ: (p-١٢)"نَهْدِ"،
﴿لَهُمْ﴾، لِأهْلِ مَكَّةَ،، كَمْ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "كَمْ"، فاعِلَ "يَهْدِ"، لِأنَّ "كَمْ"، لِلِاسْتِفْهامِ، فَلا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ، ومَحَلُّهُ نَصْبٌ، بِقَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ﴾، كَعادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ،
﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ، يَمُرُّونَ في مَتاجِرِهِمْ عَلى دِيارِهِمْ، وبِلادِهِمْ،
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾، اَلْمَواعِظَ فَيَتَّعِظُوا.
32:27Page 417
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ ٢٧
Have they not seen that We drive water [in clouds] to barren land and bring forth thereby crops from which their livestock eat and [they] themselves? Then do they not see?
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ﴾، نُجْرِي المَطَرَ، والأنْهارَ،
﴿إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ أيْ: اَلْأرْضِ الَّتِي جَرِزَ نَباتُها، أيْ: قُطِعَ، إمّا لِعَدَمِ الماءِ، أوْ لِأنَّهُ رُعِيَ، ولا يُقالُ: لِلَّتِي لا تُنْبِتُ - كالسِباخِ -: "جُرُزٌ"، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾، بِالماءِ،
﴿زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ﴾، مِنَ الزَرْعِ،
﴿أنْعامُهُمْ﴾، مِن عَصْفِهِ،
﴿وَأنْفُسُهُمْ﴾، مِن حَبِّهِ،
﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾، بِأعْيُنِهِمْ، فَيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إحْياءِ المَوْتى؟!
32:28Page 417
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٨
And they say, "When will be this conquest,1 if you should be truthful?"
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ﴾، اَلنَّصْرُ، أوِ الفَصْلُ بِالحُكُومَةِ، مِن قَوْلِهِ: "رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا"، وكانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: إنَّ اللهَ سَيَفْتَحُ لَنا عَلى المُشْرِكِينَ، أوْ يَفْتَحُ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، فَإذا سَمِعَ المُشْرِكُونَ ذَلِكَ قالُوا: مَتى هَذا الفَتْحُ؟ أيْ: في أيِّ وقْتٍ يَكُونُ؟ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، في أنَّهُ كائِنٌ.
32:29Page 417
قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٢٩
Say, [O Muḥammad], "On the Day of Conquest the belief of those who had disbelieved will not benefit them, nor will they be reprieved."
﴿قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ الفَصْلِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وأعْدائِهِمْ، أوْ "يَوْمَ نَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ"، أوْ "يَوْمَ بَدْرٍ"، أوْ "يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ"،
﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾، وهَذا الكَلامُ لَمْ يَنْطَبِقْ جَوابًا عَلى سُؤالِهِمْ ظاهِرًا، ولَكِنْ لَمّا كانَ غَرَضُهم في السُؤالِ عَنْ وقْتِ الفَتْحِ اسْتِعْجالًا مِنهم عَلى وجْهِ التَكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، أجِيبُوا عَلى حَسَبِ ما عُرِفَ مِن غَرَضِهِمْ في سُؤالِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: لا تَسْتَعْجِلُوا بِهِ، ولا تَسْتَهْزِئُوا، فَكَأنِّي بِكم وقَدْ حَصَلْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وآمَنتُمْ، فَلا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، أوِ اسْتَنْظَرْتُمْ في إدْراكِ العَذابِ، فَلَمْ تُنْظَرُوا، ومَن (p-١٣)فَسَّرَهُ بِـ "يَوْمَ الفَتْحِ"، أوْ بِـ "يَوْمَ بَدْرٍ"، فَهو يُرِيدُ المَقْتُولِينَ مِنهُمْ، فَإنَّهم لا يَنْفَعُهم إيمانُهم في حالِ القَتْلِ، كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ عِنْدَ الغَرَقِ.
32:30Page 417
فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ٣٠
So turn away from them and wait. Indeed, they are waiting.
﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ﴾، النُصْرَةَ عَلَيْهِمْ، وهَلاكَهُمْ،
﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾، اَلْغَلَبَةَ عَلَيْكُمْ، وهَلاكَكُمْ، «وَكانَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ "الـم تَنْزِيلُ"، "اَلسَّجْدَةَ"، و"تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ"، » وقالَ: « "مَن قَرَأ "الـم تَنْزِيلُ"، في بَيْتِهِ لَمْ يَدْخُلْهُ الشَيْطانُ ثَلاثَةَ أيّامٍ"، » وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: قالَ: "سُورَةُ "الـم تَنْزِيلُ"، هي المانِعَةُ، تَمْنَعُ مِن عَذابِ القَبْرِ".
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences