An-NasafiAl‑Ahzab · 33:1–21

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

الأحزاب

Al-Ahzab

The Combined Forces · Medinan · 73 ayahs

33:1Page 418

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١

O Prophet, fear Allāh and do not obey the disbelievers and the hypocrites. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

(p-١٤)سُورَةُ "اَلْأحْزابِ"

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لِزِرٍّ: كَمْ تَعُدُّونَ سُورَةَ "اَلْأحْزابِ"؟ قالَ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ، قالَ: فَوالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ أُبَيٌّ إنْ كانَتْ لَتَعْدِلُ سُورَةَ "اَلْبَقَرَةِ"، أوْ أطْوَلَ، ولَقَدْ قَرَأْنا مِنها آيَةَ الرَجْمِ: (اَلشَّيْخُ والشَيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللهِ واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، أرادَ أُبَيٌّ أنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ، وأمّا ما يُحْكى أنَّ تِلْكَ الزِيادَةَ كانَتْ في صَحِيفَةٍ في بَيْتِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها - فَأكَلَتْها الداجِنُ، فَمِن تَأْلِيفاتِ المَلاحِدَةِ، والرَوافِضِ.

﴿يا أيُّها النَبِيُّ﴾، وبِالهَمْزِ "نافِعٌ"، أيْ: "يا أيُّها المُخْبَرُ عَنّا، المَأْمُونُ عَلى أسْرارِنا، المُبَلِّغُ خِطابَنا إلى أحْبابِنا"، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: "يا مُحَمَّدُ"، كَما قالَ: "يا آدَمُ"، "يا مُوسى"، تَشْرِيفًا لَهُ، وتَنْوِيهًا بِفَضْلِهِ، وتَصْرِيحُهُ بِاسْمِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، ونَحْوِهِ، لِتَعْلِيمِ الناسِ بِأنَّهُ رَسُولُ اللهِ،

﴿اتَّقِ اللهَ﴾، اُثْبُتْ عَلى تَقْوى اللهِ، ودُمْ عَلَيْهِ، وازْدَدْ مِنهُ، فَهو بابٌ لا يُدْرَكُ مَداهُ ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ ولا تُساعِدْهم عَلى شَيْءٍ، واحْتَرِسْ مِنهُمْ، فَإنَّهم أعْداءُ اللهِ، (p-١٥)والمُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ، وأبا الأعْوَرِ السُلَمِيَّ، قَدِمُوا المَدِينَةَ بَعْدَ قِتالِ "أُحُدٍ"، فَنَزَلُوا عَلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، وأعْطاهُمُ النَبِيُّ الأمانَ، عَلى أنْ يُكَلِّمُوهُ، فَقالُوا: اُرْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا، وقُلْ: إنَّها تَنْفَعُ، وتَشْفَعُ، ووازَرَهُمُ المُنافِقُونَ عَلى ذَلِكَ، فَهَمَّ المُسْلِمُونَ بِقَتْلِهِمْ، فَنَزَلَتْ، » أيْ: "اِتَّقِ اللهَ في نَقْضِ العَهْدِ، ولا تُطِعِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةَ فِيما طَلَبُوا،

﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلِيمًا﴾، بِخُبْثِ أعْمالِهِمْ،

﴿حَكِيمًا﴾، في تَأْخِيرِ الأمْرِ بِقِتالِهِمْ.

33:2Page 418

وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٢

And follow that which is revealed to you from your Lord. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾، في الثَباتِ عَلى التَقْوى، وتَرْكِ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ،

﴿إنَّ اللهَ﴾، اَلَّذِي يُوحِي إلَيْكَ،

﴿كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أيْ: لَمْ يَزَلْ عالِمًا بِأعْمالِكُمْ، وقِيلَ: إنَّما جَمَعَ لِأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: "اِتَّبِعْ"، هُوَ، وأصْحابُهُ، وبِالياءِ "أبُو عَمْرٍو"، أيْ: بِما يَعْمَلُ الكافِرُونَ، والمُنافِقُونَ، مِن كَيْدِهِمْ لَكُمْ، ومَكْرِهِمْ بِكم.

33:3Page 418

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٣

And rely upon Allāh; and sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1

﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ﴾، أسْنِدْ أمْرَكَ إلَيْهِ، وكِلْهُ إلى تَدْبِيرِهِ،

﴿وَكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾، حافِظًا، مَوْكُولًا إلَيْهِ كُلُّ أمْرٍ، وقالَ الزَجّاجُ: لَفْظُهُ وإنْ كانَ لَفْظَ الخَبَرِ، فالمَعْنى: "اِكْتَفِ بِاللهِ وكِيلًا".

33:4Page 418

مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤

Allāh has not made for a man two hearts in his interior. And He has not made your wives whom you declare unlawful1 your mothers. And He has not made your claimed [i.e., adopted] sons your [true] sons. That is [merely] your saying by your mouths, but Allāh says the truth, and He guides to the [right] way.

﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ أيْ: ما جَمَعَ اللهُ قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ، ولا زَوْجِيَّةً وأُمُومَةً في امْرَأةٍ، ولا بُنُوَّةً ودَعْوَةً في رَجُلٍ، والمَعْنى أنَّهُ (تَعالى) كَما لَمْ يَجْعَلْ لِإنْسانٍ قَلْبَيْنِ - لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَفْعَلَ بِالآخَرِ فِعْلًا مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَأحَدُهُما فَضْلَةٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، وإمّا أنْ يَفْعَلَ بِهَذا غَيْرَ ما يَفْعَلُ بِذاكَ، (p-١٦)فَذَلِكَ يُؤَدِّي إلى اتِّصافِ الجُمْلَةِ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا كارِهًا، عالِمًا ظانًّا، مُوقِنًا شاكًّا، في حالَةٍ واحِدَةٍ - لَمْ يَحْكم أيْضًا أنْ تَكُونَ المَرْأةُ الواحِدَةُ أُمًّا لِرَجُلٍ، وزَوْجًا لَهُ، لِأنَّ الأُمَّ مَخْدُومَةٌ، والمَرْأةَ خادِمَةٌ، وبَيْنَهُما مُنافاةٌ، وأنْ يَكُونَ الرَجُلُ الواحِدُ دَعِيًّا لِرَجُلٍ، وابْنًا لَهُ، لِأنَّ البُنُوَّةَ أصالَةٌ في النَسَبِ، والدَعْوَةُ إلْصاقٌ عارِضٌ بِالتَسْمِيَةِ، لا غَيْرُ، ولا يَجْتَمِعُ في الشَيْءِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ أصِيلًا، غَيْرَ أصِيلٍ، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ (تَعالى) في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، وهو رَجُلٌ مِن كَلْبٍ، سُبِيَ صَغِيرًا، فاشْتَراهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ، فَلَمّا تَزَوَّجَها رَسُولُ اللهِ ﷺ وهَبَتْهُ لَهُ، فَطَلَبَهُ أبُوهُ وعَمُّهُ، فَخُيِّرَ، فاخْتارَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأعْتَقَهُ وتَبَنّاهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَلَمّا تَزَوَّجَ النَبِيُّ ﷺ زَيْنَبَ، وكانَتْ تَحْتَ زَيْدٍ، قالَ المُنافِقُونَ: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأةَ ابْنِهِ، وهو يَنْهى عَنْهُ، فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ، وقِيلَ: كانَ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ: لِمُحَمَّدٍ قَلْبانِ، قَلْبٌ مَعَكُمْ، وقَلْبٌ مَعَ أصْحابِهِ، وقِيلَ: كانَ أبُو مَعْمَرٍ أحْفَظَ العَرَبِ، فَقِيلَ لَهُ: "ذُو القَلْبَيْنِ"، فَأكْذَبَ اللهُ قَوْلَهُمْ، وضَرَبَهُ مَثَلًا في الظِهارِ، والتَبَنِّي.

والتَنْكِيرُ في "رَجُلٍ"، وإدْخالُ "مِن"، اَلِاْسْتِغْراقِيَّةِ عَلى "قَلْبَيْنِ"، وذِكْرُ "اَلْجَوْفِ"، لِلتَّأْكِيدِ، "اَللّائِي"، بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، حَيْثُ كانَ، "كُوفِيٌّ، وشامِيٌّ"، "اَللّاءِ"، "نافِعٌ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ"، وهي جَمْعُ "اَلَّتِي"، "تُظاهِرُونَ"، "عاصِمٌ"، مِن "ظاهَرَ"، إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: "أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي"، "تَظاهَرُونَ"، "عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ"، "تَظّاهَرُونَ"، "شامِيٌّ"، مِن "اِظّاهَرَ"، بِمَعْنى: "تَظاهَرَ"، غَيْرُهُمْ: "تَظَّهَّرُونَ"، مِن "اِظَّهَّرَ"، بِمَعْنى: "تَظَهَّرَ"، وعُدِّيَ بِـ "مِن"، لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى البُعْدِ، لِأنَّهُ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، ونَظِيرُهُ "آلى مِنَ امْرَأتِهِ"، لَمّا ضُمِّنَ مَعْنى التَباعُدِ عُدِّيَ بِـ "مِن"، وإلّا فَـ "آلى"، في أصْلِهِ - الَّذِي هو مَعْنى "حَلَفَ"، و"أقْسَمَ" - لَيْسَ هَذا بِحُكْمِهِ.

وَ"اَلدَّعِيُّ": "فَعِيلٌ"، بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"، وهو الَّذِي يُدْعى "وَلَدًا"، وجُمِعَ عَلى "أفْعِلاءُ"، شاذًّا، لِأنَّ بابَهُ ما كانَ مِنهُ بِمَعْنى "فاعِلٌ"، كَـ "تَقِيٌّ"، و"أتْقِياءُ"، و"شَقِيٌّ"، و"أشْقِياءُ"، ولا يَكُونُ ذَلِكَ في نَحْوِ "رَمِيٌّ"، و"سَمِيٌّ"، لِلتَّشْبِيهِ اللَفْظِيِّ،

﴿ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ أيْ: إنَّ قَوْلَكم لِلزَّوْجَةِ: "هِيَ أمٌّ"، ولِلدَّعِيِّ: "هُوَ ابْنٌ"، قَوْلٌ تَقُولُونَهُ بِألْسِنَتِكُمْ، لا حَقِيقَةَ لَهُ، إذْ الِابْنُ يَكُونُ بِالوِلادَةِ، وكَذا الأُمُّ،

﴿واللهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ أيْ: ما هو حَقٌّ ظاهِرُهُ، وباطِنُهُ،

﴿وَهُوَ يَهْدِي السَبِيلَ﴾ أيْ: (p-١٧)سَبِيلَ الحَقِّ، ثُمَّ قالَ ما هو الحَقُّ، وهَدى إلى ما هو سَبِيلُ الحَقِّ، وهو قَوْلُهُ:

33:5Page 418

ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥

Call them1 by [the names of] their fathers; it is more just in the sight of Allāh. But if you do not know their fathers - then they are [still] your brothers in religion and those entrusted to you. And there is no blame upon you for that in which you have erred but [only for] what your hearts intended. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ﴾، أعْدَلُ،

﴿عِنْدَ اللهِ﴾، وبَيَّنَ أنَّ دُعاءَهم لِآبائِهِمْ هو أدْخَلُ الأمْرَيْنِ في القِسْطِ، والعَدْلِ، وقِيلَ: كانَ الرَجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا أعْجَبَهُ ولَدُ الرَجُلِ ضَمَّهُ إلى نَفْسِهِ، وجَعَلَ لَهُ مِثْلَ نَصِيبِ الذَكَرِ مِن أوْلادِهِ مِن مِيراثِهِ، وكانَ يُنْسَبُ إلَيْهِ، فَيُقالُ: "فُلانُ بْنُ فُلانٍ"، ثُمَّ انْظُرْ إلى فَصاحَةِ هَذا الكَلامِ، حَيْثُ وصَلَ الجُمَلَ الطَلَبِيَّةَ، ثُمَّ فَصَلَ الخَبَرِيَّةَ عَنْها، ووَصَلَ بَيْنَها، ثُمَّ فَصَلَ الِاسْمِيَّةَ عَنْها، ووَصَلَ بَيْنَها، ثُمَّ فَصَلَ بِالطَلَبِيَّةِ،

﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ﴾، "فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا لَهم آباءً تَنْسُبُونَهم إلَيْهِمْ،

﴿فَإخْوانُكم في الدِينِ ومَوالِيكُمْ﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكم في الدِينِ وأوْلِياؤُكم في الدِينِ، فَقالُوا: "هَذا أخِي"، و"هَذا مَوْلايَ"، و"يا أخِي"، و"يا مَوْلايَ"، يُرِيدُ الأُخُوَّةَ في الدِينِ، والوِلايَةَ فِيهِ،

﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْتُمُوهُ مِن ذَلِكَ مُخْطِئِينَ، جاهِلِينَ، قَبْلَ وُرُودِ النَهْيِ،

﴿وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، ولَكِنَّ الإثْمَ عَلَيْكم فِيما تَعَمَّدْتُمُوهُ بَعْدَ النَهْيِ أوْ لا إثْمَ عَلَيْكم إذا قُلْتُمْ لِوَلَدِ غَيْرِكُمْ: "يا بُنَيَّ"، عَلى سَبِيلِ الخَطَإ، وسَبْقِ اللِسانِ، ولَكِنْ إذا قُلْتُمُوهُ مُتَعَمِّدِينَ، و"ما"، في مَوْضِعِ الجَرِّ، عَطْفٌ عَلى "ما"، اَلْأُولى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ العَفْوُ عَنِ الخَطَإ، دُونَ العَمْدِ، عَلى سَبِيلِ العُمُومِ، ثُمَّ تَناوَلَ لِعُمُومِهِ خَطَأ التَبَنِّي، وعَمْدَهُ، وإذا وُجِدَ التَبَنِّي، فَإنْ كانَ المُتَبَنّى مَجْهُولَ النِسَبِ، وأصْغَرَ سِنًّا مِنهُ، ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنهُ، وعُتِقَ إنْ كانَ عَبْدًا لَهُ، وإنْ كانَ أكْبَرَ سِنًّا مِنهُ لَمْ يَثْبُتِ النَسَبُ، وعُتِقَ، عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ - وأمّا المَعْرُوفُ النَسَبِ فَلا يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِالتَبَنِّي، وعُتِقَ إنْ كانَ عَبْدًا،

﴿وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، لا يُؤاخِذُكم بِالخَطَإ، ويَقْبَلُ التَوْبَةَ مِنَ المُتَعَمِّدِ.

33:6Page 418

ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٦

The Prophet is more worthy of the believers than themselves,1 and his wives are [in the position of] their mothers. And those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh than the [other] believers and the emigrants, except that you may do to your close associates a kindness [through bequest]. That was in the Book2 inscribed.

﴿النَبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أحَقَّ بِهِمْ في كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِينِ، والدُنْيا، وحُكْمُهُ أنْفَذُ عَلَيْهِمْ مِن حُكْمِها، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَبْذُلُوها دُونَهُ، ويَجْعَلُوها فِداءَهُ، أوْ هو أوْلى بِهِمْ، أيْ: أرْأفَ بِهِمْ، وأعْطَفُ عَلَيْهِمْ، وأنْفَعُ (p-١٨)لَهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "اَلنَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهُمْ"، وقالَ مُجاهِدٌ: "كُلُّ نَبِيٍّ أبُو أُمَّتِهِ"، ولِذَلِكَ صارَ المُؤْمِنُونَ إخْوَةً، لِأنَّ النَبِيَّ ﷺ أبُوهم في الدِينِ،

﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾، في تَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ، ووُجُوبِ تَعْظِيمِهِنَّ، وهُنَّ فِيما وراءَ ذَلِكَ كالإرْثِ ونَحْوِهِ، كالأجْنَبِيّاتِ، ولِهَذا لَمْ يَتَعَدَّ التَحْرِيمُ إلى بَناتِهِنَّ،

﴿وَأُولُو الأرْحامِ﴾، وذَوُو القَراباتِ،

﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾، في التَوارُثِ، وكانَ المُسْلِمُونَ في صَدْرِ الإسْلامِ يَتَوارَثُونَ بِالوَلايَةِ في الدِينِ، وبِالهِجْرَةِ، لا بِالقَرابَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، وجُعِلَ التَوارُثُ بِحَقِّ القَرابَةِ،

﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾، في حُكْمِهِ، وقَضائِهِ، أوْ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ فِيما فَرَضَ اللهُ،

﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِأُولِي الأرْحامِ، أيْ: اَلْأقْرِباءِ مِن هَؤُلاءِ، بَعْضُهم أوْلى بِأنْ يَرِثَ بَعْضًا مِنَ الأجانِبِ، وأنْ يَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: "أُولُو الأرْحامِ بِحَقِّ القَرابَةِ أوْلى بِالمِيراثِ مِنَ المُؤْمِنِينَ"، أيْ: "اَلْأنْصارِ بِحَقِّ الوَلايَةِ في الدِينِ، مِنَ المُهاجِرِينَ بِحَقِّ الهِجْرَةِ"،

﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾، اَلِاسْتِثْناءُ مِن خِلافِ الجِنْسِ، أيْ: "لَكِنَّ فِعْلَكم إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا جائِزٌ، وهو أنْ تُوصُوا لِمَن أحْبَبْتُمْ مِن هَؤُلاءِ بِشَيْءٍ، فَيَكُونَ ذَلِكَ بِالوَصِيَّةِ، لا بِالمِيراثِ"، وعُدِّيَ "تَفْعَلُوا"، بِـ "إلى"، لِأنَّهُ في مَعْنى "تُسْدُوا"، والمُرادُ بِالأوْلِياءِ: اَلْمُؤْمِنُونَ، والمُهاجِرُونَ، لِلْوَلايَةِ في الدِينِ،

﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: اَلتَّوارُثُ بِالأرْحامِ كانَ مَسْطُورًا في اللَوْحِ.

33:7Page 419

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧

And [mention, O Muḥammad], when We took from the prophets their covenant and from you and from Noah and Abraham and Moses and Jesus, the son of Mary; and We took from them a solemn covenant

﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾، واذْكُرْ حِينَ أخَذْنا مِنَ النَبِيِّينَ مِيثاقَهم بِتَبْلِيغِ الرِسالَةِ، والدُعاءِ إلى الدِينِ القَيِّمِ،

﴿وَمِنكَ﴾، خُصُوصًا، وقُدِّمَ رَسُولُ اللهِ عَلى نُوحٍ، ومَن بَعْدَهُ، لِأنَّ هَذا العَطْفَ لِبَيانِ فَضِيلَةِ هَؤُلاءِ، لِأنَّهم أُولُو العَزْمِ، وأصْحابُ الشَرائِعِ، فَلَمّا كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ أفْضَلَ هَؤُلاءِ، قُدِّمَ عَلَيْهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ لَقُدِّمَ مَن قَدَّمَهُ زَمانُهُ،

﴿وَمِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾، (p-١٩)وَثِيقًا، وأعادَ ذِكْرَ المِيثاقِ، لِانْضِمامِ الوَصْفِ إلَيْهِ، وإنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ،

33:8Page 419

لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨

That He may question the truthful about their truth.1 And He has prepared for the disbelievers a painful punishment.

﴿لِيَسْألَ﴾، اَللَّهُ،

﴿الصادِقِينَ﴾ أيْ: اَلْأنْبِياءَ،

﴿عَنْ صِدْقِهِمْ﴾، عَمّا قالُوهُ لِقَوْمِهِمْ، أوْ: لِيَسْألَ المُصَدِّقِينَ لِلْأنْبِياءِ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ، لِأنَّ مَن قالَ لِلصّادِقِ: "صَدَقْتَ"، كانَ صادِقًا في قَوْلِهِ، أوْ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ ما الَّذِي أجابَتْهم أُمَمُهُمْ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩]

﴿وَأعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾، بِالرُسُلِ،

﴿عَذابًا ألِيمًا﴾، وهو عَطْفٌ عَلى "أخَذْنا"، لِأنَّ المَعْنى أنَّ اللهَ أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَعْوَةَ إلى دِينِهِ، لِأجْلِ إثابَةِ المُؤْمِنِينَ، وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا، أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ "لِيَسْألَ الصادِقِينَ"، كَأنَّهُ قالَ: "فَأثابَ المُؤْمِنِينَ، وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ... ".

33:9Page 419

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩

O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when armies came to [attack] you and We sent upon them a wind and armies [of angels] you did not see. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: ما أنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْكم يَوْمَ الأحْزابِ، وهو يَوْمُ الخَنْدَقِ، وكانَ بَعْدَ حَرْبِ "أُحُدٍ"، بِسَنَةٍ،

﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ أيْ: اَلْأحْزابُ، وهم قُرَيْشٌ، وغَطَفانُ، وقُرَيْظَةُ، والنَضِيرُ،

﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ أيْ: اَلصَّبا، قالَ ﷺ "نُصِرْتُ بِالصَبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَبُورِ"،

﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾، وهُمُ المَلائِكَةِ، وكانُوا ألْفًا، بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ صَبا بارِدَةً، في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ، فَأخْصَرَتْهُمْ، وأسَفَّتِ التُرابَ في وُجُوهِهِمْ، وأمَرَ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتِ الأطْنابَ، وأطْفَأتِ النِيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وماجَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وقُذِفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبُ، وكَبَّرَتِ المَلائِكَةُ في جَوانِبِ عَسْكَرِهِمْ، فانْهَزَمُوا مِن غَيْرِ قِتالٍ، وحِينَ سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإقْبالِهِمْ، ضَرَبَ الخَنْدَقَ عَلى المَدِينَةِ، بِإشارَةِ سَلْمانَ، ثُمَّ خَرَجَ في ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَضَرَبَ مُعَسْكَرَهُ والخَنْدَقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَوْمِ، وأمَرَ بِالذَرارِيِّ والنِسْوانِ، فَرُفِعُوا في الآطامِ، واشْتَدَّ الخَوْفُ، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ أقْبَلَتْ في عَشْرَةِ آلافٍ مِنَ (p-٢٠)الأحابِيشِ، وبَنِي كِنانَةَ وأهْلِ تِهامَةَ، وقائِدُهم أبُو سُفْيانَ، وخَرَجَ غَطَفانُ في ألْفٍ، ومَن تابَعَهم مِن أهْلِ نَجْدٍ، وقائِدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وعامِرُ بْنُ الطُفَيْلِ في هَوازِنَ، وضامَّتْهُمُ اليَهُودُ مِن قُرَيْظَةَ، والنَضِيرِ، ومَضى عَلى الفَرِيقَيْنِ قَرِيبٌ مِن شَهْرٍ لا حَرْبَ بَيْنَهم إلّا التَرامِي بِالنِبْلِ والحِجارَةِ، حَتّى أنْزَلَ اللهُ النَصْرَ،

﴿وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِعَمَلِكم أيُّها المُؤْمِنُونَ، مِنَ التَحَصُّنِ بِالخَنْدَقِ، والثَباتِ عَلى مُعاوَنَةٍ النَبِيِّ ﷺ،

﴿بَصِيرًا﴾، وبِالياءِ "أبُو عَمْرٍو"، أيْ: بِما يَعْمَلُ الكُفّارُ، مِنَ البَغْيِ، والسَعْيِ في إطْفاءِ نُورِ اللهِ.

33:10Page 419

إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠

[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.

﴿إذْ جاءُوكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن "إذْ جاءَتْكُمْ"،

﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ أيْ: مِن أعْلى الوادِي، مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، بَنُو غَطَفانَ،

﴿وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي، مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، قُرَيْشٌ،

﴿وَإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾، مالَتْ عَنْ سَنَنِها، ومُسْتَوى نَظَرِها حَيْرَةً، أوْ عَدَلَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمْ تَلْتَفِتْ إلّا إلى عَدُوِّها، لِشِدَّةِ الرَوْعِ،

﴿وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾، "اَلْحَنْجَرَةُ": رَأْسُ الغَلْصَمَةِ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ، و"اَلْحُلْقُومُ": مَدْخَلُ الطَعامِ والشَرابِ، قالُوا: إذا انْتَفَخَتِ الرِئَةُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ، أوِ الغَضَبِ، رَبَتْ وارْتَفَعَ القَلْبُ بِارْتِفاعِها إلى رَأْسِ الحَنْجَرَةِ، وقِيلَ: هو مَثَلٌ في اضْطِرابِ القُلُوبِ، وإنْ لَمْ تَبْلُغِ الحَناجِرَ حَقِيقَةً، رُوِيَ «أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: هَلْ مِن شَيْءٍ تَقُولُهُ، فَقَدْ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ؟ قالَ: "نَعَمْ، قُولُوا: اَللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتِنا، وآمِن رَوْعاتِنا"، »﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُنُونا﴾، خِطابٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا، ومِنهم ثُبَّتُ القُلُوبِ والأقْدامِ، والضِعافُ القُلُوبِ، الَّذِينَ هم عَلى حَرْفٍ، والمُنافِقُونَ، فَظَنَّ الأوَّلُونَ بِاللهِ أنَّهُ يَبْتَلِيهِمْ، فَخافُوا الزَلَلَ، وضَعْفَ الِاحْتِمالِ، وأمّا الآخَرُونَ فَظَنُّوا بِاللهِ ما حُكِيَ عَنْهُمْ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "اَلظُّنُونَ"، بِغَيْرِ ألِفٍ في الوَصْلِ، والوَقْفِ، وهو القِياسُ، وبِالألِفِ فِيهِما "مَدَنِيٌّ وشامِيٌّ وأبُو بَكْرٍ"، إجْراءً لِلْوَصْلِ مُجْرى الوَقْفِ، وبِالألِفِ في الوَقْفِ "مَكِّيٌّ وعَلِيٌّ وحَفْصٌ"، (p-٢١)وَمِثْلُهُ "اَلرَّسُولا"، و"اَلسَّبِيلا"، زادُوها في الفاصِلَةِ، كَما زادُوها في القافِيَةِ، مَن قالَ:

أقِلِّي اللَوْمَ عاذِلَ والعِتابا............................

وَهُنَّ كُلُّهُنَّ في الإمامِ بِألِفٍ.

33:11Page 419

هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١

There the believers were tested and shaken with a severe shaking.

﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾، امْتُحِنُوا بِالصَبْرِ عَلى الإيمانِ،

﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾، وحُرِّكُوا بِالخَوْفِ تَحْرِيكًا بَلِيغًا.

33:12Page 419

وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢

And [remember] when the hypocrites and those in whose hearts is disease said, "Allāh and His Messenger did not promise us except delusion,"

﴿وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى الأوَّلِ،

﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، قِيلَ هو وصْفُ المُنافِقِينَ بِالواوِ، كَقَوْلِهِ:

؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُما مِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ

وَقِيلَ: هم قَوْمٌ لا بَصِيرَةَ لَهم في الدِينِ، كانَ المُنافِقُونَ يَسْتَمِيلُونَهم بِإدْخالِ الشُبَهِ عَلَيْهِمْ،

﴿ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾، رُوِيَ أنَّ مُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ حِينَ رَأى الأحْزابَ قالَ: يَعِدُنا مُحَمَّدٌ فَتْحَ فارِسَ والرُومِ، وأحَدُنا لا يَقْدِرُ أنْ يَتَبَرَّزَ فَرَقًا، ما هَذا إلّا وعْدُ غُرُورٍ.

33:13Page 419

وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣

And when a faction of them said, "O people of Yathrib,1 there is no stability for you [here], so return [home]." And a party of them asked permission of the Prophet, saying, "Indeed, our houses are exposed [i.e., unprotected]," while they were not exposed. They did not intend except to flee.

﴿وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾، مِنَ المُنافِقِينَ، وهم عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، وأصْحابُهُ،

﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ هم أهْلُ المَدِينَةِ،

﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾، وبِضَمِّ المِيمِ "حَفْصٌ"، أيْ: لا قَرارَ لَكم هَهُنا، ولا مَكانَ تَقُومُونَ فِيهِ، أوْ تُقِيمُونَ،

﴿فارْجِعُوا﴾، عَنِ الإيمانِ إلى الكُفْرِ، أوْ مِن عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ إلى المَدِينَةِ،

﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَبِيَّ﴾ أيْ: (p-٢٢)بَنُو حارِثَةَ،

﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: ذاتُ عَوْرَةٍ،

﴿وَما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾، "اَلْعَوْرَةُ": اَلْخَلَلُ، و"اَلْعَوِرَةُ": ذاتُ العَوْرَةِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، يُقالُ: "عَوِرَ المَكانُ عَوَرًا"، إذا بَدا مِنهُ خَلَلٌ يُخافُ مِنهُ العَدُوُّ، والسارِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "عَوْرَةٌ"، تَخْفِيفَ "عَوِرَةٌ"، اِعْتَذَرُوا أنَّ بُيُوتَهم عُرْضَةٌ لِلْعَدُوِّ والسارِقِ، لِأنَّها غَيْرُ مُحَصَّنَةٍ، فاسْتَأْذَنُوهُ لِيُحَصِّنُوها، ثُمَّ يَرْجِعُوا إلَيْهِ، فَأكْذَبَهُمُ اللهُ بِأنَّهم لا يَخافُونَ ذَلِكَ، وإنَّما يُرِيدُونَ الفِرارَ مِنَ القِتالِ.

33:14Page 419

وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤

And if they had been entered upon from all its [surrounding] regions and fitnah [i.e., disbelief] had been demanded of them, they would have done it and not hesitated over it except briefly.

﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾، اَلْمَدِينَةُ، أوْ بُيُوتُهُمْ، مِن قَوْلِكَ: "دَخَلْتُ عَلى فُلانٍ دارَهُ"،

﴿مِن أقْطارِها﴾، مِن جَوانِبِها، أيْ: ولَوْ دَخَلَتْ هَذِهِ العَساكِرُ المُتَحَزِّبَةُ الَّتِي يَفِرُّونَ خَوْفًا مِنها مَدِينَتَهُمْ، أوْ بُيُوتَهم مِن نَواحِيها كُلِّها، وانْثالَتْ عَلى أهالِيهِمْ وأوْلادِهِمْ، ناهِبِينَ، سابِينَ،

﴿ثُمَّ سُئِلُوا﴾، عِنْدَ ذَلِكَ الفَزَعِ،

﴿الفِتْنَةَ﴾ أيْ: اَلرِّدَّةَ والرَجْعَةَ إلى الكُفْرِ، ومُقاتَلَةَ المُسْلِمِينَ،

﴿لآتَوْها﴾، لَأعْطَوْها، "لَأتَوْها"، بِلا مَدٍّ "حِجازِيٌّ"، أيْ: لَجاءوها وفَعَلُوها،

﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها﴾، بِإجابَتِها،

﴿إلا يَسِيرًا﴾، رَيْثَما يَكُونُ السُؤالُ والجَوابُ، مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ، أوْ "ما لَبِثُوا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ ارْتِدادِهِمْ إلّا يَسِيرًا، فَإنَّ اللهَ يُهْلِكُهُمْ"، والمَعْنى أنَّهم يَتَعَلَّلُونَ بِاعْوِرارِ بُيُوتِهِمْ لِيَفِرُّوا عَنْ نُصْرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وعَنْ مُصافَّةِ الأحْزابِ الَّذِينَ مَلَؤُوهم هَوْلًا ورُعْبًا، هَؤُلاءِ الأحْزابِ كَما هم لَوْ كَبَسُوا عَلَيْهِمْ أرْضَهم ودِيارَهُمْ، وعُرِضَ عَلَيْهِمُ الكُفْرُ، وقِيلَ لَهُمْ: كُونُوا عَلى المُسْلِمِينَ، لَسارَعُوا إلَيْهِ، وما تَعَلَّلُوا بِشَيْءٍ، وما ذَلِكَ إلّا لِمَقْتِهِمُ الإسْلامَ وحُبِّهِمُ الكُفْرَ.

33:15Page 419

وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥

And they had already promised Allāh before not to turn their backs [i.e., flee]. And ever is the promise to Allāh [that about which one will be] questioned.

﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: بَنُو حارِثَةَ، مِن قَبْلِ الخَنْدَقِ، أوْ مِن قَبْلِ نَظَرِهِمْ إلى الأحْزابِ،

﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾، مُنْهَزِمِينَ،

﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُولا﴾، مَطْلُوبًا، مُقْتَضًى حَتّى يُوَفّى بِهِ.

33:16Page 420

قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذٗا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٦

Say, [O Muḥammad], "Never will fleeing benefit you if you should flee from death or killing; and then [if you did], you would not be given enjoyment [of life] except for a little."

(p-٢٣)﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ أيْ: إنْ كانَ حَضَرَ أجَلُكُمْ، لَمْ يَنْفَعْكُمُ الفِرارُ، وإنْ لَمْ يَحْضُرْ وفَرَرْتُمْ، لَمْ تُمَتَّعُوا في الدُنْيا إلّا قَلِيلًا، وهو مُدَّةُ أعْمارِكُمْ، وذَلِكَ قَلِيلٌ، وعَنْ بَعْضِ المَرْوانِيَّةِ أنَّهُ مَرَّ بِحائِطٍ مائِلٍ، فَأسْرَعَ فَتُلِيَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: ذَلِكَ القَلِيلَ نَطْلُبُ.

33:17Page 420

قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧

Say, "Who is it that can protect you from Allāh1 if He intends for you an ill or intends for you a mercy?" And they will not find for themselves besides Allāh any protector or any helper.

﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللهِ﴾ أيْ: مِمّا أرادَ اللهُ إنْزالَهُ بِكُمْ،

﴿إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾، في أنْفُسِكُمْ، مِن قَتْلٍ، أوْ غَيْرِهِ،

﴿أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ أيْ: إطالَةَ عُمُرٍ في عافِيَةٍ وسَلامَةٍ، أيْ: مَن يَمْنَعُ اللهَ مِن أنْ يَرْحَمَكم إنْ أرادَ بِكم رَحْمَةً، لِما في العِصْمَةِ مِن مَعْنى المَنعِ،

﴿وَلا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾، ناصِرًا.

33:18Page 420

۞ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ١٨

Already Allāh knows the hinderers1 among you and those [hypocrites] who say to their brothers, "Come to us,"2 and do not go to battle, except for a few,3

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مَن يُعَوِّقُ عَنْ نُصْرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أيْ: يَمْنَعُ، وهُمُ المُنافِقُونَ،

﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾، في الظاهِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ،

﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ: قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا، ودَعُوا مُحَمَّدًا، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، فَإنَّهم يُسَوُّونَ فِيهِ بَيْنَ الواحِدِ، والجَماعَةِ، وأمّا تَمِيمٌ فَيَقُولُونَ: "هَلُمَّ يا رَجُلُ"، و"هَلُمُّوا يا رِجالُ"، وهو صَوْتٌ سُمِّيَ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، نَحْوَ: "اُحْضُرْ"، و"قَرِّبْ"،

﴿وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ أيْ: اَلْحَرْبَ،

﴿إلا قَلِيلا﴾، إلّا إتْيانًا قَلِيلًا، أيْ: يَحْضُرُونَ ساعَةً رِياءً، يَقِفُونَ قَلِيلًا، مِقْدارَ ما يُرى شُهُودُهُمْ، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ.

33:19Page 420

أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٩

Indisposed1 toward you. And when fear comes, you see them looking at you, their eyes revolving like one being overcome by death. But when fear departs, they lash you with sharp tongues, indisposed toward [any] good. Those have not believed, so Allāh has rendered their deeds worthless, and ever is that, for Allāh, easy.

﴿أشِحَّةً﴾، جَمْعُ شَحِيحٍ، وهو البَخِيلُ، نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَأْتُونَ"، أيْ: يَأْتُونَ الحَرْبَ بُخَلاءَ،

﴿عَلَيْكُمْ﴾، بِالظَفَرِ، والغَنِيمَةِ،

﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ﴾، مِن قِبَلِ العَدُوِّ، أوْ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - ﴿رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾، في تِلْكَ الحالَةِ،

﴿تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾، يَمِينًا، وشِمالًا،

﴿كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾، كَما يَنْظُرُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ مِن مُعالَجَةِ سَكَراتِ المَوْتِ، حَذَرًا، وخَوَرًا، ولِواذًا بِكَ،

﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ﴾، زالَ ذَلِكَ الخَوْفُ، وأمِنُوا، وحِيزَتِ الغَنائِمُ،

﴿سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾، (p-٢٤)خاطَبُوكم مُخاطَبَةً شَدِيدَةً، وآذَوْكم بِالكَلامِ، "خَطِيبٌ مِسْلَقٌ": فَصِيحٌ، و"رَجُلٌ مِسْلاقٌ": مُبالِغٌ في الكَلامِ، أيْ: يَقُولُونَ: وفِّرُوا قِسْمَتَنا فَإنّا قَدْ شاهَدْناكُمْ، وقاتَلْنا مَعَكُمْ، وبِمَكانِنا غَلَبْتُمْ عَدُوَّكُمْ،

﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ أيْ: خاطَبُوكم أشِحَّةً عَلى المالِ، والغَنِيمَةِ، و"أشِحَّةً"، حالٌ مِن فاعِلِ "سَلَقُوكُمْ"،

﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾، في الحَقِيقَةِ، بَلْ بِالألْسِنَةِ،

﴿فَأحْبَطَ اللهُ أعْمالَهُمْ﴾، أبْطَلَ بِإضْمارِهِمُ الكُفْرَ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الأعْمالِ،

﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾، إحْباطُ أعْمالِهِمْ،

﴿عَلى اللهِ يَسِيرًا﴾، هَيِّنًا.

33:20Page 420

يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا ٢٠

They think the companies have not [yet] withdrawn.1 And if the companies should come [again], they would wish they were in the desert among the bedouins, inquiring [from afar] about your news. And if they should be among you, they would not fight except for a little.

﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أيْ: لِجُبْنِهِمْ يَظُنُّونَ أنَّ الأحْزابَ لَمْ يَنْهَزِمُوا، ولَمْ يَنْصَرِفُوا، مَعَ أنَّهم قَدِ انْصَرَفُوا،

﴿وَإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾، كَرَّةً ثانِيَةً،

﴿يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ﴾، "اَلْبادُونَ": جَمُعُ "اَلْبادِي"، أيْ: يَتَمَنّى المُنافِقُونَ لِجُبْنِهِمْ أنَّهم خارِجُونَ مِنَ المَدِينَةِ إلى البادِيَةِ، حاصِلُونَ بَيْنَ الأعْرابِ، لِيَأْمَنُوا عَلى أنْفُسِهِمْ، ويَعْتَزِلُوا مِمّا فِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ القِتالِ،

﴿يَسْألُونَ﴾، كُلَّ قادِمٍ مِنهُمْ، مِن جانِبِ المَدِينَةِ،

﴿عَنْ أنْبائِكُمْ﴾، عَنْ أخْبارِكُمْ، وعَمّا جَرى عَلَيْكُمْ،

﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾، ولَمْ يَرْجِعُوا إلى المَدِينَةِ، وكانَ قِتالٌ،

﴿ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾، رِياءً وسُمْعَةً.

33:21Page 420

لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١

There has certainly been for you in the Messenger of Allāh an excellent pattern1 for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day and [who] remembers Allāh often.

﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ﴾، بِالضَمِّ حَيْثُ كانَ، "عاصِمٌ"، أيْ: قُدْوَةٌ، وهو المُؤْتَسى بِهِ، أيْ: المُقْتَدى بِهِ، كَما تَقُولُ "فِي البَيْضَةِ عِشْرُونَ مَنًّا حَدِيدًا"، أيْ: هي في نَفْسِها هَذا المَبْلَغُ مِنَ الحَدِيدِ، أوْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِن حَقِّها أنْ يُؤْتَسى بِها، حَيْثُ قاتَلَ بِنَفْسِهِ،

﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾، يَخافُ اللهَ، ويَخافُ اليَوْمَ الآخِرَ، أوْ يَأْمُلُ ثَوابَ اللهِ، ونَعِيمَ اليَوْمِ الآخِرِ، قالُوا: "لِمَن"، بَدَلٌ مِن "لَكُمْ"، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ البَدَلُ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، وقِيلَ "لِمَن"، يَتَعَلَّقُ بِـ "حَسَنَةٌ"، أيْ: أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، كائِنَةٌ "لِمَن كانَ..."، (p-٢٥)﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ أيْ: في الخَوْفِ، والرَجاءِ، والشِدَّةِ، والرَخاءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском